في 27 آذار/ مارس 2016، كتبت مقالاً بعنوان “الجندي القاتل بطل إسرائيل”، بعد انتشار شريط الفيديو الذي وثّق إطلاق الجندي الإسرائيلي أليئور أزاريا النار على عبد الفتاح الشريف، وهو فلسطيني جريح ومُعطّل عن الحركة، في تل رميدة بالخليل.
كان المشهد آنذاك صادماً حتى داخل إسرائيل. فقد سارع رئيس الحكومة بنيامين نتانياهو ووزير الدفاع موشيه يعلون ورئيس هيئة الأركان غادي آيزنكوت إلى إدانة الفعل، والتأكيد أن ما حدث لا يمثل قيم الجيش الإسرائيلي وأخلاقيات القتال.
لكن سرعان ما ظهر الوجه الآخر لاسرائيل: حملات سياسية وإعلامية واسعة للدفاع عن أزاريا، ومحاولات لتحويله من جندي متهم بقتل فلسطيني جريح إلى ضحية، ثم إلى بطل. وكانت عائلته تدير حملة إعلامية منظمة، فيما ظهرت مبادرات لجمع التواقيع والإفراج عنه، وتبنى سياسيون وشخصيات من اليمين قضيته.
كتبت يومها أن الإسرائيليين “يمارسون ديمقراطيتهم على دمنا”: يناقشون قضيتهم بحرية، وتدافع المؤسسات والشخصيات السياسية عن مواقفها، فيما يحاولون تحويل المجرم إلى ضحية، بينما يعجز الفلسطينيون عن إدارة حتى نقاش وطني عام حول حياتهم وقضاياهم العادلة.
بعد عشر سنوات، تعود قضية أزاريا إلى الواجهة، لكن إسرائيل التي نراها اليوم ليست إسرائيل التي كانت تحاول، في قضية الشريف، أن تقنع العالم بأن ما حدث استثناء لا يمثل قيمها.
فقد قرر الرئيس إسحاق هرتسوغ تقصير مدة بقاء السجل الجنائي لأزاريا وإزالته فوراً، في قرار أثار انتقادات من شخصيات قانونية وكتاب ومحللين إسرائيليين. والمفارقة أن بعض أشد منتقدي القرار لا يفعلون ذلك دفاعاً عن صورة إسرائيل أمام العالم، بل دفاعاً عن صورة إسرائيل التي يريدونها دولة قانون وديمقراطية، وعن جيش يخضع للقانون، وعن حدود أخلاقية قالوا في الماضي إنها تميز إسرائيل عن أعدائها.
ووضع بعضهم قرار هرتسوغ في سياق أوسع بكثير. إذ يرى هؤلاء أن إسرائيل الرسمية تضر بمكانتها الدولية وتعرّض قادتها وجنودها للملاحقة القضائية في الخارج، من خلال سلسلة من الممارسات، بينها التعامل مع شبهات جرائم الحرب، والانتهاكات التي يتعرض لها الأسرى الفلسطينيون في مراكز الاحتجاز، وسياسات الاستيطان والضم الزاحف في الضفة الغربية، ومنع دخول الصحافيين إلى غزة. وفي نظرهم، يأتي قرار هرتسوغ بشأن أزاريا حلقة إضافية في هذا المسار.
وربط آخرون القرار بتوقيته السياسي، قبل أسابيع قليلة من الانتخابات، وفي ظل السؤال: ما الذي تغير منذ تموز/ يوليو حتى أصبحت إزالة السجل الجنائي لأزاريا ممكنة.
وهنا تكمن أهمية العودة إلى قضية أزاريا.
في عام 2016 كان الخلاف يدور حول سؤال بسيط وواضح: هل يجوز لجندي أن يقتل فلسطينياً جريحاً ومُعطّلاً عن الحركة لم يعد يشكل خطراً؟
أُدين أزاريا في المحكمة العسكرية، وحُكم عليه بالسجن 18 شهراً، ثم خُفّضت العقوبة إلى 14 شهراً. وكان موقف قيادة الجيش آنذاك واضحاً في رفض تحويل ما فعله إلى سلوك مشروع أو مقبول. أما اليوم، وبعد عشر سنوات، فلم تعد القضية تتعلق بالعقوبة التي أمضاها أزاريا فقط، بل بالرسالة التي يبعثها القرار الجديد، وبالمعيار الذي تضعه دولة الاحتلال أمام جنودها ومجتمعها والعالم.
فالمشكلة، في نظر بعض المحللين الإسرائيليين، ليست فقط في منح أزاريا هذا الامتياز، وإنما في أن مؤسسة الرئاسة وضعت ثقلها الرمزي إلى جانب تصور يرى أن الفلسطيني، حتى بعد تحييده، يمكن أن يظل هدفاً مشروعاً للقتل في الخطاب العام والسياسي.
هذه النقلة تستحق التوقف عندها. فما كان في 2016 فعلاً حاولت إسرائيل الرسمية عزله عن قيم الجيش والقانون، أصبح اليوم جزءاً من نقاش أوسع حول الحدود التي تراجعت أو تغيرت داخل المجتمع والمؤسسات الإسرائيلية.
ولا يعني ذلك أن قرار هرتسوغ وحده يثبت مسؤولية جنائية عن جرائم حرب، ولا أن إزالة السجل الجنائي لأزاريا تشكل، بذاتها، مشاركة في تلك الجرائم. فللمسؤولية الجنائية الفردية أمام القضاء الدولي شروطها وقواعدها المحددة. لكن القرار يمكن أن يصبح جزءاً من النقاش حول المسؤولية السياسية والأخلاقية، وحول ثقافة الإفلات من العقاب، وحول الطريقة التي تتعامل بها مؤسسات الدولة مع أفعال سبق أن أدينت باعتبارها مخالفة للقانون.
وقضية أزاريا نفسها لم تكن بداية هذا المسار، لكنها كشفت مبكراً عن الصراع داخل إسرائيل حول حدود ما يمكن فعله بالفلسطينيين، وما إذا كان القانون قادراً على وضع حد له.
فبين قضية أزاريا وحرب الإبادة الحالية، استمرت سنوات الاحتلال والاستيطان والعنف ضد الفلسطينيين، والحروب المتكررة على غزة، والاعتقالات والتعذيب وسوء المعاملة، وسياسات التهجير والاستيلاء على الأرض، وغياب المحاسبة الفعلية عن كثير من الانتهاكات.
وما حدث بعد ذلك لم يكن انتقالاً مفاجئاً من حالة استثنائية إلى واقع جديد، بل تراكمات طويلة من الاحتلال والقوة والإفلات من العقاب. لكن حرب الإبادة الحالية كشفت حجم هذا التحول على نحو غير مسبوق، مع اتساع نطاق القتل والدمار والانتهاكات، وتحولها إلى موضوع اتهامات وتحقيقات أمام مؤسسات دولية.
وفي عام 2016 كتبت أن حملة التضامن مع أزاريا نجحت في التأثير على نتانياهو، وأن الجندي الذي أُدين بقتل الشريف بدأ يتحول في الخطاب السياسي والإعلامي إلى “بطل إسرائيل”.
بعد عشر سنوات، لم يعد السؤال فقط: هل أزاريا بطل؟ السؤال الأهم هو: ماذا حدث للمعيار الذي أدان أزاريا أصلاً؟
في قضية الشريف، كان الجيش ووزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان ورئيس الحكومة يقولون إن قتل فلسطيني جريح ومُعطّل عن الحركة لا يمثل قيم الجيش. وكان هناك، على رغم كل التناقضات، إدراك واضح بأن مثل هذا السلوك يمكن أن يلحق ضرراً استراتيجياً بصورة إسرائيل في العالم.
أما اليوم، وبعد سنوات من الحرب والاحتلال والاستيطان والانتهاكات، فإن إسرائيل تواجه اتهامات دولية أخطر بكثير من تلك التي أثارتها قضية جندي واحد في الخليل.
ومع ذلك، فإن الأصوات الإسرائيلية التي تنتقد هرتسوغ لا تزال تحاول الدفاع عن مفهوم مختلف لإسرائيل: دولة قانون، ومجتمع ديمقراطي، وجيش له حدود قانونية وأخلاقية، ومؤسسات قادرة على محاسبة من يتجاوزها.
وهنا تكمن المفارقة بالنسبة الى الفلسطينيين. ففيما يخوض الإسرائيليون نقاشهم الداخلي حول الديمقراطية والقانون وأخلاق الجيش ومستقبل الدولة، يدفع الفلسطينيون الثمن المباشر لهذه السياسات بالقتل والتهجير والدمار وفقدان البيوت والأرض والحقوق.
وقد كتبت في 2016 أن الإسرائيليين “يمارسون ديمقراطيتهم على دمنا”. وبعد عشر سنوات، تبدو العبارة أكثر قسوة، لأن النقاش لم يعد يدور حول جندي واحد قتل فلسطينياً جريحاً، بل حول منظومة أوسع من القوة والاحتلال والحرب والمساءلة.
وما يحصل اليوم ليس منفصلاً عن تاريخ أطول من الاحتلال منذ النكبة عام 1948، وما رافقه من أنماط متكررة من العنف والتهجير والسيطرة والإفلات من العقاب. لكن ما يحدث في غزة والضفة يأتي بحجم ودمار غير مسبوقين، ويجعل السؤال عن الحدود التي كانت إسرائيل تقول إنها قائمة أكثر إلحاحاً.
بهذا المعنى، ليست قضية أزاريا مجرد قصة جندي قتل فلسطينياً جريحاً ثم حصل، بعد سنوات، على إزالة سجله الجنائي. إنها قصة عن حدود كانت إسرائيل تقول إنها لا تزال موجودة، ثم أخذت تتآكل؛ وعن الفرق بين إسرائيل التي تريد أن تقنع العالم بأنها دولة قانون، ومجتمع تتسع داخله مساحة من يرى أن القانون لا ينبغي أن يقف في طريق قتل الفلسطيني بعد تحييده.
وهي أيضاً قصة عندولة تمارس القتل وتشرعنه، وعمن يقاوم هذا التحول ويحذر من عواقبه. وهذا ربما هو الجانب الأكثر أهمية في كتابات عدد من الكتاب والمحللين الإسرائيليين الذين ينتقدون قرار هرتسوغ: إنهم لا يتحدثون فقط عن أزاريا، بل عن صورة إسرائيل ومستقبلها، وعن معنى أن تكون دولة قانون.
أما بالنسبة إلينا نحن الفلسطينيين، فالمسألة أبسط وأكثر قسوة: عبد الفتاح الشريف كان إنساناً، وكان جريحاً، وكان خارج القدرة على إيذاء أحد عندما أطلق أزاريا النار عليه. قبل عشر سنوات كان ذلك هو جوهر القضية. وبعد عشر سنوات، يبقى السؤال: ماذا حدث للمعيار الذي أدان أزاريا أصلاً؟
وربما هنا تحديداً تكمن دلالة قرار هرتسوغ: ليس لأنه يجعله، قانونياً، شريكاً في كل ما ارتُكب من جرائم حرب، وإنما لأنه يأتي في لحظة أصبح فيها النقاش حول معنى القانون نفسه جزءاً من النقاش حول مستقبل إسرائيل، بينما يواصل الفلسطينيون دفع ثمن هذا النقاش من حياتهم وبيوتهم وأرضهم.












