“لم يكن ابني عبيد يعاني من أي مرض قبل دخول السجن وبعده، لقد زرته وعمته قبل نقله إلى المستشفى بيومين، وكان بصحة جيدة، حتى إنه اعتذر مني لوجوده في السجن وحاول أن يمازحني بسؤالي عن رأيي بقَصة شعره الجديدة التي حصل عليها في السجن.
لم أصدق عندما أخبرنا أحد أصدقائه أنه التقى به في المستشفى، وهو بحالة صحية سيئة. عندها سارعت وعمته إليه، كان ممدداً على سرير في غرفة مظلمة، ولم يُسمح لنا بالدخول والاطمئنان عليه، بل هُدِّدنا بنقله إذا ما أصررنا على رؤيته.
اضطررنا حينها للعودة إلى المنزل ليصلني نبأ وفاته في اليوم التالي، لم أستوعب الخبر فهناك الكثير من الأسئلة العالقة، متى كان ابني مريضاً حتى ينتهي به الحال متوفياً بزمن قياسي؟”.
لم يكن والد عبيد (من محافظة جندوبة) يتوقع أن ابنه سيعود إليه جثة لا حياة فيها، بعد يومين من زيارته في 16 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، في السجن، وكان بصحة جيدة.
تعود أطوار القضية إلى التاسع من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، عندما أوقف الشاب عبيد (18 سنة) رفقة ثلاثة من أصدقائه في أحد المقاهي في محافظة جندوبة، بشبهة حيازة “الزطلة” (القنب الهندي) واستهلاكها. وبعد يومين، أُصدرت بطاقة إيداع بالسجن بحقه، وهذا ما لم تكن تتوقعه عائلته، وبعد مرور خمسة أيام من ذلك، زاره والده وعمته بعدما أوكلوا قضيته إلى محامٍ.
في 19 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، نُقل عبيد من السجن إلى المستشفى بعدما انتكست صحته من دون إعلام عائلته، سواء من إدارة السجن أو من المستشفى، لولا وجود صديقه مصادفة في قسم الاستعجالي (الطوارئ) في المستشفى، الذي فوجئ به مسنوداً من عنصريْ أمن وبحالة صحية صعبة.
حسب رواية صديقه لبعض وسائل الإعلام المحلية، فقد سارع لعناقه باكياً وقد هاله الوضع الذي كان عليه، إذ كان موثقاً بأصفاد على مستوى اليدين والساقين. وسأله كيف حاله ولكن لم يقوَ على الإجابة، لأنه كان في حالة شبه إغماء. أدخل أعوان الأمن عبيد إلى قسم الاستعجالي ثم أعادوه بعد ذلك إلى سيارتهم، وتوجهوا به إلى قسم آخر في المستشفى، فيما مُنع صديقه من الدخول إلى الغرفة التي أُخذ إليها، فبادر الى إبلاغ عائلته التي أتت لرؤيته على وجه السرعة.
يضيف والد عبيد لـ”درج”: “سُلِّمت شهادة وفاة كُتب عليه أنه قد توفي بسكتة قلبية، ولكنْ هناك غموض كبير يلفّ وفاة ابني، بدءاً من عدم إعلامنا بنقله إلى المستشفى ومنعنا من الدخول والاطمئنان عليه، وصولاً إلى وضعه في غرفة مظلمة بلا رعاية صحية رغم أن وضعه كان سيئاً. كلها مجريات تجعلني أشك في السبب الحقيقي لوفاة ابني، هل تعرض لمكروه داخل السجن؟ أو أنه لم يلقَ العناية اللازمة في المستشفى؟ لن أتراجع قبل أن أجد الإجابات عن كل هذه الأسئلة. أعرف كيف سُرقت حياة ابني الوحيد، بخاصة وأن أعوان الأمن قد اعتدوا عليه، عندما وقع على ركبتيه لعجزه عن النهوض كما أخبرني بعض الحاضرين حينها في المستشفى. كما أن الطبيبة التي دوّنت سبب الوفاة لم تعاينه عندما كان ملقى في تلك الغرفة المظلمة، حتى إنها ملأت استمارة دخوله إلى المستشفى بعد وفاته”.
عبيد ليس الحالة الوحيدة للموت المستراب (المريب) في السجون التونسية، بل هي حلقة ضمن سلسلة كبيرة من الحوادث المشابهة، التي راح ضحيتها عدد من المواطنين التونسيين الذين دخلوا السجن بحالة صحية جيدة، وخرجوا منه في كفن. وعلى رغم ثبوت تعرضهم للاعتداء من عناصر الأمن أو للإهمال داخل السجون، ما أدى إلى موتهم، لكن إفلات الجناة من العقاب ظل دائماً هو الواقع السائد في ظل استمرار سلطة الإشراف، وعلى رأسها وزارة الداخلية، التي لا تُبدي أي جدية في التصدي لانتهاكات عناصرها، بل تتعمد التقليل من حجم تجاوزاتهم والتغطية عليها حتى وإن كان هناك من خسر حياته جراء ذلك، ليقوم القضاء بباقي المهمة، فإما المماطلة في الإجراءات وإطالة أمد المحاكمة حتى تسأم عائلات الضحايا من الاستمرار في القضية، وتسلّم بعجزها عن تحقيق العدالة، وإما إصدار أحكام غالباً ما تنتصر للجناة رغم ثبوت الإدانة.
إقرأوا أيضاً:
تُعتبر قضية عمر العبيدي التي هزّت الرأي العام التونسي منذ أكثر من ست سنوات، أحد أبرز النماذج التي توضح أن أعوان الأمن في تونس هم فوق المحاسبة، حتى وإن كانت اعتداءاتهم قد أدت إلى جريمة قتل مع توافر كل الدلائل.
قبل ست سنوات، وتحديداً في 30 آذار/ مارس، وعلى إثر مناوشات بين مجموعات “ألتراس”، أحد فرق كرة القدم، وعناصر الأمن، استعمل فيها الأخير الغاز المسيل للدموع، ما دفع المشجعين إلى الهرب خارج الملعب. لتلاحقهم قوات الأمن في الخارج حتى حدود وادٍ يبعد نحو كيلومترين من الملعب، وكان عمر العبيدي بين الفارين.
وللنجاة من عنف عناصر الأمن، ألقى بعض المشجعين أنفسهم في مياه الوادي العكرة، في حين توقف عمر وتوسل إلى أعوان الأمن الذين يطاردونه ألا يؤذوه، وأخبرهم أنه لا يتقن السباحة. ولكن من دون تردد، اعتدى عليه أحد عناصر الأمن بالضرب ثم دفعه إلى الوادي، قائلاً “تعلّم عوم”، وهي العبارة التي تحولت لاحقاً إلى شعار احتجاجي ضد ممارسات الأمن تجاه المواطنين. وفي اليوم التالي، عُثر على جثة العبيدي غارقة في الماء الملوث والوحل.
أثارت قضية العبيدي جدلاً كبيراً، ونُفّذ وقفات احتجاجية كثيرة للضغط لمحاسبة الجناة، حتى بات هناك اعتقاد أن قضيته ستكون بداية لمرحلة جديدة تضع حداً لإفلات أعوان الأمن من العقاب.
وبينما كان التونسيون ينتظرون حكماً عادلاً بحجم الجريمة الكبيرة التي حدثت، أصدر القضاء التونسي بعد أربع سنوات من الحادثة، وتحديداً في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، أحكاماً ابتدائية بالسجن لمدة عامين بحق 12 من أعوان الأمن بتهمة “القتل غير العمد”، وعدم سماع الدعوى بحق اثنين آخرين.
كان الحكم صادماً لعموم التونسيين، ومخيباً للآمال، ورغم ذلك، كان هناك اعتقاد أن يتدارك القضاء أمره في مرحلة الاستئناف، ولكنّ القضاء التونسي قدّم برهاناً جديداً على أن كل القضايا المرفوعة ضد الأمنيين هي في الحقيقة قضايا خاسرة، إذ أصدر في 12 تموز/ يوليو الماضي حكماً يخفّض من العقوبة السجنية بحق المتهمين من سنتين نافذتين إلى سنة واحدة مع تأجيل التنفيذ.
وهناك عشرات القضايا الأخرى التي ما زال أصحابها ينتظرون الحسم الذي يطول أمده، وغالباً لا يأتي، حتى إن عائلات الضحايا أصبحت تصل إلى مرحلة وقف التتبع القضائي بسبب طول مدة التحقيقات وعدم جدواها، في ظل تعمّد الجهات الموكول إليها مهمة البحث في القضية، طمس الحقيقة لضمان تمتّع الجناة بالإفلات من العقاب.
وحسب أرقام المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب، فقد رُصد أكثر من 900 حالة تعذيب وسوء معاملة في تونس منذ عام 2013 حتى شباط/ فبراير 2024، أي ما بين 120 و150 حالة سنوياً. علما أن التعذيب وسوء المعاملة يحدثان في الشارع أو في سيارات الأمن أو مراكز الاحتفاظ أو داخل السجون.
تقول المستشارة القانونية للمنظمة العالمية لمناهضة التعذيب إيناس لملوم: “ضحايا التعذيب يعانون كثيراً للحصول على وثائقهم وملفاتهم الطبية، التي تعتبر دليلاً مهماً يعتمد عليه القضاء لإثبات جريمة التعذيب أو سوء المعاملة. وتقييم الضرر لإسناد التعويض يستوجب الحصول على هذه الوثائق، التي ترفض جهات عدة تقديمها، هذا من شأنه أن يُثقل كاهل الضحية ويتسبب في بطء الإجراءات وتطويل مسار قضايا التعذيب قضائياً”.
تضيف لملوم: “من بين الصعوبات الأخرى التي يواجهها ضحايا التعذيب، القيام بالفحص الطبي بحضور أعوان الأمن غالباً، مع بقاء المتهم مكبلاً بالأصفاد. والأخطر من هذا، أن الضحية لا تحصل على ملفها الطبي بصفة مباشرة، بل يعود عون الأمن للحصول على الشهادة الطبية الأولية، وفي ذلك خرق واضح للحياد، لأن هذه الوثيقة لن تصل إلى القاضي لأنها قد تدين ذلك الأمني، وبالتالي عرقلة عملية التتبع العدلي التي تُجريها الضحية”.
وهذا ما تؤكده الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب، التي أوضحت أنها أحالت منذ سنة 2016 حتى سنة 2023، أكثر من 100 قضية تتعلق بشبهات تعذيب على القضاء، لم يتم النظر إلا في قضية واحدة منها.
ورغم أن تونس صادقت عام 1988، على اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، التي تُلزم الدول بإجراء تحقيقات محايدة وشاملة وسريعة في جميع ادعاءات التعذيب وسوء المعاملة، لكن الواقع التونسي يجري على خلاف ذلك، إذ يتعرض المئات للتعذيب داخل السجون ويموت بسببه العشرات، ويبقى الجلادون طلقاء من دون عقاب.
إقرأوا أيضاً:














