قبل بداية العام الدراسي في مصر بأيام، نشرت صفحة مدرسة “نجع سعيد الإعدادية المشتركة” في مدينة دشنا التابعة لمحافظة قنا، منشوراً لتوضيح الزي المدرسي. وضمن شروط الزي للفتيات كان ارتداء “إدناء” مع النقاب، على أن يكون لونهما أزرق.
أثار المنشور عاصفة على وسائل التواصل الاجتماعي، ما استدعى تدخل وزارة التربية والتعليم، التي تمنع ارتداء النقاب للطالبات في مدارسها، فأحالت مدير المدرسة ومسؤول صفحتها على موقع “فيسبوك” إلى التحقيق، معتبرةً أن ما حدث خطأ من مسؤول الصفحة، وأن الصورة الملحقة بالمنشور غير حقيقية ومولّدة بالذكاء الاصطناعي، وأنه لم تُجبَر الطالبات على النقاب قبل ذلك.
الواقعة السابقة، على رغم أنها تبدو مجرد مخالفة إدارية تتعلق بالزي المدرسي صُحِّحت وعوقب المخطئ، إلا أنها تطرح سؤالاً أوسع حول دور المدرسة المصرية في تشكيل أجساد الفتيات وفرض تصورات محددة على مظهرهن وسلوكهن منذ سن مبكرة: من يملك الحق في تحديد ما ترتديه الفتاة داخل المدرسة؟ ومتى يتحول الزي المدرسي من قواعد تنظيمية إلى أداة للسيطرة على جسد الفتاة؟ لا سيما أن الإجبار على الحجاب ممارسة معتادة في المدارس المصرية، بخاصة في الأقاليم.
الحجاب بدلاً من النقاب
على رغم انتهاء أزمة النقاب في “نجع سعيد” قبل بداية العام الدراسي، إلا أنه مع الأيام الأولى للدراسة في مصر انتشرت صور لفتيات في الصفوف الابتدائية الأولى يرتدين الحجاب، سواء في المدارس الحكومية التي تفتخر بها أسرهن، أو في المعاهد الأزهرية التي كانت ترتدي فيها الفتيات الحجاب إجبارياً بدايةً من الصفوف الإعدادية – المتوسطة -، لكن هذا الأمر تغيّر هذا العام، إذ ظهرت فتيات في الصفوف الأولى بالحجاب وسط احتفاء مجتمعي.
“الأمر يبدو اختيارياً لكنه ليس كذلك”، بهذه العبارة بدأت ملك ياسر حديثها مع “درج” حول تجربتها في الإجبار المدرسي على الحجاب.
تقول: “الأمر بدأ كأنه نصيحة من معلمة اللغة العربية، لذلك لم أكترث لها في البداية، لأنني ما زلت في المرحلة الإعدادية، ولأن أسرتي لا تضع الحجاب في حساباتها في هذه المرحلة، فوالدي يؤمن بحريتنا في ارتداء ما نشاء من دون الإخلال بقواعد اللباس المحتشم. لكن بعد أسبوع استدعتني مديرة المدرسة لتخبرني بضرورة ارتدائي الحجاب، لأنه لا توجد طالبة مسلمة في صفي لا ترتدي الحجاب إلا المسيحيات”.
أخبرت ملك مديرة المدرسة بأنها لا تريد ارتداء الحجاب الآن، وأنها ما زالت صغيرة، كما أنها لا ترتدي ملابس لافتة أو خارج حدود الاحتشام، سواء في المدرسة أو خارجها، لكن المديرة لم تستجب لكلامها، وأخبرتها أنه من الضروري ارتداء الحجاب لأنها لن تسمح بطالبة غير محجبة في مدرستها.
في اليوم التالي، ذهبت ملك إلى المدرسة من دون حجاب، لكنها التزمت بالزي المدرسي، لتجد مديرة المدرسة تُخرجها من الطابور، وتعطيها محاضرة أمام باقي طلاب المدرسة حول ضرورة ارتداء الحجاب ومعصية الله، وتصفها بأنها غير محترمة، وأن افتراضها بأنها محترمة من دون حجاب هو محض وهم، وهو ما جعل ملك تبلّغ والدها بما حدث، ليذهب في اليوم التالي إلى المدرسة للاعتراض على ما حصل مع ابنته. ومع ثورته والتهديد بالشكوى في الإدارة التعليمية، أخبرته مديرة المدرسة بأنها لن تتعرض لابنته مرة أخرى، لتظن ملك أن الأزمة انتهت.
تضيف ملك: “كنت واهمة، فالأزمة لم تنتهِ، بل فعّلت مديرة المدرسة المستوى الأعلى، لأنني فوجئت بأن كل زميلاتي ينبذنني بناءً على تعليمات من مديرة المدرسة، باعتباري طالبة تسيء الى صورة المدرسة بعدم ارتداء الحجاب، مستخدمة العبارة الأشهر: “الحسنة تخص والسيئة تعم”. وهكذا تحولت إلى طالبة منبوذة، وحين اعترض والدي للمرة الثانية، أخبرته بأنها لا تستطيع إجبار الطلاب على التعامل معي، وحين توجه إلى الإدارة التعليمية للشكوى، قيلت له العبارة نفسها، إلا أن موظفة نصحت والدتي بأن أرتدي الحجاب داخل المدرسة وأخلعه خارجها حتى ينتهي العام الدراسي”.
اضطرت ملك، بعد 3 أسابيع من المقاومة، إلى تنفيذ نصيحة الموظفة، إذ أصبحت ترتدي الحجاب داخل المدرسة وتخلعه باقي اليوم، حتى انتهاء العام الدراسي، إذ نقلها والدها إلى مدرسة أخرى، واجهت فيها تعليقات تطلب منها ارتداء الحجاب، ولكن من دون صراع لإجبارها عليه.
علاقات السلطة في المدرسة
في كتابها “تعليم الأمة: التعليم والسياسة اليومية في مصر”، وهو دراسة ميدانية في المدارس المصرية، تضع الباحثة هانيا صبحي المدرسة المصرية داخل شبكة أوسع من علاقات السلطة والانضباط، وتخصص فصلاً بعنوان “عدم الامتثال الجندري وانهيار الانضباط” لدراسة الطريقة التي تتشكل بها ممارسات الطلاب وفقاً للنوع الاجتماعي. ولا تنطلق صبحي من افتراض أن المدارس المصرية تنجح ببساطة في إنتاج طلاب مطيعين، بل تشير إلى تراجع هذا النموذج، وتوثّق انتشار عدم الامتثال والمقاومة والتفاوض داخل المدارس. ومع ذلك، تكشف الدراسة أن محاولات ضبط الطلاب تحمل طابعاً مختلفاً بحسب كونهم فتيات أو فتياناً.
توضح صبحي أن العقاب والمراقبة داخل المدارس لا يؤثران في الجنسين بالطريقة نفسها؛ فبينما يتعرض الأولاد بصورة أكبر للعقاب البدني، تخضع الفتيات بدرجة أكبر لمراقبة السلوك الجنسي والجسدي وضبطه. وتبحث الباحثة في تأثير هذه الممارسات اليومية على تشكيل ذوات تتحدد خبرتها المدرسية وفقاً للنوع الاجتماعي، أي الطريقة التي تتعلم بها الفتاة أو الفتى النظر إلى نفسيهما والتصرف وفق التوقعات المرتبطة بجنسهما.
وعلى رغم تأكيد الباحثة وجود مقاومة ضد فرض السلطة رؤيتها، إلا أنها ترى أن المقاومة لا تلغي وجود عملية الضبط نفسها، إذ تكشف كيفية استخدام العقاب والمراقبة في إنتاج تصورات مختلفة للأنوثة والذكورة. وهنا يصبح الزي جزءاً من منظومة أكبر: المدرسة لا تقول للفتاة فقط “ارتدي هذا اللون أو هذا الشكل”، وإنما تضع حدوداً لما ينبغي أن يبدو عليه جسدها داخل الفضاء المدرسي، وقد يرتبط ذلك بطول الملابس، وطريقة ارتداء الحجاب، والحركة، والعلاقة بالأولاد، وحتى تفسير السلوك الذي قد يعتبره المدرسون أو المجتمع غير مناسب.
وزارة لا تحمي
“لائحة وزارة التربية والتعليم لا تمنع ارتداء الحجاب للطلاب ولا تفرضه أيضاً، لكن الأمر يختلف على أرض الواقع، فللإجبار صور كثيرة”، هكذا تفسر لمياء لطفي، مؤسسة مبادرة المرأة الريفية، أزمة الإجبار على الحجاب في المدارس المصرية.
للمياء 3 تجارب في محاولة الإجبار على الحجاب، الأولى كانت لها شخصياً أثناء دراستها الثانوية، إذ وجه لها عدد من المدرسين نصائح بارتداء الحجاب في مناسبات مختلفة، لكنها لم تتطور إلى محاولات إجبار.
أما التجربة الثانية فكانت لابنتها الكبرى ندى، التي منعتها مديرة المدرسة من دخول فصلها وتركتها في فناء المدرسة، وطلبت من الاختصاصية الاجتماعية الاتصال بوالدتها لضرورة الحضور. ذهب والدها بدلاً منها لمنع أي احتكاك، ليجد ابنته وحيدة في فناء المدرسة، فالتقط صورة لها تحت لافتة الزي المدرسي الموجود فيها الحجاب، ليقوم بالشكوى في الإدارة التعليمية.
بحسب لمياء، فقط كانت ابنتها مثالاً نموذجياً للزي المدرسي، عدا الحجاب الموجود على اللافتة، والذي احتُجَّ على أنه ليس إلزامياً، وإنما لتوضيح اللون المطلوب لمن ترتدي الحجاب. وبعد تلك الواقعة، تلقت لمياء رسائل عدة من مدرسات وأولياء أمور بأنها قامت بالفعل الصحيح، لأن مديرة المدرسة لو لم يتصدَّ لها ولي الأمر، لكانت في المرة المقبلة ستجذب ابنتها من شعرها أمام الجميع، كما تفعل مع كل طالبة تجد أن ولي أمرها لا يعارض ارتداءها الحجاب، بينما الطالبة هي من ترفض.
إقرأوا أيضاً:
أما التجربة الثالثة فكانت لابنتها الصغرى ريم، وكانت الأقسى، إذ فوجئت لمياء بحرب شعواء من مديرة المدرسة ومن أولياء أمور موالين لها ومنضمّين إلى مجموعة المدرسة على وسائل التواصل الاجتماعي التي تديرها مديرة المدرسة. إذ وصلت إلى حساب لمياء على “فيسبوك”، ونشرت صورها من دون حجاب، مع عبارات مثل: “هي دي الأم المحترمة اللي بتربي؟”، وفي صورة أخرى ارتدت فيها لمياء سترة بأكمام، نشرتها المديرة قائلة: “الحمد لله بسببنا احتشمت”. وتعرّض حساب لمياء لهجمة إلكترونية من كثير من أولياء أمور الطلاب، كما صوّرت مديرة المدرسة فيديو لطالبات مسيحيات مرتديات الحجاب يقلن فيه إن الحجاب جزء من هويتهن وإن السيدة العذراء كانت محجبة، على رغم أن المديرة نفسها هددت لمياء بمعاملة ابنتها معاملة المسيحيات.
تقول لمياء إن الأزمة تكمن في أن الوزارة قد توقف محاولة المعلم أو الإدارة التي تجبر الطالبات على الحجاب، لكنها لا تحمي الطالبات من التمييز ضدهن في المدرسة بعد ذلك، ولا تحميهن من سلوك النبذ من باقي الطلاب، الذي يكون غالباً بإيعاز من إدارة المدرسة.
وتضيف لمياء أن الإجبار على الحجاب في الكثير من الأحيان يكون متوافقاً مع المجتمع المحيط، لا سيما في الأقاليم والصعيد، الذي ترتدي فيه حتى المسيحيات الحجاب، ولكن بأسلوب أخف من المسلمات، إذ يتم الاكتفاء بغطاء الشعر بإيشارب ثم طرحة من التول الخفيف توضع على الرأس، أشبه بما كانت ترتديه سيدة الكرم.
وصاية على الجسد
ترى رنيم العفيفي، الصحافية النسوية والمدرّبة المتخصصة في الصحافة الحساسة جندرياً، أن النقاش حول فرض الحجاب على الفتيات في المدارس المصرية لا ينبغي أن يتوقف عند سؤال: “هل الحجاب إلزامي أم اختياري؟”، لأن هذا السؤال وحده يتجاهل السياق الذي تُتخذ داخله قرارات الفتيات. فالقضية، في جوهرها، تتعلق بمن يملك حق وضع القواعد على جسد طفلة، ومن يملك حق تعريف ما هو مقبول وما هو غير مقبول في شكلها وحركتها وملابسها.
وتوضح العفيفي أن فرض الحجاب في المدارس قضية قديمة تتجدد مع بداية كل عام دراسي، وأن وقائعها لم تبدأ حديثاً، وإنما حظيت باهتمام إعلامي وحقوقي منذ سنوات، قبل أن تتكرر في مدارس مختلفة. وفي الحالة المصرية، تكمن المفارقة في أن لوائح وزارة التربية والتعليم المنظمة للزي المدرسي لا تنص على فرض غطاء الرأس، بينما تمنع النقاب صراحة، ومع ذلك، تكتفي الوزارة عند ظهور كل واقعة بالقول إن الحجاب اختيار شخصي وإن فرضه داخل المدرسة مخالفة.
لكن، بحسب العفيفي، فإن وصف الأمر بأنه “اختيار شخصي” يصبح مضللاً عندما نتحدث عن طفلات في الحادية عشرة أو الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من العمر. فأي اختيار شخصي نتحدث عنه عندما تكون الطفلة محاصَرة بضغوط الأسرة والمدرسة والأقران والمجتمع؟ فالقرار لا يحدث في فراغ، والفتاة في هذا العمر قد تختار، بالفعل، ارتداء الحجاب، لكن عليها أيضاً أن تكون قادرة على رفضه من دون أن تتحول إلى موضع تنمّر أو عقاب أو نبذ أو تمييز.
وتؤكد العفيفي أن الأخطر في فرض الحجاب ليس قطعة القماش نفسها، وإنما ما يصاحبها من رسالة مبكرة للفتاة مفادها أن جسدها يحتاج إلى الرقابة، وأن مسؤوليتها الأساسية هي ضبطه وإخفائه حتى تكون محترمة أو محميّة. وعندما نربط الحماية بالملابس، فإن الرسالة التي يمكن أن تترسخ لاحقاً هي أن الفتاة مسؤولة عن منع الآخرين من الاعتداء عليها، بدلاً من تحميل المعتدي مسؤولية العنف.
وتلفت العفيفي إلى أن بعض الوقائع تكشف عن جانب أكثر تعقيداً، خصوصاً عندما يُطلب من الفتاة ارتداء الحجاب داخل المدرسة وخلعه خارجها. فهنا لا نتحدث فقط عن فرض مظهر معين، وإنما عن تعليم الطفلة أن تتعامل مع جسدها وفق قواعد متناقضة بحسب المكان والجهة التي تراقبها، وهذه الازدواجية قد تخلق علاقة مرتبكة مع الجسد، بدلاً من أن تساعد الفتاة على فهمه والتصالح معه.
“كما أن السيطرة لا تتوقف بالضرورة عند الحجاب، فعندما تُعرف الفتاة منذ سن مبكرة باعتبارها محجبة، وما يترتب على ذلك من قواعد إضافية حول الملابس والحركة واللعب والرياضة، تضيق تدريجياً المساحات المتاحة أمامها لاكتشاف جسدها والعالم من حولها. نحن نتحدث عن طفلات، لا عن نساء بالغات يُفترض أن يتحمّلن تبعات قرار اجتماعي معقد”، تقول العفيفي.
وتشدد العفيفي على أن معالجة الظاهرة باعتبارها مجموعة من الحالات الفردية التي تستدعي تدخل الوزارة فقط عندما تصل إلى الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي، لا تعالج جوهر المشكلة. فحتى عندما تتدخل الوزارة لمنع فرض الحجاب، يبقى السؤال: من يحمي الطالبة التي ترفضه من التنمر والتمييز والضغط؟ ومن يضمن ألا تتحول ممارسة حقها في الاختيار إلى سبب لمعاقبتها اجتماعياً؟
وترى العفيفي أن القضية في النهاية أكبر من الحجاب؛ إنها تتعلق بمنظومة أوسع تتعلم فيها الفتاة منذ طفولتها أن جسدها ليس شأناً خاصاً بها، وأن الآخرين يملكون حق وضع القواعد المتعلقة به. ولذلك فإن مواجهة هذه الممارسات لا تبدأ فقط بإلغاء قرار إلزامي، وإنما بإعادة تعريف علاقة المدرسة بجسد الفتاة: من مساحة للرقابة والسيطرة إلى مساحة تحمي حقها في الأمان والاختيار وعدم التمييز.
قد تكون أزمة مدرسة “نجع سعيد” انتهت بتدخل الوزارة، لكن تبقى معادلة السيطرة على الجسد المفروضة على ملايين الفتيات، اللاتي يتعلمن الامتثال لما يريده المجتمع، مستمرّة.
إقرأوا أيضاً:












