ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

من الطالبة إلى الزينبية: كيف بنت جماعة الحوثي منظومتها لجندرة العنف وتجنيد النساء

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لم يكن انخراط النساء في مشروع جماعة الحوثي وليد اللحظة، بقدر ما كان نتاج مسار بدأ منذ الحروب الأولى، ومع مرور الوقت، تحوّلت اللقاءات النسائية المرتبطة بالمناسبات الدينية إلى منصّات للتعبئة الفكرية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

غرفة مظلمة في منزل ناءٍ في صنعاء هي كل ما تبقّى لأمّ ضياء. اتّخذت لها يوماً ذلك الاسم الحركي داخل جماعة الحوثي في اليمن، لتعلن انتماءها إلى الجهاز الأمني النسائي المعروف باسم “الزينبيات”، وها هي ذي تتجرّع المفارقة القاسية بين الاسم الموحي بالنور وبين المآل الذي صارت إليه في غرفة مظلمة. فلا طفل اسمه ضياء لتصبح أمّه، ولا هي متزوّجة أصلاً. فقط امرأة لم تتجاوز الثلاثين من عمرها، وجدت نفسها فجأة حبيسة جدران أربعة، تواجه المرض ووحدة ثقيلة لم تكن تتخيّلها.

الزينبية التي كانت كثيرة الحركة ودائمة الانشغال بالتكليفات والمهام، متنقّلة من مكان إلى آخر بثقة من اعتادت الشعور بأنها جزء من سلطة لا تُسأل عمّا تفعل، أصبحت تكره تلك الصفة وذلك الاسم الحركي، وتميل إلى الصمت متجنّبة الخوض في السنوات التي أمضتها داخل الجماعة. وعند سؤالها عن سبب إعاقتها وكيف انتهى بها الأمر إلى هذه الحال، صمتت طويلاً قبل أن تقول بصوت مختنق بالدمع وخائف من أن يتسرّب من الجدران: “ربما كان عقاباً إلهياً إزاء ما اقترفته بحقّ سجينات ومعتقلات كنت أعذّبهن”.

كيف بدأ المشروع؟

لم يكن انخراط النساء في مشروع جماعة الحوثي وليد اللحظة، بقدر ما كان نتاج مسار بدأ منذ الحروب الأولى في صعدة في عام 2004. ففي تلك المرحلة اضطلعت النساء بأدوار مساندة شملت إيصال الغذاء والدواء والذخيرة إلى مقاتلي الحوثيين المحاصرين في منطقة مران غرب صعدة، إلى جانب تولّيهن مهام التواصل مع الأسر وتنظيم اللقاءات النسائية التي استُخدمت لنشر خطاب الجماعة داخل المجتمع المحلّي… ووفقاً لما روته من تُلقّب نفسها بـ”المجاهدة حسن منصر” في مقابلة بثّتها قناة “المسيرة”، فقد شاركت مع نساء أخريات في هذه المهام باعتبارها جزءاً من المجهود الداعم للجماعة خلال سنوات الحرب الأولى.

مع مرور الوقت، تحوّلت المجالس الدينية واللقاءات النسائية المرتبطة بالمناسبات الدينية إلى منصّات للتعبئة الفكرية وبناء شبكات نسائية موالية للجماعة، وبعد انتهاء الحروب الستّة، توسّعت هذه الشبكات داخل الأحياء والمدارس والمراكز الثقافية، وأصبحت أداة لنشر الأفكار الحوثية واستقطاب النساء والفتيات.

أما التحوّل الأبرز فجاء بعد إسقاط جماعة الحوثيين العاصمة صنعاء في عام 2014، حيث عملت الجماعة في المرحلة الأولى على إعادة تشكيل صورة المرأة ودورها الاجتماعي عبر سلسلة من الإجراءات والخطابات التي قيّدت حضورها في المجال العامّ، بدءاً من فرض قيود على الاختلاط والعمل والدراسة، وصولاً إلى تقديم وجود المرأة خارج الأدوار التقليدية باعتباره موضع ريبة أخلاقية. 

هذه السياسات تحوّلت إلى معايير اجتماعية يصعب الاعتراض عليها دون التعرّض لاتّهامات جاهزة، تتراوح بين الانحلال الأخلاقي والعمالة والتآمر على ما يسمّى “المشروع القرآني” التابع للحوثيين.

الهيئة الثقافية النسائية

تُعدّ الهيئة الثقافية النسائية أعلى جسم تنظيمي معنيّ بالنساء داخل جماعة الحوثي، وتمثّل المظلّة المركزية التي تدير برامج التعبئة الفكرية والتنظيمية والاجتماعية الموجّهة للنساء والفتيات في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة، وتشير المعلومات التي جمعها التحقيق إلى أن الهيئة أُنشئت عقب سيطرة الحوثيين على مؤسّسات الدولة في عام 2014 بتوجيه من زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، فيما تتولّى الإشراف عليها بشرى بدر الدين الحوثي، شقيقة زعيم الجماعة، إلى جانب قيادات نسائية من الدائرة المقرّبة من الأسرة الحوثية، بما يعكس ارتباطها المباشر بمركز صناعة القرار داخل الجماعة.

في الذكرى العاشرة لتأسيس الهيئة في عام 2024، ظهر محمّد بدر الدين الحوثي، الشقيق الأكبر لزعيم الجماعة وأحد أبرز منظّريها العقائديين، في كلمة مسجّلة خصّصها للإشادة بدورها، داعياً المرأة إلى الاضطلاع بما وصفه بـ«نصرة المستضعفين» و«مواجهة المستكبرين». ويُنظر إلى هذا الظهور بوصفه مؤشّراً على المكانة التي تحظى بها الهيئة داخل البناء التنظيمي لجماعة الحوثيين.

تنتشر الهيئة عبر هيكل تنظيمي هرمي يبدأ من المستوى المركزي ويمتدّ إلى المحافظات والمديريات والعزل والأحياء والقرى، مع شبكة واسعة من المشرفات والمنسّقات والمثقّفات، ما يجعلها واحدة من أكثر الهياكل النسائية انتشاراً داخل الجماعة.

لا يقتصر دور الهيئة على تنظيم الفعّاليات الثقافية، بل تتولّى إدارة معظم المؤسّسات والبرامج النسائية التابعة للجماعة. فهي تشرف على المراكز الصيفية للفتيات، وتعدّ مناهجها وخططها، وتختار المشرفات والمدرّبات، كما تدير مدارس العلوم الشرعية للبنات ومدارس الكوثر القرآنية وتشرف على برامجها التعليمية، إضافة إلى إعداد الموادّ الفكرية والثقافية المستخدمة في الدورات والمحاضرات والأنشطة المختلفة للحوثيين. 

كما تنظّم برامج مستمرّة في الأحياء والمدارس والجامعات والمساجد، وتشرف على شبكة من المشرفات والمثقّفات تتولّى استقطاب النساء والفتيات وتأهيلهن فكرياً وتنظيمياً.

تقول عضوة في اللجنة التحضيرية للهيئة، تمكّن التحقيق من التواصل معها وفضّلت عدم الكشف عن هويّتها، إن الهيئة تعمل بتنسيق مباشر مع عدد من المؤسّسات التابعة لجماعة الحوثي، من بينها هيئة التعبئة العامّة، ووزارة التربية والتعليم في حكومة الحوثيين، والهيئة العامّة للأوقاف، والهيئة العامّة للزكاة، والمراكز الصيفية، والمدارس القرآنية، بما يمنحها حضوراً واسعاً داخل المنظومة التعليمية والاجتماعية والدعوية، وأضافت أن الهيئة العامّة للزكاة تُعدّ المموّل الرئيس لأنشطة الهيئة، مؤكّدة أنها لا تملك معلومات عن حجم التمويل، لكنّها أشارت إلى وجود توجّه مستمرّ للتوسّع الجغرافي وافتتاح مقرّات جديدة واستقطاب مزيد من الكوادر النسائية.

وتشير المعطيات التي جمعها التحقيق إلى أن الهيئة تعتمد مساراً متدرّجاً في بناء كوادرها، يبدأ باستقطاب الفتيات والنساء عبر المراكز الصيفية ومدارس الكوثر ومدارس العلوم الشرعية والفعّاليات المجتمعية، ثم يتمّ بعد ذلك إخضاعهن لبرامج تأهيل فكري وتنظيمي، قبل فرز العناصر الأكثر نشاطاً، وإسناد مهام إشرافية وتعليمية وتنظيمية إليها. 

وتؤكّد شهادات حصل عليها التحقيق أن هذا المسار ينتهي، في بعض الحالات، باستقطاب عدد من هذه العناصر للعمل ضمن الزينبيات أو غيرها من التشكيلات النسائية التابعة للحوثيين، ما يجعل “الهيئة الثقافية النسائية” البنية المؤسّسية التي تدير عمليّة إعداد وإعادة إنتاج الكوادر النسائية داخل جماعة الحوثي، بدءاً من الطالبة وانتهاءً بالمشرفة أو العنصر التنظيمي.

خطّة الهيئة الثقافية النسائية للأنشطة للعام 2025

كشفت الهيئة الثقافية النسائية في خطّتها السنوية للأنشطة للعام 2025، عن حجم البنية التنظيمية التي تديرها، واتّساع شبكة المؤسّسات والبرامج التي تشرف عليها في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحوثيين. ووفقاً للخطّة، تضمّنت الأنشطة تنفيذ 12 فعّالية مركزية في مكاتب الهيئة بالمحافظات، وإقامة 5,189 مولداً ومجلساً تحضيرياً في المديريات والقرى والأحياء، وتنظيم 643 فعّالية تحضيرية، إضافة إلى تنفيذ برامج ثقافية وتوعوية داخل 790 مدرسة من مدارس الكوثر القرآنية، وإقامة 3,000 مجلس تثقيفي ضمن برنامج الفرقان الثقافي، إلى جانب أنشطة داخل 53 ثانوية للعلوم الشرعية للبنات، فضلاً عن تنظيم الندوات والإذاعات المدرسية والمسابقات الثقافية والمعارض والأوبريتات والبرامج الفنّية.

ولا تقتصر الخطّة على الأنشطة التعليمية والثقافية، بل تشمل أيضاً تنظيم الوقفات والفعّاليات الجماهيرية المرتبطة بالمناسبات الدينية والسياسية للجماعة، كما تتضمّن حشد النساء للمشاركة في الفعّاليات العامّة، وتنظيم حملات التبرّعات والقوافل العينية والنقدية، وحثّهن على الإسهام في ما تصفه الجماعة بـ«المجهود الحربي» و«رفد الجبهات»، عبر شبكة واسعة من المدارس والمراكز والمجالس النسائية المنتشرة في مختلف المحافظات.

مدارس العلوم الشرعية للبنات

تمثّل مدارس العلوم الشرعية للبنات، أحدث المسارات التعليمية التي استحدثتها جماعة الحوثي ضمن منظومتها الخاصّة بإعداد وتأهيل الفتيات، إذ أُنشئت بتوجيهات من زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي، وبموجب قرار صادر عمّا يسمّى “المجلس السياسي الأعلى” (أعلى سلطة تابعة للحوثيين) يحمل الرقم (125) للعام 1445هجري، يتمّ توفير مسار تعليمي موازٍ يستهدف خرّيجات المرحلة الأساسية ويجمع بين التعليم الأكاديمي والعلوم الشرعية. وتخضع هذه المدارس لإشراف الهيئة الثقافية النسائية التي تتولّى إدارة برامجها وأنشطتها، ضمن مشروع أوسع للتعبئة الفكرية والتنظيمية والاستقطاب للنساء والفتيات.

وبحسب تصريح لمديرة مدرسة “الصماد للعلوم الشرعية” رباب الشامي، فقد انطلق المشروع خلال العام الدراسي 1446هجري، بافتتاح 12 مدرسة في عدد من المحافظات، قبل أن يتوسّع خلال العام الدراسي 1447هجري، إلى 53 مدرسة موزّعة في مختلف المحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة، مع خطط معلنة للتوسّع المستمرّ.

وأوضحت الشامي أن هذه المدارس تستقبل الطالبات الحاصلات على شهادة الصفّ التاسع، إضافة إلى خرّيجات برامج محو الأمّية التكميلي، وتقدّم برنامجاً دراسياً مكثّفاً يمتدّ لعامين، بخلاف التعليم الرسمي الذي يستمرّ ثلاثة أعوام في المرحلة الثانوية، وأضافت أن البرنامج يضمّ 42 مقرّراً تشمل القرآن الكريم وعلومه، والحديث، والفقه، والتفسير، والإيمان، واللغة العربية، واللغة الإنجليزية، والرياضيات، فيما تعادل شهادتها شهادة الثانوية العامّة للقسم الأدبي، بما يتيح لخرّيجاتها الالتحاق بالجامعات أو العمل في المؤسّسات التعليمية.

وعن الأنشطة داخل “مدارس العلوم الشرعية”، تحدّثت إحدى الطالبات المنظّمات في أمانة العاصمة صنعاء، التي فضّلت عدم الكشف عن هويّتها حفاظاً على حياتها، قائلة إن اليوم الدراسي يبدأ بأذكار وتسبيح جماعي، يعقبه نشاط للياقة البدنية، ثم ساعة مخصّصة لما يُعرف بـ«البرنامج الثقافي»، تتضمّن قراءة مقتطفات من ملازم مؤسّس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي، أو الاستماع إلى إحدى المحاضرات المسجلّة لزعيم الجماعة عبد الملك الحوثي.

وأضافت أن بقية اليوم تتوزّع بين ثلاث إلى أربع حصص دراسية في موادّ مختلفة، فيما يُخصّص جزء من البرنامج، كل يومين تقريباً، لمحاضرات تقدّمها مندوبات من الهيئة الثقافية النسائية تتناول موضوعات مثل «النفاق» و«الحرب الناعمة» و”دور الفتيات في خدمة المجتمع”، إلى جانب جلسات لتعليم مهارات الخطابة والإقناع والتأثير.

وأكّدت أن هذه المحاضرات لا تقتصر على الجانب التوعوي، بل تتضمّن توجيهات مباشرة للطالبات بمتابعة ما يدور في محيطهن الاجتماعي وإبلاغ المشرفات عن أيّ أفكار أو ممارسات أو أشخاص يُنظر إليهم على أنهم مخالفون لتوجّهات الجماعة، سواء كانوا من الجيران أو الأقارب أو الأصدقاء.

 وبحسب روايتها، فقد كانت المشرفات الحوثيات يقدّمن ذلك باعتباره «واجباً دينياً» لحماية المجتمع، ويحذّرن الطالبات من الامتناع عن الإبلاغ، مؤكّدات أن من يفعل ذلك قد يقع ـ وفق تعبيرهن ـ في «مستنقع النفاق»، ويخالف تعاليم الدين وتوجيهات «السيّد»، في إشارة إلى زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي.

في شباط/ فبراير 2026، احتفلت الجماعة بتخريج أوّل دفعة من مدارس “العلوم الشرعية” حملت اسم «دفعة فاطمة الزهراء»، وضمّت 323 طالبة من ثانوية القديمي للعلوم الشرعية للبنات تحت شعار «مسار قرآني وبناء إيماني»، في أوّل مؤشّر عملي على انتقال المشروع من مرحلة التأسيس إلى مرحلة تخريج كوادر نسائية ضمن هذا المسار التعليمي الجديد.

المراكز الصيفية للفتيات

ولا يقتصر هذا التوجّه على “المدارس الشرعية” فحسب، بل يمتد إلى “المراكز الصيفية” المخصّصة للفتيات، التي تمثّل إحدى أهمّ الأدوات المستخدمة لتوسيع قاعدة الاستقطاب والتأهيل الفكري والتنظيمي للفئات النسائية.

 وتكشف المراكز الصيفية الخاصّة بالبنات، التي تنظّمها جماعة الحوثيين تحت شعار «علم وجهاد»، عن مشروع تربوي يتجاوز حدود النشاط الموسمي إلى منظومة لإعادة تشكيل وعي الفتيات وإعداد كوادر نسائية موالية للجماعة. فبحسب سعاد الكحلاني المسؤولة عن المراكز والمخيّمات الصيفية للبنات وإحدى قيادات الهيئة الثقافية النسائية، افتتحت الجماعة خلال هذا العام نحو 1500 مركز ومدرسة صيفية مخصّصة للفتيات في مختلف المحافظات والمديريات الخاضعة لسيطرتها، يشرف عليها قرابة 5000 عاملة ومثقّفة ومسؤولة، فيما بلغ عدد الملتحقات بها نحو 100 ألف طالبة.

وتوضح لمياء المجاهد المنسّقة الثقافية في الهيئة الثقافية والمراكز الصيفية، أن هذه البرامج لا تقتصر على الأنشطة الدينية التقليدية، بل تتضمّن مسارات لتأهيل الطالبات في مجالات الخطابة والإلقاء والإعلام والمهارات القيادية، مع توجيه هذه القدرات لخدمة ما تصفه الجماعة بـ«الأهداف الاستراتيجية». كما تشمل أنشطة موازية تستهدف الأمّهات عبر أمسيات وفعّاليات خاصّة، بهدف ترسيخ ما تسمّيه الجماعة «البيئة الإيمانية»، وتوسيع تأثيرها ليشمل الأسرة والمحيط الاجتماعي.

ولا يقتصر التمايز على طبيعة الأنشطة والبرامج، بل يمتدّ إلى البنية التعليمية والموارد المخصّصة لها. ففي الموسم الحالي، الذي انطلق في 28 آذار/ مارس الماضي، وزّعت الجماعة مناهج خاصّة بالمراكز الصيفية بطباعة فاخرة وهويّة بصرية موحّدة، في مشهد يعكس حجم الاهتمام الذي توليه لهذه المراكز.

 ويأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم الحكومي أزمة متفاقمة تتمثّل في نقص حادّ بالكتب والوسائل التعليمية، واضطرار كثير من الطلاب إلى شراء مقرّراتهم الدراسية من الأسواق، فيما يواصل آلاف المعلّمين المطالبة برواتبهم المتوقّفة منذ سنوات.

تحمل هذه الكتب عنوان «المسيرة القرآنية – الإدارة العامّة للدورات الصيفية»، من دون أيّ إشارة إلى الجمهورية اليمنية أو وزارة التربية والتعليم، بما يعكس وجود منظومة حوثية تعليمية موازية بهويّتها ومحتواها وإدارتها المستقلّة.

 كما لا تُنسب المراكز الصيفية إلى المدارس التي تستضيفها، وإنما تُمنح أسماء ذات دلالات دينية ورمزية مثل «الزهراء» و«زينب» و«الحوراء» و«السيّدة خديجة» و«السيّدة رقية»، في إطار بناء هويّة فكرية خاصّة بالمشروع منذ لحظة الالتحاق به.

تتجاوز برامج هذه المراكز تحفيظ القرآن والأنشطة الترفيهية المعتادة، لتضمّ دروساً مكثّفة في ما يسمّى بـ«الثقافة القرآنية» والفقه والعقيدة والسيرة، إلى جانب برامج في الخطابة والإعلام والإنشاد والمسرح والأنشطة الجماهيرية. كما تُشرك الطالبات في تنظيم الوقفات والفعّاليات والمناسبات التي تنظّمها الجماعة، وتحثّهن على حضورها والمشاركة فيها ضمن خطاب يربط الالتزام الديني بالولاء للمشروع الفكري والسياسي لجماعة الحوثيين.

وتشير شهادات حصل عليها التحقيق إلى أن بعض البرامج تضمّنت إلزام المشاركات بمتابعة خطابات زعيم الحوثيين والتفاعل مع فعّالياتها والمشاركة في حملات الدعم المجتمعي بوصفها جزءاً من البرنامج التربوي للمراكز.

وتشير شهادات ومعلومات حصل عليها التحقيق من مصادر تربوية ومشاركات سابقات، إلى أن هذه المراكز الصيفية تمثّل إحدى أهمّ بوابات الاستقطاب النسائي داخل الجماعة. فخلال فترة المراكز يجري رصد الطالبات الأكثر تفاعلاً وتأثيراً، تمهيداً لإلحاقهن بمسارات تأهيل وتنظيم لاحقة داخل المؤسّسات الحوثية والبرامج التابعة للهيئة الثقافية النسائية.

مدارس الكوثر القرآنية 

كما لا تنحصر المنظومة التعليمية النسائية للحوثيين في المراكز الصيفية ومدارس العلوم الشرعية فحسب، بل تمتدّ إلى مدارس الكوثر القرآنية التي تمثّل إحدى المؤسّسات التعليمية المستمرّة التابعة للهيئة الثقافية النسائية، وهي نشطة على مدار السنة، وتقدّم هذه المدارس رسمياً بوصفها مراكز لتعليم القرآن الكريم وعلومه والفقه والثقافة القرآنية، إلا أن برامجها تتجاوز الحفظ والتجويد إلى تنفيذ مقرّرات فكرية وثقافية على مدار العام، تشمل دروساً في ما يسمّى بـ”الثقافة القرآنية”، والبرامج الرمضانية، وموادّ مرتبطة بـ”طبيعة الصراع” و”الموقف القرآني”، إلى جانب دراسة كتيبات خاصّة مثل «ملزمة يوم القدس العالمي»، وتنظيم مئات الورش المركزية والفرعية في مختلف المحافظات.

 كما تشارك طالباتها بصورة منتظمة في المسابقات والفعّاليات التي تشرف عليها الهيئة الثقافية النسائية، والتي لا تقتصر على القرآن والعلوم الشرعية، بل تمتدّ إلى مجالات مثل الثقافة القرآنية، والإيمان، وطبيعة الصراع، والمهارات العامّة، بما يعكس أن مدارس الكوثر تؤدّي دوراً يتجاوز التعليم الديني التقليدي إلى التأهيل الفكري المستمرّ، وتشكّل حلقة وسيطة ضمن منظومة تبدأ بالمراكز الصيفية، وتمتدّ إلى مدارس العلوم الشرعية، وصولاً إلى إعداد كوادر نسائية للعمل في الأنشطة والبرامج التابعة للهيئة الثقافية النسائية.

الوجه الدموي للمشروع (الزينبيات) 

إذا كانت الهيئة الثقافية النسائية تمثّل العقل المُنظِّم، ومدارس الكوثر تشكّل بوّابة الاستقطاب، فإن الزينبيات يُمثّلن الذراع التنفيذي الأكثر حضوراً ووضوحاً داخل منظومة توظيف النساء في البنية الأمنية المرتبطة بجماعة الحوثيين.

ففي عام 2014، أنشأت الجماعة جهازاً نسائياً أمنياً واستخباراتياً عُرف باسم «الزينبيات»، ضمن إطار إعادة هيكلة الأدوار الأمنية وتوسيع المشاركة النسائية في هذا المجال.

وتشير تقديرات متداولة إلى أن عدد المنتميات إلى هذا الجهاز يبلغ نحو أربعة آلاف امرأة، يعملن تحت إشراف جهاز الأمن الوقائي، ويتلقّين تدريبات متخصّصة في مجالات أمنية واستخباراتية متنوّعة، ما يمنح هذا التشكيل طابعاً تنظيمياً أكثر من كونه نشاطاً محدوداً أو موسمياً.

وخلافاً للصورة التي حاول الحوثيون تقديمها عن الجهاز بوصفه إطاراً نسائياً لحماية الأخلاق العامّة، تكشف المعلومات التي جمعها التحقيق أن مهامه تشمل مراقبة النساء وجمع المعلومات والمداهمات والاعتقالات والتحقيقات، إضافة إلى النشاط الدعائي والألكتروني.

يتكوّن الجهاز من عدّة وحدات متخصّصة، تشمل أقساماً ميدانية للمداهمات والاعتقالات، وأخرى للرقابة الإلكترونية والدعاية، فضلاً عن وحدات معنيّة بجمع المعلومات الأمنية عن الأفراد والمؤسّسات.

تقارير حقوقية وثّقت مئات الانتهاكات المنسوبة لعناصر الزينبيات خلال السنوات الماضية، شملت الاعتقالات التعسّفية والمداهمات والتعذيب والابتزاز، فضلاً عن اتّهامات أخرى أكثر خطورة وردت في شهادات وتقارير متعدّدة. 

في مقابلة مع قناة “الجمهورية” بتاريخ 18 آذار/ مارس 2026، كشفت عارضة الأزياء اليمنية انتصار الحمادي، التي اعتقلتها جماعة الحوثي لخمس سنوات، عن فظائع مورست بحقّها وحقّ كثير من المعتقلات على يد الزينبيات الحاضرات بقوّة في السجون كأدوات تعذيب.

قالت الحمادي إن جماعة الحوثي اشترطت عليها عند خروجها من السجن عدم النشر، وعدم الظهور في الإعلام، وعدم توجيه أيّ إساءة من قِبلها للمحكمة أو للسجن أو لإدارة السجن، إضافة إلى أن الحوثيين عرضوا عليها أن يتمّ تجنيدها كزينبية، بعد أن تأخذ قليلاً من الراحة. وعند سؤالها من قِبل المذيعة المحاورة حول ما إذا كان هناك فتيات سجينات تمّ تجنيدهن، أكّدت الحمادي ذلك حيث تمّ تجنيد العديد منهن، لكن ليس للعمل في السجن إنما ليكنّ موجودات في الساحة، أي في وسط المجتمع، فعّاليات واحتشادات وجوامع ومنتديات، فالجوامع بالنسبة إلى جماعة الحوثي عبارة عن مراكز ثقافية في كل حارة وشارع، ويتمّ إجبار المجنّدات على الحضور في الجوامع لأخذ الدروس.

 كما أكّدت الحمادي وجود فتيات التقتهن في السجن كن مختطفات ومعتقلات، ثم تحوّلن إلى زينبيات.

غير أن الحمادي لم تكن سوى واحدة من عشرات الفتيات والنساء اللواتي تعرّضن للاختطاف والاعتقال داخل سجون تابعة للحوثيين، حيث تشير تقارير حقوقية إلى تسجيل آلاف الانتهاكات وممارسات التعذيب الممنهجة داخل غرف التحقيق، يُقال إن عناصر نسائية ملثّمة تتولّى تنفيذها بحقّ المعتقلات.

الساحة… حيث يبدأ الاستقطاب

تكشف شهادة انتصار الحمادي جانباً من الدور الذي تؤدّيه الزينبيات خارج السجون وغرف التحقيق. فبحسب روايتها، لا يقتصر نشاط المجنّدات على العمل الأمني، بل يمتدّ إلى ما تصفه الجماعة بـ”الساحة”، وهو مصطلح يشمل الأحياء والمساجد والمدارس والفعّاليات العامّة، حيث تُدفع النساء والفتيات إلى الانخراط في شبكة واسعة من الأنشطة التعبوية والاجتماعية المرتبطة بالجماعة.

وتشير شهادات ومعلومات حصل عليها التحقيق إلى أن استقطاب الفتيات لا يبدأ عادة عبر التشكيلات الأمنية، وإنما عبر مسار متدرّج يبدأ من الجوامع والمراكز الصيفية والأنشطة النسائية في الأحياء، قبل أن ينتقل ببعض المشاركات إلى أدوار تنظيمية وأمنية أكثر حساسية.

(أ. خ) وهي ربّة منزل من سكّان صنعاء، تقول لفريق التحقيق إن نساءً في الهيئة الثقافية النسائية التابعة للحوثيين، اعتدن تنظيم لقاءات أسبوعية في الحيّ تحت عناوين دينية واجتماعية مختلفة.

 وتضيف: “في البداية كانت اللقاءات تتحدّث عن القرآن والأخلاق وتربية الأبناء، ثم بدأت تتغيّر تدريجياً. حيث صار الحديث عن السيّد وعن الولاية وعن الشهداء والجبهات، ثم بدأ التركيز على الفتيات الصغيرات وتشجيعهن على حضور الدورات والفعّاليات”.

وتشير إلى أن عمليّة الاستقطاب لا تتوقّف عند حضور الدروس والأنشطة الميدانية، بل تمتدّ إلى الفضاء الرقمي عبر عشرات القنوات والمجموعات المغلقة على تطبيق تلغرام، حيث تُضاف المشاركات بصورة مستمرّة إلى قنوات تابعة للهيئة الثقافية النسائية، والمركز الإعلامي النسائي، ومدارس الكوثر القرآنية، وبرامج المراكز الصيفية، وغيرها من المنصّات التي تعمل ضمن خطاب موحّد ومترابط.

واوضحت (أ. خ) أن المشرفات الحوثيات يطلبن من الفتيات متابعة هذه القنوات بشكل يومي، والتفاعل مع منشوراتها وإعادة نشرها، معتبرات ذلك جزءاً من “الالتزام الثقافي”. 

وأشارت إلى أن هذه القنوات على التلغرام، تحوّلت بالنسبة إلى كثير من المشاركات إلى مصدر يومي للتوجيه الفكري والتعبئة العقائدية، خصوصاً مع تراجع حضور الجماعة على منصّات أخرى مثل فيسبوك وأكس، واعتمادها المتزايد على تلغرام بوصفه فضاءً أكثر أماناً لنشر خطابها وتنظيم شبكاتها النسائية.

ويُظهر محتوى بعض هذه القنوات طبيعة الرسائل التي تتعرّض لها الفتيات بصورة مستمرّة. ففي قناة تحمل اسم “كتابات فاطمة الحمزي”، تتكرّر دعوات صريحة لربط الإيمان والنجاة والولاء بشخصيّات الجماعة ومشروعها الفكري.

 ففي أحد المنشورات تصف الحمزي مؤسّس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي بأنه صاحب “مشروع قرآني فيه كل الحلول لهذه الأمّة”، بينما تهاجم في منشور آخر الأسر التي لا تُلحق أبناءها بالمراكز الصيفية، معتبرة أن من لا يفعل ذلك “يحيك لهم حبال الشياطين بيده”.

وبخصوص نشاط الجماعة وتركيزها على المدارس، تروي (س. م) وهي معلّمة في إحدى المدارس الحكومية، أن عمليّة الاستقطاب تستهدف الطالبات في سنّ مبكرة، وتقول أسماء: “إن عناصر نسائية تابعة للجماعة كن يزرن المدارس بصورة متكرّرة لاختيار الطالبات الأكثر تفاعلاً مع الأنشطة والشعارات التي تروّج لها الجماعة”.

وتضيف (س. م): “كان التركيز على الطالبات الصغيرات أكثر من غيرهن، لأن التأثير عليهن أسهل. بعضهن يُرشّحن للمراكز الصيفية، ثم تتمّ متابعتهن في برامج وأنشطة أخرى خلال العام”.

ساحات فرز للاستقطاب

مديرة مدرسة سابقة في إحدى مديريات صنعاء، فضّلت عدم ذكر اسمها، تقول للتحقيق إن بعض المدارس تحوّلت إلى ساحات مفتوحة للفرز والاستقطاب. وبحسب روايتها، كانت المشرفات الحوثيات يطلبن تقارير عن الطالبات الأكثر التزاماً بحضور الفعّاليات وترديد الشعارات والمشاركة في الأنشطة المرتبطة بالجماعة، تمهيداً لاختيارهن لبرامج تأهيلية ودورات خاصّة.

لا يعتمد هذا الاستقطاب على الخطاب الديني وحده. فبحسب شهادات متعدّدة حصل عليها التحقيق، يجري أحياناً استغلال الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر عبر تقديم مساعدات غذائية، أو دعم مالي محدود، أو وعود بفرص عمل ومكانة اجتماعية داخل المنظومة التابعة للجماعة. 

بعد البحث عن حالات مشابهة وجد التحقيق أم أحمد (اسم مستعار)، وهي أرملة تُعيل أربعة أطفال، تتلقّى مساعدات غذائية منتظمة مقابل المواظبة على حضور الدورات والأنشطة النسائية، فيما جرى تشجيع فتيات أخريات على الالتحاق ببرامج تدريبية مرتبطة بالجماعة تحت وعود بالحصول على وظائف أو مكافآت مالية.

تتقاطع هذه الشهادات مع ما وثّقته منظّمات حقوقية يمنية تحدّثت عن استخدام جماعة الحوثي لشبكاتها النسائية في استقطاب الفتيات صغيرات السنّ عبر المراكز الصيفية والأنشطة المجتمعية، قبل إخضاعهن لبرامج تعبئة فكرية وتنظيمية قد تنتهي بإلحاق بعضهن بتشكيلات نسائية مرتبطة بالعمل الأمني أو التعبوي.

تقرير مجلس الأمن الدولي

في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، كشف فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن الدولي في أحدث تقاريره عن اتّساع الدور الذي تؤدّيه الزينبيات داخل منظومة الجماعة الأمنية والاجتماعية. 

وذكر التقرير أن الفرقة النسائية المرتبطة بـ”جهاز الأمن الوقائي” التابع للحوثيين، لا تقتصر مهامها على الاعتقال والتحقيق وجمع المعلومات، بل تؤدّي أيضاً دوراً في مراقبة المدارس والجامعات والتجمّعات النسائية، والترويج للفكر الحوثي بين النساء والفتيات عبر ما يُعرف محلّياً بـ”الدروس الزينبية”.

التقرير أشار إلى أن الزينبيات شاركن في مداهمات لمنازل ناشطات ومعارضات، وأشرفن على التحقيق مع معتقلات، كما استُخدمن في مراقبة الأنشطة الاجتماعية والمدنية، ومنع أيّ تحرّكات تُعدّ خارجة عن توجّهات جماعة الحوثي. وبحسب التقرير، تحوّلت الزينبيات خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمد عليها الجماعة في ضبط المجتمع النسائي وإعادة تشكيله فكرياً وتنظيمياً.

تؤكّد هدى وهي طالبة جامعية التحقت سابقاً بعدد من الأنشطة التابعة للحوثيين، إن كثيراً من الفتيات لا يدركن في البداية طبيعة المسار الذي يتمّ إدخالهن فيه. 

تقول هدى: “يبدأ الأمر بمحاضرات وأنشطة ومسابقات، ثم فعّاليات ومخيّمات، وبعدها يُطلب من بعض الفتيات القيام بمهام تنظيمية ومتابعة أخريات أو المشاركة في أعمال الحشد. التدرّج هو ما يجعل كثيرات لا يشعرن بالانتقال من النشاط الثقافي إلى العمل التنظيمي”.

وتشير المعلومات التي جمعها التحقيق إلى أن حملات التجنيد النسائي، تنشط بصورة أكبر خلال المناسبات الدينية والسياسية الكبرى التي تنظّمها الجماعة. 

(أم المجاهدين) نموذج حيّ

في تشرين الثاني/ نوفمبر 2017 اهتزّت محافظة إب على وقع حادثة مقتل الشابّ عمّار المبيّض في أحد شوارع المدينة. لم يكن سبب الصدمة الجريمة نفسها بقدر ما كان هويّة الجاني: امرأة تحمل بندقية كلاشينكوف وتُعرف بين أتباع الجماعة بلقب “أمّ المجاهدين”.

كان اللقب يوحي بصورة أمّ دفعت أبناءها إلى الجبهات أو فقدت أحدهم في الحرب، لكن بالنسبة إلى كثير من أبناء إب أصبح الاسم مرتبطاً بصورة مختلفة تماماً؛ صورة امرأة تحمل السلاح وتمارس نفوذاً يتجاوز بكثير حدود النشاط النسائي التقليدي.

بحسب المعلومات التي حصل عليها التحقيق، فإن أمّ المجاهدين هذه هي أيلول صالح العمّاري، المنحدرة من محافظة ذمار، التي انتقلت إلى إب مع بدايات سيطرة الحوثيين على المحافظة، وهناك بدأت ببناء شبكة نفوذ داخل الأوساط النسائية التابعة للجماعة قبل أن تتحوّل إلى واحدة من أبرز القيادات المرتبطة بالزينبيات.

لم يقتصر دورها على الدورات التعبوية والأنشطة النسائية، حيث تعدّت ذلك إلى حضور أمني ارتبط بسلسلة من الوقائع المثيرة للجدل، شملت مداهمات مسلّحة واتّهامات بالابتزاز والاستيلاء على ممتلكات خاصّة، فضلاً عن حوادث قتل أثارت اهتماماً واسعاً داخل المحافظة. وبعد أسابيع فقط من مقتل المبيّض، عاد اسمها للظهور خلال الهجوم على مجمّع مديرية المشنة، حيث قُتل أحد أفراد الحراسة إثر إطلاق نار مباشر.

وتكشف وثائق قضائية صادرة عن نيابة غرب إب التابعة للحوثيين عن أوامر إحضار قهرية بحقّ العمّاري، في قضايا تتعلّق بالابتزاز والنصب بحقّ مواطنين ونزيلات في السجن المركزي بمحافظة إب. غير أن تلك الأوامر لم تنفّذ، واستمرّت في ممارسة نشاطها بحرّية، بحسب مصادر محلّية متطابقة، مستفيدة من الحماية التي وفّرها لها موقعها داخل الجماعة.

كما ارتبط اسمها بالإشراف على دورات تضمّنت التدريب على استخدام السلاح ومداهمة المنازل والاعتقالات. وبالتوازي مع ذلك حوّلت منزلها في مدينة إب القديمة إلى مركز للأنشطة الفكرية والتعبوية الخاصّة بالنساء.

من أمّ ضياء إلى أمّ المجاهدين

شاسعة هي المسافة بين أمّ ضياء وأمّ المجاهدين. فالأولى ترقد اليوم مقعدة في غرفة ضيّقة في صنعاء، تتحدّث بصوت مثقل بالندم عن سنوات أمضتها داخل جهاز الزينبيات. أمّا الثانية فكانت واحدة من أكثر النساء نفوذاً في محافظة إب، تحمل السلاح وتتحرّك باسم سلطة لا يجرؤ كثيرون على مساءلتها.

لكنّ تلك المسافة ليست سوى وهم. فكلتاهما خرجت من الطريق نفسه؛ طريق يبدأ بالتعبئة والاستقطاب، ويمرّ عبر الدورات والأنشطة والشعارات، قبل أن ينتهي داخل منظومة تتقن تحويل البشر إلى أدوات.

اليوم تبحث أمّ ضياء عمّن يدفع تكاليف علاجها، بينما تبحث في ذاكرتها عن معنى لكل ما فعلته. 

أمّا أمّ المجاهدين، التي كانت يوماً تثير الخوف أينما حضرت، فقد ابتلعها الغياب. لا أحد يعرف أين انتهت، ولا ما إذا كانت جماعة الحوثي قد تركتها تواجه مصيرها وحدها، أم أن مصيرها حُسم بعيداً عن الأعين بعدما أصبحت عبئاً أكثر منها رصيداً.

وبين امرأة تنتظر المساعدة على سرير المرض، وأخرى اختفت بعدما صنعت حضورها بالقوّة، تتكشّف الحقيقة الأكثر قسوة: أن ماكينة العنف لا تكتفي بابتلاع ضحاياها، بل تبتلع أدواتها أيضاً.

18.07.2026
زمن القراءة: 17 minutes

لم يكن انخراط النساء في مشروع جماعة الحوثي وليد اللحظة، بقدر ما كان نتاج مسار بدأ منذ الحروب الأولى، ومع مرور الوقت، تحوّلت اللقاءات النسائية المرتبطة بالمناسبات الدينية إلى منصّات للتعبئة الفكرية.

غرفة مظلمة في منزل ناءٍ في صنعاء هي كل ما تبقّى لأمّ ضياء. اتّخذت لها يوماً ذلك الاسم الحركي داخل جماعة الحوثي في اليمن، لتعلن انتماءها إلى الجهاز الأمني النسائي المعروف باسم “الزينبيات”، وها هي ذي تتجرّع المفارقة القاسية بين الاسم الموحي بالنور وبين المآل الذي صارت إليه في غرفة مظلمة. فلا طفل اسمه ضياء لتصبح أمّه، ولا هي متزوّجة أصلاً. فقط امرأة لم تتجاوز الثلاثين من عمرها، وجدت نفسها فجأة حبيسة جدران أربعة، تواجه المرض ووحدة ثقيلة لم تكن تتخيّلها.

الزينبية التي كانت كثيرة الحركة ودائمة الانشغال بالتكليفات والمهام، متنقّلة من مكان إلى آخر بثقة من اعتادت الشعور بأنها جزء من سلطة لا تُسأل عمّا تفعل، أصبحت تكره تلك الصفة وذلك الاسم الحركي، وتميل إلى الصمت متجنّبة الخوض في السنوات التي أمضتها داخل الجماعة. وعند سؤالها عن سبب إعاقتها وكيف انتهى بها الأمر إلى هذه الحال، صمتت طويلاً قبل أن تقول بصوت مختنق بالدمع وخائف من أن يتسرّب من الجدران: “ربما كان عقاباً إلهياً إزاء ما اقترفته بحقّ سجينات ومعتقلات كنت أعذّبهن”.

كيف بدأ المشروع؟

لم يكن انخراط النساء في مشروع جماعة الحوثي وليد اللحظة، بقدر ما كان نتاج مسار بدأ منذ الحروب الأولى في صعدة في عام 2004. ففي تلك المرحلة اضطلعت النساء بأدوار مساندة شملت إيصال الغذاء والدواء والذخيرة إلى مقاتلي الحوثيين المحاصرين في منطقة مران غرب صعدة، إلى جانب تولّيهن مهام التواصل مع الأسر وتنظيم اللقاءات النسائية التي استُخدمت لنشر خطاب الجماعة داخل المجتمع المحلّي… ووفقاً لما روته من تُلقّب نفسها بـ”المجاهدة حسن منصر” في مقابلة بثّتها قناة “المسيرة”، فقد شاركت مع نساء أخريات في هذه المهام باعتبارها جزءاً من المجهود الداعم للجماعة خلال سنوات الحرب الأولى.

مع مرور الوقت، تحوّلت المجالس الدينية واللقاءات النسائية المرتبطة بالمناسبات الدينية إلى منصّات للتعبئة الفكرية وبناء شبكات نسائية موالية للجماعة، وبعد انتهاء الحروب الستّة، توسّعت هذه الشبكات داخل الأحياء والمدارس والمراكز الثقافية، وأصبحت أداة لنشر الأفكار الحوثية واستقطاب النساء والفتيات.

أما التحوّل الأبرز فجاء بعد إسقاط جماعة الحوثيين العاصمة صنعاء في عام 2014، حيث عملت الجماعة في المرحلة الأولى على إعادة تشكيل صورة المرأة ودورها الاجتماعي عبر سلسلة من الإجراءات والخطابات التي قيّدت حضورها في المجال العامّ، بدءاً من فرض قيود على الاختلاط والعمل والدراسة، وصولاً إلى تقديم وجود المرأة خارج الأدوار التقليدية باعتباره موضع ريبة أخلاقية. 

هذه السياسات تحوّلت إلى معايير اجتماعية يصعب الاعتراض عليها دون التعرّض لاتّهامات جاهزة، تتراوح بين الانحلال الأخلاقي والعمالة والتآمر على ما يسمّى “المشروع القرآني” التابع للحوثيين.

الهيئة الثقافية النسائية

تُعدّ الهيئة الثقافية النسائية أعلى جسم تنظيمي معنيّ بالنساء داخل جماعة الحوثي، وتمثّل المظلّة المركزية التي تدير برامج التعبئة الفكرية والتنظيمية والاجتماعية الموجّهة للنساء والفتيات في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة، وتشير المعلومات التي جمعها التحقيق إلى أن الهيئة أُنشئت عقب سيطرة الحوثيين على مؤسّسات الدولة في عام 2014 بتوجيه من زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، فيما تتولّى الإشراف عليها بشرى بدر الدين الحوثي، شقيقة زعيم الجماعة، إلى جانب قيادات نسائية من الدائرة المقرّبة من الأسرة الحوثية، بما يعكس ارتباطها المباشر بمركز صناعة القرار داخل الجماعة.

في الذكرى العاشرة لتأسيس الهيئة في عام 2024، ظهر محمّد بدر الدين الحوثي، الشقيق الأكبر لزعيم الجماعة وأحد أبرز منظّريها العقائديين، في كلمة مسجّلة خصّصها للإشادة بدورها، داعياً المرأة إلى الاضطلاع بما وصفه بـ«نصرة المستضعفين» و«مواجهة المستكبرين». ويُنظر إلى هذا الظهور بوصفه مؤشّراً على المكانة التي تحظى بها الهيئة داخل البناء التنظيمي لجماعة الحوثيين.

تنتشر الهيئة عبر هيكل تنظيمي هرمي يبدأ من المستوى المركزي ويمتدّ إلى المحافظات والمديريات والعزل والأحياء والقرى، مع شبكة واسعة من المشرفات والمنسّقات والمثقّفات، ما يجعلها واحدة من أكثر الهياكل النسائية انتشاراً داخل الجماعة.

لا يقتصر دور الهيئة على تنظيم الفعّاليات الثقافية، بل تتولّى إدارة معظم المؤسّسات والبرامج النسائية التابعة للجماعة. فهي تشرف على المراكز الصيفية للفتيات، وتعدّ مناهجها وخططها، وتختار المشرفات والمدرّبات، كما تدير مدارس العلوم الشرعية للبنات ومدارس الكوثر القرآنية وتشرف على برامجها التعليمية، إضافة إلى إعداد الموادّ الفكرية والثقافية المستخدمة في الدورات والمحاضرات والأنشطة المختلفة للحوثيين. 

كما تنظّم برامج مستمرّة في الأحياء والمدارس والجامعات والمساجد، وتشرف على شبكة من المشرفات والمثقّفات تتولّى استقطاب النساء والفتيات وتأهيلهن فكرياً وتنظيمياً.

تقول عضوة في اللجنة التحضيرية للهيئة، تمكّن التحقيق من التواصل معها وفضّلت عدم الكشف عن هويّتها، إن الهيئة تعمل بتنسيق مباشر مع عدد من المؤسّسات التابعة لجماعة الحوثي، من بينها هيئة التعبئة العامّة، ووزارة التربية والتعليم في حكومة الحوثيين، والهيئة العامّة للأوقاف، والهيئة العامّة للزكاة، والمراكز الصيفية، والمدارس القرآنية، بما يمنحها حضوراً واسعاً داخل المنظومة التعليمية والاجتماعية والدعوية، وأضافت أن الهيئة العامّة للزكاة تُعدّ المموّل الرئيس لأنشطة الهيئة، مؤكّدة أنها لا تملك معلومات عن حجم التمويل، لكنّها أشارت إلى وجود توجّه مستمرّ للتوسّع الجغرافي وافتتاح مقرّات جديدة واستقطاب مزيد من الكوادر النسائية.

وتشير المعطيات التي جمعها التحقيق إلى أن الهيئة تعتمد مساراً متدرّجاً في بناء كوادرها، يبدأ باستقطاب الفتيات والنساء عبر المراكز الصيفية ومدارس الكوثر ومدارس العلوم الشرعية والفعّاليات المجتمعية، ثم يتمّ بعد ذلك إخضاعهن لبرامج تأهيل فكري وتنظيمي، قبل فرز العناصر الأكثر نشاطاً، وإسناد مهام إشرافية وتعليمية وتنظيمية إليها. 

وتؤكّد شهادات حصل عليها التحقيق أن هذا المسار ينتهي، في بعض الحالات، باستقطاب عدد من هذه العناصر للعمل ضمن الزينبيات أو غيرها من التشكيلات النسائية التابعة للحوثيين، ما يجعل “الهيئة الثقافية النسائية” البنية المؤسّسية التي تدير عمليّة إعداد وإعادة إنتاج الكوادر النسائية داخل جماعة الحوثي، بدءاً من الطالبة وانتهاءً بالمشرفة أو العنصر التنظيمي.

خطّة الهيئة الثقافية النسائية للأنشطة للعام 2025

كشفت الهيئة الثقافية النسائية في خطّتها السنوية للأنشطة للعام 2025، عن حجم البنية التنظيمية التي تديرها، واتّساع شبكة المؤسّسات والبرامج التي تشرف عليها في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحوثيين. ووفقاً للخطّة، تضمّنت الأنشطة تنفيذ 12 فعّالية مركزية في مكاتب الهيئة بالمحافظات، وإقامة 5,189 مولداً ومجلساً تحضيرياً في المديريات والقرى والأحياء، وتنظيم 643 فعّالية تحضيرية، إضافة إلى تنفيذ برامج ثقافية وتوعوية داخل 790 مدرسة من مدارس الكوثر القرآنية، وإقامة 3,000 مجلس تثقيفي ضمن برنامج الفرقان الثقافي، إلى جانب أنشطة داخل 53 ثانوية للعلوم الشرعية للبنات، فضلاً عن تنظيم الندوات والإذاعات المدرسية والمسابقات الثقافية والمعارض والأوبريتات والبرامج الفنّية.

ولا تقتصر الخطّة على الأنشطة التعليمية والثقافية، بل تشمل أيضاً تنظيم الوقفات والفعّاليات الجماهيرية المرتبطة بالمناسبات الدينية والسياسية للجماعة، كما تتضمّن حشد النساء للمشاركة في الفعّاليات العامّة، وتنظيم حملات التبرّعات والقوافل العينية والنقدية، وحثّهن على الإسهام في ما تصفه الجماعة بـ«المجهود الحربي» و«رفد الجبهات»، عبر شبكة واسعة من المدارس والمراكز والمجالس النسائية المنتشرة في مختلف المحافظات.

مدارس العلوم الشرعية للبنات

تمثّل مدارس العلوم الشرعية للبنات، أحدث المسارات التعليمية التي استحدثتها جماعة الحوثي ضمن منظومتها الخاصّة بإعداد وتأهيل الفتيات، إذ أُنشئت بتوجيهات من زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي، وبموجب قرار صادر عمّا يسمّى “المجلس السياسي الأعلى” (أعلى سلطة تابعة للحوثيين) يحمل الرقم (125) للعام 1445هجري، يتمّ توفير مسار تعليمي موازٍ يستهدف خرّيجات المرحلة الأساسية ويجمع بين التعليم الأكاديمي والعلوم الشرعية. وتخضع هذه المدارس لإشراف الهيئة الثقافية النسائية التي تتولّى إدارة برامجها وأنشطتها، ضمن مشروع أوسع للتعبئة الفكرية والتنظيمية والاستقطاب للنساء والفتيات.

وبحسب تصريح لمديرة مدرسة “الصماد للعلوم الشرعية” رباب الشامي، فقد انطلق المشروع خلال العام الدراسي 1446هجري، بافتتاح 12 مدرسة في عدد من المحافظات، قبل أن يتوسّع خلال العام الدراسي 1447هجري، إلى 53 مدرسة موزّعة في مختلف المحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة، مع خطط معلنة للتوسّع المستمرّ.

وأوضحت الشامي أن هذه المدارس تستقبل الطالبات الحاصلات على شهادة الصفّ التاسع، إضافة إلى خرّيجات برامج محو الأمّية التكميلي، وتقدّم برنامجاً دراسياً مكثّفاً يمتدّ لعامين، بخلاف التعليم الرسمي الذي يستمرّ ثلاثة أعوام في المرحلة الثانوية، وأضافت أن البرنامج يضمّ 42 مقرّراً تشمل القرآن الكريم وعلومه، والحديث، والفقه، والتفسير، والإيمان، واللغة العربية، واللغة الإنجليزية، والرياضيات، فيما تعادل شهادتها شهادة الثانوية العامّة للقسم الأدبي، بما يتيح لخرّيجاتها الالتحاق بالجامعات أو العمل في المؤسّسات التعليمية.

وعن الأنشطة داخل “مدارس العلوم الشرعية”، تحدّثت إحدى الطالبات المنظّمات في أمانة العاصمة صنعاء، التي فضّلت عدم الكشف عن هويّتها حفاظاً على حياتها، قائلة إن اليوم الدراسي يبدأ بأذكار وتسبيح جماعي، يعقبه نشاط للياقة البدنية، ثم ساعة مخصّصة لما يُعرف بـ«البرنامج الثقافي»، تتضمّن قراءة مقتطفات من ملازم مؤسّس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي، أو الاستماع إلى إحدى المحاضرات المسجلّة لزعيم الجماعة عبد الملك الحوثي.

وأضافت أن بقية اليوم تتوزّع بين ثلاث إلى أربع حصص دراسية في موادّ مختلفة، فيما يُخصّص جزء من البرنامج، كل يومين تقريباً، لمحاضرات تقدّمها مندوبات من الهيئة الثقافية النسائية تتناول موضوعات مثل «النفاق» و«الحرب الناعمة» و”دور الفتيات في خدمة المجتمع”، إلى جانب جلسات لتعليم مهارات الخطابة والإقناع والتأثير.

وأكّدت أن هذه المحاضرات لا تقتصر على الجانب التوعوي، بل تتضمّن توجيهات مباشرة للطالبات بمتابعة ما يدور في محيطهن الاجتماعي وإبلاغ المشرفات عن أيّ أفكار أو ممارسات أو أشخاص يُنظر إليهم على أنهم مخالفون لتوجّهات الجماعة، سواء كانوا من الجيران أو الأقارب أو الأصدقاء.

 وبحسب روايتها، فقد كانت المشرفات الحوثيات يقدّمن ذلك باعتباره «واجباً دينياً» لحماية المجتمع، ويحذّرن الطالبات من الامتناع عن الإبلاغ، مؤكّدات أن من يفعل ذلك قد يقع ـ وفق تعبيرهن ـ في «مستنقع النفاق»، ويخالف تعاليم الدين وتوجيهات «السيّد»، في إشارة إلى زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي.

في شباط/ فبراير 2026، احتفلت الجماعة بتخريج أوّل دفعة من مدارس “العلوم الشرعية” حملت اسم «دفعة فاطمة الزهراء»، وضمّت 323 طالبة من ثانوية القديمي للعلوم الشرعية للبنات تحت شعار «مسار قرآني وبناء إيماني»، في أوّل مؤشّر عملي على انتقال المشروع من مرحلة التأسيس إلى مرحلة تخريج كوادر نسائية ضمن هذا المسار التعليمي الجديد.

المراكز الصيفية للفتيات

ولا يقتصر هذا التوجّه على “المدارس الشرعية” فحسب، بل يمتد إلى “المراكز الصيفية” المخصّصة للفتيات، التي تمثّل إحدى أهمّ الأدوات المستخدمة لتوسيع قاعدة الاستقطاب والتأهيل الفكري والتنظيمي للفئات النسائية.

 وتكشف المراكز الصيفية الخاصّة بالبنات، التي تنظّمها جماعة الحوثيين تحت شعار «علم وجهاد»، عن مشروع تربوي يتجاوز حدود النشاط الموسمي إلى منظومة لإعادة تشكيل وعي الفتيات وإعداد كوادر نسائية موالية للجماعة. فبحسب سعاد الكحلاني المسؤولة عن المراكز والمخيّمات الصيفية للبنات وإحدى قيادات الهيئة الثقافية النسائية، افتتحت الجماعة خلال هذا العام نحو 1500 مركز ومدرسة صيفية مخصّصة للفتيات في مختلف المحافظات والمديريات الخاضعة لسيطرتها، يشرف عليها قرابة 5000 عاملة ومثقّفة ومسؤولة، فيما بلغ عدد الملتحقات بها نحو 100 ألف طالبة.

وتوضح لمياء المجاهد المنسّقة الثقافية في الهيئة الثقافية والمراكز الصيفية، أن هذه البرامج لا تقتصر على الأنشطة الدينية التقليدية، بل تتضمّن مسارات لتأهيل الطالبات في مجالات الخطابة والإلقاء والإعلام والمهارات القيادية، مع توجيه هذه القدرات لخدمة ما تصفه الجماعة بـ«الأهداف الاستراتيجية». كما تشمل أنشطة موازية تستهدف الأمّهات عبر أمسيات وفعّاليات خاصّة، بهدف ترسيخ ما تسمّيه الجماعة «البيئة الإيمانية»، وتوسيع تأثيرها ليشمل الأسرة والمحيط الاجتماعي.

ولا يقتصر التمايز على طبيعة الأنشطة والبرامج، بل يمتدّ إلى البنية التعليمية والموارد المخصّصة لها. ففي الموسم الحالي، الذي انطلق في 28 آذار/ مارس الماضي، وزّعت الجماعة مناهج خاصّة بالمراكز الصيفية بطباعة فاخرة وهويّة بصرية موحّدة، في مشهد يعكس حجم الاهتمام الذي توليه لهذه المراكز.

 ويأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم الحكومي أزمة متفاقمة تتمثّل في نقص حادّ بالكتب والوسائل التعليمية، واضطرار كثير من الطلاب إلى شراء مقرّراتهم الدراسية من الأسواق، فيما يواصل آلاف المعلّمين المطالبة برواتبهم المتوقّفة منذ سنوات.

تحمل هذه الكتب عنوان «المسيرة القرآنية – الإدارة العامّة للدورات الصيفية»، من دون أيّ إشارة إلى الجمهورية اليمنية أو وزارة التربية والتعليم، بما يعكس وجود منظومة حوثية تعليمية موازية بهويّتها ومحتواها وإدارتها المستقلّة.

 كما لا تُنسب المراكز الصيفية إلى المدارس التي تستضيفها، وإنما تُمنح أسماء ذات دلالات دينية ورمزية مثل «الزهراء» و«زينب» و«الحوراء» و«السيّدة خديجة» و«السيّدة رقية»، في إطار بناء هويّة فكرية خاصّة بالمشروع منذ لحظة الالتحاق به.

تتجاوز برامج هذه المراكز تحفيظ القرآن والأنشطة الترفيهية المعتادة، لتضمّ دروساً مكثّفة في ما يسمّى بـ«الثقافة القرآنية» والفقه والعقيدة والسيرة، إلى جانب برامج في الخطابة والإعلام والإنشاد والمسرح والأنشطة الجماهيرية. كما تُشرك الطالبات في تنظيم الوقفات والفعّاليات والمناسبات التي تنظّمها الجماعة، وتحثّهن على حضورها والمشاركة فيها ضمن خطاب يربط الالتزام الديني بالولاء للمشروع الفكري والسياسي لجماعة الحوثيين.

وتشير شهادات حصل عليها التحقيق إلى أن بعض البرامج تضمّنت إلزام المشاركات بمتابعة خطابات زعيم الحوثيين والتفاعل مع فعّالياتها والمشاركة في حملات الدعم المجتمعي بوصفها جزءاً من البرنامج التربوي للمراكز.

وتشير شهادات ومعلومات حصل عليها التحقيق من مصادر تربوية ومشاركات سابقات، إلى أن هذه المراكز الصيفية تمثّل إحدى أهمّ بوابات الاستقطاب النسائي داخل الجماعة. فخلال فترة المراكز يجري رصد الطالبات الأكثر تفاعلاً وتأثيراً، تمهيداً لإلحاقهن بمسارات تأهيل وتنظيم لاحقة داخل المؤسّسات الحوثية والبرامج التابعة للهيئة الثقافية النسائية.

مدارس الكوثر القرآنية 

كما لا تنحصر المنظومة التعليمية النسائية للحوثيين في المراكز الصيفية ومدارس العلوم الشرعية فحسب، بل تمتدّ إلى مدارس الكوثر القرآنية التي تمثّل إحدى المؤسّسات التعليمية المستمرّة التابعة للهيئة الثقافية النسائية، وهي نشطة على مدار السنة، وتقدّم هذه المدارس رسمياً بوصفها مراكز لتعليم القرآن الكريم وعلومه والفقه والثقافة القرآنية، إلا أن برامجها تتجاوز الحفظ والتجويد إلى تنفيذ مقرّرات فكرية وثقافية على مدار العام، تشمل دروساً في ما يسمّى بـ”الثقافة القرآنية”، والبرامج الرمضانية، وموادّ مرتبطة بـ”طبيعة الصراع” و”الموقف القرآني”، إلى جانب دراسة كتيبات خاصّة مثل «ملزمة يوم القدس العالمي»، وتنظيم مئات الورش المركزية والفرعية في مختلف المحافظات.

 كما تشارك طالباتها بصورة منتظمة في المسابقات والفعّاليات التي تشرف عليها الهيئة الثقافية النسائية، والتي لا تقتصر على القرآن والعلوم الشرعية، بل تمتدّ إلى مجالات مثل الثقافة القرآنية، والإيمان، وطبيعة الصراع، والمهارات العامّة، بما يعكس أن مدارس الكوثر تؤدّي دوراً يتجاوز التعليم الديني التقليدي إلى التأهيل الفكري المستمرّ، وتشكّل حلقة وسيطة ضمن منظومة تبدأ بالمراكز الصيفية، وتمتدّ إلى مدارس العلوم الشرعية، وصولاً إلى إعداد كوادر نسائية للعمل في الأنشطة والبرامج التابعة للهيئة الثقافية النسائية.

الوجه الدموي للمشروع (الزينبيات) 

إذا كانت الهيئة الثقافية النسائية تمثّل العقل المُنظِّم، ومدارس الكوثر تشكّل بوّابة الاستقطاب، فإن الزينبيات يُمثّلن الذراع التنفيذي الأكثر حضوراً ووضوحاً داخل منظومة توظيف النساء في البنية الأمنية المرتبطة بجماعة الحوثيين.

ففي عام 2014، أنشأت الجماعة جهازاً نسائياً أمنياً واستخباراتياً عُرف باسم «الزينبيات»، ضمن إطار إعادة هيكلة الأدوار الأمنية وتوسيع المشاركة النسائية في هذا المجال.

وتشير تقديرات متداولة إلى أن عدد المنتميات إلى هذا الجهاز يبلغ نحو أربعة آلاف امرأة، يعملن تحت إشراف جهاز الأمن الوقائي، ويتلقّين تدريبات متخصّصة في مجالات أمنية واستخباراتية متنوّعة، ما يمنح هذا التشكيل طابعاً تنظيمياً أكثر من كونه نشاطاً محدوداً أو موسمياً.

وخلافاً للصورة التي حاول الحوثيون تقديمها عن الجهاز بوصفه إطاراً نسائياً لحماية الأخلاق العامّة، تكشف المعلومات التي جمعها التحقيق أن مهامه تشمل مراقبة النساء وجمع المعلومات والمداهمات والاعتقالات والتحقيقات، إضافة إلى النشاط الدعائي والألكتروني.

يتكوّن الجهاز من عدّة وحدات متخصّصة، تشمل أقساماً ميدانية للمداهمات والاعتقالات، وأخرى للرقابة الإلكترونية والدعاية، فضلاً عن وحدات معنيّة بجمع المعلومات الأمنية عن الأفراد والمؤسّسات.

تقارير حقوقية وثّقت مئات الانتهاكات المنسوبة لعناصر الزينبيات خلال السنوات الماضية، شملت الاعتقالات التعسّفية والمداهمات والتعذيب والابتزاز، فضلاً عن اتّهامات أخرى أكثر خطورة وردت في شهادات وتقارير متعدّدة. 

في مقابلة مع قناة “الجمهورية” بتاريخ 18 آذار/ مارس 2026، كشفت عارضة الأزياء اليمنية انتصار الحمادي، التي اعتقلتها جماعة الحوثي لخمس سنوات، عن فظائع مورست بحقّها وحقّ كثير من المعتقلات على يد الزينبيات الحاضرات بقوّة في السجون كأدوات تعذيب.

قالت الحمادي إن جماعة الحوثي اشترطت عليها عند خروجها من السجن عدم النشر، وعدم الظهور في الإعلام، وعدم توجيه أيّ إساءة من قِبلها للمحكمة أو للسجن أو لإدارة السجن، إضافة إلى أن الحوثيين عرضوا عليها أن يتمّ تجنيدها كزينبية، بعد أن تأخذ قليلاً من الراحة. وعند سؤالها من قِبل المذيعة المحاورة حول ما إذا كان هناك فتيات سجينات تمّ تجنيدهن، أكّدت الحمادي ذلك حيث تمّ تجنيد العديد منهن، لكن ليس للعمل في السجن إنما ليكنّ موجودات في الساحة، أي في وسط المجتمع، فعّاليات واحتشادات وجوامع ومنتديات، فالجوامع بالنسبة إلى جماعة الحوثي عبارة عن مراكز ثقافية في كل حارة وشارع، ويتمّ إجبار المجنّدات على الحضور في الجوامع لأخذ الدروس.

 كما أكّدت الحمادي وجود فتيات التقتهن في السجن كن مختطفات ومعتقلات، ثم تحوّلن إلى زينبيات.

غير أن الحمادي لم تكن سوى واحدة من عشرات الفتيات والنساء اللواتي تعرّضن للاختطاف والاعتقال داخل سجون تابعة للحوثيين، حيث تشير تقارير حقوقية إلى تسجيل آلاف الانتهاكات وممارسات التعذيب الممنهجة داخل غرف التحقيق، يُقال إن عناصر نسائية ملثّمة تتولّى تنفيذها بحقّ المعتقلات.

الساحة… حيث يبدأ الاستقطاب

تكشف شهادة انتصار الحمادي جانباً من الدور الذي تؤدّيه الزينبيات خارج السجون وغرف التحقيق. فبحسب روايتها، لا يقتصر نشاط المجنّدات على العمل الأمني، بل يمتدّ إلى ما تصفه الجماعة بـ”الساحة”، وهو مصطلح يشمل الأحياء والمساجد والمدارس والفعّاليات العامّة، حيث تُدفع النساء والفتيات إلى الانخراط في شبكة واسعة من الأنشطة التعبوية والاجتماعية المرتبطة بالجماعة.

وتشير شهادات ومعلومات حصل عليها التحقيق إلى أن استقطاب الفتيات لا يبدأ عادة عبر التشكيلات الأمنية، وإنما عبر مسار متدرّج يبدأ من الجوامع والمراكز الصيفية والأنشطة النسائية في الأحياء، قبل أن ينتقل ببعض المشاركات إلى أدوار تنظيمية وأمنية أكثر حساسية.

(أ. خ) وهي ربّة منزل من سكّان صنعاء، تقول لفريق التحقيق إن نساءً في الهيئة الثقافية النسائية التابعة للحوثيين، اعتدن تنظيم لقاءات أسبوعية في الحيّ تحت عناوين دينية واجتماعية مختلفة.

 وتضيف: “في البداية كانت اللقاءات تتحدّث عن القرآن والأخلاق وتربية الأبناء، ثم بدأت تتغيّر تدريجياً. حيث صار الحديث عن السيّد وعن الولاية وعن الشهداء والجبهات، ثم بدأ التركيز على الفتيات الصغيرات وتشجيعهن على حضور الدورات والفعّاليات”.

وتشير إلى أن عمليّة الاستقطاب لا تتوقّف عند حضور الدروس والأنشطة الميدانية، بل تمتدّ إلى الفضاء الرقمي عبر عشرات القنوات والمجموعات المغلقة على تطبيق تلغرام، حيث تُضاف المشاركات بصورة مستمرّة إلى قنوات تابعة للهيئة الثقافية النسائية، والمركز الإعلامي النسائي، ومدارس الكوثر القرآنية، وبرامج المراكز الصيفية، وغيرها من المنصّات التي تعمل ضمن خطاب موحّد ومترابط.

واوضحت (أ. خ) أن المشرفات الحوثيات يطلبن من الفتيات متابعة هذه القنوات بشكل يومي، والتفاعل مع منشوراتها وإعادة نشرها، معتبرات ذلك جزءاً من “الالتزام الثقافي”. 

وأشارت إلى أن هذه القنوات على التلغرام، تحوّلت بالنسبة إلى كثير من المشاركات إلى مصدر يومي للتوجيه الفكري والتعبئة العقائدية، خصوصاً مع تراجع حضور الجماعة على منصّات أخرى مثل فيسبوك وأكس، واعتمادها المتزايد على تلغرام بوصفه فضاءً أكثر أماناً لنشر خطابها وتنظيم شبكاتها النسائية.

ويُظهر محتوى بعض هذه القنوات طبيعة الرسائل التي تتعرّض لها الفتيات بصورة مستمرّة. ففي قناة تحمل اسم “كتابات فاطمة الحمزي”، تتكرّر دعوات صريحة لربط الإيمان والنجاة والولاء بشخصيّات الجماعة ومشروعها الفكري.

 ففي أحد المنشورات تصف الحمزي مؤسّس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي بأنه صاحب “مشروع قرآني فيه كل الحلول لهذه الأمّة”، بينما تهاجم في منشور آخر الأسر التي لا تُلحق أبناءها بالمراكز الصيفية، معتبرة أن من لا يفعل ذلك “يحيك لهم حبال الشياطين بيده”.

وبخصوص نشاط الجماعة وتركيزها على المدارس، تروي (س. م) وهي معلّمة في إحدى المدارس الحكومية، أن عمليّة الاستقطاب تستهدف الطالبات في سنّ مبكرة، وتقول أسماء: “إن عناصر نسائية تابعة للجماعة كن يزرن المدارس بصورة متكرّرة لاختيار الطالبات الأكثر تفاعلاً مع الأنشطة والشعارات التي تروّج لها الجماعة”.

وتضيف (س. م): “كان التركيز على الطالبات الصغيرات أكثر من غيرهن، لأن التأثير عليهن أسهل. بعضهن يُرشّحن للمراكز الصيفية، ثم تتمّ متابعتهن في برامج وأنشطة أخرى خلال العام”.

ساحات فرز للاستقطاب

مديرة مدرسة سابقة في إحدى مديريات صنعاء، فضّلت عدم ذكر اسمها، تقول للتحقيق إن بعض المدارس تحوّلت إلى ساحات مفتوحة للفرز والاستقطاب. وبحسب روايتها، كانت المشرفات الحوثيات يطلبن تقارير عن الطالبات الأكثر التزاماً بحضور الفعّاليات وترديد الشعارات والمشاركة في الأنشطة المرتبطة بالجماعة، تمهيداً لاختيارهن لبرامج تأهيلية ودورات خاصّة.

لا يعتمد هذا الاستقطاب على الخطاب الديني وحده. فبحسب شهادات متعدّدة حصل عليها التحقيق، يجري أحياناً استغلال الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر عبر تقديم مساعدات غذائية، أو دعم مالي محدود، أو وعود بفرص عمل ومكانة اجتماعية داخل المنظومة التابعة للجماعة. 

بعد البحث عن حالات مشابهة وجد التحقيق أم أحمد (اسم مستعار)، وهي أرملة تُعيل أربعة أطفال، تتلقّى مساعدات غذائية منتظمة مقابل المواظبة على حضور الدورات والأنشطة النسائية، فيما جرى تشجيع فتيات أخريات على الالتحاق ببرامج تدريبية مرتبطة بالجماعة تحت وعود بالحصول على وظائف أو مكافآت مالية.

تتقاطع هذه الشهادات مع ما وثّقته منظّمات حقوقية يمنية تحدّثت عن استخدام جماعة الحوثي لشبكاتها النسائية في استقطاب الفتيات صغيرات السنّ عبر المراكز الصيفية والأنشطة المجتمعية، قبل إخضاعهن لبرامج تعبئة فكرية وتنظيمية قد تنتهي بإلحاق بعضهن بتشكيلات نسائية مرتبطة بالعمل الأمني أو التعبوي.

تقرير مجلس الأمن الدولي

في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، كشف فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن الدولي في أحدث تقاريره عن اتّساع الدور الذي تؤدّيه الزينبيات داخل منظومة الجماعة الأمنية والاجتماعية. 

وذكر التقرير أن الفرقة النسائية المرتبطة بـ”جهاز الأمن الوقائي” التابع للحوثيين، لا تقتصر مهامها على الاعتقال والتحقيق وجمع المعلومات، بل تؤدّي أيضاً دوراً في مراقبة المدارس والجامعات والتجمّعات النسائية، والترويج للفكر الحوثي بين النساء والفتيات عبر ما يُعرف محلّياً بـ”الدروس الزينبية”.

التقرير أشار إلى أن الزينبيات شاركن في مداهمات لمنازل ناشطات ومعارضات، وأشرفن على التحقيق مع معتقلات، كما استُخدمن في مراقبة الأنشطة الاجتماعية والمدنية، ومنع أيّ تحرّكات تُعدّ خارجة عن توجّهات جماعة الحوثي. وبحسب التقرير، تحوّلت الزينبيات خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمد عليها الجماعة في ضبط المجتمع النسائي وإعادة تشكيله فكرياً وتنظيمياً.

تؤكّد هدى وهي طالبة جامعية التحقت سابقاً بعدد من الأنشطة التابعة للحوثيين، إن كثيراً من الفتيات لا يدركن في البداية طبيعة المسار الذي يتمّ إدخالهن فيه. 

تقول هدى: “يبدأ الأمر بمحاضرات وأنشطة ومسابقات، ثم فعّاليات ومخيّمات، وبعدها يُطلب من بعض الفتيات القيام بمهام تنظيمية ومتابعة أخريات أو المشاركة في أعمال الحشد. التدرّج هو ما يجعل كثيرات لا يشعرن بالانتقال من النشاط الثقافي إلى العمل التنظيمي”.

وتشير المعلومات التي جمعها التحقيق إلى أن حملات التجنيد النسائي، تنشط بصورة أكبر خلال المناسبات الدينية والسياسية الكبرى التي تنظّمها الجماعة. 

(أم المجاهدين) نموذج حيّ

في تشرين الثاني/ نوفمبر 2017 اهتزّت محافظة إب على وقع حادثة مقتل الشابّ عمّار المبيّض في أحد شوارع المدينة. لم يكن سبب الصدمة الجريمة نفسها بقدر ما كان هويّة الجاني: امرأة تحمل بندقية كلاشينكوف وتُعرف بين أتباع الجماعة بلقب “أمّ المجاهدين”.

كان اللقب يوحي بصورة أمّ دفعت أبناءها إلى الجبهات أو فقدت أحدهم في الحرب، لكن بالنسبة إلى كثير من أبناء إب أصبح الاسم مرتبطاً بصورة مختلفة تماماً؛ صورة امرأة تحمل السلاح وتمارس نفوذاً يتجاوز بكثير حدود النشاط النسائي التقليدي.

بحسب المعلومات التي حصل عليها التحقيق، فإن أمّ المجاهدين هذه هي أيلول صالح العمّاري، المنحدرة من محافظة ذمار، التي انتقلت إلى إب مع بدايات سيطرة الحوثيين على المحافظة، وهناك بدأت ببناء شبكة نفوذ داخل الأوساط النسائية التابعة للجماعة قبل أن تتحوّل إلى واحدة من أبرز القيادات المرتبطة بالزينبيات.

لم يقتصر دورها على الدورات التعبوية والأنشطة النسائية، حيث تعدّت ذلك إلى حضور أمني ارتبط بسلسلة من الوقائع المثيرة للجدل، شملت مداهمات مسلّحة واتّهامات بالابتزاز والاستيلاء على ممتلكات خاصّة، فضلاً عن حوادث قتل أثارت اهتماماً واسعاً داخل المحافظة. وبعد أسابيع فقط من مقتل المبيّض، عاد اسمها للظهور خلال الهجوم على مجمّع مديرية المشنة، حيث قُتل أحد أفراد الحراسة إثر إطلاق نار مباشر.

وتكشف وثائق قضائية صادرة عن نيابة غرب إب التابعة للحوثيين عن أوامر إحضار قهرية بحقّ العمّاري، في قضايا تتعلّق بالابتزاز والنصب بحقّ مواطنين ونزيلات في السجن المركزي بمحافظة إب. غير أن تلك الأوامر لم تنفّذ، واستمرّت في ممارسة نشاطها بحرّية، بحسب مصادر محلّية متطابقة، مستفيدة من الحماية التي وفّرها لها موقعها داخل الجماعة.

كما ارتبط اسمها بالإشراف على دورات تضمّنت التدريب على استخدام السلاح ومداهمة المنازل والاعتقالات. وبالتوازي مع ذلك حوّلت منزلها في مدينة إب القديمة إلى مركز للأنشطة الفكرية والتعبوية الخاصّة بالنساء.

من أمّ ضياء إلى أمّ المجاهدين

شاسعة هي المسافة بين أمّ ضياء وأمّ المجاهدين. فالأولى ترقد اليوم مقعدة في غرفة ضيّقة في صنعاء، تتحدّث بصوت مثقل بالندم عن سنوات أمضتها داخل جهاز الزينبيات. أمّا الثانية فكانت واحدة من أكثر النساء نفوذاً في محافظة إب، تحمل السلاح وتتحرّك باسم سلطة لا يجرؤ كثيرون على مساءلتها.

لكنّ تلك المسافة ليست سوى وهم. فكلتاهما خرجت من الطريق نفسه؛ طريق يبدأ بالتعبئة والاستقطاب، ويمرّ عبر الدورات والأنشطة والشعارات، قبل أن ينتهي داخل منظومة تتقن تحويل البشر إلى أدوات.

اليوم تبحث أمّ ضياء عمّن يدفع تكاليف علاجها، بينما تبحث في ذاكرتها عن معنى لكل ما فعلته. 

أمّا أمّ المجاهدين، التي كانت يوماً تثير الخوف أينما حضرت، فقد ابتلعها الغياب. لا أحد يعرف أين انتهت، ولا ما إذا كانت جماعة الحوثي قد تركتها تواجه مصيرها وحدها، أم أن مصيرها حُسم بعيداً عن الأعين بعدما أصبحت عبئاً أكثر منها رصيداً.

وبين امرأة تنتظر المساعدة على سرير المرض، وأخرى اختفت بعدما صنعت حضورها بالقوّة، تتكشّف الحقيقة الأكثر قسوة: أن ماكينة العنف لا تكتفي بابتلاع ضحاياها، بل تبتلع أدواتها أيضاً.