ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

من الحرب الأهليّة إلى أزمة المصارف: حلقة الانهيار اللبناني

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لم ينهَر القطاع المصرفي اللبناني فجأة، فبنيته الهشّة بدأت تتكشف منذ منتصف التسعينات، حين اعتمد لبنان على تدفق رؤوس الأموال بدل بناء اقتصاد إنتاجي. وفي 2016، جاءت “الهندسات المالية” التي روّج لها مصرف لبنان كحلّ سحري، لكنها كانت عمليًا قنبلة موقوتة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تراكمت المشاكل المالية على بسام الشيخ حسين، الأب لطفلين، في ظل الأزمة التي عصفت بالمصارف اللبنانية، وقلبت حياة آلاف المودعين وهو من بينهم، يقول بغضب وإحباط شارحاً حاله:”هاي الأزمة قلبت حياتي… أنا ما بقى أوثق بولا شي. بالنسبة إلي، كلّن كذابين”.

لم يتحسّن وضع بسام المادي والمعيشي، واضطر إلى إقفال متجره الصغير والانتقال إلى أعمال جانبية، وما زال وقع الأزمة الأكبر في تاريخ لبنان يؤثر على حياته اليومية. 

بعد خمس سنوات على أكبر انهيار مصرفي في تاريخ لبنان، خرج النائب العام المالي القاضي ماهر شعيتو، بقرار يلزم مصرفيين وأشخاصًا معنويين بإعادة الأموال التي حُوّلت إلى الخارج خلال الأزمة، بالعملة ذاتها.

منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2019، حين أُقفلت المصارف اللبنانية لأسبوعين متتاليين بعد اندلاع الانتفاضة الشعبية، اهتزّت ثقة الناس بهذا القطاع الذي طالما اعتُبر “عماد الاستقرار”. القيود غير القانونية على السحوبات والتحويلات حوّلت حسابات المودعين إلى أرقام جامدة، وتعدد أسعار الصرف أجهز على ما تبقّى من قدرة شرائية.

في هذه الفترة أيضاً، أكد مصدر في جمعية المصارف لـ”درج”، أن المصارف استمرّت بدفع نحو 3 ملايين دولار أميركي سنوياً لوسائل الإعلام التقليدية، وهذا المبلغ لا يشمل إعلانات المصارف ضمن نشرات الأخبار أو البرامج السياسية. 

استرداد الأموال “المهرّبة” 

قال مصدر مصرفي لـ”درج” إن شعيتو أرسل لائحة من الأسماء التي يتوجّب عليها إعادة الأموال، والتي تقدّر بمليار و200 ألف دولار أميركي، مليار منها لمصرفيين والـ200 لسياسيين، فيما بلغت قيمة الأموال المهرّبة إلى الخارج نحو 6 مليارات دولار منذ أواخر العام 2019، حسب ما صرّح المدير العام السابق لوزارة المالية آلان بيفاني لصحيفة “فاينانشيل تايمز”. 

اعتُبرت هذه الخطوة القضائية الأولى منذ الأزمة وتهريب بعض السياسيين والمصرفيين النافذين أموالهم إلى الخارج، بينما حُرم المودعون من سحب أموالهم بالإضافة إلى وضع سقف غير قانوني لسحوباتهم. علماً أن تعميمات مصرف لبنان الأخيرة رفعت سقف السحوبات لبعض الحسابات المالية من 400 إلى 800 دولار أميركي شهرياً. 

وأكد مصدر قضائي لـ”درج”، أن الأسماء الواردة في اللائحة التي استلمها شعيتو بدأت بتبلّغ القرار واحداً تلو الآخر، على أن يلتزم المعنيون بالاستجابة لقرار النائب العام المالي خلال فترة زمنية قصيرة ومحدّدة. وفي حال امتناعهم عن ذلك، ستُتخذ الإجراءات القانونية بحقّهم.

وشرح المحامي والأستاذ المحاضر بقانون الضرائب والمالية العامة كريم ضاهر، أن “الخرق الحقيقي بدأ قبل الحراك، في أيلول/ سبتمبر 2019، حين هُرّبت أموال السياسيين وكبار المستثمرين بلا أي ضوابط، فيما بقي صغار المودعين عالقين في المصارف”. هذا التوصيف يكشف أن ما حصل لم يكن أزمة مفاجئة، بل انهيارًا مبرمجًا شاركت فيه المنظومة بكل أطرافها، بحسب ضاهر. 

جذور الأزمة أعمق من “التحويلات”

لم ينهَر القطاع المصرفي اللبناني فجأة، فبنيته الهشّة بدأت تتكشف منذ منتصف التسعينات، حين اعتمد لبنان على تدفق رؤوس الأموال بدل بناء اقتصاد إنتاجي. وفي 2016، جاءت “الهندسات المالية” التي روّج لها مصرف لبنان كحلّ سحري، لكنها كانت عمليًا قنبلة موقوتة.

تلك الهندسات منحت أرباحًا خيالية للمصارف، وغطّت عجز الدولة من ودائع الناس. يصفها ضاهر بأنها “وهم استقرار”، إذ صنعت أرباحًا ورقية لكنها راكمت الخسائر الحقيقية في ميزانية المصرف المركزي.

في نيسان/ أبريل 2019، وقبل الانهيار المالي بأشهر قليلة، وزّع بنك عودة أكثر من 260 مليون دولار على مساهميه، من بينهم رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي وحاكم مصرف لبنان السابق والمسجون حالياً، رياض سلامة وآخرون، إذ أوضح تحقيق “درج” أن المصرف كان يستفيد من الهندسات المالية ومن تسهيلات خاصة وفرها له مصرف لبنان، شملت ديوناً تجاوزت ملياري دولار، بينما تُرك المودعون اللبنانيون عالقين مع ودائع محجوزة بالكاد يستطيعون الحصول على جزء يسير منها.


كانت الهندسات المالية أحد أبرز الأسباب التي قادت إلى الانهيار. وقد بدأت مع بنكَي البحر المتوسط وعوده بفضل التسهيلات التي قدّمها سلامة، ثم امتدّت لتشمل باقي المصارف، بحيث تحققت من خلالها أرباح طائلة، وفقاً للاستاذ الجامعي والخبير المالي والاقتصادي محمد فريدة. 

انعكست هذه العمليات أرباحًا كبيرة على المصارف وبعض المودعين المحظيّين الذين كانوا يتمتّعون بإمكانية الوصول إلى تلك التسهيلات. ووفق تقرير شركة “ألفاريز ومارسال”، فإن الكلفة الإجمالية للهندسات المالية التي أجراها مصرف لبنان بلغت نحو 76 مليار دولار.

الأزمة الماليّة وتحوّلها إلى مأساة اجتماعيّة

الأزمة لم تكن مالية فقط، بل تحوّلت إلى مأساة اجتماعية. إذ جعل التضخّم المفرط شراء الغذاء والدواء رفاهية، فأصبح حوالي نصف الشعب اللبناني يعاني من فقر مدقع، وفقاً لتقرير البنك الدولي، والذي نشر في أيار/ مايو 2024. البطالة ارتفعت، والشركات أقفلت، فيما ازداد التفاوت بين قلة تملك “فريش دولار” وغالبية مسحوقة.
في هذه المعادلة، كان المودع الصغير الخاسر الأكبر. فقد كل شيء، فيما هُرّبت أموال النافذين أو حُفظت في الخارج. وهنا يشير ضاهر إلى أن “غياب قانون الكابيتال كونترول أتاح الاستنسابية، فاستطاع البعض إخراج أموالهم بينما بقي الآخرون أسرى المصارف”.
حتى أنه في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، أعلنت جمعية المصارف أنها تلقت قرارات شفهية من حاكمية مصرف لبنان تقضي بوضع سقف للسحوبات، ووفقاً لضاهر، هذا أمر غير قانوني لأنه لا وجود لقرارات شفهية، ولا يحق لجمعية المصارف تنفيذ قرارات.

المودعون بين الاقتحامات والدعاوى القضائيّة

خلال هذه الفترة، شهدت المصارف اقتحامات عدّة من مودعين، مطالبين بالحصول على أموالهم، والذي يُعتبر بحسب المادة 420 من القانون اللبناني “استيفاء الحقّ بالذّات”، أي محاولة استرداد ما سُلب بالقوّة.
في عام 2019، سرعان ما انهارت خطة بسام الشيخ حسين مع بداية الأزمة عام 2019. إذ إن تقلبات الدولار أنهكت “الميني ماركت” الذي كان يديره، وبدأ يخسر، واصفاً وضعه آنذاك: “حسّيت حالي عم برجع لورا… أزمة الكهرباء زادت الطين بلة، بس أكتر شي كسرني كانت فاتورة المستشفى بعد مرض الوالد”.
في محاولة للخروج من مأزقه، لجأ بسام إلى المصرف ليستفيد من التعميم 158، لكن العرقلة دفعته إلى اقتحام المصرف للحصول على الأموال اللازمة لعلاج والده. وبعد مفاوضات حصل على 35 ألف دولار، ثم تنازل لاحقًا عن الدعوى التي ربحها خوفًا من الاستئناف.
أمّا فراس طنّوس، الأب لولدين وتاجر رخام، ففوجئ بإقفال المصرف حسابه بعدما أرسلت إدارة المصرف إنذاراً له بذلك نتيجة مناوشة مع مدير الفرع، وأودعت شيكاً مصرفياً لدى كاتب العدل لكنه رفض استلامه، وفقا لما قاله لـ”درج”. وتابع: “كانت لدينا ملايين في المصرف، اليوم أصبحت ملاليم”، بخاصة أن لديه طفلين بحاجة الى أدوية وحليب ومستلزمات. 

لجأ فراس إلى إرسال أسرته إلى الخارج فيما بقي وحده في لبنان محاولاً إعادة فتح حسابه. مع استمرار مماطلة المصرف، رفع فراس دعوى قضائية ضد إدارة المصرف، إذ قال له القاضي زاهر حمادة: “لشو بدك تفتح الحساب، خلّيه مسكّر أحسن!”، وهو القاضي نفسه الذي كان يسعى رئيس مجلس النواب، نبيه برّي، الى تعيينه في منصب المدعي العام المالي. 
ومع ازدياد وتيرة الاقتحامات، خصوصًا عام 2022 الذي سُجلت خلاله نحو 9 اقتحامات، ردّت المصارف بإجراءات اعتُبرت غير قانونية تمثلت بإقفال أبوابها أمام المودعين وتعطيل أجهزة الصراف الآلي.

ما علاقة الحرب الأهلية؟

بعد الحرب الأهلية، خرج لبنان بدمار شامل وبنية دولة هشّة. حاولت الحكومة حينها إعادة الإعمار، لكنها اعتمدت على أموال الخارج بدل الاستثمار في القطاعات الإنتاجية. في عام 1997، رُبطت الليرة بالدولار الأميركي، وبدت الخطة ناجحة على الورق: استقرار نسبي وجذب للاستثمارات. لكن الواقع كان مختلفًا، فاقتصاد البلاد أصبح مرهوناً بالسياحة والتحويلات من المغتربين والعقارات، وبالحسابات المصرفية التي كانت تُغري اللبنانيين بالفوائد المرتفعة.

لكن هذا “الاستقرار الظاهري” كان مجرد وهم، فالحكومات المتعاقبة تراكمت عليها الديون، والمصارف اللبنانية استخدمت معظم ودائع الناس لتمويل الدولة، ما جعلها معرّضة للخطر السيادي وقلّص السيولة. وفي هذا السياق، قال ضاهر إن “الهندسات المالية لم تكن أكثر من قناع يغطي عجزًا متراكمًا، وعندما توقفت التدفقات بالدولار، انهار كل شيء”.

منذ انتهاء الحرب الأهلية وبداية ورشة إعادة الإعمار أيضاً، نشأت علاقة جديدة بين بعض المصارف أو بعض المصرفيين اللبنانيين من جهة، وأصحاب الأموال المشبوهة من جهة أخرى، بحسب محمد فريدة، وتابع أن “هذه العلاقة تعمّقت مع تفشّي الفساد في مرحلة إعادة الإعمار، ما يكشف حجم الأموال غير المشروعة التي تدفقت إلى القطاع المصرفي اللبناني”.

كما أوضح فريدة أن المنظومة ارتكزت على ثلاثية واضحة: المصارف، أصحاب الأموال المشبوهة، والسياسيون الفاسدون. هذا “الثالوث” كان يدير العمليات المالية والاقتصادية الكبرى في البلاد، وكان حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، أحد أبرز عرّابيها، إلى جانب الأطراف الثلاثة التي شكّلت أركانها.

الخلاصة: حلقة الانهيار… وكسرها

لا يمكن فصل الانهيار المالي عن منظومة الإفلات من العقاب التي تأسست بعد الحرب. فمن دون عدالةٍ ناجزة في القضايا السياسية والأمنية والمالية، تبقى أي خطة تعافٍ مجرّد مسكّن. وكسر الحلقة يتطلّب قضاءً مستقلاً، تشريعاتٍ عادلة لتوزيع الخسائر، ومحاسبةً شفافة تُعيد الاعتبار الى حقوق الضحايا والمودعين، وتردّ للدولة معناها وللمجتمع ثقته بنفسه.

فمنذ قانون العفو العام بعد الحرب الأهلية، أُقفلت بشكل سياسي وأخلاقي ملفاتٍ كبرى تتعلق بجرائم الحرب والاختفاء القسري والقتل على الهوية. وبدلاً من بناء ذاكرة عدلية ومؤسسات قضائية قادرة، صعد إلى الحكم أمراء الحرب أنفسهم بقبعاتٍ جديدة، فترسّخت معادلة الاستقرار مقابل الحقيقة. هذا الإرث لم يُفكَّك يومًا؛ بل تمدّد إلى الاقتصاد والإدارة والمال العام، وصار الإفلات من العقاب قاعدةً حكمت الأداء السياسي والمالي.

توالت ملفات جسيمة في العقود التالية – من اغتيالات سياسية وانفجارات أمنية إلى انفجار مرفأ بيروت الذي مثّل ذروة المأساة – لكن القاسم المشترك كان واحدًا: تدخلات سياسية، كفّ يد قضاة، نزاعات اختصاص، تطيير جلسات، وإغراق التحقيقات بدعاوى الردّ والمخاصمة. بقيت الحقيقة معلّقة، والعدالة مؤجلة، وحقوق الضحايا وذويهم معلّقة بدورها على حبالٍ مناورات لا تنتهي. وفي ظل هذا المشهد، تحوّل القضاء من سلطةٍ مستقلّة إلى ساحة اشتباكٍ بين نفوذٍ سياسي ومصالح اقتصادية، فتآكلت الثقة العامة وانكمش الشعور بالأمان القانوني لدى الناس.

حين وقع الانهيار المالي، استُنسخت المعادلة القديمة نفسها: إدارة سياسية للأزمة بدل محاسبة منظّمة ومسؤولة. تلكّأ التشريع في إقرار قواعد واضحة لتوزيع الخسائر وحماية صغار المودعين، وتنازعت السلطة التنفيذية والمالية على الأرقام والخطط، فيما ظلّت المحاسبة الفعلية محدودة وانتقائية.

 إجراءات من نوع قرار النائب العام المالي بإلزام بعض المصرفيين والسياسيين بإعادة الأموال المهرّبة تبدو خطوةً لافتة، لكنها لا تُغني عن مسارٍ شامل يطاول تحديد المسؤوليات، تدقيقًا جنائيًا مُلزِمًا، استردادًا منظّمًا للأصول، وإصلاحًا قضائيًا يحرّر العدالة من نفوذ السياسة.

أُنجزت هذه المّادة بدعم من مؤسسة سمير قصير 

سها مصطفى | 12.09.2026

“لماذا تريد الهويّة الشخصية؟”

الأخطر من أن يصمت الناس أمام السلطة، هو أن يبدأوا في إنتاج الأعذار لها. وربما لم يكن صمت الركّاب في الباص ذلك اليوم خوفاً مباشراً من العسكري وحده. ربما كان أيضاً ارتباكاً أمام واقع جديد لم نعرف بعد كيف نفهمه.
25.09.2025
زمن القراءة: 7 minutes

لم ينهَر القطاع المصرفي اللبناني فجأة، فبنيته الهشّة بدأت تتكشف منذ منتصف التسعينات، حين اعتمد لبنان على تدفق رؤوس الأموال بدل بناء اقتصاد إنتاجي. وفي 2016، جاءت “الهندسات المالية” التي روّج لها مصرف لبنان كحلّ سحري، لكنها كانت عمليًا قنبلة موقوتة.

تراكمت المشاكل المالية على بسام الشيخ حسين، الأب لطفلين، في ظل الأزمة التي عصفت بالمصارف اللبنانية، وقلبت حياة آلاف المودعين وهو من بينهم، يقول بغضب وإحباط شارحاً حاله:”هاي الأزمة قلبت حياتي… أنا ما بقى أوثق بولا شي. بالنسبة إلي، كلّن كذابين”.

لم يتحسّن وضع بسام المادي والمعيشي، واضطر إلى إقفال متجره الصغير والانتقال إلى أعمال جانبية، وما زال وقع الأزمة الأكبر في تاريخ لبنان يؤثر على حياته اليومية. 

بعد خمس سنوات على أكبر انهيار مصرفي في تاريخ لبنان، خرج النائب العام المالي القاضي ماهر شعيتو، بقرار يلزم مصرفيين وأشخاصًا معنويين بإعادة الأموال التي حُوّلت إلى الخارج خلال الأزمة، بالعملة ذاتها.

منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2019، حين أُقفلت المصارف اللبنانية لأسبوعين متتاليين بعد اندلاع الانتفاضة الشعبية، اهتزّت ثقة الناس بهذا القطاع الذي طالما اعتُبر “عماد الاستقرار”. القيود غير القانونية على السحوبات والتحويلات حوّلت حسابات المودعين إلى أرقام جامدة، وتعدد أسعار الصرف أجهز على ما تبقّى من قدرة شرائية.

في هذه الفترة أيضاً، أكد مصدر في جمعية المصارف لـ”درج”، أن المصارف استمرّت بدفع نحو 3 ملايين دولار أميركي سنوياً لوسائل الإعلام التقليدية، وهذا المبلغ لا يشمل إعلانات المصارف ضمن نشرات الأخبار أو البرامج السياسية. 

استرداد الأموال “المهرّبة” 

قال مصدر مصرفي لـ”درج” إن شعيتو أرسل لائحة من الأسماء التي يتوجّب عليها إعادة الأموال، والتي تقدّر بمليار و200 ألف دولار أميركي، مليار منها لمصرفيين والـ200 لسياسيين، فيما بلغت قيمة الأموال المهرّبة إلى الخارج نحو 6 مليارات دولار منذ أواخر العام 2019، حسب ما صرّح المدير العام السابق لوزارة المالية آلان بيفاني لصحيفة “فاينانشيل تايمز”. 

اعتُبرت هذه الخطوة القضائية الأولى منذ الأزمة وتهريب بعض السياسيين والمصرفيين النافذين أموالهم إلى الخارج، بينما حُرم المودعون من سحب أموالهم بالإضافة إلى وضع سقف غير قانوني لسحوباتهم. علماً أن تعميمات مصرف لبنان الأخيرة رفعت سقف السحوبات لبعض الحسابات المالية من 400 إلى 800 دولار أميركي شهرياً. 

وأكد مصدر قضائي لـ”درج”، أن الأسماء الواردة في اللائحة التي استلمها شعيتو بدأت بتبلّغ القرار واحداً تلو الآخر، على أن يلتزم المعنيون بالاستجابة لقرار النائب العام المالي خلال فترة زمنية قصيرة ومحدّدة. وفي حال امتناعهم عن ذلك، ستُتخذ الإجراءات القانونية بحقّهم.

وشرح المحامي والأستاذ المحاضر بقانون الضرائب والمالية العامة كريم ضاهر، أن “الخرق الحقيقي بدأ قبل الحراك، في أيلول/ سبتمبر 2019، حين هُرّبت أموال السياسيين وكبار المستثمرين بلا أي ضوابط، فيما بقي صغار المودعين عالقين في المصارف”. هذا التوصيف يكشف أن ما حصل لم يكن أزمة مفاجئة، بل انهيارًا مبرمجًا شاركت فيه المنظومة بكل أطرافها، بحسب ضاهر. 

جذور الأزمة أعمق من “التحويلات”

لم ينهَر القطاع المصرفي اللبناني فجأة، فبنيته الهشّة بدأت تتكشف منذ منتصف التسعينات، حين اعتمد لبنان على تدفق رؤوس الأموال بدل بناء اقتصاد إنتاجي. وفي 2016، جاءت “الهندسات المالية” التي روّج لها مصرف لبنان كحلّ سحري، لكنها كانت عمليًا قنبلة موقوتة.

تلك الهندسات منحت أرباحًا خيالية للمصارف، وغطّت عجز الدولة من ودائع الناس. يصفها ضاهر بأنها “وهم استقرار”، إذ صنعت أرباحًا ورقية لكنها راكمت الخسائر الحقيقية في ميزانية المصرف المركزي.

في نيسان/ أبريل 2019، وقبل الانهيار المالي بأشهر قليلة، وزّع بنك عودة أكثر من 260 مليون دولار على مساهميه، من بينهم رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي وحاكم مصرف لبنان السابق والمسجون حالياً، رياض سلامة وآخرون، إذ أوضح تحقيق “درج” أن المصرف كان يستفيد من الهندسات المالية ومن تسهيلات خاصة وفرها له مصرف لبنان، شملت ديوناً تجاوزت ملياري دولار، بينما تُرك المودعون اللبنانيون عالقين مع ودائع محجوزة بالكاد يستطيعون الحصول على جزء يسير منها.


كانت الهندسات المالية أحد أبرز الأسباب التي قادت إلى الانهيار. وقد بدأت مع بنكَي البحر المتوسط وعوده بفضل التسهيلات التي قدّمها سلامة، ثم امتدّت لتشمل باقي المصارف، بحيث تحققت من خلالها أرباح طائلة، وفقاً للاستاذ الجامعي والخبير المالي والاقتصادي محمد فريدة. 

انعكست هذه العمليات أرباحًا كبيرة على المصارف وبعض المودعين المحظيّين الذين كانوا يتمتّعون بإمكانية الوصول إلى تلك التسهيلات. ووفق تقرير شركة “ألفاريز ومارسال”، فإن الكلفة الإجمالية للهندسات المالية التي أجراها مصرف لبنان بلغت نحو 76 مليار دولار.

الأزمة الماليّة وتحوّلها إلى مأساة اجتماعيّة

الأزمة لم تكن مالية فقط، بل تحوّلت إلى مأساة اجتماعية. إذ جعل التضخّم المفرط شراء الغذاء والدواء رفاهية، فأصبح حوالي نصف الشعب اللبناني يعاني من فقر مدقع، وفقاً لتقرير البنك الدولي، والذي نشر في أيار/ مايو 2024. البطالة ارتفعت، والشركات أقفلت، فيما ازداد التفاوت بين قلة تملك “فريش دولار” وغالبية مسحوقة.
في هذه المعادلة، كان المودع الصغير الخاسر الأكبر. فقد كل شيء، فيما هُرّبت أموال النافذين أو حُفظت في الخارج. وهنا يشير ضاهر إلى أن “غياب قانون الكابيتال كونترول أتاح الاستنسابية، فاستطاع البعض إخراج أموالهم بينما بقي الآخرون أسرى المصارف”.
حتى أنه في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، أعلنت جمعية المصارف أنها تلقت قرارات شفهية من حاكمية مصرف لبنان تقضي بوضع سقف للسحوبات، ووفقاً لضاهر، هذا أمر غير قانوني لأنه لا وجود لقرارات شفهية، ولا يحق لجمعية المصارف تنفيذ قرارات.

المودعون بين الاقتحامات والدعاوى القضائيّة

خلال هذه الفترة، شهدت المصارف اقتحامات عدّة من مودعين، مطالبين بالحصول على أموالهم، والذي يُعتبر بحسب المادة 420 من القانون اللبناني “استيفاء الحقّ بالذّات”، أي محاولة استرداد ما سُلب بالقوّة.
في عام 2019، سرعان ما انهارت خطة بسام الشيخ حسين مع بداية الأزمة عام 2019. إذ إن تقلبات الدولار أنهكت “الميني ماركت” الذي كان يديره، وبدأ يخسر، واصفاً وضعه آنذاك: “حسّيت حالي عم برجع لورا… أزمة الكهرباء زادت الطين بلة، بس أكتر شي كسرني كانت فاتورة المستشفى بعد مرض الوالد”.
في محاولة للخروج من مأزقه، لجأ بسام إلى المصرف ليستفيد من التعميم 158، لكن العرقلة دفعته إلى اقتحام المصرف للحصول على الأموال اللازمة لعلاج والده. وبعد مفاوضات حصل على 35 ألف دولار، ثم تنازل لاحقًا عن الدعوى التي ربحها خوفًا من الاستئناف.
أمّا فراس طنّوس، الأب لولدين وتاجر رخام، ففوجئ بإقفال المصرف حسابه بعدما أرسلت إدارة المصرف إنذاراً له بذلك نتيجة مناوشة مع مدير الفرع، وأودعت شيكاً مصرفياً لدى كاتب العدل لكنه رفض استلامه، وفقا لما قاله لـ”درج”. وتابع: “كانت لدينا ملايين في المصرف، اليوم أصبحت ملاليم”، بخاصة أن لديه طفلين بحاجة الى أدوية وحليب ومستلزمات. 

لجأ فراس إلى إرسال أسرته إلى الخارج فيما بقي وحده في لبنان محاولاً إعادة فتح حسابه. مع استمرار مماطلة المصرف، رفع فراس دعوى قضائية ضد إدارة المصرف، إذ قال له القاضي زاهر حمادة: “لشو بدك تفتح الحساب، خلّيه مسكّر أحسن!”، وهو القاضي نفسه الذي كان يسعى رئيس مجلس النواب، نبيه برّي، الى تعيينه في منصب المدعي العام المالي. 
ومع ازدياد وتيرة الاقتحامات، خصوصًا عام 2022 الذي سُجلت خلاله نحو 9 اقتحامات، ردّت المصارف بإجراءات اعتُبرت غير قانونية تمثلت بإقفال أبوابها أمام المودعين وتعطيل أجهزة الصراف الآلي.

ما علاقة الحرب الأهلية؟

بعد الحرب الأهلية، خرج لبنان بدمار شامل وبنية دولة هشّة. حاولت الحكومة حينها إعادة الإعمار، لكنها اعتمدت على أموال الخارج بدل الاستثمار في القطاعات الإنتاجية. في عام 1997، رُبطت الليرة بالدولار الأميركي، وبدت الخطة ناجحة على الورق: استقرار نسبي وجذب للاستثمارات. لكن الواقع كان مختلفًا، فاقتصاد البلاد أصبح مرهوناً بالسياحة والتحويلات من المغتربين والعقارات، وبالحسابات المصرفية التي كانت تُغري اللبنانيين بالفوائد المرتفعة.

لكن هذا “الاستقرار الظاهري” كان مجرد وهم، فالحكومات المتعاقبة تراكمت عليها الديون، والمصارف اللبنانية استخدمت معظم ودائع الناس لتمويل الدولة، ما جعلها معرّضة للخطر السيادي وقلّص السيولة. وفي هذا السياق، قال ضاهر إن “الهندسات المالية لم تكن أكثر من قناع يغطي عجزًا متراكمًا، وعندما توقفت التدفقات بالدولار، انهار كل شيء”.

منذ انتهاء الحرب الأهلية وبداية ورشة إعادة الإعمار أيضاً، نشأت علاقة جديدة بين بعض المصارف أو بعض المصرفيين اللبنانيين من جهة، وأصحاب الأموال المشبوهة من جهة أخرى، بحسب محمد فريدة، وتابع أن “هذه العلاقة تعمّقت مع تفشّي الفساد في مرحلة إعادة الإعمار، ما يكشف حجم الأموال غير المشروعة التي تدفقت إلى القطاع المصرفي اللبناني”.

كما أوضح فريدة أن المنظومة ارتكزت على ثلاثية واضحة: المصارف، أصحاب الأموال المشبوهة، والسياسيون الفاسدون. هذا “الثالوث” كان يدير العمليات المالية والاقتصادية الكبرى في البلاد، وكان حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، أحد أبرز عرّابيها، إلى جانب الأطراف الثلاثة التي شكّلت أركانها.

الخلاصة: حلقة الانهيار… وكسرها

لا يمكن فصل الانهيار المالي عن منظومة الإفلات من العقاب التي تأسست بعد الحرب. فمن دون عدالةٍ ناجزة في القضايا السياسية والأمنية والمالية، تبقى أي خطة تعافٍ مجرّد مسكّن. وكسر الحلقة يتطلّب قضاءً مستقلاً، تشريعاتٍ عادلة لتوزيع الخسائر، ومحاسبةً شفافة تُعيد الاعتبار الى حقوق الضحايا والمودعين، وتردّ للدولة معناها وللمجتمع ثقته بنفسه.

فمنذ قانون العفو العام بعد الحرب الأهلية، أُقفلت بشكل سياسي وأخلاقي ملفاتٍ كبرى تتعلق بجرائم الحرب والاختفاء القسري والقتل على الهوية. وبدلاً من بناء ذاكرة عدلية ومؤسسات قضائية قادرة، صعد إلى الحكم أمراء الحرب أنفسهم بقبعاتٍ جديدة، فترسّخت معادلة الاستقرار مقابل الحقيقة. هذا الإرث لم يُفكَّك يومًا؛ بل تمدّد إلى الاقتصاد والإدارة والمال العام، وصار الإفلات من العقاب قاعدةً حكمت الأداء السياسي والمالي.

توالت ملفات جسيمة في العقود التالية – من اغتيالات سياسية وانفجارات أمنية إلى انفجار مرفأ بيروت الذي مثّل ذروة المأساة – لكن القاسم المشترك كان واحدًا: تدخلات سياسية، كفّ يد قضاة، نزاعات اختصاص، تطيير جلسات، وإغراق التحقيقات بدعاوى الردّ والمخاصمة. بقيت الحقيقة معلّقة، والعدالة مؤجلة، وحقوق الضحايا وذويهم معلّقة بدورها على حبالٍ مناورات لا تنتهي. وفي ظل هذا المشهد، تحوّل القضاء من سلطةٍ مستقلّة إلى ساحة اشتباكٍ بين نفوذٍ سياسي ومصالح اقتصادية، فتآكلت الثقة العامة وانكمش الشعور بالأمان القانوني لدى الناس.

حين وقع الانهيار المالي، استُنسخت المعادلة القديمة نفسها: إدارة سياسية للأزمة بدل محاسبة منظّمة ومسؤولة. تلكّأ التشريع في إقرار قواعد واضحة لتوزيع الخسائر وحماية صغار المودعين، وتنازعت السلطة التنفيذية والمالية على الأرقام والخطط، فيما ظلّت المحاسبة الفعلية محدودة وانتقائية.

 إجراءات من نوع قرار النائب العام المالي بإلزام بعض المصرفيين والسياسيين بإعادة الأموال المهرّبة تبدو خطوةً لافتة، لكنها لا تُغني عن مسارٍ شامل يطاول تحديد المسؤوليات، تدقيقًا جنائيًا مُلزِمًا، استردادًا منظّمًا للأصول، وإصلاحًا قضائيًا يحرّر العدالة من نفوذ السياسة.

أُنجزت هذه المّادة بدعم من مؤسسة سمير قصير