في 13 أيلول/ سبتمبر، استيقظ عدد من الناشطين وأفراد الميم-عين في تركيا على مداهمات لمنازلهم ومقار جمعياتهم. امتدت العمليات إلى محافظات عدة وطاولت جمعيات وأماكن تجارية واجتماعية وحسابات ومواقع إلكترونية. وبحسب رويترز، أوقفت السلطات 47 شخصاً على الأقل، فيما قالت وزارة العدل إن الإطار الأوسع للتحقيقات يشمل 162 “مشتبهاً بهم” و9 جمعيات و13 مؤسسة تجارية في 15 محافظة. وفي أنقرة وحدها أوقف 21 شخصاً ضمن تحقيق متعلق بجمعية Kaos GL، إحدى أبرز منظمات حقوق الميم-عين في البلاد.
قدمت السلطات العمليات تحت عنوان “عائلتي بأمان” وربطتها رسمياً بحماية الأطفال و”مؤسسة العائلة”، فيما أصبحت العائلة والسكان محور مشروع سياسي أوسع للرئيس رجب طيب أردوغان.
لذلك يصعب قراءة الثالث عشر من أيلول باعتباره مجرد حلقة أمنية منفصلة. فهو يأتي في لحظة تحاول فيها الدولة إعادة صياغة علاقتها بالزواج والإنجاب والجندر ومستقبل السكان ضمن مشروع يمتد إلى عشر سنوات كاملة.
10 سنوات لإعادة رسم العائلة
بعد إعلان 2025 “عام العائلة”، قررت الحكومة التركية نقل المشروع إلى مستوى أكثر مؤسساتية. ففي الثاني من أيار/ مايو 2026، دخلت حيّز التنفيذ وثيقة “عقد العائلة والسكان 2026–2035” بموجب التعميم الرئاسي رقم 2026/4، لتصبح إطاراً يمتد الى عشر سنوات لتوجيه السياسات المتعلقة بالعائلة والسكان.
وتحدّد الوثيقة خمس أولويات استراتيجية: حماية مؤسسة العائلة والأجيال، وتشجيع الزواج، وزيادة معدل الخصوبة، وتنشئة الشباب وضمان رفاه كبار السن، والتنمية الريفية وتحقيق توزيع سكاني أكثر توازناً. لكن ما يجعل المشروع أكبر من برنامج اجتماعي لزيادة الولادات هو أدوات تنفيذه الخمس: بناء القدرات المؤسساتية، والتشريع، والبيانات، والاتصال، والدبلوماسية.
بهذا المعنى، لا تريد الحكومة فقط منح مساعدات لمن ينجبون أطفالاً، بل إدخال منظور “العائلة والسكان” إلى مؤسسات الدولة وإنتاج البيانات والتشريعات والخطاب العام والعلاقات الخارجية. وقد أعلنت بالفعل تطوير آليات لمراقبة التغيرات في بنية العائلة والسكان وتحليل أسبابها وتحويل المعرفة الديموغرافية إلى سياسات عامة.
في خلفية هذا المشروع، يأتي انخفاض معدل الخصوبة في تركيا إلى نحو 1.42 طفل لكل امرأة. وهذا تحول يستحق اهتمام السياسة العامة، لكنه لا يشكل بالضرورة تهديداً وجودياً، كما وصفه أردوغان نفسه. فشيخوخة السكان، وتغير سوق العمل، والضغوط التي تواجه أنظمة الرعاية والتقاعد، كلها تحديات يمكن التعامل معها من خلال مجموعة من الأدوات، بينها رفع الإنتاجية، والهجرة، والتكنولوجيا، وإصلاح أنظمة الرعاية، إضافة إلى مساعدة الأشخاص الذين يريدون الإنجاب على تحقيق ذلك.
لذلك فإن المسألة الأكثر إثارة للاهتمام ليست أن تركيا تريد رفع الخصوبة، بل إن سياسة السكان أصبحت مرتبطة تدريجياً بتصوّر سياسي وأخلاقي للعائلة والجندر والجنس.
بإمكان الدولة أن تدعم العائلة من دون أن تحدد شكلاً واحداً للحياة المقبولة. فالحضانات العامة، وإجازات الأمومة والأبوة، والسكن الميسر، ودعم الأطفال والحماية المهنية للأهل… كلها أدوات تستطيع تخفيف كلفة الإنجاب الاقتصادية والاجتماعية.
لكن السياسة السكانية تتغير عندما تنتقل من إزالة العوائق أمام تكوين العائلة إلى تعريف النموذج الاجتماعي الذي تعتبره الدولة ضرورياً لمستقبل السكان. عندها يمكن أن يتحول انخفاض الخصوبة من مسألة مرتبطة بالاقتصاد والعمل والسكن إلى سردية عن “تراجع العائلة”، وأن يصبح أفراد الميم-عين رموزاً لهذا التراجع على رغم عدم وجود أساس ديموغرافي جدي يجعل حقوقهم سبباً في عدد الأطفال الذين ينجبهم الأزواج المغايرون.
ولهذه النقلة تاريخ أطول بكثير من تركيا المعاصرة.
حين أرادت دول القرن العشرين إدارة الرحم والجنس معاً
في ثلاثينات القرن العشرين، تعامل نظامان متناقضان أيديولوجياً، ألمانيا النازية والاتحاد السوفياتي الستاليني، مع السكان باعتبارهم مورداً استراتيجياً للدولة. ولا تعني المقارنة مساواة النظامين ببعضهما أو بتركيا اليوم، فالنازية كانت مشروعاً عنصرياً وإبادياً ذا طبيعة خاصة. لكن التجربتين تكشفان كيف يمكن للقلق حول السكان أن يوسع تدخل السلطة في الزواج والإنجاب والجنس.
في ألمانيا، أطلق النازيون بعد عام 1933 حوافز واسعة للزواج والإنجاب. وقدمت الدولة قروض زواج تصل إلى ألف رايخ مارك، مع إعفاء من ربع الدين تقريباً عند ولادة كل طفل، بحيث كان أربعة أطفال قادرون عملياً على إلغاء القرض. إلا أن السياسة لم تتوقف عند تشجيع الولادات، بل أصبحت جزءاً من مشروع عنصري يحدد من تعتبرهم الدولة جديرين بالإنجاب، بالتوازي مع التعقيم القسري لمن صنّفتهم “غير صالحين وراثياً”.
وفي المجال الجنسي، اشتدّ اضطهاد الرجال المثليين بصورة هائلة بعد توسيع تطبيق المادة 175 من القانون الجنائي عام 1935. اعتقل عشرات الآلاف من الرجال بتهم مرتبطة بالمثلية، وأُرسل آلاف منهم إلى معسكرات الاعتقال، حيث وُسم كثيرون بالمثلث الوردي وتعرضوا للعمل القسري والعنف والموت.
لم يكن اضطهاد المثليين مجرد تفصيل جانبي في النظام، فقد ارتبط أيضاً بتصور نازي عن الرجولة والتكاثر وواجب الرجال “الآريين” تجاه مستقبل الشعب.
أما الاتحاد السوفياتي، الذي كان قد اتخذ بعد الثورة مواقف أكثر تحرراً في بعض مسائل الزواج والطلاق والإنجاب، فقد شهد بدوره انقلاباً محافظاً في الثلاثينات. أعيد تجريم العلاقات الجنسية بين الرجال عام 1934، ثم فرضت الدولة عام 1936 قيوداً واسعة على الإجهاض وشجعت الأمومة والعائلات الكبيرة. وتعرض الرجال المثليون للملاحقة والسجن، فيما أصبح الخطاب الرسمي أكثر عدائية تجاه المثلية، ورُبطت أحياناً بالانحطاط والفاشية.
كانت الأهداف والأيديولوجيات ودرجات العنف مختلفة جذرياً، لكنْ ثمة تقاطع يستحق الانتباه: في اللحظة نفسها تقريباً التي أعادت فيها الدولتان تنظيم الإنجاب والعائلة، أعادتا أيضاً تنظيم الحدود المقبولة للجنس.
تقدم التجربة النازية كذلك تحذيراً من المبالغة في قدرة الدولة على صناعة الخصوبة. فقد وجدت دراسة اقتصادية حديثة حول قروض الزواج النازية أن الضغط الذي شجع بعض الشباب على الزواج المبكر أدى أيضاً إلى زيجات أكثر هشاشة، وأن السياسة خلفت لدى بعض الفئات آثاراً سلبية طويلة الأمد على الخصوبة الزوجية. تستطيع الدولة تغيير الحوافز بسرعة أكبر بكثير مما تستطيع التحكم في النتائج الاجتماعية التي تنتج منها.
إيران: حين لا يصنع القمع مزيداً من الأطفال
إذا كان الاعتراف بالتنوع الجنسي والجندري أو الابتعاد عن النموذج التقليدي للعائلة سبباً رئيسياً لانخفاض الخصوبة، فمن المفترض أن تكون المجتمعات التي تقمع هذه التحولات أكثر قدرة على الحفاظ على معدلات مرتفعة من الإنجاب. وهنا تقدم إيران حالة شديدة الأهمية.
فالعلاقات الجنسية المثلية بالتراضي ما زالت مجرّمة في القانون الإيراني، ويمكن أن تتراوح العقوبات، بحسب الفعل والظروف القانونية، من الجلد إلى الإعدام. ولا تعترف الدولة بزواج المثليين، فيما يواجه أفراد الميم-عين تمييزاً واضطهاداً قانونياً واجتماعياً واسعاً.
ومع ذلك، لم يمنع ذلك إيران من تسجيل واحد من أكبر التحولات في الخصوبة في المنطقة. فبعدما كانت المرأة الإيرانية تنجب أكثر من ستة أطفال في المتوسط خلال ثمانينات القرن الماضي، تشير تقديرات 2025 إلى معدل يدور حول 1.35 طفل لكل امرأة.
وتصبح المفارقة أوضح عند وضع هذا الرقم بجانب أوروبا. ففي الاتحاد الأوروبي بلغ متوسط الخصوبة 1.34 في 2024، لكن الاختلافات بين الدول واسعة. وسجلت فرنسا نحو 1.61 وبلغاريا نحو 1.72، في حين بلغ المعدل 1.10 في إسبانيا و 1.01 في مالطا. وفرنسا، على سبيل المثال، تشرّع زواج المثليين منذ 2013، ومع ذلك كان معدل خصوبتها أعلى من التقدير الإيراني لعام 2025.
هذه المقارنة لا تثبت أن زواج المثليين يرفع الخصوبة، تماماً كما لا يمكن القول إن قمع المثلية يخفضها. أهميتها تكمن في غياب العلاقة البسيطة أصلاً. فهناك دول تعترف بزواج المثليين وتسجل خصوبة أعلى من إيران، وأخرى تسجل معدلات أدنى، بينما وصلت إيران، على رغم قمعها القانوني الشديد للمثلية، إلى معدل منخفض جداً.
وحصل التحول الإيراني من دون تحرير قانوني للعلاقات المثلية. لذلك فإن تفسيره يتطلب النظر إلى التحضر والتعليم وتغير سوق العمل وكلفة السكن وتربية الأطفال وعدم اليقين الاقتصادي وتأخر الزواج وتغير تطلعات الأسر، بدلاً من البحث عن تفسير في حقوق فئة صغيرة من السكان.
يمكن للدولة أن تمنع زواج رجل من رجل، لكنها لا تستطيع من خلال هذا المنع أن تجعل رجلاً وامرأة يقرران إنجاب طفل ثالث.
المشكلة في كلفة الحياة، لا في شكل حياة الآخرين
تبدو تحولات الخصوبة أقل غموضاً عندما ننظر إليها من خلال علم السكان بدلاً من الحرب الثقافية. فالتحضر، والتعليم، وتأخر الاستقلال الاقتصادي والزواج، وكلفة السكن ورعاية الأطفال، وتحولات سوق العمل، وتغير تطلعات النساء والرجال… كلها تدخل في القرارات الإنجابية.
ومن المفيد هنا مفهوم “فجوة الخصوبة”، أي الفرق الذي قد يظهر بين عدد الأطفال الذين يرغب الأفراد في إنجابهم والعدد الذي يستطيعون إنجابه فعلياً. فإذا أراد زوجان طفلاً إضافياً لكن كلفة الحضانة أو السكن أو هشاشة العمل منعتهما من ذلك، تكون الدولة أمام مساحة حقيقية للتدخل.
يمكنها أن توسع الحضانات، وتوفر إجازات أمومة وأبوة مدفوعة، وتحسن سياسات السكن، وتقدم دعماً للأطفال، وتحمي الأهل في سوق العمل. وهذه كلها سياسات عائلية أكثر ارتباطاً بقرار الإنجاب من التضييق على أشخاص لا يعيشون أصلاً ضمن النموذج العائلي المغاير.
“دبلوماسية العائلة”: أردوغان يأخذ المعركة إلى الخارج
الجانب الأكثر طموحاً في استراتيجية 2026–2035 ربما يكون أن المشروع لا يتوقف عند الحدود التركية. فالوثيقة تجعل الدبلوماسية واحدة من أدوات تنفيذها الخمس، وتدعو إلى تعزيز حضور السياسات المرتبطة بالعائلة والسكان داخل الأطر الدولية، وإلى التنسيق مع الدول التي تتبنى مواقف متقاربة.
وقد بدأت تركيا بالفعل بناء ما تسميه “دبلوماسية العائلة”. فانضمت إلى مجموعة أصدقاء العائلة في الأمم المتحدة، ونظمت فعاليات على هامش الجمعية العامة، وعملت داخل منظمة التعاون الإسلامي على إدخال العائلة والسكان ضمن أولويات العمل المشترك، كما دفعت باتجاه إعلان الفترة 2026–2035 “عقداً للعائلة والسكان” داخل المنظمة. وطرحت كذلك إنشاء مركز متخصص بالعائلة والسكان، مرتبط بمنظمة التعاون الإسلامي ومقره تركيا، بالتوازي مع إدخال السياسة الاجتماعية والعائلية بصورة أكبر في التعاون داخل منظمة الدول التركية.
وهذا يجعل المشروع أكثر من مجرد برنامج تركي لرفع عدد المواليد. فـ”دبلوماسية العائلة” تستطيع أن تتحول إلى شبكة سياسية دولية تتفاوض حول تعريف العائلة والجندر والصحة الجنسية والإنجابية والتربية الجنسية وحقوق أفراد الميم-عين داخل المؤسسات الدولية.
وهنا تصبح استراتيجية أردوغان جزءاً من صراع أوسع حول اللغة والمعايير الدولية: ليس فقط عدد الأطفال الذين ستنجبهم تركيا، بل أي تعريف للعائلة سيحصل على الشرعية السياسية، وأي تصور للجندر والجنس ستدافع عنه مجموعة من الدول بصورة مشتركة.
العائلة لا تحتاج إلى عدو كي تبقى
ليس الاعتراض على المشروع التركي اعتراضاً على العائلة أو على حق الدولة في تطوير سياسة سكانية. تستطيع الدولة أن تساعد الشباب على الزواج، وأن تدعم الأطفال والأمومة والأبوة، وأن تخفض كلفة السكن والرعاية، وأن تتكيف مع تغير بنيتها العمرية. كما يمكن التعامل مع الخصوبة المنخفضة باعتبارها تحولاً ديموغرافياً يحتاج إلى إدارة، من دون تحويله إلى حالة طوارئ أخلاقية.
المشكلة تبدأ عندما يتحول دعم العائلة إلى حماية نموذج واحد للعائلة، وحين تصبح الأجساد والعلاقات التي تقع خارجه جزءاً من تفسير أزمة لا تسببها.
وهنا تعيدنا استراتيجية 2026–2035 إلى الثالث عشر من أيلول. ففيما تستخدم الدولة التشريع والاتصال والدبلوماسية لترسيخ رؤيتها للعائلة، تظهر “حماية العائلة” أيضاً في اللغة المستخدمة لتبرير حملة واسعة ضد أفراد ومنظمات من الميم-عين.
التاريخ لا يقول إن تركيا ستكرر ألمانيا الثلاثينات أو الاتحاد السوفياتي، ولا تسمح المقارنة الجدية بمثل هذا الاستنتاج. لكنه يذكّر بأن السياسات السكانية لا تبقى دائماً محصورة في عدد الولادات، بل يمكن أن تصبح أيضاً سياسة حول الجنس والجندر والأجساد التي تعتبرها الدولة جزءاً من مستقبلها.
أما إيران، فتقدم درساً أبسط وأكثر مباشرة: تستطيع الدولة أن تجرّم العلاقات المثلية بأشد العقوبات تقريباً، وأن ترفض الاعتراف بها بالكامل، وأن تبقى خصوبتها مع ذلك منخفضة.
لذلك يمكن الدفاع عن العائلة من دون البحث عن خصم لها. وبإمكان الدولة أن تجعل تكوين الأسرة أكثر سهولة من خلال السكن والدخل والحضانة والرعاية والأمان الاجتماعي، من دون أن تجعل حياة شخص آخر أكثر صعوبة.
فالعائلة لا تنجب طفلاً إضافياً لأن شخصاً مثلياً أصبح أقل حرية، ولا يصبح المستقبل أكثر خصوبة لمجرد أن الدولة جعلته أقل اتساعاً لمن يعيشون بصورة مختلفة.
إقرأوا أيضاً:










