في وضح النهار، وأمام آلاف المارة، يضع أحد أصحاب الخيم التي تبيع الشاي والقهوة، والموجودة عند مجمع ناصر الطبي في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، يافطة كبيرة مكتوباً عليها “يوجد هنا سحب سيولة نقدية عبر التطبيق البنكي بنسبة عمولة 30 في المئة”.
في داخل الخيمة يجلس شاب أربعيني على كرسي وأمامه طاولة وفي يده سيولة نقدية من فئة الـ200 شيكل أزرق اللون والمئة شيكل، ويجتمع حوله عشرات المواطنين منهم نساء، يستلمون منه أموالًا بعد حسم نسبته العالية، وهي ما تُعرف بالعمولة، مقابل تحويل المبلغ الإجمالي له من حساباتهم البنكية عبر حسابه.
بعد انتظار طويل، خرجت السيدة سميرة أبو موسى من الخيمة غاضبة وهي تتفقد المبلغ المالي الذي حصلت عليه من تاجر السيولة، بعدما حسم 30 في المئة من إجمالي المبلغ، أي أنه حصل على أكثر من ربعه كعمولة مقابل إعطائها السيولة النقدية.
لم يكن لدى أبو موسى أي خيار إلا سحب أموالها من هذا التاجر مجبرة، لعدم توافر السيولة النقدية في قطاع غزة، نتيجة استمرار إغلاق جميع البنوك في القطاع، وعدم سماح سلطات الاحتلال بإدخال السيولة.
اضطرت أبو موسى لسحب راتبها من تجار العمولة لشراء طعام لأطفالها بعد نفاد أي مبلغ مالي معها منذ فترة طويلة.
وعلى مدار شهور طويلة حُرمت أبو موسى وأطفالها من شراء الكثير من احتياجاتهم الضرورية، بخاصة المواد الغذائية، لعدم توافر السيولة النقدية، وصعوبة سحب راتبهم من البنوك المغلقة في قطاع غزة.
إلى جانب أبو موسى، تأثرت عائلة عودة بأزمة السيولة النقدية وغيابها من الأسواق وعدم قدرتها على سحب أموالها من البنك نتيجة إغلاقه، ما جعلها تضطر إلى الاستدانة من الأقارب لسد احتياجاتها اليومية.
لم تنجح عائلة أبو موسى في توفير السيولة النقدية عبر الاستدانة من أقاربها، ما جعلها غير قادرة على شراء احتياجاتها من السوق أو تخزين بعض المواد الغذائية الأساسية كالدقيق.
تجار العمولة
ينشط عدد من تجار العمولة في قطاع غزة عبر حسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، في الترويج لخدمات مالية توفر سيولة نقدية مقابل استخدام التطبيقات البنكية، مع فرض نسب عمولة مرتفعة وصلت خلال الحرب إلى 30 في المئة من قيمة المبلغ المطلوب.
وتعمل في السوق المصرفية الفلسطينية 13 مصرفًا محليًا وأجنبيًا، تشمل 7 بنوك محلية، و5 بنوك أردنية، بالإضافة إلى بنك مصري واحد، فيما تقدر أصول القطاع المصرفي الفلسطيني بنحو 22 مليار دولار.
وأعلنت سلطة النقد أن عددًا من مقار وفروع البنوك في غزة تعرض للتدمير بفعل القصف المستمر، ما أدى إلى تعذر تشغيل الفروع المتبقية في محافظات القطاع، وتوقف عمليات السحب والإيداع.
ونتجت من ذلك، وفق بيان رسمي لسلطة النقد، أزمة سيولة غير مسبوقة بين أيدي المواطنين، وتفاقمت مع تعطل معظم أجهزة الصراف الآلي، ما فتح المجال لاستغلال حاجة الناس إلى النقد.
سلطة النقد أكدت تلقّيها شكاوى عن عمليات ابتزاز يتعرض لها المواطنون من تجار وأصحاب محال صرافة غير مرخصة، يستخدمون أجهزة نقاط البيع والتحويلات البنكية لاقتطاع عمولات تصل إلى 15 في المئة، مقابل تسليم المتبقي من المبلغ نقداً.
وشددت سلطة النقد على رفضها القاطع لهذه الممارسات، مؤكدة أنها تراقب الحسابات المتورطة وستتخذ إجراءات رادعة عند ثبوت المخالفة، لكنها أشارت في الوقت ذاته إلى محدودية قدرتها على التعامل مع الجهات غير الخاضعة لإشرافها المباشر.
وعلى الرغم بيان رسمي أصدرته سلطة النقد في آذار/ مارس من العام الماضي، تضمن وعودًا بإجراءات صارمة ضد المتورطين في “تجارة السيولة”، إلا أن التحقيق لم يرصد اتخاذ أي خطوات تنفيذية ملموسة ضدهم، إذ لا تزال محالهم تعمل وحساباتهم البنكية فعالة حتى الآن.
القانون الفلسطيني رقم (40) لسنة 2022 الخاص بترخيص ورقابة مهنة الصرافة، يمنع أي شخص من ممارسة نشاط الصرافة من دون ترخيص من سلطة النقد، ويلزم الراغبين في العمل بهذا القطاع بتقديم طلب ترخيص وفق التعليمات الصادرة، ولا يُمنح الترخيص إلا للشركات المسجلة رسميًا وفق قانون الشركات الساري.
أزمة مركبة
أكد الخبير الاقتصادي الدكتور نصر عبد الكريم أن أزمة السيولة في قطاع غزة بدأت قبل العدوان الإسرائيلي الأخير، لكنها تفاقمت بشكل كبير بعده، نتيجة لتدمير عدد من فروع البنوك وعجزها عن العمل وتوفير السيولة النقدية للمواطنين.
وقال عبد الكريم في حديثه لـ”درج”، إن “هناك ظاهرة مقلقة تتمثل في استغلال بعض التجار الأزمة لتحقيق مكاسب شخصية على حساب معاناة الناس، من دون مراعاة للأوضاع الإنسانية والمعيشية الصعبة”.
وأوضح عبد الكريم أن سكان غزة لا يعانون فقط من شح السيولة، بل أيضاً من أزمة دخل وارتفاع أسعار، ما يجعل الأزمة مركبة ومعقدة، تؤثر بشكل مباشر على قدرة المواطنين على تلبية احتياجاتهم الأساسية، وتؤدي إلى فقدان جزء كبير من قدرتهم الشرائية.
وأكد أن المطلوب من سلطة النقد الفلسطينية هو الانتباه الجاد لهذه الأزمة، على رغم أنها لا تملك حلولاً مباشرة، إلا أن عليها لعب دور فاعل في معالجتها من خلال التنسيق مع مختلف الجهات.
وشدد على ضرورة التوصل إلى تفاهم وطني ومجتمعي شامل، يمتلك الحد الأدنى من الموارد والسيولة، لمواجهة الأزمة وتقليل آثارها، محذرًا من أن غياب هذا التفاهم يفتح المجال أمام سلوكيات انتهازية تتطلب مواجهة بأخلاقيات أكبر.
وأشار إلى أن الحلول المطروحة حتى الآن صعبة ومعقدة للغاية، فمثلاً الاتجاه إلى منصات الدفع الإلكتروني قد يبدو بديلاً، لكنه غير واقعي في ظل غياب الإمكانات لدى غالبية السكان الفقراء.
وأوضح أن أحد الحلول الممكنة هو إعادة تشغيل الصرافات الآلية في الفروع البنكية التي لم تدمر بعد، بشرط ضمان عدم تعريض موظفي البنوك للخطر، كخيار مؤقت لتوفير السيولة.
وشدد على أن حل الأزمة في المدى المنظور يبدو صعبًا من دون وجود تفاهمات مجتمعية حقيقية تشمل المجتمع المدني والعشائر، لتجاوز هذه المرحلة الحرجة بأقل الخسائر.
إقرأوا أيضاً:
توصيات “أمان”
وائل بعلوشة، مدير المكتب الإقليمي في غزة لائتلاف أمان من أجل النزاهة والمساءلة، أكد أن التوصيات المتعلقة بالإطار التشريعي والمؤسساتي الناظم لعمل المصارف وشركات الصرافة، تتطلب زيادة التنسيق بين سلطة النقد الفلسطينية والجهات الحاكمة في قطاع غزة، لتوفير بيئة رادعة للمحتالين والمبتزّين، ولحماية المواطنين من الوقوع ضحية الابتزاز والاحتيال، ولتوفير بيئة آمنة لعمل البنوك والصرافين.
وقال بعلوشة في حديثه لـ”درج”: “التوصيات المتعلقة بتحسين واقع الجهاز المصرفي في قطاع غزة تتعلق بتعزيز الصرافين المرخصين لدى سلطة النقد بقدر أكبر من السيولة، لضمان أدائهم مهامهم وفق ضوابط سلطة النقد الفلسطينية وتعليماتها”.
وشدد على أن المطلوب تعزيز المساءلة المجتمعية عبر إنشاء أجسام تنسيقية خلال الحرب، تضم ممثلين عن سلطة النقد، والعشائر، وجهات إنفاذ القانون بغزة، واللجان المحلية، بهدف التنسيق المشترك والقيام بحملات مناصرة لرفض تعرض المواطنين للابتزاز عند محاولة سحب أموالهم من البنوك، أو عند حاجتهم لاستقبال حوالات خارجية، وكذلك التوعية بالحفاظ على مقدرات البنوك، وعدم الإضرار بأجهزة الصرافات الآلية.
وأشار إلى أنه مطلوب إنشاء مبادرات وطنية من المجتمع المحلي لتعزيز قيم النزاهة والإدارة المحلية والمساءلة المجتمعية، عبر لجان محلية من ممثلي الغرف التجارية، ولجان الأحياء، وممثلي القطاع الخاص، بهدف الضغط لإنهاء ظاهرة التكييش والعمولات الطائلة، ونشر قوائم سوداء لمن يثبت تورطه بهذه العمليات ورفعها الى جهات الاختصاص لأخذ الإجراءات القانونية بحقهم بعد انتهاء الحرب.
وذكر أنه مطلوب أيضاً العمل على دعم البنية التحتية لمرافق البنوك خلال الحرب، عبر تزويدها بالسولار وإمدادها بالإنترنت لتشغيل ما أمكن من مقار ومكاتب، وزيادة مستوى التنسيق بين البنوك لتوفير السيولة.
وحول التوصيات المتعلقة بتوفير السيولة وحل إشكاليات الإصدارات القديمة والعملات المهترئة، شدد بعلوشة على بذل المزيد من الضغط على الاحتلال للسماح بدخول السيولة النقدية واستبدال السيولة المهترئة والإصدارات القديمة من عملة الشيكل، وذلك عبر حملات المناصرة الإقليمية والعالمية والجمعيات التي تنتمي إليها سلطة النقد، وكذلك التنسيق مع المؤسسات الدولية لتعزيز طلبهم بإدخال السيولة.
ولفت إلى ضرورة توعية المواطنين والتجار وطمأنتهم بأن العملات المهترئة والإصدارات القديمة من عملة الشيكل تحظى بقوة الإبراء القانوني، وأن السلطة ستستبدلها فور انتهاء القيود على حركة النقود لقطاع غزة.
وعن التوصيات المتعلقة بفاعلية الدور الذي تقوم به سلطة النقد في حماية المواطنين من الابتزاز خلال حرب الإبادة الجماعية، أوضح أنه مطلوب من سلطة النقد تحفيز موظفيها على العودة لأداء مهامهم؛ فهي واجب وطني في ظل الظروف الحالية، وفي ظل حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة.
وقال: “المطلوب أيضاً من سلطة النقد زيادة جهود المتابعة الميدانية والزيارات التفقدية لشركات الصرافة والبنوك في المحافظات الجنوبية في قطاع غزة، وتمكين مراكز سلطة النقد لمتابعة الشكاوى وممارسة دور رقابي على شركات الصرافة والمخالفين من الصرافين لاتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين منهم بعد الحرب، والتعاون مع الغرف التجارية لاتخاذ إجراءات تمنع تقاضي التجار عمولات طائلة عند بيع السيولة النقدية”.
وينبغي حسب بعلوشة، تعزيز العلاقات المشتركة بين المصارف وشركات الدفع الإلكتروني من جهة، وبين نقاط البيع وشركات الدفع الإلكتروني لضمان التيسير على المواطنين من جهة أخرى، وتفعيل الدور التوعوي لسلطة النقد على الصعد كافة، لتوجيه المواطنين الى الأدوات الرقمية، وتقليل الاعتماد على السيولة، والترويج لطرق الدفع الرقمية كبديل آمن للنقد، والتوعية بالحقوق الرقمية والمالية.
وحول التوصيات المتعلقة بتعزيز المساءلة المجتمعية بشأن نظام الشكاوى في القطاع المصرفي في ظل حرب الإبادة الجماعية، شدد على ضرورة أن تصدر سلطة النقد منشورات تشجيعية للمواطنين لحثهم على الإبلاغ عن الشكاوى في حال تعرضهم لممارسات ابتزاز أو احتيال مالي خلال الحرب، والعمل على حل المشاكل التي يواجهها المواطنون، وتنظيم عمل قسم الشكاوى، والعمل على حصر الشكاوى وتبويبها لضمان أن التعامل معها كان بالطريقة المثلى، وكذلك نشر إحصاءات حولها.
وأشار إلى أنه مطلوب من اللجان المحلية غير الشرطية، واللجان العشائرية، بذل المزيد من الجهود لحماية مقار البنوك والصرافات الآلية، وتعزيز مشاركة الغرفة التجارية في مساءلة المكيشين من التجار الذين يبيعون السيولة بمعدلات فائدة كبيرة جداً، وضرورة قيام الطواقم الشرطية واللجان المحلية بتنظيم طوابير الصرافات الآلية، واستمرار العمل بنظام البطاقات والمواعيد المحددة لكل صاحب بطاقة.
إقرأوا أيضاً:











