لم يكن التحذير الأخير الصادر عن الأمم المتّحدة بشأن سوريا مجرّد توصية إنسانية، بل إشارة قاطعة إلى أن البلاد لم تدخل بعد أيّ طور من الاستقرار.
فبينما تتحدّث بعض الحكومات الأوروبية عن “العودة الآمنة”، وتخطّط لمشاريع “إعادة الإعمار”، ما زالت الأرض السورية تتصدّع بانفجارات خفيّة: اغتيالات، اختطاف، انتهاكات يومية، وتوتّرات عسكرية متجددّة بين قوى الأمر الواقع.
سوريا اليوم ليست ساحة حرب مفتوحة كما كانت، لكنّها أيضاً ليست بلداً يعيش سلاماً. إنها منطقة رمادية، تتقاطع فيها سلطات محلّية متنازعة، وإنتاج للخوف بلغة مختلفة.
في هذا المشهد، يبدو التحذير الأممي كصرخة متأخّرة في وجه تسوية تتشكّل على عجل، يُراد لها أن تبدو “نهايةً للصراع”، بينما هي في الواقع إعادة ترتيب للهيمنة، وتبييض لما تبقّى من القمع تحت عناوين برّاقة: الاستقرار، العودة، والإعمار.
في هذا السياق، بدت تصريحات ممثّل المفوضيّة الأممية غونزالو فارغاس يوسا، كترجمة دقيقة لقلق يتجاوز الشأن الإنساني إلى ما يشبه إعلان العجز الدولي، فالمسؤول الأممي أشار إلى أن سوريا وصلت إلى “أقصى طاقتها الاستيعابية”، وأن أيّ موجات جديدة من العائدين ــ خاصّة من دول كألمانيا ــ لن تزيد إلا من تفاقم الانهيار القائم. فالنظام والمجتمع، كما قال: “يقفان على حافّة قدرة التحمّل”.
لكن خلف هذا التحذير المعبّر، تختبئ نبرة أكثر قسوة: العالم لا يتحدّث هنا عن حلّ، بل عن إدارة فائض من البشر، عن تنظيم الخسائر لا منعها. هكذا يصبح السوريون أرقاماً في معادلة طاقة استيعاب، لا أفراداً يبحثون عن أمان مفقود، وتتحوّل “العودة” من وعد بالاستقرار، إلى وسيلة لتخفيف العبء عن دول أنهكتها السياسة أكثر مما أنهكها اللجوء.
المأساة كمعادلة حسابية
العبارة التي استخدمها ممثّل المفوضيّة “الطاقة القصوى للاستيعاب”، تبدو للوهلة الأولى تقنية ومحايدة، لكنّها في جوهرها تحمل انزياحاً لغوياً خطيراً، فهي تنقل المأساة من حيّزها الإنساني إلى معجم إدارة الموارد.
كأن الحديث ليس عن بشر عائدين إلى بلد محطّم، بل عن خزّان امتلأ عن آخره ويحتاج إلى تنظيم التدفّق. بهذه اللغة، تُحوّل الكارثة إلى معادلة حسابية: عدد الداخلين، عدد الخارجين، وعدد الذين يمكن “تحمّلهم” في نظام أُنهك أصلاً من الداخل.
لكن ما يخفيه هذا الخطاب، أن سوريا قبل أن تبلغ “طاقتها القصوى”، استُنزفت قدرتها على الحياة: مدن بلا بيوت، قرى بلا مدارس، أبسط مقوّمات الحياة مفقودة، وضع أمني غير مستقرّ، وتجاوزات تكاد لا تُعدّ ولا تُحصى.
وحين تصبح المفوضيّة ــ التي وُجدت لحماية اللاجئين ــ هي التي تتحدّث بلغة “الاستيعاب”، فذلك يعني أن المنظومة الدولية لم تعد تنظر إلى العودة كحقّ، بل كعبء يجب توزيعه بأقلّ خسائر سياسية ممكنة.
لكن ما يُخشى حقاً، ألّا يبقى هذا الانزياح اللغوي في حدود المفردات الأممية، بل يجد صداه في السياسات الواقعية. فحين تُختزل المأساة في أرقام، يصبح الطريق مفتوحاً أمام خطاب يبرّر القسوة باسم التنظيم، ويُعيد تعريف “العودة” لا كحقّ، بل كواجب على اللاجئين أداؤه.
تواطؤ لغوي في صناعة “العودة”
تبرير الإعادة لا يبدأ من مكاتب الوزراء، بل من اللغة ذاتها. فحين يصدر الخطاب الأممي بغطاء تحذيري ظاهري، يبدو كأنه يُنذر بالخطر، لكنّه في العمق يفتح الباب أمام تبرير سياسي أوسع، فيتردّد صداه في العواصم الأوروبية: أن أوروبا أيضاً بلغت حدّها من “الضيافة”. هذا التناغم في الخطاب ليس مصادفة، بل آليّة مقصودة لتحويل التضامن إلى عبء، واللاجئين إلى ملفّ إداري يُدار بالأرقام، والاتّفاقيات لا بالعدالة والكرامة.
في ألمانيا، تتبدّى الصياغة السياسية للغة ذاتها. فوزير الداخلية ألكسندر دوبرنت أعلن عن رغبته في التوصل إلى اتّفاق مع الحكومة السورية الجديدة قبل نهاية العام، يُتيح ترحيل من تُصنّفهم برلين “مجرمين” أوّلاً، ثم من لا يملكون حقّ الإقامة لاحقاً ــ خطوة وُصفت بأنها مقدّمة لتغيير شامل في سياسة اللجوء. وفي الوقت نفسه، أعاد المكتب الفيدرالي للهجرة واللاجئين (BAMF) فتح ملفّات قديمة تحت عنوان “تقييم أهليّة البقاء”، مع تركيز ملحوظ على فئة الشباب القادرين على العمل، وكأن اللجوء بات معادلة إنتاج لا حماية.
وتتجلّى المفارقة أكثر حين نقرأ أن الحكومة الألمانية تدرس سحب صفة اللجوء ممّن يسافرون إلى سوريا، بدعوى أن “أسباب الحماية لم تعد قائمة”. في هذا المنطق المقلوب، تصبح العودة ــ رغم مخاطرها وانتهاكاتها الموثّقة ــ دليلاً على الأمان، ويُعاد تعريف اللجوء نفسه كامتياز مؤقّت لا كحقّ. هكذا تُعاد هندسة المفردات: العودة تتحوّل إلى “إثبات للسلامة”، والضيق الأوروبي يُعاد تسويقه كـ”سياسة استيعاب”، فيما تُفرَّغ فكرة الحماية من معناها الإنساني، لتغدو مجرّد بند إداري على جدول البيروقراطية الأوروبية.
لكنّ “العودة” التي يُراد لها أن تبدو منتهى الأمل، لا يمكن فصلها عن المشهد الذي يُفترض أن يعود إليه السوريون. فبينما تنشغل أوروبا بإعادة تعريف “الحماية”، تعمل السلطة الجديدة في دمشق على إعادة تعريف الإعمار ــ كأنّ الاثنين يكمّلان بعضهما بعضاً في مشروع واحد: تبييض الذاكرة. في الخارج تُمحى مسؤوليّة اللجوء، وفي الداخل يُعاد رسم الركام على هيئة نهضة اقتصادية.
سردية السلطة الجديدة والمشاريع الوهمية
في المشهد السوري الحالي، تروّج الحكومة الجديدة لخطط “إعادة إعمار” في الإعلام، كحلم وطني كبير أو مشروع استراتيجي يُعيد البلاد إلى الحياة، لكنّها في الواقع جزيرة من الخداع البصري والسياسي. تُرفع الشعارات الكبرى ــ استثمارات بمليارات، مشاريع بنى تحتية، توليد للطاقة، شوارع تُعبّد ــ بينما الواقع البعيد خلف تلك الشعارات يُشير إلى شيء مختلف تماماً.
فالكثير من المشاريع التي أُعلن عنها تفتقر إلى أيّ وجود حقيقي على الأرض: شركات بلا سجلّات موثّقة، وأسماء واجهة تُستخدم لأغراض دعائية لا اقتصادية، و”مناقصات” تُمنح لمستثمرين مجهولين، في إطار تسويق صورة النظام الجديد كقوّة تنموية قادرة على اجتذاب المال الدولي، ولو كان ذلك بمشاريع ورقية.
وتشير تقارير اقتصادية عديدة إلى أن عمليّة “إعادة الهيكلة التي تتولّاها الحكومة الجديدة، لا تستهدف بناء اقتصاد وطني بقدر ما تُعيد توزيع النفوذ بين دوائر السلطة الناشئة. فالإعمار ليس وسيلة لاستعادة الحياة، بل أداة لترسيخ النظام السياسي الجديد، وتثبيت ركائز ولائه. هكذا، يُستخدم الركام كأداة تفاوض، ويُختزل المستقبل في مقاولات استثمارية تُدار بمنطق المكافأة لا المصلحة العامّة.
وفي تحقيق موسّع لـ”درج ميديا” بعنوان “محافظة دمشق القابضة: عاصمة الأسد التي وجدها رجال الشرع”، جرى تتبّع تاريخ شركة “دمشق الشام القابضة”، والمرسوم 66 الذي أصدره الرئيس السابق بشّار الأسد في عام 2012، عبر وثائق حصرية حصل عليها الموقع بعد سقوط النظام من وسيط بين المحافظة والشركة.
إقرأوا أيضاً:
تكشف الوثائق أن فكرة “إعادة الإعمار” لم تكن سوى خطّة طويلة الأمد لإعادة تشكيل ملكيّة العاصمة وريفها، عبر نقل الأراضي المدمّرة إلى شركات خاصّة يملكها نافذون. والمفارقة أن بعض المشاريع التي أعلنتها السلطة الانتقالية الجديدة اليوم، تستعيد تلك الخطط نفسها، بعد تجميلها بخطاب “النهضة الوطنية”، في استمرار صريح لمنطق الاستحواذ القديم بوجوه جديدة.
كلّ هذه الأمثلة تجعل من “إعادة الإعمار” ليس مشروعاً فيزيائياً فقط، بل خطاب يُستخدم لإقناع العالم بأن سوريا باتت “مستقرّة”، وأن اللاجئين يمكن أن يعودوا، وأن الإعمار في الطريق.
هنا يُطرح السؤال: هل إعادة الإعمار هي استرجاع للحياة، أم استرجاع لموقع السلطة؟ هل هي بناء على أساس شفافية ومحاسبة، أم بناء على أوهام وشركات ظلّ؟
لكنّ هذه الرواية الاقتصادية المذهّبة لا يمكن فصلها عن وظيفتها السياسية. فبينما تُلمّع السلطة صورتها أمام العالم بمشاريع إعمار وهمية، تُعاد صياغة القمع بأدوات جديدة، أكثر نعومة ودهاء. فالإعمار هنا ليس وعداً بالحياة، بل غطاء لتجميل الخراب وترويض الذاكرة. وفي الوقت الذي تتحدّث فيه البيانات الرسمية عن “استقرار”، تتكاثر على الأرض قصص القتل والخطف والتصفيات، كأنّ البلاد تُرمّم فوق جماجم أبنائها.
انتهاكات تختبئ خلف وعود العودة
خلف واجهة الخطاب الهادئ عن “الاستقرار” تتكشّف حقيقة أكثر قسوة. فبينما تُقدَّم العودة كرمز للأمل وبداية جديدة، تتكاثر في الظلّ أخبار الموت والاختفاء. تمتلئ الساحة بخبر عودات لا يحتفل بها أحد، لكنّها تُصعق بواقع مرير: الناشط الذي يغيّر موقفه السياسي، أو الإعلامي يُقتل بعد عودته، والمواطن البسيط يُختطف، والنساء والأطفال يتحوّلون إلى أهداف في زمن “السلام الموعود”. الانتهاكات ليست هامشاً، بل باتت البنية التحتية الحقيقية لكلّ سرديّة عن “الاستقرار”.
من هذه الحالات التي لا تُمحى من ذاكرة العائدين، مقتل الشاب يوسف محمّد اللبّاد من حيّ القابون في دمشق، الذي عاد من ألمانيا واعتُقل داخل الجامع الأموي، ثم ظهرت جثّته محمّلة بآثار ضرب وتعذيب، حسب ما أكّدت عائلته ومصادر محلّية. السلطات بدورها نفت التهمة، وأعلنت أنه “دخل الجامع وهو في حالة نفسية غير مستقرّة”، وأنه “أقدم على إيذاء نفسه”. أُغلقت التحقيقات رسمياً بعد تقرير طبّي حدّد أن سبب الوفاة “نوبة اختلاج”، وسط تشكيك عامّ من عائلته ومجتمع الناشطين.
كذلك قُتل الناشط الإعلامي كندي العداي في دير الزور، بعد عودته من ألمانيا، حيث عُثر عليه مشنوقاً داخل شقّته، والجثّة تحمل آثار تعذيب واضحة، بحسب عدّة تقارير محلّية. العداي، الذي رفع صوته مراراً من أجل أبناء منطقته، وانتقد الأوضاع الأمنية، لم يجد في عودته سوى موت صامت يكمل سلسلة طويلة من التصفيات، التي تطال من يخرج عن النسق العامّ.
في الجنوب أيضاً، أعادت الانتهاكات والاقتحامات الأخيرة في السويداء، تأكيد أن الفوضى الأمنية ليست طارئة، بل جزء من نمط متكرّر لإخضاع المجتمع وإعادة ضبطه بالقوّة.
فما حصل في السويداء من عمليّات قتل وخطف وحرق ممتلكات مدنيين، مع توتّرات مسلّحة، كشفت حجم هشاشة السلطة الجديدة في فرض “الاستقرار” الذي تتحدّث عنه، مقابل توسّع الانتهاكات وانعدام المساءلة.
أما في مناطق الساحل، فوثّقت جهات حقوقية سورية ودولية حوادث خطف النساء والأطفال المتكرّرة بوتيرة مقلقة، لتكشف وجهاً آخر من الفوضى المحميّة رسمياً، حيث تتحوّل الأجساد إلى أدوات ضغط وابتزاز، في ظلّ غياب القانون وتواطؤ الأجهزة المحلّية. ومثال ذلك ما حصل في قضيّة الطفل محمّد حيدر، الذي أُخذ من أمام مدرسته على يد مسلّحين يستقلّون سيارة “سانتافيه” زرقاء، بعد مراقبة دقيقة للمكان، وفق تقارير “المرصد السوري لحقوق الإنسان”. هذا المشهد لم يعد استثناءً، بل قاعدة يومية تُكرّس انهيار الأمن المحلّي، وتواطؤ الأجهزة الرسمية بالصمت أو المشاركة.
أما في الشمال، فالوضع لا يقلّ توتّراً. في حيّ الشيخ مقصود والأشرفيّة في حلب، حيث جرت مؤخّراً اشتباكات بين “قسد” والقوّات الحكومية، أسفرت عن جرحى وقتلى عسكرين ومدنيين، بعد أن تبادلا القصف بالهاون، إذ فرضت الأخيرة حصاراً جزئياً، مانعة الدخول والخروج من المناطق المذكورة.
هذه التوتّرات المتكرّرة تذكّر بأن البلاد التي يُقال إنها “جاهزة لعودة أبنائها”، لا تزال ساحة مفتوحة على الصراع العسكري والسياسي، لا على العودة أو البناء.
وسط هذا المشهد، يبدو أن “العودة الآمنة” التي تروّج لها بعض الدول، ليست سوى إعادة تدوير لمشاهد القمع، لكن بأسماء جديدة: الأمن ذاته، اللغة ذاتها، والقبور ذاتها. فقط اللافتات تغيّرت.
حين تتحوّل التحذيرات إلى تفويض بالصمت
ومن هنا، يصبح الخطاب الدولي الذي يُفترض أن يُحذّر من الانتهاكات، جزءاً من آليّة تبريرها. فـتحذير الأمم المتّحدة من أن “سوريا بلغت طاقتها القصوى”، لا يُقرأ اليوم بوصفه نداءً إنسانياً فحسب، بل أيضاً كتحذير مزدوج المعنى: إذ تخشى أوروبا من اللاجئين أكثر ممّا تخشى عليهم. فبينما تُرفع التحذيرات في المؤتمرات، تمضي السياسات الواقعية نحو إعادة العلاقات التدريجية مع “الحكومة الجديدة”، تحت ذريعة الاستقرار ومحاربة الفوضى.
وهكذا يمتدّ الصمت الدبلوماسي إلى اللغة ذاتها. في الخطاب الرسمي الأوروبي، تُعاد صياغة المأساة بلغة محايدة: العودة الطوعية، إعادة الإعمار، مناطق آمنة. لكن ما يُغفَل عمداً هو أن الانتهاكات لم تتوقّف، بل تبدّلت لغتها. القمع لم يختفِ، بل تحوّل إلى بيروقراطية أمنية بواجهات مدنية، تُبرّر نفسها بمصطلحات “الإصلاح” و”الإدارة الجديدة”. وهكذا تصبح “إعادة الإعمار” غطاء لتبييض القمع، و”العودة” وسيلة لتفريغ المخيّمات، لا لإنهاء المنفى.
لكنّ المفارقة تتجلّى أكثر مع التقرير الأوروبي الأخير الصادر عن الوكالة الأوروبية للجوء (EUAA) في تشرين الأوّل/ أكتوبر 2025، الذي يؤكّد صراحة أن سوريا ما زالت بلداً غير آمن للعودة. فالتقرير، الذي تعتمد عليه دول الاتّحاد عند تقييم طلبات اللجوء، يرسم صورة قاتمة للوضع: انهيار أمني واقتصادي في مناطق سيطرة الحكومة، تصاعد عمليّات الخطف والاغتيال في الساحل والسويداء، وانهيار الخدمات الأساسية بحيث لا تعمل سوى نصف المستشفيات تقريباً، فيما يعاني أكثر من أربعة عشر مليون سوري من انعدام الأمن الغذائي. حتى المناطق التي تُوصف بأنها “مستقرّة”، لا تقدّم أيّ ضمانات قانونية للعائدين، بل تُدار بالولاءات والانتهاكات الصامتة.
بهذا المعنى، لا يأتي التقرير كتحذير جديد فحسب، بل كتكذيب رسمي لخطاب “العودة الآمنة” الذي تروّج له الحكومات الأوروبية، إذ يضعها أمام تناقض صارخ: كيف يمكن التحدّث عن استقرار بلد تُقرّ مؤسّسات الاتّحاد نفسه بأنه ما زال في دائرة الخطر؟
ومن هنا، يبدو أن التحذيرات الأممية والدولية التي تُرفع اليوم لا تعمل ككوابح للانتهاكات، بل كستار لغوي جديد يُتيح تمريرها. فـتحذير الأمم المتّحدة من أن “سوريا بلغت طاقتها القصوى”، لا يُقرأ اليوم بوصفه نداء إنسانياً فحسب، بل أيضاً كتحذير مزدوج المعنى: إذ تخشى أوروبا من اللاجئين أكثر ممّا تخشى عليهم. فبينما تُرفع التحذيرات في المؤتمرات، تمضي السياسات الواقعية نحو إعادة العلاقات التدريجية مع “الحكومة الجديدة”، تحت ذريعة الاستقرار ومحاربة الفوضى.
إن ما يجري اليوم ليس نقاشاً حول اللاجئين، بل حول توزيع الخطر: من يستحقّ الحماية، ومن يُعاد إلى “بلد مستقرّ شكلياً”. وما يبدو كسياسات ضبط أوروبية، هو في جوهره نوع من التطبيع غير المعلن مع واقع لم يتغيّر جوهرياً ــ فقط غيّر لغته وشعاراته.
ربما كان على أوروبا أن تُصغي إلى التحذير الأممي لا باعتباره عائقاً أمام سياساتها، بل مرآة تكشف هشاشة منطقها: لا يمكن أن تكون العودة آمنة في بلد لا يزال الخطر فيه هو النظام نفسه، ولو تغيّر اسمه.












