منذ الاستقبال الحار والتصفيق والاحتفاء بفيلم “نازا” في مهرجان البندقية لم تتوقف حملات الهجوم عليه، وهنا لا أعني فقط الهجوم الإسرائيلي الذي شيطن معدّي الفيلم الى حدّ تلويح مسؤولين إسرائيليين بسحب الجنسية عنهم وملاحقتهم، لكن الفيلم يواجه نقداً فلسطينيا وعربياً أيضاً…
في إسرائيل قامت الدنيا ولم تقعد، وبحسب الكاتب جدعون ليفي فإن الفيلم أعاد غزة الى قلب الحديث الإسرائيلي،”هذه الضجة هي أفضل ما حدث للمجتمع الإسرائيلي منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر”. ويرى ليفي أن ردة الفعل الشديدة في إسرائيل هي انفجار لما تراكم من قمع وإنكار وأكاذيب ولا مبالاة، وبالتالي فإن “نازا” حطّم انفصال الإسرائيليين عن الواقع.
لكن الهجوم على الفيلم لم يأت من إسرائيل فقط وهنا المفارقة.
كثير من النقد خرج من بيئات عربية داعمة لفلسطين، وهذا النقد ينطلق من فكرة قوامها: هل كان علينا انتظار إسرائيلي كي يخبر العالم بما فعله الإسرائيليون بالفلسطينيين في غزة؟
بحسب هذا المنطق، مرت ثلاث سنوات والفلسطينيون يبحثون عن أبنائهم تحت الركام والعالم يشاهد، والأطباء يعملون في ظروف تجاوزت الخيال في فداحتها، والصحافيون في غزة يوثقون قتل عائلات بكاملها، ثم يصل فيلم إسرائيلي إلى البندقية فيقف الجمهور لنحو 25 دقيقة مصفقاً، ويحصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة.
نحا بعض المنتقدين باتجاه اعتبار أن “نازا” يقدم إسرائيل الأخرى التي تنتقد وتندم وتحاول إعادة تأهيل نفسها بعدما أصبح إنكار ما ارتُكب في غزة مستحيلاً. كتب آخرون ما معناه: إن الفلسطيني يُقتل، ثم يُكافأ الإسرائيلي الذي يروي قتله بوصفه صاحب البطولة الأخلاقية؛ وتصبح قدرة المجتمع الإسرائيلي على نقد نفسه رصيداً في صورته.
السؤال ربما فيه بعض المشروعية لكن تحويله الى استنتاج حاسم بأن “نازا” فيلم يبيّض صفحة إسرائيل ويعيد تأهيلها يحتاج الى شطط لا يبدو أن الفيلم نفسه وقع فيه…
نعم في السينما الإسرائيلية تاريخ مع هذا النموذج من خلال تكرار حالة الفيلم الذي يتحدث عن الجندي الذي يقتل الفلسطيني، ثم يصبح عذابه النفسي هو القصة، بينما يتراجع الفلسطيني المقتول إلى خلفية المشهد. ولذلك لا ينبغي التعامل باستخفاف مع سؤال حول من يحتل مركز الرواية، لكن هنا تحديداً تبدأ مشكلة النقد الموجّه إلى “نازا”. فصنّاع الفيلم يقولون صراحة إنهم اختاروا ألا يجعلوا ندم الجنود أو دوافعهم موضوع الفيلم.
كتب يوفال أبراهام، أحد صانعي الفيلم: “لقد وجهنا الكاميرا أيضاً إلى تل أبيب وسكانها ليلاً، متسائلين عن المدينة باعتبارها فقاعة تستمر فيها الحياة العادية، فيما يُذبح الفلسطينيون على مسافة 60 كيلومتراً فقط. ومن خلال نظرتنا إلى المدينة التي تُدار منها الحرب على غزة، حاولنا رصد آليات الامتثال التي تجعل مثل هذا القدر الواسع من اللامبالاة ممكناً… يتحدث هذا فيلم عن منظومة، إنه يركز على الأوامر والسياسات وأنماط العمل، لا على الانحرافات عنها”.
في مقاله الذي نشر على موقع +972 يتحدث يوفال أن بعض الذين تحدثوا إليهم من الجنود عبروا عن شعورهم بالذنب أو الخجل، فيما تحدث آخرون بفخر عما اعتبروه إنجازاً مهنياً، هنا تحديداً يكتب أبراهام أنه وشريكته في صناعة الفيلم راشيل زور تعمدا عدم الإطالة في مشاعر هؤلاء لأن هذا كان سينقل مركز الثقل بعيداً عن الضحايا. بالنسبة إليهما، فإن موضوع الفيلم ليس عن “الجنود الطيبين” ولا “الجندي الذي استفاق ضميره” بل النظام نفسه، أي تسلسل الأوامر، والسياسات، وآليات العمل، وهرمية اتخاذ القرار التي جعلت القتل ممكناً.
الأهم أنهما يجيبان مسبقاً عن السؤال الذي طرحه بعض المنتقدين العرب حول لماذا نحتاج إلى عسكري إسرائيلي ليخبرنا بما يعرفه الفلسطينيون؟
قالا بوضوح، لم نقابل هؤلاء لأن شهادتهم هي الطريق الوحيد لمعرفة ما حدث، فمن شاهد دمار غزة، أو استمع إلى أهلها، أو حتى أصغى إلى تصريحات القادة الإسرائيليين، كان يستطيع معرفة ذلك منذ سنوات. قيمة شهادة الضباط، بالنسبة إليهما، هي في أنها شهادة من داخل الآلة نفسها، وهذا ما يجعل الإنكار أكثر صعوبة، وفي هذا فارق أساسي.
ليس في الأمر سباق في المشروعية حول رواية الضحية الفلسطينية في مقابل المرتكب، أي العسكري الإسرائيلي، فشهادتا الضحية والفاعل ليستا متنافستين، ولا تؤديان الوظيفة الإثباتية نفسها. الفلسطيني يخبرنا بما حدث له ولعائلته ومدينته، أما ضابط الاستخبارات أو الجندي فيستطيع أن يخبرنا بما كان يظهر على الشاشة قبل الضغط على الزر القاتل: من كان يعلم بوجود العائلة ومع ذلك أصرّ على الضغط على الزناد، وكم مدنياً كان متوقعاً أن يُقتل في العملية، ومن اتخذ القرار بالمضي فيها، ومن أعطى الموافقة.
قوة شهادة الجندي أو الضابط تكمن في كيف تحوّل البشر إلى رقم يسمى “نازا”، وهو تعبير عبري يعني “أضرار جانبية”، لذلك حين يقول ضابط في واحدة من الشهادات إنه كان يسمع الرجل يتحدث إلى زوجته، والتلفزيون في المنزل، والصلاة، وبكاء طفل، ثم يعطي الإذن بالقصف، فإننا لسنا أمام صوت بديل عن الفلسطيني “الضحية” بل نحن أمام دليل من داخل سلسلة القرار.
وهنا يمكن قلب السؤال ببساطة، حين هرّب “قيصر”، المصوّر في الشرطة العسكرية السورية، عشرات الآلاف من الصور التي توثّق فناء المعتقلين تحت التعذيب في أقبية سجون نظام الأسد، هل كان يفعل ذلك لتبييض صورة النظام السوري لأنه كان واحداً من أجهزته؟ وحين سلّم الجندي الأميركي جوزف داربي صور التعذيب في معتقل أبو غريب العراقي إلى المحققين، هل تحولت الصور إلى دعاية لأميركا لأنها جاءت من جندي أميركي أم كشفت إحدى أفظع انتهاكاتها؟ وحين كشف جنود أميركيون ما حدث في ماي لاي، هل كان علينا رفض شهاداتهم لأن الضحايا الفيتناميين سبق أن عرفوا ورووا ما فعله الجيش الأميركي بهم؟
الإجابة طبعاً لا.
الوثيقة القادمة من داخل جهاز الجريمة لا تبرّئ الجهاز وقيادته بل قد تكون، على العكس، من أقوى الأدلة ضده. وشهادة الفاعل لا تحلّ محل شهادة الضحية ولا تكتسب قيمة أخلاقية أعلى منها، لكنها تؤدي وظيفة مختلفة، فهي تكشف ما كان يعرفه من اتخذ القرار، وكيف اتُّخذ، ومن أعطى الأمر، وكيف تحولت الجريمة إلى إجراء مؤسسي.
ثم هناك ما حدث داخل إسرائيل بعد عرض الفيلم. هاجمه نتانياهو بشراسة واستغلّه في حملته الانتخابية، فيما تحدث وزير الثقافة ميكي زوهار عن “الخيانة” وطالب بفحص إمكان سحب جنسية المخرجين. كذلك، أمر رئيس الأركان إيال زامير بفحص الإجراءات القانونية والتحقيق في تسريب معلومات سرية.
وفي أشدود، ظهرت كتابات على الجدران تستهدف يوفال أبراهام وراشيل زور، وتتضمن كلمة “خونة”، كما نُشرت صور لعائلة أبراهام ودعوات إلى ملاحقته. أي إن الدولة التي يُفترض أن الفيلم “يعيد تأهيلها” تتعامل مع صانعَيه باعتبارهما خطراً ينبغي مواجهته ومعاقبته.
مع ذلك هناك مسألة ربما أوسع من الفيلم نفسه.
نعم، ثمة ظلم عميق في أن يصبح الإسرائيلي أحياناً أكثر قابلية للتصديق في الغرب من الفلسطيني الذي عاش الجريمة ودفع ثمنها من حياته. علينا أن نسمي ذلك بلا تردد، لكن المشكلة هنا في هرم المصداقية الغربي، لا في أن إسرائيلياً قرر أن يشهد ضد دولته، والخلط بين الأمرين يقود إلى نتيجة لن تفيد الفلسطينيين، إذ بدلاً من مطالبة المؤسسات الغربية بأن تصدق الفلسطيني أيضاً، يصبح المطلوب أن يصمت الإسرائيلي الذي يستطيع أن يقدم أدلة من داخل المؤسسة التي ارتكبت الفعل.
لقد رأينا المفارقة نفسها طوال هذه الحرب، فقد كان الفلسطينيون في مقدمة من وثق القتل والدمار، لكن أصواتاً إسرائيلية ويهودية في الغرب أدت أيضاً دوراً مهماً في اختراق مساحات كان يصعب اختراقها لو بقي الفلسطينيون لوحدهم. مؤرخ الإبادة الإسرائيلي راز سيغال وصف ما يحدث منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023 بأنه “حالة نموذجية للإبادة”؛ والمؤرخ الإسرائيلي – الأميركي عمر بارتوف وصل لاحقاً إلى توصيف مشابه في نيويورك تايمز؛ والمخرج اليهودي البريطاني جوناثان غليزر استخدم منصة الأوسكار للاعتراض على توظيف ذاكرة المحرقة في تبرير الاحتلال والعنف؛ ونظمت مجموعات يهودية أميركية مثل Jewish Voice for Peace احتجاجات واسعة لوقف الحرب، عدا عن أصوات فنية وأكاديمية وسياسية باتت أكثر وضوحاً وصراحة في وصف ما يحدث في غزة بأنه إبادة.
هم يهود وبعضهم إسرائيليون لكن هذا لا يجعل أصواتهم أكثر قيمة من صوت الفلسطيني، ولا ينبغي أن يجعلها كذلك. يمكن تحميل الدولة الإسرائيلية والمؤسسات والمجتمع مسؤوليات سياسية وبنيوية واسعة، من دون اختزال كل فرد يولد داخلها إلى وظيفة واحدة في آلة واحدة. بل إن النقد البنيوي يفقد شيئاً من قدرته التفسيرية عندما يتحول من تحليل المؤسسات والقوة والأيديولوجيا إلى هوية كلية لا تسمح بأي انشقاق عنها.
لدينا تجربة تاريخية قريبة من ذلك في دراسة إسرائيل نفسها. جانب أساسي من تفكيك الرواية الصهيونية التقليدية عن نكبة 1948 جاء من الأرشيف الإسرائيلي ومن أعمال ما سمي “المؤرخين الجدد”. لم تصبح النكبة أقل فلسطينية لأن وثيقة عن الطرد وجدها مؤرخ إسرائيلي في أرشيف جيشه. ولم تتحول أبحاث إيلان بابيه أو حتى أبحاث بيني موريس إلى “تبييض لإسرائيل” لمجرد أن أصحابها إسرائيليون.
العدالة لا تحتاج إلى اختيار بين شهادة الضحية واعتراف الفاعل، بل تحتاج إلى الاثنين، وإلى الوثيقة، والصورة، والأرشيف، والشاهد، وكل ما يجعل الكذب أصعب.
والغضب المشروع لأن العالم تأخر في سماع الفلسطيني لا ينبغي أن يتحول إلى غضب من كل من يساعد، من داخل الجهة التي مارست العنف، في جعل تجاهله أكثر استحالة.
إقرأوا أيضاً:










