ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

من أحياء حلب إلى خرائط النفوذ: كيف انكسر اتّفاق آذار؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ما جرى في حلب لم يكن مجرّد معركة نفوذ، بل كسر لأوّل محاولة سورية جدّية لإنتاج حلّ سياسي غير صفري، وما يُكسر مرّة يمكن أن يُرمّم… لكنّه لا يعود كما كان.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

مثّلت الأحياء الكردية في حلب بذرة الحلّ لاتّفاق العاشر من آذار/ مارس، بين السلطة في دمشق والإدارة الذاتية الكردية، باعتباره أوّل الخطوات التجريبية نحو دمج أوسع لمؤسّسات الإدارة الذاتية في الدولة. 

لكنّ سقوط الأحياء الثلاثة بيد سلطة دمشق بغطاء تركي، في عمليّة عسكرية سريعة، يُحيلنا إلى إعادة تقييم هذا الاتّفاق واحتمالات تطبيقه. 

كنتُ قد جادلت في مقال سابق أن اتّفاق الأوّل من نيسان/ أبريل للأحياء الكردية، هو نواة تجريبية للحلّ بين القطبين الرئيسين في سوريا، وعلى اعتبار أن الحالة القطبية بين الطرفين لها أبعاد إقليمية ودولية أيضاً، فإن احتمالية الصدام مُستبعدة. 

فهل نُسف الاتّفاق بنسف نواته؟ يبقى السؤال قائماً حول أهمّية الحيّين الاستراتيجية، ولماذا الآن؟ وهل يمكن التعويل على إعادة إحياء اتّفاق آذار/ مارس بين عبدي والشرع؟ 

خلفية الصراع وسياق المعركة

الأسبوع الأوّل من العام شهد حدثين يكملان الصورة الممهّدة وسياق المعركة. الأوّل، في الرابع من كانون الثاني/ يناير، عندما اجتمع وفد من “قوّات سوريا الديمقراطية/ قسد”، بوفد من السلطة في طابع عسكري، وجدته “قسد” إيجابياً، متطلّعة إلى استمرار المشاورات بعد أيّام قليلة، بينما نفت السلطة أيّ تقدّم ملحوظ، فيما سرّبت “المونيتور” أن الشيباني قد أنهى ذلك الاجتماع ونسف ما جاء فيه، بسبب عدم الرضا التركي على سير المفاوضات. 

الحدث الثاني كان اجتماع باريس عشية السادس من كانون الثاني/ يناير، الذي أسفر عن التوصّل إلى تفاهمات متقدّمة بين إسرائيل والسلطة، يمكن وصفها ببداية لتطبيع العلاقات، في حضور حقّان فيدان وزير الخارجية التركي. 

لم تمرّ ساعات، حتى أذعن المسؤولون الأتراك بعمليّة سورية في أحياء حلب لإخراج المقاتلين الكُرد، وانتهت بسيطرة سريعة وانتهاكات بشعة مع سقوط مدنيين ونزوح مئات الآلاف، مع حديث متكرّر عن التوجّه إلى تلّ حافر، حيث توجد نقطة استراتيجية أخرى تسيطر عليها “قسد” غرب الفرات- شرق حلب. 

ربما لم تخفِ أنقرة وقوفها واستثمارها في هذه المعركة. غاب الشرع عن واجهة هذا الصراع وتصدّر بعض المسؤولين في حلب والمسؤولين الأتراك لها إعلامياً. أبعد من ذلك، الاتّصال بين الشرع والزعيم الكردي مسعود بارزاني، من أجل مناقشة هذا الملفّ كان لافتاً للانتباه. كما نقلت وسائل إعلام كردستانية عن مقابلة مرتقبة مع الشرع، قبل أن يتمّ تأجيلها “لأسباب تقنية”، في هذه الأثناء نقل “المرصد السوري لحقوق الإنسان” رغبة الشرع في الحديث من خلال الإعلام الكردستاني. 

تقاطعات عدّة يمكن أن تشير إلى قرار أنقرة لهذه المعركة، ورغبتها في إنهاء أيّ وجود كردي في غرب الفرات، بخاصّة في مدينة حلب التي تحضر في الاعتبارات التركية وحزب “العدالة والتنمية” بشكل عالٍ. بمعنى آخر، الحيّان لا يشكلان نقطة استراتيجية عسكرياً، أو مركز تهديد كردي للسلطة أو لتركيا، لكنهما يشكلان رمزية انتصارية في خطاب أردوغان أمام حزبه، وبالتالي حلب خالية من أيّ نفوذ كردي. 

الاستفادة التركية الأهمّ من هذه المعركة هو انهيار اتّفاق نيسان/ أبريل، ولأن هذا الاتّفاق كان نواة لتطبيق اتّفاق آذار/ مارس، فإن تركيا دفعت إلى نسفه. اتّفاق آذار/ مارس في موضع شكّ وعدم رضى بالنسبة إلى تركيا منذ توقيعه، دفعت تركيا إلى تأويل هذا الاتّفاق إلى أقصاه، في تجريد “قسد” من سلاحها وإبعادها من أن تكون شريكاً في السلطة، ومن خلال زيارات وزير خارجيتها ورئيس استخباراتها إلى دمشق، قُبيل أو بعد أيّ جولة مفاوضات ما أسفر عن مماطلة وتسويف. 

لكنّ الرغبات التركية تصطدم بالتسيير الأميركي للمفاوضات، الذي نجح في التقدّم خطوات قليلة، أدركت تركيا أن هذا الاتّفاق يعطي مساحة سياسية واسعة لـ”قسد”، وأنه يشكّل أرضية تشارك في السيادة والمرحلة الانتقالية، وفي غياب موافقة أميركية لعمليّات تركية في شرق الفرات، وجدت تركيا في الأحياء الحلبية فرصة يمكن أن تنسف كامل الاتّفاق، وهذا يفسّر أيضاً دعوة “قسد” للتهدئة. 

ما لم يكن مفهوماً في سياق هذه المعركة، فيما كانت “قسد” على علم بهذه العمليّة، وما جرى الاتّفاق عليه في باريس، واضطرارها للتخلّي عن الحيّين، أم أن المعركة كانت على حين غفلة منها؟ كما أبدت خطاباً دبلوماسيا يتجنّب التصعيد في تصريحات قياداتها (مظلوم عبدي وإلهام أحمد)، على النقيض، دعت “قسد” لتجنّب الحلول العسكرية، ولم تتدخّل عسكرياً أو تشارك في إشعال جبهات أخرى، بل سعت بطرق دبلوماسية لإخراج قوّات الأمن الداخلي (الأسايش) من الأحياء، و”الأسايش” هو جهاز قوّات الشرطة المحلّية التابعة للإدارة الذاتية، لكنّها مؤسّسة منفصلة عن “قسد”، التي تعتبر القوة العسكرية الرسمية، وهذا التفصيل مهمّ لأنه يشي بانهيار اتّفاق نيسان/ أبريل، ولكن يُبقي الباب مفتوحاً أمام اتّفاق آذار/ مارس. 

السؤال الأخلاقي وسؤال المقاومة

رفض بعض المقاتلين الكُرد مسعى قياداتهم لإخراج آمن من أحياء حلب نحو شرق الفرات وقرّروا المقاومة والموت على الاستسلام. رغم الرومانسية اليسارية غير البعيد عن أيديولوجيا هؤلاء المقاتلين، فإنه فتح أسئلة أخلاقية أمام السوريين عن المقاومة وجدواها، وعن أحقّية الدولة في بسط سيطرتها عن طريق الحلّ العسكري. 

مشهد الحافلات التي أقلّت المقاتلين وعائلاتهم ومشاهد أخرى، أعادت إلى الأذهان حصار الغوطة الشرقية في دمشق في ذروة حرب نظام الأسد على الأحياء الثائرة. كانت حينها تردّ المعارضة بقذائف طائشة على الأحياء المدنية في دمشق، واتّخذها نظام الأسد حجّة للقصف والاستباحة. 

في هذا السياق أصبحت انتهاكات “قسد” في حلب، أو خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، أرضية للنظر إلى الطرفين بميزان متساوٍ، وغفلت هذه الآراء مصير مئات الآلاف من المدنيين المعرّضين لمجازر مشابهة لمجازر السويداء والساحل السوري. 

أغفل الكثيرون الصورة العامّة في هذا الصراع. صورة صراع قطبين في المعادلة السورية وصلا إلى سوريا خالية من الأسد، من سلطات أمر واقع، لكلّ منهما مشروعه في الحوكمة وتاريخ في الانتهاكات. يدّعي طرف مشروعيتها في التحكّم بالسلطة وأنسى السوريين مشروع الديمقراطية، ولا يرغب في طرح قانون أحزاب أو تشكيل دستور يمثّل جميع الأطياف السورية، ويُعيد تدوير منظومة فساد نظام الأسد. 

إذا كان هناك إيمان بأن يتمّ تطبيق اتّفاق آذار/ مارس بين الطرفين، من الواجب حينها الحفاظ على مشروعية الطرف المفاوض وعدم التوجّه إلى شيطنته. لأن في شيطنة “قسد” نسف للمفاوضات وإعطاء مشروعية للحرب، لذلك شكر “هيئة تحرير الشام” على إسقاط الأسد، وتذكّر الكثيرون جرائم “قسد” وانتهاكاتها (وهي كثيرة ولا رغبة في إنكارها)، من الواجب تذكّر بعض إنجازاتها. مشروع الإدارة الذاتية الذي يتبنّى الديمقراطية، وحقوق النساء، وحافظ على نسبة معقولة جدّاً من السلم الأهلي في منطقة متعدّدة الإثنيات، توقّع لها المراقبون في عام ٢٠١١ نشوب حروب عبثية بين كُردها وعربها، منطقة تحمل إرث عقود من صراع قومي عمّقتها حرب العراق. حافظت الإدارة الذاتية على قرى “الغمر” التي استوطنها نظام الأسد، وكانت يمكن أن تكون عرضة لانتقامات وتهجير خلال الحرب. 

فالمسألة إذاً لا تتعلّق بانحياز طائفي أو فئوي، إنما هي نذير بإنهاء أيّ حالة سياسية ممكنة في سوريا. الإدارة الذاتية المشروع الوحيد الذي يطرح نفسه باعتباره مشروعاً سياسياً يطالب ببناء عقد اجتماعي جديد، ويطلب أن يشمل هذا العقد جميع الشعوب السورية وحقوقها السياسية أو الثقافية، علاوةً على الديمقراطية. 

إن صكّ هذه المطالب في الدستور القادم، ضرورة مصيرية بالنسبة إلى السوريين في بحثهم عن العدالة، حتى وإن لم تطبّق الإدارة الذاتية هذه المبادئ في مناطقها، إلا أن السوريين أكثر من يعلم أن لا سلطة أبدية، والقوانين هي التي ستبقى. 

خلال عام من وصول السلطة الجديدة، أنهت جميع الأحزاب ودعتها إلى حلّ نفسها، ولم تنشئ قانون أحزاب أو برلماناً يسمح بممارسة العمل السياسي، كما أنها لم تعترف بالأجسام السياسية السورية المعارضة للأسد، وبالتالي فإن القضاء على مشروع الإدارة الذاتية سيُنهي آمال السوريين في ممارسة السياسة، وأيّ أمل في صنع موازنة في المعادلة السورية. 

اتّفاق باريس أبرزَ مناطق النفوذ بشكل أكبر، حيث استسلمت السلطة للنفوذ الإسرائيلي في الجنوب مع رعاية أميركية، وأعلنت تركيا سطوتها في الشمال الغربي، بينما يبقى شرق الفرات تحت النفوذ الأميركي، ورغم استبعاد عمليّة عسكرية مفتوحة على شرق الفرات في ظلّ المعطيات الحالية، ووجود عمليّة سلام جارية في تركيا مع الكُرد، فإن معركة شبيهة بمعركة الشيخ مقصود في تلّ حافر تنهي وجود “قسد” في شرق حلب واردة، بخاصّة أنها منطقة تواصل استراتيجية عسكرياً، لكن يبقى السؤال حول مصير اتّفاق آذار/ مارس. 

مع تراجع الثقة المهزوزة أصلاً بين الطرفين، لا يمكن التوقّع بأن “قسد” ستكون أكثر ليناً في المفاوضات المقبلة، كما ارتفع منسوب الالتفاف الكردي الشعبي حولها، باعتبارها القوّة العسكرية التي تحميها من الإبادة وتعبّر عن غضبها، ليس بوصفها الحلم السياسي المنشود، كما تجلّى الغضب الكردي من خلال مطالب بالخلاص من الكيان السوري دون رجعة، وبين أصوات مدنية ومثقّفة تطالب الإدارة الذاتية في بيانات عدّة، بالمراجعة والنقد الذاتي للشعور بوجود فشل استراتيجي في إدارة ملفّ الأحياء الحلبية الثلاثة، وحمايتها. 

لا يمكن التيقّن بمجريات الأحداث في المنطقة، في ظلّ تشابك ملفّات عديدة من غزّة إلى لبنان وصولاً إلى إيران، لكن إذا صدقت الرغبة الأميركية في خفض التصعيد، فإن إعادة إحياء اتّفاق آذار/ مارس سيكون مساراً صعباً. 

سيتطلّب ذلك إعادة صياغته وتطبيقه على كامل المناطق السورية، في إطار لا مركزية حتمية بديلها الحرب الشاملة، وربما محاولة تركيا نسف الاتّفاق من خلال معركة حلب تكون نتائجه عكسية. ما جرى في حلب لم يكن مجرّد معركة نفوذ، بل كسر لأوّل محاولة سورية جدّية لإنتاج حلّ سياسي غير صفري، وما يُكسر مرّة يمكن أن يُرمّم… لكنّه لا يعود كما كان.

هلا نهاد نصرالدين - صحافية لبنانية | 17.07.2026

صفقة أسهم بقيمة 79 مليون يورو تربط بنك IBL اللبناني بتاجر مخدرات إيطالي!

في دولة لا تزال محاكمها تتعثر في ملاحقة ومحاسبة كبار المتورطين في الانهيار المالي، يطرح ملف بنك IBL وسواه من الملفات التي يكشفها القضاء الأجنبي سؤالاً أعمق: هل يملك لبنان فعلاً القدرة والإرادة لمحاسبة أي طرف مصرفي يثبت، أمام القضاء، أنه سهّل، عن علم أو عن تقصير جسيم، مرور أموال منظمات الجريمة الدولية عبر النظام…
14.01.2026
زمن القراءة: 7 minutes

ما جرى في حلب لم يكن مجرّد معركة نفوذ، بل كسر لأوّل محاولة سورية جدّية لإنتاج حلّ سياسي غير صفري، وما يُكسر مرّة يمكن أن يُرمّم… لكنّه لا يعود كما كان.

مثّلت الأحياء الكردية في حلب بذرة الحلّ لاتّفاق العاشر من آذار/ مارس، بين السلطة في دمشق والإدارة الذاتية الكردية، باعتباره أوّل الخطوات التجريبية نحو دمج أوسع لمؤسّسات الإدارة الذاتية في الدولة. 

لكنّ سقوط الأحياء الثلاثة بيد سلطة دمشق بغطاء تركي، في عمليّة عسكرية سريعة، يُحيلنا إلى إعادة تقييم هذا الاتّفاق واحتمالات تطبيقه. 

كنتُ قد جادلت في مقال سابق أن اتّفاق الأوّل من نيسان/ أبريل للأحياء الكردية، هو نواة تجريبية للحلّ بين القطبين الرئيسين في سوريا، وعلى اعتبار أن الحالة القطبية بين الطرفين لها أبعاد إقليمية ودولية أيضاً، فإن احتمالية الصدام مُستبعدة. 

فهل نُسف الاتّفاق بنسف نواته؟ يبقى السؤال قائماً حول أهمّية الحيّين الاستراتيجية، ولماذا الآن؟ وهل يمكن التعويل على إعادة إحياء اتّفاق آذار/ مارس بين عبدي والشرع؟ 

خلفية الصراع وسياق المعركة

الأسبوع الأوّل من العام شهد حدثين يكملان الصورة الممهّدة وسياق المعركة. الأوّل، في الرابع من كانون الثاني/ يناير، عندما اجتمع وفد من “قوّات سوريا الديمقراطية/ قسد”، بوفد من السلطة في طابع عسكري، وجدته “قسد” إيجابياً، متطلّعة إلى استمرار المشاورات بعد أيّام قليلة، بينما نفت السلطة أيّ تقدّم ملحوظ، فيما سرّبت “المونيتور” أن الشيباني قد أنهى ذلك الاجتماع ونسف ما جاء فيه، بسبب عدم الرضا التركي على سير المفاوضات. 

الحدث الثاني كان اجتماع باريس عشية السادس من كانون الثاني/ يناير، الذي أسفر عن التوصّل إلى تفاهمات متقدّمة بين إسرائيل والسلطة، يمكن وصفها ببداية لتطبيع العلاقات، في حضور حقّان فيدان وزير الخارجية التركي. 

لم تمرّ ساعات، حتى أذعن المسؤولون الأتراك بعمليّة سورية في أحياء حلب لإخراج المقاتلين الكُرد، وانتهت بسيطرة سريعة وانتهاكات بشعة مع سقوط مدنيين ونزوح مئات الآلاف، مع حديث متكرّر عن التوجّه إلى تلّ حافر، حيث توجد نقطة استراتيجية أخرى تسيطر عليها “قسد” غرب الفرات- شرق حلب. 

ربما لم تخفِ أنقرة وقوفها واستثمارها في هذه المعركة. غاب الشرع عن واجهة هذا الصراع وتصدّر بعض المسؤولين في حلب والمسؤولين الأتراك لها إعلامياً. أبعد من ذلك، الاتّصال بين الشرع والزعيم الكردي مسعود بارزاني، من أجل مناقشة هذا الملفّ كان لافتاً للانتباه. كما نقلت وسائل إعلام كردستانية عن مقابلة مرتقبة مع الشرع، قبل أن يتمّ تأجيلها “لأسباب تقنية”، في هذه الأثناء نقل “المرصد السوري لحقوق الإنسان” رغبة الشرع في الحديث من خلال الإعلام الكردستاني. 

تقاطعات عدّة يمكن أن تشير إلى قرار أنقرة لهذه المعركة، ورغبتها في إنهاء أيّ وجود كردي في غرب الفرات، بخاصّة في مدينة حلب التي تحضر في الاعتبارات التركية وحزب “العدالة والتنمية” بشكل عالٍ. بمعنى آخر، الحيّان لا يشكلان نقطة استراتيجية عسكرياً، أو مركز تهديد كردي للسلطة أو لتركيا، لكنهما يشكلان رمزية انتصارية في خطاب أردوغان أمام حزبه، وبالتالي حلب خالية من أيّ نفوذ كردي. 

الاستفادة التركية الأهمّ من هذه المعركة هو انهيار اتّفاق نيسان/ أبريل، ولأن هذا الاتّفاق كان نواة لتطبيق اتّفاق آذار/ مارس، فإن تركيا دفعت إلى نسفه. اتّفاق آذار/ مارس في موضع شكّ وعدم رضى بالنسبة إلى تركيا منذ توقيعه، دفعت تركيا إلى تأويل هذا الاتّفاق إلى أقصاه، في تجريد “قسد” من سلاحها وإبعادها من أن تكون شريكاً في السلطة، ومن خلال زيارات وزير خارجيتها ورئيس استخباراتها إلى دمشق، قُبيل أو بعد أيّ جولة مفاوضات ما أسفر عن مماطلة وتسويف. 

لكنّ الرغبات التركية تصطدم بالتسيير الأميركي للمفاوضات، الذي نجح في التقدّم خطوات قليلة، أدركت تركيا أن هذا الاتّفاق يعطي مساحة سياسية واسعة لـ”قسد”، وأنه يشكّل أرضية تشارك في السيادة والمرحلة الانتقالية، وفي غياب موافقة أميركية لعمليّات تركية في شرق الفرات، وجدت تركيا في الأحياء الحلبية فرصة يمكن أن تنسف كامل الاتّفاق، وهذا يفسّر أيضاً دعوة “قسد” للتهدئة. 

ما لم يكن مفهوماً في سياق هذه المعركة، فيما كانت “قسد” على علم بهذه العمليّة، وما جرى الاتّفاق عليه في باريس، واضطرارها للتخلّي عن الحيّين، أم أن المعركة كانت على حين غفلة منها؟ كما أبدت خطاباً دبلوماسيا يتجنّب التصعيد في تصريحات قياداتها (مظلوم عبدي وإلهام أحمد)، على النقيض، دعت “قسد” لتجنّب الحلول العسكرية، ولم تتدخّل عسكرياً أو تشارك في إشعال جبهات أخرى، بل سعت بطرق دبلوماسية لإخراج قوّات الأمن الداخلي (الأسايش) من الأحياء، و”الأسايش” هو جهاز قوّات الشرطة المحلّية التابعة للإدارة الذاتية، لكنّها مؤسّسة منفصلة عن “قسد”، التي تعتبر القوة العسكرية الرسمية، وهذا التفصيل مهمّ لأنه يشي بانهيار اتّفاق نيسان/ أبريل، ولكن يُبقي الباب مفتوحاً أمام اتّفاق آذار/ مارس. 

السؤال الأخلاقي وسؤال المقاومة

رفض بعض المقاتلين الكُرد مسعى قياداتهم لإخراج آمن من أحياء حلب نحو شرق الفرات وقرّروا المقاومة والموت على الاستسلام. رغم الرومانسية اليسارية غير البعيد عن أيديولوجيا هؤلاء المقاتلين، فإنه فتح أسئلة أخلاقية أمام السوريين عن المقاومة وجدواها، وعن أحقّية الدولة في بسط سيطرتها عن طريق الحلّ العسكري. 

مشهد الحافلات التي أقلّت المقاتلين وعائلاتهم ومشاهد أخرى، أعادت إلى الأذهان حصار الغوطة الشرقية في دمشق في ذروة حرب نظام الأسد على الأحياء الثائرة. كانت حينها تردّ المعارضة بقذائف طائشة على الأحياء المدنية في دمشق، واتّخذها نظام الأسد حجّة للقصف والاستباحة. 

في هذا السياق أصبحت انتهاكات “قسد” في حلب، أو خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، أرضية للنظر إلى الطرفين بميزان متساوٍ، وغفلت هذه الآراء مصير مئات الآلاف من المدنيين المعرّضين لمجازر مشابهة لمجازر السويداء والساحل السوري. 

أغفل الكثيرون الصورة العامّة في هذا الصراع. صورة صراع قطبين في المعادلة السورية وصلا إلى سوريا خالية من الأسد، من سلطات أمر واقع، لكلّ منهما مشروعه في الحوكمة وتاريخ في الانتهاكات. يدّعي طرف مشروعيتها في التحكّم بالسلطة وأنسى السوريين مشروع الديمقراطية، ولا يرغب في طرح قانون أحزاب أو تشكيل دستور يمثّل جميع الأطياف السورية، ويُعيد تدوير منظومة فساد نظام الأسد. 

إذا كان هناك إيمان بأن يتمّ تطبيق اتّفاق آذار/ مارس بين الطرفين، من الواجب حينها الحفاظ على مشروعية الطرف المفاوض وعدم التوجّه إلى شيطنته. لأن في شيطنة “قسد” نسف للمفاوضات وإعطاء مشروعية للحرب، لذلك شكر “هيئة تحرير الشام” على إسقاط الأسد، وتذكّر الكثيرون جرائم “قسد” وانتهاكاتها (وهي كثيرة ولا رغبة في إنكارها)، من الواجب تذكّر بعض إنجازاتها. مشروع الإدارة الذاتية الذي يتبنّى الديمقراطية، وحقوق النساء، وحافظ على نسبة معقولة جدّاً من السلم الأهلي في منطقة متعدّدة الإثنيات، توقّع لها المراقبون في عام ٢٠١١ نشوب حروب عبثية بين كُردها وعربها، منطقة تحمل إرث عقود من صراع قومي عمّقتها حرب العراق. حافظت الإدارة الذاتية على قرى “الغمر” التي استوطنها نظام الأسد، وكانت يمكن أن تكون عرضة لانتقامات وتهجير خلال الحرب. 

فالمسألة إذاً لا تتعلّق بانحياز طائفي أو فئوي، إنما هي نذير بإنهاء أيّ حالة سياسية ممكنة في سوريا. الإدارة الذاتية المشروع الوحيد الذي يطرح نفسه باعتباره مشروعاً سياسياً يطالب ببناء عقد اجتماعي جديد، ويطلب أن يشمل هذا العقد جميع الشعوب السورية وحقوقها السياسية أو الثقافية، علاوةً على الديمقراطية. 

إن صكّ هذه المطالب في الدستور القادم، ضرورة مصيرية بالنسبة إلى السوريين في بحثهم عن العدالة، حتى وإن لم تطبّق الإدارة الذاتية هذه المبادئ في مناطقها، إلا أن السوريين أكثر من يعلم أن لا سلطة أبدية، والقوانين هي التي ستبقى. 

خلال عام من وصول السلطة الجديدة، أنهت جميع الأحزاب ودعتها إلى حلّ نفسها، ولم تنشئ قانون أحزاب أو برلماناً يسمح بممارسة العمل السياسي، كما أنها لم تعترف بالأجسام السياسية السورية المعارضة للأسد، وبالتالي فإن القضاء على مشروع الإدارة الذاتية سيُنهي آمال السوريين في ممارسة السياسة، وأيّ أمل في صنع موازنة في المعادلة السورية. 

اتّفاق باريس أبرزَ مناطق النفوذ بشكل أكبر، حيث استسلمت السلطة للنفوذ الإسرائيلي في الجنوب مع رعاية أميركية، وأعلنت تركيا سطوتها في الشمال الغربي، بينما يبقى شرق الفرات تحت النفوذ الأميركي، ورغم استبعاد عمليّة عسكرية مفتوحة على شرق الفرات في ظلّ المعطيات الحالية، ووجود عمليّة سلام جارية في تركيا مع الكُرد، فإن معركة شبيهة بمعركة الشيخ مقصود في تلّ حافر تنهي وجود “قسد” في شرق حلب واردة، بخاصّة أنها منطقة تواصل استراتيجية عسكرياً، لكن يبقى السؤال حول مصير اتّفاق آذار/ مارس. 

مع تراجع الثقة المهزوزة أصلاً بين الطرفين، لا يمكن التوقّع بأن “قسد” ستكون أكثر ليناً في المفاوضات المقبلة، كما ارتفع منسوب الالتفاف الكردي الشعبي حولها، باعتبارها القوّة العسكرية التي تحميها من الإبادة وتعبّر عن غضبها، ليس بوصفها الحلم السياسي المنشود، كما تجلّى الغضب الكردي من خلال مطالب بالخلاص من الكيان السوري دون رجعة، وبين أصوات مدنية ومثقّفة تطالب الإدارة الذاتية في بيانات عدّة، بالمراجعة والنقد الذاتي للشعور بوجود فشل استراتيجي في إدارة ملفّ الأحياء الحلبية الثلاثة، وحمايتها. 

لا يمكن التيقّن بمجريات الأحداث في المنطقة، في ظلّ تشابك ملفّات عديدة من غزّة إلى لبنان وصولاً إلى إيران، لكن إذا صدقت الرغبة الأميركية في خفض التصعيد، فإن إعادة إحياء اتّفاق آذار/ مارس سيكون مساراً صعباً. 

سيتطلّب ذلك إعادة صياغته وتطبيقه على كامل المناطق السورية، في إطار لا مركزية حتمية بديلها الحرب الشاملة، وربما محاولة تركيا نسف الاتّفاق من خلال معركة حلب تكون نتائجه عكسية. ما جرى في حلب لم يكن مجرّد معركة نفوذ، بل كسر لأوّل محاولة سورية جدّية لإنتاج حلّ سياسي غير صفري، وما يُكسر مرّة يمكن أن يُرمّم… لكنّه لا يعود كما كان.

14.01.2026
زمن القراءة: 7 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية