ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

من الرقابة إلى المنصّة: هل هزّ “مرحبا دولة” هيبة الدولة بـ”ضحكة رقمية؟”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يمكن القول إن “مرحبا دولة” كسر طوق الرقابة التقليدية، وحقق انتصاراً للضحكة على منطق المنع. ما اعتُرض عليه في قاعة المحكمة في عام 2024، أُعيد إنتاجه وتداوله بلا حواجز في الفضاء السيبراني في عام 2025. لقد تبدّل السياق من منطق الرقابة إلى منطق المنصّة: المحتوى هو السيد، والجمهور هو الحكم.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في 25 كانون الثاني/ يناير2024، وبينما كانت وزارة الداخلية اللبنانية تُقدّم طلباً مستعجلاً إلى القضاء، لمنع عرض برنامج كوميدي على شاشة التلفزيون، برز سؤال سيُطارد هذا العمل: هل يمكن لعمل ساخر في مخفر شرطة أن يهزّ هيبة دولة؟ في ذلك اليوم، رفضت القاضية كارلا شوّاح طلب الوزارة وأبقت على “مرحبا دولة على الهواء.

لم تكن تلك سوى الجولة الأولى في معركة غير متكافئة بين مسلسل لبناني ذي إنتاج متواضع، ومؤسّسات رسمية ودينية شعرت بأن مرآتها قد وُضعت أمامها على شاشة التلفزيون. 

بعد أقلّ من عامين، في أواخر 2025، كان المشهد مختلفاً تماماً: تحوّل المسلسل إلى ظاهرة رقمية عربية بعد أن نشرت قناة LBCI حلقاته كاملةً على يوتيوب. حصدت بعض الحلقات أكثر من مليون مشاهدة، وتحوّل النقاش حول العمل من قاعات المحاكم المغلقة، إلى فضاء إلكتروني مفتوح يتدافع فيه الجمهور بين التلقّي والنقد وصنع النكات و”الميمز” المشتقّة من مشاهد المسلسل.

أرشيف يومي للدولة على شاشة هزلية

بدأ “مرحبا دولة” كمسلسل كوميدي أسبوعي عُرضت أولى حلقاته على شاشة المؤسّسة اللبنانية للإرسال (LBCI) في 18 كانون الثاني/ يناير 2024، المسلسل من تأليف محمّد الدايخ وإخراجه، وإنتاج شركة صغيرة تُدعى Mad Films بالتعاون مع شركة Shoot Production، ويدور بالكامل داخل جدران مخفر شرطة متخيّل في لبنان، عبر يوميات مجموعة من العناصر الأمنية.

يقدّم المسلسل لوحات ساخرة تُضيء على العلاقة الملتبسة بين المواطن والدولة بقالب اجتماعي كوميدي. على مدى موسمين امتدّا حتى منتصف 2025، رسم “مرحبا دولة” صورة قاسية وواقعية لـ”الدولة اليومية” في العالم العربي، حيث المخفر مركز الكون السياسي والاجتماعي، وحيث تختزل الطرائف اليومية آليّات سلطة تحكم حياة الناس في أدقّ تفاصيلها.

العنوان نفسه – “مرحبا دولة” – يحمل سخرية مريرة. إنها عبارة يُلقيها المواطن أو الشرطي بوجه الدولة كأنما يفاجأ بوجودها النادر، أو يستحضرها ليطردها تهكّماً. 

يشرح الصحافي حسّان الزين أن الجميع في المسلسل يقول “مرحبا دولة”، بكلّ ما تحمله الكلمة من معاني المفاجأة بوجود الدولة وقلّة الاحترام لها… وكذلك إبعادها وطردها ورفسها. ومنذ اللحظة الأولى، يتّضح أن العمل لا يوقّر أحداً في نقده اللاذع: السياسيون والموظّفون الرسميون والمواطنون العاديون كلّهم مشاركون في صناعة الفساد وهشاشة الدولة والاستخفاف بالقوانين والمؤسّسات. 

فاللبنانيون واللبنانيات، حسب رؤية المسلسل، متواطئون جميعاً في الهزل المأساوي الذي وصل إليه البلد؛ الكلّ يساهم في “تهشيم” هيبة الدولة، سواء عبر الرشوة والواسطة، أو خرق الدستور، أو التحايل على النظام العامّ، فيتحوّل المخفر الصغير إلى مسرح واسع يعرض يوميات دولة بكاملها، حيث كلّ مواطن مشرّع وقاضٍ وجلّاد في آن.

لكنّ المفارقة أن هذه المرآة الواسعة للدولة اليومية، تأتي في إطار إنتاج تلفزيوني شديد البساطة تقنياً. فعلى غرار الظاهرة المصرية “الرجل العنّاب”؛ مسلسل كوميدي آخر لم يحقّق نجاحاً كبيراً عند عرضه الأول في عام 2013، لكنّه كسب متابعة جماهيرية هائلة بعد سنوات بفضل يوتيوب وتوصيات الجمهور، اعتمد “مرحبا دولة” جماليات الفقر التقني واستثمرها لصالحه. 

إضاءة بسيطة ومسطّحة تذكّر بمصابيح النيون في المكاتب الحكومية، كاميرا واحدة تهتزّ أحياناً كأنها كاميرا مراقبة أمنية، ديكور متواضع لغرفة تحقيق وممرّ ضيق، ومونتاج يخلو من الزخارف البصرية المعهودة في الدراما التلفزيونية. هذه الركاكة غير المقصودة في ظنّي بالتنفيذ، منحت العمل سحراً خاصاً، إذ ضاعفت من إحساس المشاهد بمصداقية ما يراه. ضعف الإنتاج هنا تحوّل إلى نقطة قوّة: واقعية فجّة تجعلنا نشعر أننا لسنا أمام تمثيلية مصطنعة، بل نتلصّص على مشاهد حقيقية مهما بلغت هزليتها ولا واقعيتها داخل مخفر حقيقي. 

لا فلاتر تجميلية ولا مؤثّرات صوتية ولا موسيقى صاخبة؛ فقط حوارات عفوية ووجوه متعبة وإضاءة شاحبة. هذا الجوّ التقشّفي يكسر الحاجز التقليدي بين الفنّ والواقع، ويقدّم لنا المسلسل ما هو أقرب إلى وثيقة شعبية ساخرة منه إلى كوميديا خيالية. يشبّه البعض أسلوبه بالمسرحيات الاجتماعية الجريئة التي قدّمها زياد الرحباني في السبعينيات والثمانينيات، من حيث لغة الشارع المباشرة والنقد اللاذع، حتى أن موسيقى زياد نفسها تحضر أحياناً في خلفيّة المشاهد لتضفي مزاجاً مألوفاً، بل بحسب أحد التعليقات تبدو موسيقى أبو علي، لزياد الرحباني، كأنها أُلّفت خصوصاً للمسلسل.

في عالم “مرحبا دولة”، التفاصيل التقنية المتواضعة؛ وهي مجرّد مصادفة إنتاجية، تتحوّل إلى أداة سردية بحدّ ذاتها. فالإضاءة الخافتة التي تجعل وجوه الممثّلين شاحبة قليلاً، واهتزاز الكاميرا الطفيف الذي يذكّر بصور الهواتف المحمولة، وضيق مساحة التصوير حيث تكاد الكاميرا لا تجد مكاناً تتراجع إليه – كلّ ذلك يخلق إحساساً وثائقياً ينسجم مع رسالة المسلسل.

 نحن لا نشاهد تحفة بصرية مصقولة؛ بل نرى مشاهد خام تحمل صدقاً فجّاً. المشهد النموذجي في العمل قد يكون حواراً بين ضابط وعنصر أمن في غرفة تحقيق كئيبة، أو نقاشاً بين شرطي ومواطن موقوف حول محضر ضبط تافه. لا شيء استثنائياً في الديكور أو ملابس الشخصيّات: بزّات عسكرية قديمة بعض الشيء، آلة كاتبة أو أوراق متناثرة، فنجان قهوة بلاستيكي على الطاولة…

يقول المخرج محمّد الدايخ في أحد لقاءاته إن هدفه كان أن يصل العمل إلى الناس بلا حواجز، وأن يعكس واقعهم اليومي كما هو دون تلميع. وبالفعل، نجح المسلسل في أن يبدو وكأنه تسجيل مرتجل ليوميات المخفر، بكلّ ما فيها من عبثية وبساطة.

هذه الأصالة في الشكل تعزّزت بأداء تمثيلي مقصود في عفويته. فالممثّلون – وبعضهم وجوه جديدة أو غير مألوفة جماهيرياً – قدّموا أدوارهم بأسلوب أقرب إلى الارتجال منه إلى الالتزام الصارم بالنصّ. الحوارات بدت وكأنها نتاج جلسة نميمة لبنانية على فنجان قهوة؛ جُمل متقاطعة، لهجات محلّية، وتعليقات جانبية يطلقها الممثّلون كأنهم يمازحون أصدقاءهم لا جمهور التلفزيون.

 هذا الأداء غير المصقول جعل الشخصيّات أقرب إلى الناس العاديين: الشرطي في المسلسل ليس شريراً كرتونياً أو بطلاً مثالياً، بل هو شخص عادي قد ينسى ختم الورقة لشروده، أو يخلع قبّعته العسكرية ليحكّ رأسه وهو حائر في إجراء قانوني.

 أما المواطن “الزبون” الذي يدخل المخفر شاكياً أو مشكوّاً عليه، فنراه أحياناً يتلعثم وأحياناً يثرثر وأحياناً يحاول استمالة الشرطي بكلمة لطيفة أو رشوة صغيرة تحت الطاولة. لمسات واقعية ساخرة جعلت الفساد اليومي يبدو اعتيادياً جدّاً، مألوفاً لدرجة أننا نكاد نبتسم اعترافاً بأننا رأينا مثل هذه المواقف مرّات في حياتنا. فالرشوة هنا ليست حدثاً صادماً بل حركة روتينية، والواسطة ليست استثناءً بل قاعدة لعبة يعرفها الجميع. 

من خلال هذا التطبيع الظاهري للخلل، يكشف المسلسل كم أصبحت أعطاب دولتنا بنية ثقافية يومية لا تُثير الاستغراب. إنه يضحكنا، نعم، لكنّه ضحك مُرّ يشبه بسمة مواطن لا يجد جدوى من الصراخ.

المخفر كمختبر لطقوس السلطة

داخل غرفة التحقيق الضيّقة تلك، يجرّب “مرحبا دولة” شيئاً أبعد من مجرّد إضحاك المشاهدين. المخفر في السلسلة يتحوّل إلى مختبر اجتماعي تتفاعل فيه كلّ علاقات القوّة المعقّدة بين المواطن والدولة. نجد أنفسنا أمام طقوس يومية يتعرّف عليها أيّ عربي عاش في ظلّ دولة بيروقراطية: محاضر ضبط تُملأ كأنها طقوس دينية، أختام وتواقيع هي جواز المرور بين الحرّية والسجن، رُتب عسكرية تفرض شكل المخاطبة (حضرة المؤهّل، سعادة البيك…) وتحسم التسلسل في الجلوس والكلام، وتفتح أبواب الحلّ السحري حين تتعقّد المشاكل. فيه نسمع لغة بيروقراطية متخشّبة مملوءة بالإنشاء والحشو القانوني، وسط مشهد عبثي، هذا التناقض بين جدّية اللغة المهنية وسخرية الواقع هو محور قوّة العمل.

 ينجح “مرحبا دولة” في أن يبيّن للمشاهد كيف أن لغة السلطة وطقوسها قد فقدت هيبتها وباتت مادّة للتندّر. فالمسلسل يُظهر أن رموز السلطة تعمل في النصّ أكثر مما تعمل في الواقع: الرتبة العسكرية التي يُفترض أن تردع المواطن عن الجدال، تتحوّل إلى موضوع سخرية حين ينسى حاملها إجراءات بسيطة، والاستجواب الذي يُفترض أن يكشف الحقيقة يصبح لعبة لغوية بين المحقّق والمتّهم، والواسطة التي يلهث وراءها الناس تُفضح كآليّة تُعيد إنتاج الظلم بدل أن تكسره.

ليس غريباً إذاً أن يُرى المسلسل كأرشيف حيّ للدولة الرسمية. إنه يدوّن، بكاميرا واحدة ودفتر محاضر، ما يجري كلّ يوم في مراكز الشرطة والدوائر الرسمية: كيف تُنتج السلطة نفسها يومياً عبر الورقة والختم، وعبر “تربيح الجميلة للمواطن بخدمة هي في الأصل حقّه.

الجانب الرجعي الذي نتغاضى عنه

يمكن توصيف “الجانب الرجعي” في “مرحباً دولة”، بوصفه الميل إلى تشخيص الأزمة بمنطق ثقافوي أخلاقي أكثر منه بنيوياً: فالسلسلة تُسطِّح الفوارق بين “فساد مُكرَهين” (رشوة صغيرة لإنجاز معاملة) و”فساد مُمكَّنين” (نهب منظّم للمال العام)، عبر توزيع اللوم على الجميع في لغة يومية تسوّي بين قوّة الدولة وأدواتها وبين هشاشة الفرد، ما ينتهي عملياً إلى تذويب المسؤوليّات وتأجيل المحاسبة البنيوية.


وتتجلّى آثار هذا المنظور في ميل العمل إلى حنين مفترض إلى”دولة قانون” ضائعة من دون تفكيك تراتبيات الطائفية والزبائنية والاحتكارات التي تُنتج الأعطاب أصلاً، فيستعيد أخلاقيات “هيبة الدولة” بصورة معكوسة: الدولة نفسها تستحضر “الهيبة” ضدّ النقد الهزلي. تلك المفارقة تجسّدت في سلسلة من الإجراءات القضائية التي واجهت العمل، من دعوى وزارة الداخلية التي رُفعت بعد أسبوع من انطلاقه، إلى استدعاء منتجه فراس حاطوم بسبب استخدام بزّات قوى الأمن و”أسلحة بلاستيكية” في التصوير، ثم البيانات الدينية التي توالت ضدّه؛ فالمركز الكاثوليكي للإعلام دان ما وصفه بـ”التعرّض للإيمان المسيحي”، فيما قدّمت دار الفتوى إخباراً ضدّ الموسم الثاني بتهم “الإساءة إلى المقدّسات” و”إثارة النعرات”، لتتداخل المرجعيات الأخلاقية والدينية مع جهاز الدولة في رسم حدود السخرية.

كلما انزاح الخطاب من البنية إلى الأخلاق، تمدّد “الخطّ الأحمر” الديني بدوره، وصارت كلفة النقد البنيوي أعلى. وحتى حين يسخر الموسم الثاني من هذه الوقائع بإقحام رجال دين وشخصيّات أمنية في خطوط قصصية تفضح تسييس المقدّس، يبقى المنظور العامّ أقرب إلى شدّ الناس نحو “تقويم السلوك”، لا إلى مساءلة لأطر القوّة التي تُنتج الحاجة إلى الواسطة والرشوة والتمييز يومياً، وهذا ما يبرّر، نقدياً، نعته بـ”المحافظة” من حيث الأثر، وإن خالف النيّة المعلنة لصنّاعه.

ومن اللافت فنّياً أن العمل لا يكتفي بأن يُظهر هذه الرسائل ضمن الأحداث، بل أحياناً يصدم المتفرّج بها بشكل مباشر. في بعض الحلقات يكسر الممثّلون الجدار الرابع وينظرون إلى الكاميرا ليخاطبوا المشاهد بعبارات صريحة حول حال البلد، فيتحوّل المشهد فجأة إلى ما يشبه خطاباً توعوياً قصيراً: يذكّر الشرطي المشاهد بأن “كلّنا خارج القانون” مثلاً، أو تخاطب إحدى الشخصيّات الكاميرا قائلة: “هيدا الوطن إلن وإلنا”، في إشارة إلى أن الصراع ليس بين شعب طاهر ودولة فاسدة، بل بين نهجين وثقافتين داخل المجتمع نفسه. 

صحيح أن هذه اللحظات تقلّل من انسياب السرد الكوميدي، لكنّها تخدم غرضاً مقصوداً: إنارة فكرة المسلسل المركزية بلغة مباشرة حتى لا يُساء فهمه كمجرّد إسفاف تهريجي. لكنّ تلك “الرجعية” يمكن التغاضي عنها رغم ذلك ولا تقلّل من متعة المسلسل، إذ إن كونه كوميديا شعبية مرتجلة يجعله أكثر اتساقاً مع رؤاه: عمل يفضح منطق الدولة الأمنية، حتى حين يبدو مشدوداً إلى حنينها.

تطوّر موهبة محمّد الدايخ من الموسم الأول إلى الثاني، يؤكّد ضخامة تلك الموهبة التي تتجاوز مجرّد ابتكار حبكات كوميدية؛ لتبلغ قدرة على ضبط إيقاع العمل كلّه، وتوزيع الوزن بين الكلمة والحركة، واستثمار ضيق المكان ليصبح جزءاً من السخرية لا عائقاً أمامها. بالمقارنة مع الموسم الأوّل، يبدو الموسم الثاني أنضج وأكثر توازناً؛ الوعظ فيه أقلّ، والشخصيّات أوضح: الضابط والعنصر والزبون لم يعودوا شخصيّات مضبّبة بل رُسموا بدقّة أكبر.

تتحوّل الكوميديا هنا من توبيخ المواطن إلى تفكيك آليّات السلطة داخل المخفر، ليس على شكل خطاب أخلاقي، بل في مشاهد صغيرة ذكية تُريك كيف يُنتَج الظلم في التفاصيل اليومية. 

انتصار الضحكة في ساحات العالم الرقمي

رغم كلّ ما سبق، لم تنتهِ حكاية “مرحبا دولة” بالإقصاء أو المنع. على العكس تماماً، يُمكن القول إن حملة التضييق والاعتراضات المتوالية أعطت المسلسل زخماً مضاعفاً لم يكن ليحلم به. فعندما حاولت السلطة إحكام الباب عليه في الفضاء التلفزيوني التقليدي، خرج لها من النافذة الرقمية بلا استئذان. 

مع نهاية العام 2025، وبعد أن هدأت عواصف الجدل القضائي والديني، بادرت قناة LBCI إلى نشر حلقات المسلسل بالكامل على منصّة يوتيوب مجّاناً وبمتناول الجميع. خلال أسابيع قليلة، بدأت عدّادات المشاهدات تتصاعد بعشرات الآلاف ثم مئات الآلاف، لتتخطّى بعض الحلقات حاجز المليون مشاهدة كما تؤكّد أرقام المنصّة. هكذا انتقل العمل من نطاق محلّي محدود إلى رحاب العالم العربي الأوسع، لتصل أصداؤه إلى بلدان ربما لم تسمع أساساً بالأزمة السياسية اللبنانية بتفاصيلها. الجمهور الجديد على الإنترنت تلقّى المسلسل بأسلوب مختلف: لم يعد مجرّد عرض يُشاهَد ثم يُنسى، بل تحوّل إلى تجربة تفاعلية.

تحت كلّ حلقة منشورة، تجد مئات وربما آلاف التعليقات التي يخوض أصحابها في نقاشات حول الواقع الذي يعكسه المسلسل، يقارنون بين ما يرونه في المخفر المتخيّل وأحوال مراكز الشرطة في بلدانهم، ينتقدون وينظّرون ويتندّرون في آنٍ معاً. البعض أخذ يبني محتوى مشتقّاً: مقاطع قصيرة وميمز تنتشر على شبكات التواصل تقتطع مشهداً طريفاً أو عبارة لاذعة من العمل، وتُعيد توظيفها للتعليق على حدث سياسي آني. آخرون قاموا بترجمة مقاطع إلى لغات أجنبية ليروها لأصدقائهم غير العرب كمثال على الكوميديا السياسية العربية. 

بهذا المعنى، يمكن القول إن “مرحبا دولة” كسر طوق الرقابة التقليدية، وحقق انتصاراً للضحكة على منطق المنع. ما اعتُرض عليه في قاعة المحكمة في عام 2024، أُعيد إنتاجه وتداوله بلا حواجز في الفضاء السيبراني في عام 2025. لقد تبدّل السياق من منطق الرقابة إلى منطق المنصّة: المحتوى هو السيد، والجمهور هو الحكم. وكما علّقت بعض الصحف اللبنانية، فإن الدولة التي حاولت الدفاع عن هيبتها بالمنع، اكتشفت أنها ما زالت أسيرة عقيدة قديمة ترى أن “الدولة هيبة”، بينما صارت السلطة الحقيقية في يد الجمهور ومنطق التكنولوجيا.

اللافت أن تواضع جودة الإنتاج الذي كان مدخل السلطة لاتّهام البرنامج بالإسفاف، هو نفسه ما جعل العمل مثالياً للمشاركة الرقمية. فحلقات المسلسل القصيرة نسبياً (نحو 15 دقيقة لكلّ حلقة) والحوارات البسيطة يسهل اقتباسها واقتطاعها وإعادة نشرها. لا حاجة لشاشة تلفزيون أو جودة عالية لمتابعتها؛ يكفي هاتف محمول واتّصال بالإنترنت. هذه الديمقراطية في المحتوى أكسبت “مرحبا دولة” انتشاراً قد يفوق بكثير مسلسلات صُرفت عليها ملايين الدولارات بتقنيات تصوير سينمائي، لكنّها حبيسة المنصّات المدفوعة أو القنوات المشفّرة. لقد خرج المسلسل من قيود الجغرافيا والتراخيص ليصبح متاحاً لأي شابّ في عمّان، أو ربّة منزل في الجزائر، أو طالب جامعة في بغداد. وفي كلّ مرّة يُشاهد فيها في سياق جديد، يثبت أن هموم المخفر اليومية لغة عربية مشتركة يفهمها الجميع – وإن اختلفت اللهجات والبلدان.

الفنّ كأداة تشخيص لأزمة الدولة الحديثة

“مرحبا دولة” كمشروع فنّي طرح السؤال وأجاب عنه بطريقته الخاصّة. لقد برهن العمل أن قوّة المحتوى لا تُقاس بعدد الكاميرات ولا بحجم الميزانية، بل بقدرة الفكرة على لمس الأعصاب الحسّاسة في بنية السلطة والمجتمع. فنجاح المسلسل في إثارة كلّ ذلك الجدل، ثم في إعادة اكتشافه على نطاق واسع عبر المنصّات الرقمية، يؤكّد أن الفنّ الساخر قادر على التسلّل حيث تعجز أدوات النقد الجادّ أحياناً. 

ربما لأن الضحك يفتح القلوب المغلقة على الحقائق المُرّة، فيمرّر الرسائل إلى حيث يجب أن تصل. الضحك المعرفي الذي قدّمه “مرحبا دولة” جعل المواطنين يرون في مرآة الكوميديا صورة أكثر صدقاً من خطب الساسة وتقارير الأخبار. وإذا كان الفنّ مرآة المجتمع، فهذا العمل صقل المرآة جيّداً ووضعها أمام وجوه الجميع دون استثناء، داعياً إياهم لإلقاء تحيّة صادقة: “مرحباً دولة”… وربما وداعاً أيضاً، إن لم تتدارك الدولة نفسها يوماً ما. الأسئلة التي أثارها المسلسل حول دور الفرد وفعّالية المؤسّسة وعمق الخلل الثقافي ستبقى مطروحة، وربما يطرحها عمل فنّي آخر بشكل مختلف قريباً. لكنّ الأكيد أن تجربة “مرحبا دولة” ستبقى علامة فارقة على طريق إعادة تعريف دور الفنّ في تشخيص أزمات الدولة الحديثة في العالم العربي، حيث قد تصبح نكتة في مخفر أقوى من خطبة على منبر، وحيث ينبت الأمل أحياناً من ضحكة متوجّعة تدفعنا إلى التفكير بجدّية في ما كنّا نعتبره مجرّد مادّة للضحك.

غلاء المعيشة لبنان
يولا خضره - صحافية لبنانية | 11.09.2026

السلع والبنزين والأقساط في تصاعد مستمرّ… والحد الأدنى في الثلاجة

تشير دراسة أعدّها اتحاد لجان الأهل بالتعاون مع مصلحة التعليم الخاص في وزارة التربية، إلى أن الزيادة المقبولة على القسط يجب ألا تتجاوز 36 إلى 150 دولاراً عن كل تلميذ، فإن الواقع في عدد كبير من المدارس الخاصة إن لم نقل جميعها، يروي قصة مختلفة تماماً: زيادات تخطّت الألف دولار وأكثر في بعض المؤسسات، وأقساط…
21.10.2025
زمن القراءة: 11 minutes

يمكن القول إن “مرحبا دولة” كسر طوق الرقابة التقليدية، وحقق انتصاراً للضحكة على منطق المنع. ما اعتُرض عليه في قاعة المحكمة في عام 2024، أُعيد إنتاجه وتداوله بلا حواجز في الفضاء السيبراني في عام 2025. لقد تبدّل السياق من منطق الرقابة إلى منطق المنصّة: المحتوى هو السيد، والجمهور هو الحكم.

في 25 كانون الثاني/ يناير2024، وبينما كانت وزارة الداخلية اللبنانية تُقدّم طلباً مستعجلاً إلى القضاء، لمنع عرض برنامج كوميدي على شاشة التلفزيون، برز سؤال سيُطارد هذا العمل: هل يمكن لعمل ساخر في مخفر شرطة أن يهزّ هيبة دولة؟ في ذلك اليوم، رفضت القاضية كارلا شوّاح طلب الوزارة وأبقت على “مرحبا دولة على الهواء.

لم تكن تلك سوى الجولة الأولى في معركة غير متكافئة بين مسلسل لبناني ذي إنتاج متواضع، ومؤسّسات رسمية ودينية شعرت بأن مرآتها قد وُضعت أمامها على شاشة التلفزيون. 

بعد أقلّ من عامين، في أواخر 2025، كان المشهد مختلفاً تماماً: تحوّل المسلسل إلى ظاهرة رقمية عربية بعد أن نشرت قناة LBCI حلقاته كاملةً على يوتيوب. حصدت بعض الحلقات أكثر من مليون مشاهدة، وتحوّل النقاش حول العمل من قاعات المحاكم المغلقة، إلى فضاء إلكتروني مفتوح يتدافع فيه الجمهور بين التلقّي والنقد وصنع النكات و”الميمز” المشتقّة من مشاهد المسلسل.

أرشيف يومي للدولة على شاشة هزلية

بدأ “مرحبا دولة” كمسلسل كوميدي أسبوعي عُرضت أولى حلقاته على شاشة المؤسّسة اللبنانية للإرسال (LBCI) في 18 كانون الثاني/ يناير 2024، المسلسل من تأليف محمّد الدايخ وإخراجه، وإنتاج شركة صغيرة تُدعى Mad Films بالتعاون مع شركة Shoot Production، ويدور بالكامل داخل جدران مخفر شرطة متخيّل في لبنان، عبر يوميات مجموعة من العناصر الأمنية.

يقدّم المسلسل لوحات ساخرة تُضيء على العلاقة الملتبسة بين المواطن والدولة بقالب اجتماعي كوميدي. على مدى موسمين امتدّا حتى منتصف 2025، رسم “مرحبا دولة” صورة قاسية وواقعية لـ”الدولة اليومية” في العالم العربي، حيث المخفر مركز الكون السياسي والاجتماعي، وحيث تختزل الطرائف اليومية آليّات سلطة تحكم حياة الناس في أدقّ تفاصيلها.

العنوان نفسه – “مرحبا دولة” – يحمل سخرية مريرة. إنها عبارة يُلقيها المواطن أو الشرطي بوجه الدولة كأنما يفاجأ بوجودها النادر، أو يستحضرها ليطردها تهكّماً. 

يشرح الصحافي حسّان الزين أن الجميع في المسلسل يقول “مرحبا دولة”، بكلّ ما تحمله الكلمة من معاني المفاجأة بوجود الدولة وقلّة الاحترام لها… وكذلك إبعادها وطردها ورفسها. ومنذ اللحظة الأولى، يتّضح أن العمل لا يوقّر أحداً في نقده اللاذع: السياسيون والموظّفون الرسميون والمواطنون العاديون كلّهم مشاركون في صناعة الفساد وهشاشة الدولة والاستخفاف بالقوانين والمؤسّسات. 

فاللبنانيون واللبنانيات، حسب رؤية المسلسل، متواطئون جميعاً في الهزل المأساوي الذي وصل إليه البلد؛ الكلّ يساهم في “تهشيم” هيبة الدولة، سواء عبر الرشوة والواسطة، أو خرق الدستور، أو التحايل على النظام العامّ، فيتحوّل المخفر الصغير إلى مسرح واسع يعرض يوميات دولة بكاملها، حيث كلّ مواطن مشرّع وقاضٍ وجلّاد في آن.

لكنّ المفارقة أن هذه المرآة الواسعة للدولة اليومية، تأتي في إطار إنتاج تلفزيوني شديد البساطة تقنياً. فعلى غرار الظاهرة المصرية “الرجل العنّاب”؛ مسلسل كوميدي آخر لم يحقّق نجاحاً كبيراً عند عرضه الأول في عام 2013، لكنّه كسب متابعة جماهيرية هائلة بعد سنوات بفضل يوتيوب وتوصيات الجمهور، اعتمد “مرحبا دولة” جماليات الفقر التقني واستثمرها لصالحه. 

إضاءة بسيطة ومسطّحة تذكّر بمصابيح النيون في المكاتب الحكومية، كاميرا واحدة تهتزّ أحياناً كأنها كاميرا مراقبة أمنية، ديكور متواضع لغرفة تحقيق وممرّ ضيق، ومونتاج يخلو من الزخارف البصرية المعهودة في الدراما التلفزيونية. هذه الركاكة غير المقصودة في ظنّي بالتنفيذ، منحت العمل سحراً خاصاً، إذ ضاعفت من إحساس المشاهد بمصداقية ما يراه. ضعف الإنتاج هنا تحوّل إلى نقطة قوّة: واقعية فجّة تجعلنا نشعر أننا لسنا أمام تمثيلية مصطنعة، بل نتلصّص على مشاهد حقيقية مهما بلغت هزليتها ولا واقعيتها داخل مخفر حقيقي. 

لا فلاتر تجميلية ولا مؤثّرات صوتية ولا موسيقى صاخبة؛ فقط حوارات عفوية ووجوه متعبة وإضاءة شاحبة. هذا الجوّ التقشّفي يكسر الحاجز التقليدي بين الفنّ والواقع، ويقدّم لنا المسلسل ما هو أقرب إلى وثيقة شعبية ساخرة منه إلى كوميديا خيالية. يشبّه البعض أسلوبه بالمسرحيات الاجتماعية الجريئة التي قدّمها زياد الرحباني في السبعينيات والثمانينيات، من حيث لغة الشارع المباشرة والنقد اللاذع، حتى أن موسيقى زياد نفسها تحضر أحياناً في خلفيّة المشاهد لتضفي مزاجاً مألوفاً، بل بحسب أحد التعليقات تبدو موسيقى أبو علي، لزياد الرحباني، كأنها أُلّفت خصوصاً للمسلسل.

في عالم “مرحبا دولة”، التفاصيل التقنية المتواضعة؛ وهي مجرّد مصادفة إنتاجية، تتحوّل إلى أداة سردية بحدّ ذاتها. فالإضاءة الخافتة التي تجعل وجوه الممثّلين شاحبة قليلاً، واهتزاز الكاميرا الطفيف الذي يذكّر بصور الهواتف المحمولة، وضيق مساحة التصوير حيث تكاد الكاميرا لا تجد مكاناً تتراجع إليه – كلّ ذلك يخلق إحساساً وثائقياً ينسجم مع رسالة المسلسل.

 نحن لا نشاهد تحفة بصرية مصقولة؛ بل نرى مشاهد خام تحمل صدقاً فجّاً. المشهد النموذجي في العمل قد يكون حواراً بين ضابط وعنصر أمن في غرفة تحقيق كئيبة، أو نقاشاً بين شرطي ومواطن موقوف حول محضر ضبط تافه. لا شيء استثنائياً في الديكور أو ملابس الشخصيّات: بزّات عسكرية قديمة بعض الشيء، آلة كاتبة أو أوراق متناثرة، فنجان قهوة بلاستيكي على الطاولة…

يقول المخرج محمّد الدايخ في أحد لقاءاته إن هدفه كان أن يصل العمل إلى الناس بلا حواجز، وأن يعكس واقعهم اليومي كما هو دون تلميع. وبالفعل، نجح المسلسل في أن يبدو وكأنه تسجيل مرتجل ليوميات المخفر، بكلّ ما فيها من عبثية وبساطة.

هذه الأصالة في الشكل تعزّزت بأداء تمثيلي مقصود في عفويته. فالممثّلون – وبعضهم وجوه جديدة أو غير مألوفة جماهيرياً – قدّموا أدوارهم بأسلوب أقرب إلى الارتجال منه إلى الالتزام الصارم بالنصّ. الحوارات بدت وكأنها نتاج جلسة نميمة لبنانية على فنجان قهوة؛ جُمل متقاطعة، لهجات محلّية، وتعليقات جانبية يطلقها الممثّلون كأنهم يمازحون أصدقاءهم لا جمهور التلفزيون.

 هذا الأداء غير المصقول جعل الشخصيّات أقرب إلى الناس العاديين: الشرطي في المسلسل ليس شريراً كرتونياً أو بطلاً مثالياً، بل هو شخص عادي قد ينسى ختم الورقة لشروده، أو يخلع قبّعته العسكرية ليحكّ رأسه وهو حائر في إجراء قانوني.

 أما المواطن “الزبون” الذي يدخل المخفر شاكياً أو مشكوّاً عليه، فنراه أحياناً يتلعثم وأحياناً يثرثر وأحياناً يحاول استمالة الشرطي بكلمة لطيفة أو رشوة صغيرة تحت الطاولة. لمسات واقعية ساخرة جعلت الفساد اليومي يبدو اعتيادياً جدّاً، مألوفاً لدرجة أننا نكاد نبتسم اعترافاً بأننا رأينا مثل هذه المواقف مرّات في حياتنا. فالرشوة هنا ليست حدثاً صادماً بل حركة روتينية، والواسطة ليست استثناءً بل قاعدة لعبة يعرفها الجميع. 

من خلال هذا التطبيع الظاهري للخلل، يكشف المسلسل كم أصبحت أعطاب دولتنا بنية ثقافية يومية لا تُثير الاستغراب. إنه يضحكنا، نعم، لكنّه ضحك مُرّ يشبه بسمة مواطن لا يجد جدوى من الصراخ.

المخفر كمختبر لطقوس السلطة

داخل غرفة التحقيق الضيّقة تلك، يجرّب “مرحبا دولة” شيئاً أبعد من مجرّد إضحاك المشاهدين. المخفر في السلسلة يتحوّل إلى مختبر اجتماعي تتفاعل فيه كلّ علاقات القوّة المعقّدة بين المواطن والدولة. نجد أنفسنا أمام طقوس يومية يتعرّف عليها أيّ عربي عاش في ظلّ دولة بيروقراطية: محاضر ضبط تُملأ كأنها طقوس دينية، أختام وتواقيع هي جواز المرور بين الحرّية والسجن، رُتب عسكرية تفرض شكل المخاطبة (حضرة المؤهّل، سعادة البيك…) وتحسم التسلسل في الجلوس والكلام، وتفتح أبواب الحلّ السحري حين تتعقّد المشاكل. فيه نسمع لغة بيروقراطية متخشّبة مملوءة بالإنشاء والحشو القانوني، وسط مشهد عبثي، هذا التناقض بين جدّية اللغة المهنية وسخرية الواقع هو محور قوّة العمل.

 ينجح “مرحبا دولة” في أن يبيّن للمشاهد كيف أن لغة السلطة وطقوسها قد فقدت هيبتها وباتت مادّة للتندّر. فالمسلسل يُظهر أن رموز السلطة تعمل في النصّ أكثر مما تعمل في الواقع: الرتبة العسكرية التي يُفترض أن تردع المواطن عن الجدال، تتحوّل إلى موضوع سخرية حين ينسى حاملها إجراءات بسيطة، والاستجواب الذي يُفترض أن يكشف الحقيقة يصبح لعبة لغوية بين المحقّق والمتّهم، والواسطة التي يلهث وراءها الناس تُفضح كآليّة تُعيد إنتاج الظلم بدل أن تكسره.

ليس غريباً إذاً أن يُرى المسلسل كأرشيف حيّ للدولة الرسمية. إنه يدوّن، بكاميرا واحدة ودفتر محاضر، ما يجري كلّ يوم في مراكز الشرطة والدوائر الرسمية: كيف تُنتج السلطة نفسها يومياً عبر الورقة والختم، وعبر “تربيح الجميلة للمواطن بخدمة هي في الأصل حقّه.

الجانب الرجعي الذي نتغاضى عنه

يمكن توصيف “الجانب الرجعي” في “مرحباً دولة”، بوصفه الميل إلى تشخيص الأزمة بمنطق ثقافوي أخلاقي أكثر منه بنيوياً: فالسلسلة تُسطِّح الفوارق بين “فساد مُكرَهين” (رشوة صغيرة لإنجاز معاملة) و”فساد مُمكَّنين” (نهب منظّم للمال العام)، عبر توزيع اللوم على الجميع في لغة يومية تسوّي بين قوّة الدولة وأدواتها وبين هشاشة الفرد، ما ينتهي عملياً إلى تذويب المسؤوليّات وتأجيل المحاسبة البنيوية.


وتتجلّى آثار هذا المنظور في ميل العمل إلى حنين مفترض إلى”دولة قانون” ضائعة من دون تفكيك تراتبيات الطائفية والزبائنية والاحتكارات التي تُنتج الأعطاب أصلاً، فيستعيد أخلاقيات “هيبة الدولة” بصورة معكوسة: الدولة نفسها تستحضر “الهيبة” ضدّ النقد الهزلي. تلك المفارقة تجسّدت في سلسلة من الإجراءات القضائية التي واجهت العمل، من دعوى وزارة الداخلية التي رُفعت بعد أسبوع من انطلاقه، إلى استدعاء منتجه فراس حاطوم بسبب استخدام بزّات قوى الأمن و”أسلحة بلاستيكية” في التصوير، ثم البيانات الدينية التي توالت ضدّه؛ فالمركز الكاثوليكي للإعلام دان ما وصفه بـ”التعرّض للإيمان المسيحي”، فيما قدّمت دار الفتوى إخباراً ضدّ الموسم الثاني بتهم “الإساءة إلى المقدّسات” و”إثارة النعرات”، لتتداخل المرجعيات الأخلاقية والدينية مع جهاز الدولة في رسم حدود السخرية.

كلما انزاح الخطاب من البنية إلى الأخلاق، تمدّد “الخطّ الأحمر” الديني بدوره، وصارت كلفة النقد البنيوي أعلى. وحتى حين يسخر الموسم الثاني من هذه الوقائع بإقحام رجال دين وشخصيّات أمنية في خطوط قصصية تفضح تسييس المقدّس، يبقى المنظور العامّ أقرب إلى شدّ الناس نحو “تقويم السلوك”، لا إلى مساءلة لأطر القوّة التي تُنتج الحاجة إلى الواسطة والرشوة والتمييز يومياً، وهذا ما يبرّر، نقدياً، نعته بـ”المحافظة” من حيث الأثر، وإن خالف النيّة المعلنة لصنّاعه.

ومن اللافت فنّياً أن العمل لا يكتفي بأن يُظهر هذه الرسائل ضمن الأحداث، بل أحياناً يصدم المتفرّج بها بشكل مباشر. في بعض الحلقات يكسر الممثّلون الجدار الرابع وينظرون إلى الكاميرا ليخاطبوا المشاهد بعبارات صريحة حول حال البلد، فيتحوّل المشهد فجأة إلى ما يشبه خطاباً توعوياً قصيراً: يذكّر الشرطي المشاهد بأن “كلّنا خارج القانون” مثلاً، أو تخاطب إحدى الشخصيّات الكاميرا قائلة: “هيدا الوطن إلن وإلنا”، في إشارة إلى أن الصراع ليس بين شعب طاهر ودولة فاسدة، بل بين نهجين وثقافتين داخل المجتمع نفسه. 

صحيح أن هذه اللحظات تقلّل من انسياب السرد الكوميدي، لكنّها تخدم غرضاً مقصوداً: إنارة فكرة المسلسل المركزية بلغة مباشرة حتى لا يُساء فهمه كمجرّد إسفاف تهريجي. لكنّ تلك “الرجعية” يمكن التغاضي عنها رغم ذلك ولا تقلّل من متعة المسلسل، إذ إن كونه كوميديا شعبية مرتجلة يجعله أكثر اتساقاً مع رؤاه: عمل يفضح منطق الدولة الأمنية، حتى حين يبدو مشدوداً إلى حنينها.

تطوّر موهبة محمّد الدايخ من الموسم الأول إلى الثاني، يؤكّد ضخامة تلك الموهبة التي تتجاوز مجرّد ابتكار حبكات كوميدية؛ لتبلغ قدرة على ضبط إيقاع العمل كلّه، وتوزيع الوزن بين الكلمة والحركة، واستثمار ضيق المكان ليصبح جزءاً من السخرية لا عائقاً أمامها. بالمقارنة مع الموسم الأوّل، يبدو الموسم الثاني أنضج وأكثر توازناً؛ الوعظ فيه أقلّ، والشخصيّات أوضح: الضابط والعنصر والزبون لم يعودوا شخصيّات مضبّبة بل رُسموا بدقّة أكبر.

تتحوّل الكوميديا هنا من توبيخ المواطن إلى تفكيك آليّات السلطة داخل المخفر، ليس على شكل خطاب أخلاقي، بل في مشاهد صغيرة ذكية تُريك كيف يُنتَج الظلم في التفاصيل اليومية. 

انتصار الضحكة في ساحات العالم الرقمي

رغم كلّ ما سبق، لم تنتهِ حكاية “مرحبا دولة” بالإقصاء أو المنع. على العكس تماماً، يُمكن القول إن حملة التضييق والاعتراضات المتوالية أعطت المسلسل زخماً مضاعفاً لم يكن ليحلم به. فعندما حاولت السلطة إحكام الباب عليه في الفضاء التلفزيوني التقليدي، خرج لها من النافذة الرقمية بلا استئذان. 

مع نهاية العام 2025، وبعد أن هدأت عواصف الجدل القضائي والديني، بادرت قناة LBCI إلى نشر حلقات المسلسل بالكامل على منصّة يوتيوب مجّاناً وبمتناول الجميع. خلال أسابيع قليلة، بدأت عدّادات المشاهدات تتصاعد بعشرات الآلاف ثم مئات الآلاف، لتتخطّى بعض الحلقات حاجز المليون مشاهدة كما تؤكّد أرقام المنصّة. هكذا انتقل العمل من نطاق محلّي محدود إلى رحاب العالم العربي الأوسع، لتصل أصداؤه إلى بلدان ربما لم تسمع أساساً بالأزمة السياسية اللبنانية بتفاصيلها. الجمهور الجديد على الإنترنت تلقّى المسلسل بأسلوب مختلف: لم يعد مجرّد عرض يُشاهَد ثم يُنسى، بل تحوّل إلى تجربة تفاعلية.

تحت كلّ حلقة منشورة، تجد مئات وربما آلاف التعليقات التي يخوض أصحابها في نقاشات حول الواقع الذي يعكسه المسلسل، يقارنون بين ما يرونه في المخفر المتخيّل وأحوال مراكز الشرطة في بلدانهم، ينتقدون وينظّرون ويتندّرون في آنٍ معاً. البعض أخذ يبني محتوى مشتقّاً: مقاطع قصيرة وميمز تنتشر على شبكات التواصل تقتطع مشهداً طريفاً أو عبارة لاذعة من العمل، وتُعيد توظيفها للتعليق على حدث سياسي آني. آخرون قاموا بترجمة مقاطع إلى لغات أجنبية ليروها لأصدقائهم غير العرب كمثال على الكوميديا السياسية العربية. 

بهذا المعنى، يمكن القول إن “مرحبا دولة” كسر طوق الرقابة التقليدية، وحقق انتصاراً للضحكة على منطق المنع. ما اعتُرض عليه في قاعة المحكمة في عام 2024، أُعيد إنتاجه وتداوله بلا حواجز في الفضاء السيبراني في عام 2025. لقد تبدّل السياق من منطق الرقابة إلى منطق المنصّة: المحتوى هو السيد، والجمهور هو الحكم. وكما علّقت بعض الصحف اللبنانية، فإن الدولة التي حاولت الدفاع عن هيبتها بالمنع، اكتشفت أنها ما زالت أسيرة عقيدة قديمة ترى أن “الدولة هيبة”، بينما صارت السلطة الحقيقية في يد الجمهور ومنطق التكنولوجيا.

اللافت أن تواضع جودة الإنتاج الذي كان مدخل السلطة لاتّهام البرنامج بالإسفاف، هو نفسه ما جعل العمل مثالياً للمشاركة الرقمية. فحلقات المسلسل القصيرة نسبياً (نحو 15 دقيقة لكلّ حلقة) والحوارات البسيطة يسهل اقتباسها واقتطاعها وإعادة نشرها. لا حاجة لشاشة تلفزيون أو جودة عالية لمتابعتها؛ يكفي هاتف محمول واتّصال بالإنترنت. هذه الديمقراطية في المحتوى أكسبت “مرحبا دولة” انتشاراً قد يفوق بكثير مسلسلات صُرفت عليها ملايين الدولارات بتقنيات تصوير سينمائي، لكنّها حبيسة المنصّات المدفوعة أو القنوات المشفّرة. لقد خرج المسلسل من قيود الجغرافيا والتراخيص ليصبح متاحاً لأي شابّ في عمّان، أو ربّة منزل في الجزائر، أو طالب جامعة في بغداد. وفي كلّ مرّة يُشاهد فيها في سياق جديد، يثبت أن هموم المخفر اليومية لغة عربية مشتركة يفهمها الجميع – وإن اختلفت اللهجات والبلدان.

الفنّ كأداة تشخيص لأزمة الدولة الحديثة

“مرحبا دولة” كمشروع فنّي طرح السؤال وأجاب عنه بطريقته الخاصّة. لقد برهن العمل أن قوّة المحتوى لا تُقاس بعدد الكاميرات ولا بحجم الميزانية، بل بقدرة الفكرة على لمس الأعصاب الحسّاسة في بنية السلطة والمجتمع. فنجاح المسلسل في إثارة كلّ ذلك الجدل، ثم في إعادة اكتشافه على نطاق واسع عبر المنصّات الرقمية، يؤكّد أن الفنّ الساخر قادر على التسلّل حيث تعجز أدوات النقد الجادّ أحياناً. 

ربما لأن الضحك يفتح القلوب المغلقة على الحقائق المُرّة، فيمرّر الرسائل إلى حيث يجب أن تصل. الضحك المعرفي الذي قدّمه “مرحبا دولة” جعل المواطنين يرون في مرآة الكوميديا صورة أكثر صدقاً من خطب الساسة وتقارير الأخبار. وإذا كان الفنّ مرآة المجتمع، فهذا العمل صقل المرآة جيّداً ووضعها أمام وجوه الجميع دون استثناء، داعياً إياهم لإلقاء تحيّة صادقة: “مرحباً دولة”… وربما وداعاً أيضاً، إن لم تتدارك الدولة نفسها يوماً ما. الأسئلة التي أثارها المسلسل حول دور الفرد وفعّالية المؤسّسة وعمق الخلل الثقافي ستبقى مطروحة، وربما يطرحها عمل فنّي آخر بشكل مختلف قريباً. لكنّ الأكيد أن تجربة “مرحبا دولة” ستبقى علامة فارقة على طريق إعادة تعريف دور الفنّ في تشخيص أزمات الدولة الحديثة في العالم العربي، حيث قد تصبح نكتة في مخفر أقوى من خطبة على منبر، وحيث ينبت الأمل أحياناً من ضحكة متوجّعة تدفعنا إلى التفكير بجدّية في ما كنّا نعتبره مجرّد مادّة للضحك.