ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

من إسمنت الترميم إلى عقد المواطنة: إعمار يردّ الاعتبار للضاحية والجنوب والبقاع

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

 أيّ عمران نريد لما بعد الحرب الأخيرة؟ عمران العودة السريعة كيفما اتّفق؟ أم عمران يضع عقداً جديداً للمواطنة، يجعل السكن حقّاً، والذاكرة مورداً، والمساحة العامّة مسرحاً يومياً للعيش المشترك؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

هل تستحقّ الضاحية والجنوب والبقاع أن نستذكر تراثها المعماري والثقافي والمديني ونحييه؟ هل هي مناطق “جديرة” بإعادة إعمار تتجاوز إسمنت الترميم، إلى إعادة وصل بالذاكرة والمعنى؟ وهل يُعقل أن تُمنح هذه الجغرافيا؛ التي دأبت الدولة على التعامل معها كهوامش، وهي دأبت بالمقابل، على اعتبار نفسها خارج حدود هذه الدولة ثقافة وقانوناً، فرصة أن تعلن عن هويّتها بصوت مسموع في دفتر السياسات العامّة؟ وهل يُعاد بناء المكان كأن الحرب لم تمرّ؟ أم يُعاد تخيّله كي لا تعود الحرب بالهيئة نفسها؟ 

أسئلة تبدو نظرية، لكنّها اليوم، في الضاحية والجنوب والبقاع، هي أسئلة خبز ومأوى وإيقاع حياة. فبعد أشهر من نزوح واسع وضرب لبنى تحتية هشّة أصلاً، صار “الإعمار” كلمة محمّلة: ليست تقنية هندسية فحسب، بل مفردة سياسية واجتماعية وأخلاقية.

 أيّ عمران نريد لما بعد الحرب الأخيرة؟ عمران العودة السريعة كيفما اتّفق؟ أم عمران يضع عقداً جديداً للمواطنة، يجعل السكن حقّاً، والذاكرة مورداً، والمساحة العامّة مسرحاً يومياً للعيش المشترك؟

مجدّداً، هي أسئلة تبدو غير واقعية أمام المحنة الواقعة، لكنّها ليست كذلك لمن نشأ من جيل لم يرث سوى خرابين: خراب مادّي متراكم بفعل الحروب والهجرات، وخراب رمزي نتج من نوستالجيا “كليشيّة” لمدن “أخرى” أُشبعت سرداً – عن “بيروت المعجزة الكوزموبوليتية” – ولم يُكتب للضاحية والجنوب والبقاع سوى أن تظهر في النصّ الرسمي بوصفها “أحزمة فقر”، أو “مناطق متنازعاً عليها”، أو “خاصرة رخوة”، أو “رئة غذائية”. 

جيل كامل من الشابّات والشبّان موكول إليه حمل ذاكرة جمعيّة تُركت من دون أرشفة حقيقية، والتعامل مع تراث ما يزال يُعرّف، غالباً، باليباب المستمرّ كدوّامة سيزيفيّة.

إعمار يعيد المواطنة

والحال، فإن الحرب الأخيرة لم تدمّر “مباني” فقط، بل هزّت الترتيبات التي عاش عليها الناس أصلاً: المدارس، المراكز الصحّية، الأسواق الصغيرة، مسارات الـ”فان”، خطوط الكهرباء والمياه، ومخزون الثقة اليومي. 

لذلك، فإن سؤال الإعمار لا يبدأ من ورشة الإسمنت، بل من فهم طبقات الخسارة وطبقات العودة: في الجنوب، توزّعت الخسارة على طبقتين: ضرب بيوت فردية وزراعات صغيرة، وإرباك بلدات بأكملها عبر استهداف شبكات الطرق والكهرباء والمياه. وفي الضاحية، الخسارة كثيفة ومركّزة: بنايات متضرّرة في أحياء مزدحمة أصلاً، وشوارع تتحوّل إلى متاهات صيانة، واقتصاد يومي ملتوٍ. وفي البقاع، الخسارة زاحفة: قرى كانت “ظهر” المدن تحوّلت فجأة إلى مخازن نزوح ومعابر إمداد، فاختبرت ضغطاً على المدارس والعيادات والطرقات. 

خرائط العودة يجب أن تعترف بهذه الطبقات المختلفة. العودة ليست “تاريخاً” يعلَن، بل بنية شروط: هل البيت آمن؟ هل المدرسة والمستوصف قريبان؟ هل الطريق مفتوحة من دون حواجز إسمنتية مؤقّتة؟ هل هناك إضاءة ومساحة آمنة للأطفال؟ عند هذا المستوى التفصيلي، يصير التخطيط سياسة يومية: لا معنى لقرار العودة من دون تهيئة “بنية استقبال” تشبه الحياة الطبيعية بأسرع ما يمكن، ولو بوسائط مؤقّتة ذكيّة.

لم يهدأ غبار العدوان الأخير بعد، حتى دخلت الساحة اللبنانية في مداولات شاقّة حول كيفيّة إعادة إعمار المناطق المهدّمة. يحدث ذلك في مناخ خانق: أزمة مالية واقتصادية وسياسية متمادية، وانهيار مؤسّساتي قلّ نظيره في تاريخ لبنان الحديث. ومع دخول اتّفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ صباح الأربعاء في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر، وإحالة مشروع مرسوم قانون إعادة الإعمار إلى مجلس النوّاب، بدا التحرّك الرسمي عاجلاً في الشكل، لكنّه ضيّق في المضمون: معالجة عمرانية تقنية للهدم، لا رؤية تعاف وطني تعيد لحمة المجتمع وثقة الناس ببعضهم بعضاً وبالدولة.

في قلب هذا المشهد، يلوح سؤال أكبر من الإسمنت وحديد التسليح: كيف نجعل الإعمار أداة لتعزيز المواطنة؟ هل يمكن لورشة البناء أن تصبح مساحة عمومية لصياغة قرار مشترك، ولإعادة تعريف علاقة السكّان بأحيائهم وبالدولة؟ هذه ليست رفاهيّة لغوية، بل خلاصة دروس من مسارات سابقة انتهى كثير منها إلى “ترميم الحجر دون البشر”. 

تختصر المهندسة والمخطّطة الحضرية والأستاذة الجامعية سهى منيمنة الجواب في عبارة مفصلية: “الإعمار الذي يستجيب لحاجات الناس ويعكس تطلّعاتهم، يعزّز المواطنة حتماً”. ولكنّ تحويل هذه البديهة إلى سياسات وقوانين يصطدم بواقع معقّد: تضارب مصالح، تشابك سلطات، ضعف ثقة داخلية وخارجية، وذاكرة تجارب لم تلتئم ندوبها بعد.

فواتير الخسائر: أرقام ثقيلة وسياق أثقل

التقدير الأوّلي للبنك الدولي يضع خسائر ثلاثة عشر شهراً عند نحو 8.5 مليارات دولا‌ر: 3.2 مليارات في القطاع السكني (قرابة مئة ألف منزل متضرّر جزئياً أو كلّياً)، وثلاثة مليارات مرتبطة بالزراعة وسلاسل التوريد وتعطّل التجارة. نزح نحو 1.3 مليون شخص عن منازلهم، وفقد قرابة 166 ألف عامل وظائفهم. مؤسّسات بحثية محلّية تشكّك في هذه الأرقام، مرجّحةً أن تكون الأضرار—خصوصاً في السكن— أعلى بكثير، وتلامس 4.260 مليارات دولا‌ر، أي ما يوازي ضعفي كلفة حرب تمّوز/ يوليو 2006.

ولكنّ خطورة الأرقام لا تنبع من حجمها فحسب، بل من سياقها المالي والسياسي: بعد 2006، نجح لبنان في استقطاب منح عربية ودولية ساهمت في كبح النزيف. اليوم، الثقة بالدولة منهارة، والقدرة على تعبئة التمويل الخارجي شحيحة، والقنوات الإدارية والرقابية مخلخلة. بهذا المعنى، الإعمار ليس اختباراً لقدرة المقاولين على الإنهاء ضمن المهلة، بل اختبار لقدرة الدولة والمجتمع على ابتكار نموذج تمويلي وإداري يحمي الصالح العامّ، ويعيد إنتاج الثقة.

أمّا مشروع القانون المقترح في هذا السياق فيجيز إعادة البناء كما كان، مع إعفاءات واسعة من الرسوم والطوابع، ويتيح تسوية مخالفات ضمن إطار القانون 139/2019، ويستعيض عن الترخيص التقليدي بملفّ موثّق من الهيئة العليا للإغاثة أو مجلس الجنوب. ظاهرياً، المقاربة “عملية”: تسريع، تبسيط، وإزالة عوائق. ولكنّ جوهر الإشكال يبقى: توسعة باب التسويات دون تعريف واضح لحدود الأملاك العامّة والأراضي الأميرية، دون معالجة حقوق المستأجرين، ودون آليّات عادلة وشفّافة لتوزيع التعويضات. هكذا، يُخشى أن يصبح القانون “نسخة منقّحة” عن وصفات سابقة عالجت ظاهر الانهيار، وتركت أساساته المتصدّعة على حالها.

الهويّة المعمارية: من الزينة إلى السياسة العامّة

ليست الهويّة المعمارية مظهراً وحسب، بل سياسة عامّة تترجم في تفاصيل الموادّ والتنفيذ وإدارة العمران. من الشائع اختزال “الهويّة اللبنانية” بالقرميد والحجر والأقواس. تصحّح المعمارية سهى منيمنة هذا الانطباع: “بيوت الطين في البقاع جزء أصيل من هذا التراث، وإن لم تصنّف دائماً على أنها تراث”.

 ليس المطلوب تثبيت صورة فولكلورية، بل تثمين مفردات المكان وتطويرها ضمن معايير السلامة والمرونة المناخية. كثير من اشتراطات السلامة تقني لا يفرض تغيير الشكل: تحسين العزل، ضبط الرطوبة، اختيار أنظمة إنشائية ملائمة، وتفاصيل تنفيذ تقلّل المخاطر.

هنا تصبح “الهويّة” رافعة للمواطنة: تصميم يعترف بالذاكرة ويستجيب لمناخ يتبدّل، يوفّق بين متطلّبات السلامة وإيقاع الشارع، ويبقي الباب مفتوحاً لتكييف مستقبلي في مواجهة أزمات الطاقة والمياه والحرارة. الدليل الوطني للتصميم بعد الكوارث، إذا صيغ بشراكة مهنية ومجتمعية، يمكن أن يثبّت هذا التوازن: إرشادات عامّة ملزمة، وتفويض تطبيق مرن يحترم خصوصيات الأحياء والقرى. 

تجارب الإعمار في لبنان تكاد تتّفق على درس واحد: حين يُستبعد السكّان عن القرار، يدفعون الثمن لاحقاً. بعد انفجار 4 آب/ أغسطس، برزت آلاف المنظّمات والجمعيّات، وتحوّلت النوايا الحسنة إلى تشظٍّ في الأدوار وضعف في تمثيل الناس. تصرّ منيمنة على المسار البديل: “الإطار التشاركي الحقيقي يعني اجتماعات عامّة مباشرة (تاون هول)، عبر البلديّات واتّحاداتها، بسجلّات علنية للملاحظات، ولجان متابعة مختلطة تحاسب على جداول زمنية”. المشاركة ليست صندوق شكاوى، بل آليّة صنع قرار، وهي أيضاً، كما تقول منيمنة: “المؤشّر الأصدق على المواطنة الحضرية”، فليس كافياً أن تتعدّد الهويّات في المكان، المهمّ أن يكون للفرد دور فاعل في صياغة الإعمار نفسه.

تبدو المقارنة هنا قاسية، ولكنّها لازمة. ترميم أحياء وسط بيروت بعد الحرب الأهلية انتهى، بالنسبة إلى كثيرين، إلى “تجديد إقصائي”: مبانٍ بلا سكّان، ومساحات عامّة بلا حياة. في أحياء مار مخايل والجمّيزة، بعد 4 آب، ارتفعت القيم العقارية واكتسبت المساكن صفة “المطمع الاستثماري”، فتزايد الضغط على السكّان الأصليين. 

“الدّرس الأوّل: يعود من كانوا يقيمون قبل الكارثة”، تؤكّد منيمنة؛ وإلّا خسرنا المكان مرّتين: مرّة يوم دمّرته الحرب/ الكارثة، ومرّة ثانية حين أخرجنا أهله منه باسم “التحسين”.

حماية السكّان الأصليين: عدالة مكانية بآليّات ملموسة

كيف تترجم هذه الحماية؟ عبر حزمة مترابطة: سقوف مؤقّتة للإيجارات خلال الطوارئ، قروض ميسّرة مضمونة للمالكين المتضرّرين تقترن بشروط للعودة، أولويات تعويض تعترف بالمستأجرين لا بالمالكين فحسب، وأدوات اجتماعية عقارية مثل “الوقف المدني” و”جمعيّات مالكي الأبنية”، الّتي تحصّن الملكية من المضاربات. 

يمكن للبلديّات واتّحاداتها، بدعم قانوني من الدولة، إنشاء “صناديق أحياء” تدير هذه الأدوات بشفافية، وتربط أيّ امتياز عمراني، كزيادة الطوابق أو تخفيض الرسوم، بالتزام اجتماعي واضح (نسب سكن ميسّر، عودة المستأجرين، صيانة المساحات المشتركة).

هنا تعود منيمنة إلى تجربة نهر البارد، فالجدل حول عرض الطرقات بما يتيح مرور دبّابات الجيش لم يكن تفصيلاً هندسياً، بل سؤال “من يملك القرار على الأرض؟”. في 2006، تقول: “كانت التجربة أنضج من غيرها”، ولكنّ فجوة العدالة الاجتماعية بقيت. اليوم، لا يكفي أن نسرّع البناء، يجب أن نقيم ديمقراطية القرار في كلّ حيّ، بأدوات قابلة للقياس والمحاسبة.

ليس التعافي مطبخاً في كلّ شقّة. التعافي شبكة علاقات في الهواء الطلق: ساحات، حدائق، ممرّات خضراء، أرصفة صالحة للمشي، نقط عبور آمنة، مراكز ثقافية وأندية أهلية. هذه الشبكة، إن صُمّمت كمنظومة متّصلة، تعيد فتح قنوات التلاقي التي تمسك المجتمع من أطرافه، وتخفّف من اختناقات التوتّر. الإشكال أن كثيراً من القوانين الاستثنائية تهمل هذه العناصر “غير المربحة” على الورق، فيما تشكّل في الواقع “عصب المدينة”. 

من هنا، تقترح مقاربة متدرّجة: تعيين “أحواض مشاة” في كلّ حيّ تلزم المشاريع الجديدة بربط نفسها بشبكة الأرصفة والممرّات، تخصيص نسبة دنيا من مساحة أيّ مشروع معاد بناؤه إلى مساحات مشتركة قابلة للنفاذ العامّ، واشتراط صيانة دورية لهذه المساحات بإشراف لجان حيّ. هذه ليست رومانسية حضرية، إنها بنية تحتية للمواطنة.

برامج ثقافية: من الفولكلور إلى البنية التحتية الاجتماعية

كيف نحتفي بالتنوّع والثقافة دون تكريس “جزر متجاورة”؟ بالإقرار أن التنوّع الثقافي لا يقتصر على الهويّات الطائفية، وأن في كلّ حيّ طبقات من الحكايات والعادات والحرف تمثّل تراثاً وطنياً عابراً للانقسامات. هنا تتقدّم البرامج الثقافية بوصفها سياسة عامّة لا “نشاطاً”. تقول منيمنة: “البنية الثقافية تعتمد على خصوصية المنطقة وهرمها العمري: قد تكون مكتبة، مسرحاً، داراً لكبار السنّ، مساحة للشباب. وفي القرى قد لا تكون المكتبة أو المسرح هما الخيار الأجدى، بل فضاءات تحتفي بالتراث الزراعي والبيئي”.

يمكن لوزارة الثقافة، بالتعاون مع البلديّات والجامعات، أن تطلق “رخصة الثقافة المحلّية”: تمويل تنافسي لمشاريع تديرها كيانات محلّية، شرط أن تثبت انخراط السكّان في التصميم والتشغيل. الأهمّ أن تدمج هذه البنية في منظومة الخدمات: قاعة المسرح قد تكون مأوى طارئاً عند الكوارث، والمكتبة مركزاً للتعلّم الرقمي ومحو الأمّيّة وأرشفة الذاكرة المحلّية. وتتوقّف منيمنة عند “سياحة الذاكرة”: “ليست تسليعاً بحدّ ذاتها. عندما طالب أهالي ضحايا 4 آب بالحفاظ على أهراءات بيروت وفتحها لهم، كانوا يطالبون بحقّ في الذاكرة. أن يقصدها الناس كمتحف يروي القصّة، وأن يدرّ ذلك دخلاً ليس نقيضاً للتعافي، بل رافد ثقافي واقتصادي”. في السياق نفسه، يمكن لمواقع أخرى، كمقاومة أو حرف أو مسارات طبيعية، أن تصبح “مناهج ميدانية” للتعلّم والسياحة الداخلية.

وإن كانت لا تتشابه الجامعات في مناهجها أو أولوياتها. بعضها يهوى “لغة تصميمية” جريئة قد تمحو الطابع المحلّي، وبعضها يربّي على الإصغاء للمكان. تقول منيمنة، من موقع التدريس: “حرصت على إدخال مفاهيم العدالة الاجتماعية حيث تغيب. لحسن الحظّ، القبول بهذه الأفكار يتزايد”. 

يمكن تحويل هذا التوجّه إلى سياسة: إلزام مشاريع التخرّج في كلّيّات العمارة والتخطيط والهندسة بالعمل على مناطق متضرّرة، ضمن شراكات مع البلديّات، بحيث تسهم الاستوديوهات في إنتاج حلول قابلة للتنفيذ (تفاصيل أرصفة، أنظمة مظلّات، إعادة استخدام خامات محلّية، نماذج سكن ميسّر).

الحوكمة والتمويل: من التوازي المنهك إلى التنسيق الملزم

“أحاول راهناً جمع الجهات حول منصّة للتنسيق في قطاع الطاقة ضمن إعادة الإعمار في بيروت الكبرى”، تقول منيمنة، وتضيف: “التشظّي قائم على مستويات عدّة؛ أحياناً تعطي بعض المجالس انطباعاً بالتجانس، فيما يعمل كلّ طرف بطريقة مختلفة”. 

الدرس واضح: لا يمكن لبلد منهك أن يتحمّل توازي المسارات. المطلوب “جهة جامعة” بولاية واضحة: وزارة تخطيط أو أمانة وطنية للإعمار تدير منصّات قطاعية ومناطقية، تدعو إلى اجتماعات دورية، تلزم المانحين والوزارات والبلديّات بتبادل البيانات، وتصدر تقارير تقدّم علنية قابلة للمساءلة. 

على خطّ التمويل، يجدر مزج الأدوات: قروض ميسّرة لمشاريع البنية التحتية (مياه، صرف، كهرباء)، منح مشروطة للمساحات العامّة والبرامج الثقافية، وحوافز ضريبية مربوطة بأهداف اجتماعية (نسب سكن ميسّر، تشغيل محلّي، تدريب مهني). وتحت هذا كلّه، “سجلّ رقمي للأحياء” يضمّ خرائط الأضرار، حالة البنية، ملكيات العقارات، مسارات التعويض، ومؤشّرات المشاركة. الشفافية هنا ليست مطلباً أخلاقياً فحسب، بل شرط لاستدامة التمويل وثقة الناس.

مؤشّرات المواطنة الحضرية: قياس الدور لا عدد المقاعد

لا تكفي صور الحدائق الجديدة ولا عدّاد “كمّ” المساحات العامّة. تقترح منيمنة مؤشّراً محورياً: مدى دور الفرد وفاعليّته في عمليّة الإعمار. يمكن تفكيك هذا المؤشّر إلى أسئلة قابلة للقياس: هل عُقدت اجتماعات عامّة دورية في الحيّ؟ كم نسبة السكّان الذين شاركوا؟ هل غيّرت المشاركة مضمون المشروع؟ ما نسبة “العودة الفعلية” لسكّان ما قبل الكارثة؟ كم مشروعاً التزم بإتاحة فعلية لذوي الإعاقة؟ كم مساحة عامّة تديرها لجان حيّ؟ كم قراراً بلديّاً صدر بناء على توصيات مجتمعية؟ بهذا، ننتقل من “التزيين المؤسّسي” إلى مساءلة على النتائج.

بين مشروع قانون يعد بالعودة “كما كان”، وتجارب قديمة تلوّح بـ”تجديد يقصي”، تقترح هذه الرؤية مساراً ثالثاً: إعمار يردّ الاعتبار للمواطن. بيت يشيّد أفضل ممّا كان من حيث السلامة والكفاءة والجمال، وحيّ يعود أهله إليه دون أن يدفعهم “تحسين” المكان إلى خارجه، ودور يُمنح للناس في القرار لا في التقاط الصور عند الافتتاح. 

تقول منيمنة: “إن المواطنة تنمو بقدر ما يكون للفرد دور فاعل في سياق الإعمار”. تلك هي الخلاصة الأخلاقية والعملية في آن. فإذا كانت الحرب قد هدمت الحجر ونخرت الثقة، فإن ورشة الإعمار تستطيع—إن أردنا— أن تبني الاثنين: جدراناً أمتن، وعقداً اجتماعياً أصلب. لا يكفي أن نعِد بالعودة، علينا أن نُعيد سكّاننا إلى بيوتهم وإلى قراهم، وأن نُعيد دولتنا إلى دورها، وأن نعيد للهويّة المعمارية معناها بوصفها سياسة عامّة لا ديكوراً على واجهة. عندها—فقط عندها— يصبح البناء درساً في المواطنة، لا فصلاً جديداً في سجل الخيبات.

دورنا نحكي

رنا زيد - كاتبة وشاعرة فلسطينية سورية | 09.05.2026

عن “السبي الجاهلي”: ما أرى لك عقلاً يا عروة بن الورد!

كم يشبه زمن عروة بن الورد، الزمن السوري الحالي، زمن من دون قانون قضائي واضح، زمن المهانة والإذلال لكلّ من اختلف عمّن يحكم سوريا اليوم في الطائفة، أو في المذهب، أو الهيئة.
14.11.2025
زمن القراءة: 10 minutes

 أيّ عمران نريد لما بعد الحرب الأخيرة؟ عمران العودة السريعة كيفما اتّفق؟ أم عمران يضع عقداً جديداً للمواطنة، يجعل السكن حقّاً، والذاكرة مورداً، والمساحة العامّة مسرحاً يومياً للعيش المشترك؟

هل تستحقّ الضاحية والجنوب والبقاع أن نستذكر تراثها المعماري والثقافي والمديني ونحييه؟ هل هي مناطق “جديرة” بإعادة إعمار تتجاوز إسمنت الترميم، إلى إعادة وصل بالذاكرة والمعنى؟ وهل يُعقل أن تُمنح هذه الجغرافيا؛ التي دأبت الدولة على التعامل معها كهوامش، وهي دأبت بالمقابل، على اعتبار نفسها خارج حدود هذه الدولة ثقافة وقانوناً، فرصة أن تعلن عن هويّتها بصوت مسموع في دفتر السياسات العامّة؟ وهل يُعاد بناء المكان كأن الحرب لم تمرّ؟ أم يُعاد تخيّله كي لا تعود الحرب بالهيئة نفسها؟ 

أسئلة تبدو نظرية، لكنّها اليوم، في الضاحية والجنوب والبقاع، هي أسئلة خبز ومأوى وإيقاع حياة. فبعد أشهر من نزوح واسع وضرب لبنى تحتية هشّة أصلاً، صار “الإعمار” كلمة محمّلة: ليست تقنية هندسية فحسب، بل مفردة سياسية واجتماعية وأخلاقية.

 أيّ عمران نريد لما بعد الحرب الأخيرة؟ عمران العودة السريعة كيفما اتّفق؟ أم عمران يضع عقداً جديداً للمواطنة، يجعل السكن حقّاً، والذاكرة مورداً، والمساحة العامّة مسرحاً يومياً للعيش المشترك؟

مجدّداً، هي أسئلة تبدو غير واقعية أمام المحنة الواقعة، لكنّها ليست كذلك لمن نشأ من جيل لم يرث سوى خرابين: خراب مادّي متراكم بفعل الحروب والهجرات، وخراب رمزي نتج من نوستالجيا “كليشيّة” لمدن “أخرى” أُشبعت سرداً – عن “بيروت المعجزة الكوزموبوليتية” – ولم يُكتب للضاحية والجنوب والبقاع سوى أن تظهر في النصّ الرسمي بوصفها “أحزمة فقر”، أو “مناطق متنازعاً عليها”، أو “خاصرة رخوة”، أو “رئة غذائية”. 

جيل كامل من الشابّات والشبّان موكول إليه حمل ذاكرة جمعيّة تُركت من دون أرشفة حقيقية، والتعامل مع تراث ما يزال يُعرّف، غالباً، باليباب المستمرّ كدوّامة سيزيفيّة.

إعمار يعيد المواطنة

والحال، فإن الحرب الأخيرة لم تدمّر “مباني” فقط، بل هزّت الترتيبات التي عاش عليها الناس أصلاً: المدارس، المراكز الصحّية، الأسواق الصغيرة، مسارات الـ”فان”، خطوط الكهرباء والمياه، ومخزون الثقة اليومي. 

لذلك، فإن سؤال الإعمار لا يبدأ من ورشة الإسمنت، بل من فهم طبقات الخسارة وطبقات العودة: في الجنوب، توزّعت الخسارة على طبقتين: ضرب بيوت فردية وزراعات صغيرة، وإرباك بلدات بأكملها عبر استهداف شبكات الطرق والكهرباء والمياه. وفي الضاحية، الخسارة كثيفة ومركّزة: بنايات متضرّرة في أحياء مزدحمة أصلاً، وشوارع تتحوّل إلى متاهات صيانة، واقتصاد يومي ملتوٍ. وفي البقاع، الخسارة زاحفة: قرى كانت “ظهر” المدن تحوّلت فجأة إلى مخازن نزوح ومعابر إمداد، فاختبرت ضغطاً على المدارس والعيادات والطرقات. 

خرائط العودة يجب أن تعترف بهذه الطبقات المختلفة. العودة ليست “تاريخاً” يعلَن، بل بنية شروط: هل البيت آمن؟ هل المدرسة والمستوصف قريبان؟ هل الطريق مفتوحة من دون حواجز إسمنتية مؤقّتة؟ هل هناك إضاءة ومساحة آمنة للأطفال؟ عند هذا المستوى التفصيلي، يصير التخطيط سياسة يومية: لا معنى لقرار العودة من دون تهيئة “بنية استقبال” تشبه الحياة الطبيعية بأسرع ما يمكن، ولو بوسائط مؤقّتة ذكيّة.

لم يهدأ غبار العدوان الأخير بعد، حتى دخلت الساحة اللبنانية في مداولات شاقّة حول كيفيّة إعادة إعمار المناطق المهدّمة. يحدث ذلك في مناخ خانق: أزمة مالية واقتصادية وسياسية متمادية، وانهيار مؤسّساتي قلّ نظيره في تاريخ لبنان الحديث. ومع دخول اتّفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ صباح الأربعاء في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر، وإحالة مشروع مرسوم قانون إعادة الإعمار إلى مجلس النوّاب، بدا التحرّك الرسمي عاجلاً في الشكل، لكنّه ضيّق في المضمون: معالجة عمرانية تقنية للهدم، لا رؤية تعاف وطني تعيد لحمة المجتمع وثقة الناس ببعضهم بعضاً وبالدولة.

في قلب هذا المشهد، يلوح سؤال أكبر من الإسمنت وحديد التسليح: كيف نجعل الإعمار أداة لتعزيز المواطنة؟ هل يمكن لورشة البناء أن تصبح مساحة عمومية لصياغة قرار مشترك، ولإعادة تعريف علاقة السكّان بأحيائهم وبالدولة؟ هذه ليست رفاهيّة لغوية، بل خلاصة دروس من مسارات سابقة انتهى كثير منها إلى “ترميم الحجر دون البشر”. 

تختصر المهندسة والمخطّطة الحضرية والأستاذة الجامعية سهى منيمنة الجواب في عبارة مفصلية: “الإعمار الذي يستجيب لحاجات الناس ويعكس تطلّعاتهم، يعزّز المواطنة حتماً”. ولكنّ تحويل هذه البديهة إلى سياسات وقوانين يصطدم بواقع معقّد: تضارب مصالح، تشابك سلطات، ضعف ثقة داخلية وخارجية، وذاكرة تجارب لم تلتئم ندوبها بعد.

فواتير الخسائر: أرقام ثقيلة وسياق أثقل

التقدير الأوّلي للبنك الدولي يضع خسائر ثلاثة عشر شهراً عند نحو 8.5 مليارات دولا‌ر: 3.2 مليارات في القطاع السكني (قرابة مئة ألف منزل متضرّر جزئياً أو كلّياً)، وثلاثة مليارات مرتبطة بالزراعة وسلاسل التوريد وتعطّل التجارة. نزح نحو 1.3 مليون شخص عن منازلهم، وفقد قرابة 166 ألف عامل وظائفهم. مؤسّسات بحثية محلّية تشكّك في هذه الأرقام، مرجّحةً أن تكون الأضرار—خصوصاً في السكن— أعلى بكثير، وتلامس 4.260 مليارات دولا‌ر، أي ما يوازي ضعفي كلفة حرب تمّوز/ يوليو 2006.

ولكنّ خطورة الأرقام لا تنبع من حجمها فحسب، بل من سياقها المالي والسياسي: بعد 2006، نجح لبنان في استقطاب منح عربية ودولية ساهمت في كبح النزيف. اليوم، الثقة بالدولة منهارة، والقدرة على تعبئة التمويل الخارجي شحيحة، والقنوات الإدارية والرقابية مخلخلة. بهذا المعنى، الإعمار ليس اختباراً لقدرة المقاولين على الإنهاء ضمن المهلة، بل اختبار لقدرة الدولة والمجتمع على ابتكار نموذج تمويلي وإداري يحمي الصالح العامّ، ويعيد إنتاج الثقة.

أمّا مشروع القانون المقترح في هذا السياق فيجيز إعادة البناء كما كان، مع إعفاءات واسعة من الرسوم والطوابع، ويتيح تسوية مخالفات ضمن إطار القانون 139/2019، ويستعيض عن الترخيص التقليدي بملفّ موثّق من الهيئة العليا للإغاثة أو مجلس الجنوب. ظاهرياً، المقاربة “عملية”: تسريع، تبسيط، وإزالة عوائق. ولكنّ جوهر الإشكال يبقى: توسعة باب التسويات دون تعريف واضح لحدود الأملاك العامّة والأراضي الأميرية، دون معالجة حقوق المستأجرين، ودون آليّات عادلة وشفّافة لتوزيع التعويضات. هكذا، يُخشى أن يصبح القانون “نسخة منقّحة” عن وصفات سابقة عالجت ظاهر الانهيار، وتركت أساساته المتصدّعة على حالها.

الهويّة المعمارية: من الزينة إلى السياسة العامّة

ليست الهويّة المعمارية مظهراً وحسب، بل سياسة عامّة تترجم في تفاصيل الموادّ والتنفيذ وإدارة العمران. من الشائع اختزال “الهويّة اللبنانية” بالقرميد والحجر والأقواس. تصحّح المعمارية سهى منيمنة هذا الانطباع: “بيوت الطين في البقاع جزء أصيل من هذا التراث، وإن لم تصنّف دائماً على أنها تراث”.

 ليس المطلوب تثبيت صورة فولكلورية، بل تثمين مفردات المكان وتطويرها ضمن معايير السلامة والمرونة المناخية. كثير من اشتراطات السلامة تقني لا يفرض تغيير الشكل: تحسين العزل، ضبط الرطوبة، اختيار أنظمة إنشائية ملائمة، وتفاصيل تنفيذ تقلّل المخاطر.

هنا تصبح “الهويّة” رافعة للمواطنة: تصميم يعترف بالذاكرة ويستجيب لمناخ يتبدّل، يوفّق بين متطلّبات السلامة وإيقاع الشارع، ويبقي الباب مفتوحاً لتكييف مستقبلي في مواجهة أزمات الطاقة والمياه والحرارة. الدليل الوطني للتصميم بعد الكوارث، إذا صيغ بشراكة مهنية ومجتمعية، يمكن أن يثبّت هذا التوازن: إرشادات عامّة ملزمة، وتفويض تطبيق مرن يحترم خصوصيات الأحياء والقرى. 

تجارب الإعمار في لبنان تكاد تتّفق على درس واحد: حين يُستبعد السكّان عن القرار، يدفعون الثمن لاحقاً. بعد انفجار 4 آب/ أغسطس، برزت آلاف المنظّمات والجمعيّات، وتحوّلت النوايا الحسنة إلى تشظٍّ في الأدوار وضعف في تمثيل الناس. تصرّ منيمنة على المسار البديل: “الإطار التشاركي الحقيقي يعني اجتماعات عامّة مباشرة (تاون هول)، عبر البلديّات واتّحاداتها، بسجلّات علنية للملاحظات، ولجان متابعة مختلطة تحاسب على جداول زمنية”. المشاركة ليست صندوق شكاوى، بل آليّة صنع قرار، وهي أيضاً، كما تقول منيمنة: “المؤشّر الأصدق على المواطنة الحضرية”، فليس كافياً أن تتعدّد الهويّات في المكان، المهمّ أن يكون للفرد دور فاعل في صياغة الإعمار نفسه.

تبدو المقارنة هنا قاسية، ولكنّها لازمة. ترميم أحياء وسط بيروت بعد الحرب الأهلية انتهى، بالنسبة إلى كثيرين، إلى “تجديد إقصائي”: مبانٍ بلا سكّان، ومساحات عامّة بلا حياة. في أحياء مار مخايل والجمّيزة، بعد 4 آب، ارتفعت القيم العقارية واكتسبت المساكن صفة “المطمع الاستثماري”، فتزايد الضغط على السكّان الأصليين. 

“الدّرس الأوّل: يعود من كانوا يقيمون قبل الكارثة”، تؤكّد منيمنة؛ وإلّا خسرنا المكان مرّتين: مرّة يوم دمّرته الحرب/ الكارثة، ومرّة ثانية حين أخرجنا أهله منه باسم “التحسين”.

حماية السكّان الأصليين: عدالة مكانية بآليّات ملموسة

كيف تترجم هذه الحماية؟ عبر حزمة مترابطة: سقوف مؤقّتة للإيجارات خلال الطوارئ، قروض ميسّرة مضمونة للمالكين المتضرّرين تقترن بشروط للعودة، أولويات تعويض تعترف بالمستأجرين لا بالمالكين فحسب، وأدوات اجتماعية عقارية مثل “الوقف المدني” و”جمعيّات مالكي الأبنية”، الّتي تحصّن الملكية من المضاربات. 

يمكن للبلديّات واتّحاداتها، بدعم قانوني من الدولة، إنشاء “صناديق أحياء” تدير هذه الأدوات بشفافية، وتربط أيّ امتياز عمراني، كزيادة الطوابق أو تخفيض الرسوم، بالتزام اجتماعي واضح (نسب سكن ميسّر، عودة المستأجرين، صيانة المساحات المشتركة).

هنا تعود منيمنة إلى تجربة نهر البارد، فالجدل حول عرض الطرقات بما يتيح مرور دبّابات الجيش لم يكن تفصيلاً هندسياً، بل سؤال “من يملك القرار على الأرض؟”. في 2006، تقول: “كانت التجربة أنضج من غيرها”، ولكنّ فجوة العدالة الاجتماعية بقيت. اليوم، لا يكفي أن نسرّع البناء، يجب أن نقيم ديمقراطية القرار في كلّ حيّ، بأدوات قابلة للقياس والمحاسبة.

ليس التعافي مطبخاً في كلّ شقّة. التعافي شبكة علاقات في الهواء الطلق: ساحات، حدائق، ممرّات خضراء، أرصفة صالحة للمشي، نقط عبور آمنة، مراكز ثقافية وأندية أهلية. هذه الشبكة، إن صُمّمت كمنظومة متّصلة، تعيد فتح قنوات التلاقي التي تمسك المجتمع من أطرافه، وتخفّف من اختناقات التوتّر. الإشكال أن كثيراً من القوانين الاستثنائية تهمل هذه العناصر “غير المربحة” على الورق، فيما تشكّل في الواقع “عصب المدينة”. 

من هنا، تقترح مقاربة متدرّجة: تعيين “أحواض مشاة” في كلّ حيّ تلزم المشاريع الجديدة بربط نفسها بشبكة الأرصفة والممرّات، تخصيص نسبة دنيا من مساحة أيّ مشروع معاد بناؤه إلى مساحات مشتركة قابلة للنفاذ العامّ، واشتراط صيانة دورية لهذه المساحات بإشراف لجان حيّ. هذه ليست رومانسية حضرية، إنها بنية تحتية للمواطنة.

برامج ثقافية: من الفولكلور إلى البنية التحتية الاجتماعية

كيف نحتفي بالتنوّع والثقافة دون تكريس “جزر متجاورة”؟ بالإقرار أن التنوّع الثقافي لا يقتصر على الهويّات الطائفية، وأن في كلّ حيّ طبقات من الحكايات والعادات والحرف تمثّل تراثاً وطنياً عابراً للانقسامات. هنا تتقدّم البرامج الثقافية بوصفها سياسة عامّة لا “نشاطاً”. تقول منيمنة: “البنية الثقافية تعتمد على خصوصية المنطقة وهرمها العمري: قد تكون مكتبة، مسرحاً، داراً لكبار السنّ، مساحة للشباب. وفي القرى قد لا تكون المكتبة أو المسرح هما الخيار الأجدى، بل فضاءات تحتفي بالتراث الزراعي والبيئي”.

يمكن لوزارة الثقافة، بالتعاون مع البلديّات والجامعات، أن تطلق “رخصة الثقافة المحلّية”: تمويل تنافسي لمشاريع تديرها كيانات محلّية، شرط أن تثبت انخراط السكّان في التصميم والتشغيل. الأهمّ أن تدمج هذه البنية في منظومة الخدمات: قاعة المسرح قد تكون مأوى طارئاً عند الكوارث، والمكتبة مركزاً للتعلّم الرقمي ومحو الأمّيّة وأرشفة الذاكرة المحلّية. وتتوقّف منيمنة عند “سياحة الذاكرة”: “ليست تسليعاً بحدّ ذاتها. عندما طالب أهالي ضحايا 4 آب بالحفاظ على أهراءات بيروت وفتحها لهم، كانوا يطالبون بحقّ في الذاكرة. أن يقصدها الناس كمتحف يروي القصّة، وأن يدرّ ذلك دخلاً ليس نقيضاً للتعافي، بل رافد ثقافي واقتصادي”. في السياق نفسه، يمكن لمواقع أخرى، كمقاومة أو حرف أو مسارات طبيعية، أن تصبح “مناهج ميدانية” للتعلّم والسياحة الداخلية.

وإن كانت لا تتشابه الجامعات في مناهجها أو أولوياتها. بعضها يهوى “لغة تصميمية” جريئة قد تمحو الطابع المحلّي، وبعضها يربّي على الإصغاء للمكان. تقول منيمنة، من موقع التدريس: “حرصت على إدخال مفاهيم العدالة الاجتماعية حيث تغيب. لحسن الحظّ، القبول بهذه الأفكار يتزايد”. 

يمكن تحويل هذا التوجّه إلى سياسة: إلزام مشاريع التخرّج في كلّيّات العمارة والتخطيط والهندسة بالعمل على مناطق متضرّرة، ضمن شراكات مع البلديّات، بحيث تسهم الاستوديوهات في إنتاج حلول قابلة للتنفيذ (تفاصيل أرصفة، أنظمة مظلّات، إعادة استخدام خامات محلّية، نماذج سكن ميسّر).

الحوكمة والتمويل: من التوازي المنهك إلى التنسيق الملزم

“أحاول راهناً جمع الجهات حول منصّة للتنسيق في قطاع الطاقة ضمن إعادة الإعمار في بيروت الكبرى”، تقول منيمنة، وتضيف: “التشظّي قائم على مستويات عدّة؛ أحياناً تعطي بعض المجالس انطباعاً بالتجانس، فيما يعمل كلّ طرف بطريقة مختلفة”. 

الدرس واضح: لا يمكن لبلد منهك أن يتحمّل توازي المسارات. المطلوب “جهة جامعة” بولاية واضحة: وزارة تخطيط أو أمانة وطنية للإعمار تدير منصّات قطاعية ومناطقية، تدعو إلى اجتماعات دورية، تلزم المانحين والوزارات والبلديّات بتبادل البيانات، وتصدر تقارير تقدّم علنية قابلة للمساءلة. 

على خطّ التمويل، يجدر مزج الأدوات: قروض ميسّرة لمشاريع البنية التحتية (مياه، صرف، كهرباء)، منح مشروطة للمساحات العامّة والبرامج الثقافية، وحوافز ضريبية مربوطة بأهداف اجتماعية (نسب سكن ميسّر، تشغيل محلّي، تدريب مهني). وتحت هذا كلّه، “سجلّ رقمي للأحياء” يضمّ خرائط الأضرار، حالة البنية، ملكيات العقارات، مسارات التعويض، ومؤشّرات المشاركة. الشفافية هنا ليست مطلباً أخلاقياً فحسب، بل شرط لاستدامة التمويل وثقة الناس.

مؤشّرات المواطنة الحضرية: قياس الدور لا عدد المقاعد

لا تكفي صور الحدائق الجديدة ولا عدّاد “كمّ” المساحات العامّة. تقترح منيمنة مؤشّراً محورياً: مدى دور الفرد وفاعليّته في عمليّة الإعمار. يمكن تفكيك هذا المؤشّر إلى أسئلة قابلة للقياس: هل عُقدت اجتماعات عامّة دورية في الحيّ؟ كم نسبة السكّان الذين شاركوا؟ هل غيّرت المشاركة مضمون المشروع؟ ما نسبة “العودة الفعلية” لسكّان ما قبل الكارثة؟ كم مشروعاً التزم بإتاحة فعلية لذوي الإعاقة؟ كم مساحة عامّة تديرها لجان حيّ؟ كم قراراً بلديّاً صدر بناء على توصيات مجتمعية؟ بهذا، ننتقل من “التزيين المؤسّسي” إلى مساءلة على النتائج.

بين مشروع قانون يعد بالعودة “كما كان”، وتجارب قديمة تلوّح بـ”تجديد يقصي”، تقترح هذه الرؤية مساراً ثالثاً: إعمار يردّ الاعتبار للمواطن. بيت يشيّد أفضل ممّا كان من حيث السلامة والكفاءة والجمال، وحيّ يعود أهله إليه دون أن يدفعهم “تحسين” المكان إلى خارجه، ودور يُمنح للناس في القرار لا في التقاط الصور عند الافتتاح. 

تقول منيمنة: “إن المواطنة تنمو بقدر ما يكون للفرد دور فاعل في سياق الإعمار”. تلك هي الخلاصة الأخلاقية والعملية في آن. فإذا كانت الحرب قد هدمت الحجر ونخرت الثقة، فإن ورشة الإعمار تستطيع—إن أردنا— أن تبني الاثنين: جدراناً أمتن، وعقداً اجتماعياً أصلب. لا يكفي أن نعِد بالعودة، علينا أن نُعيد سكّاننا إلى بيوتهم وإلى قراهم، وأن نُعيد دولتنا إلى دورها، وأن نعيد للهويّة المعمارية معناها بوصفها سياسة عامّة لا ديكوراً على واجهة. عندها—فقط عندها— يصبح البناء درساً في المواطنة، لا فصلاً جديداً في سجل الخيبات.

دورنا نحكي

14.11.2025
زمن القراءة: 10 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية