أمام الجامع الأموي في دمشق، رفع المتظاهرون على الأعناق شابًا سوريًا يحمل علم فلسطين، ليهتف المئات ويرددون وراءه بصوت واحد: “الشعب المصري فين”، احتجاجًا على التجويع الذي يعيشه الفلسطينيون في قطاع غزة. وربما دفعت الحماسة والارتجال والسجع العفوي الذي يرافق التظاهرات، الشاب إلى سبّ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. وما إن نزل الشاب عن الأكتاف، حتى بدأت أكبر أزمة تصعيد إعلامي مصري ضد السوريين لم تشهدها الساحة منذ عام 2013.
عالجت البرامج التلفزيونية المصرية هتافات الشاب السوري بصورة عاجلة، تصعيدية وغاضبة، ومع هذا الغضب ضاعت المهنية. انساق الإعلاميون المصريون كما ينساق المارة في الشوارع وراء شجار مع بلطجي في حارة شعبية؛ شجار بلا فهم ولا ترفع، يعلو فيه الصراخ، التهديدات، التخوين، وما هو أسوأ.
لا رقابة على التحريض!
الغريب أن الميكروفونات فُتحت أمام إعلاميين كُثر بلا ضوابط، ولم تتدخل الرقابة، وكأن السيناريو والضوء الأخضر للثأر من السوري وشعبه قد مُنحا بلا خطوط حمراء. أو كأن السياسة التحريرية لبعض وسائل الإعلام الرسمية باتت تألف الصياح والتخوين والتهديد بالعقوبات، كما اعتادت أن تفعل مع معارضين مصريين.
واحترامًا لعدم إعادة تداول المهزلة، ليس من الضروري عرض هذه التصريحات في هذا التقرير، بل تحليل مضمونها وخطورتها. الإعلامي أحمد موسى مثلًا جلس أمام الكاميرا واعتبر أن سلطته وكلمته قادرتان على تغيير السياسات الدولية بالتحريض، مستشهدًا بترامب كمثال ينبغي أن تحتذي به مصر، في إمهال السوريين المقيمين ستين يومًا لمغادرة البلاد ووقف استضافتهم كلاجئين. أما الإعلامي نشأت الديهي فكان أكثر تملقًا، إذ اعتبر نفسه محاميًا لحذاء الرئيس السيسي، مشيرًا إلى “حذائه الطاهر”، محيطًا إياه بهالة من العصمة والقدسية، وداعيًا المصريين إلى أن يحذوا حذوه في حماية كرامة رئيسهم و”حذائه الطاهر”.
لكن المصريين في شجار آخر ومعركة أشد وطيسًا؛ معركة تفصلهم عن الإعلاميين مسافات ضوئية. يظن الإعلاميون أنهم يجيّشون المصريين بخطاب الكراهية، لكن المصريين الغارقين في هموم الغلاء لن يثير انتباههم سوى صوت قنبلة نووية بدويّ مفزع، حينها فقط قد يشعرون بالخلاص.
الخارجية السورية تردّ…
بيان الخارجية السورية قدّم اعتذارًا عن الهتافات التي صدرت من أحد المتظاهرين، موضحًا أن ما حصل كان حادثًا معزولًا لا يمثل الشعب السوري. الاعتذار لم يكن موجهًا للرئيس السيسي بالاسم، بل لمصر قيادةً وشعبًا. لكن المشكلة الآن أن الإعلام المصري ارتكب جريمة إعلامية علنية أيضًا، فهل سيعتذر؟
بغض النظر عن تظاهرات الجامع الأموي وهتافاتها، هناك أسئلة لا يمكن تجاوزها، سواء انتهت الأزمة أم بقيت لها ظلال: كيف يمكن أن تتورط وسائل الإعلام المصرية في التحريض والتخوين ضد شعب بكامله بسبب موقف فردي لشاب سوري متحمس وسط الحشود؟
كيف يمكن أن يعتبر الإعلام الرسمي الإساءة إلى السيسي، وهو فرد مصري حتى لو كان رئيسًا للبلاد، فرصة لتجييش المصريين في معركة وهمية بمزاعم “المهمة الوطنية”، عبر تخوين شعب كان شريكًا في السعي إلى الرزق وشريكًا في أزماتنا الداخلية؟ وكيف أصبح المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام مجرد متفرج كسول أمام الشاشة؟
لا يخفى خطاب التعالي الفج الذي مارسه إعلاميون في مصر ضد السوريين. وهذا ليس جديدًا ولا غريبًا، إذ لدى مصر تاريخ طويل من الخطاب الإعلامي المركزي الذي يؤكد مفاهيم الهوية الوطنية، الحذر من الأجنبي، وربط الاستقرار السياسي بالأمن الداخلي.
الإعلام الرسمي غالبًا ما يعمل كرافعة للدولة في نقد المعارضين أو تصويرهم كتهديد. والسوري – كلاجئ سياسي من بلد مزقته الحرب وتسيطر عليه جماعة إسلامية الآن – يصبح هدفًا يسهل ربطه بالمصطلحات الأمنية الراهنة.
إقرأوا أيضاً:
إعلام مصري مرآة للمصالح الرسمية
مصر، كدولة، مرّت بفترات توتر وعزلة مع النظام السوري، ثم فترات تقارب، تبعًا للمصالح الإقليمية. هذه المراحل انعكست في الإعلام: حين تكون العلاقات الرسمية جيدة، يتراجع الخطاب العدائي؛ وحين تسوء العلاقات أو تتشابك الرهانات السياسية، يُستخدم الإعلام لتغذية الخطاب المتوتر ضد “الآخر السوري”. وربما يُستعمل كأداة للتبرير المسبق. فلماذا نستبعد أن يكون الإعلام المصري مستَخدمًا لتبرير مواقف حكومية في ملف اللاجئين، مثل التشديد في منح الإقامات والتصاريح الأمنية للسوريين في مصر، كخيار ضاغط إذا امتنعوا عن العودة الى بلادهم؟
وجدت وسائل إعلام مصرية في فيديوهات الجامع الأموي رأس مال عاطفيًا تُوجّه عبره غضب الشارع نحو فئة مهاجرة أو لاجئة تُرى أنها “تأخذ فرصًا وظروفًا أفضل” أو تُشكل “عبئًا” على موارد الدولة. الإعلام يستثمر هذا المزاج الشعبي، إما بنشر تحليلات مُبالغ فيها عن السوريين، أو بإلهاء المصريين عن أسباب معاناتهم الاقتصادية الحقيقية.
ولم ينسَ الإعلام التذكير بخطاب الكراهية القديم، إذ بعد فض اعتصام رابعة في آب/ أغسطس 2013، ربط إعلاميون وسياسيون بين بعض اللاجئين السوريين وجماعة الإخوان المسلمين. وعلى رغم أن المشاركة السورية في الاعتصام لم تكن تنظيمية ولا تمثل الجالية السورية ككل، إلا أن وجود بعض الأفراد استُخدم ذريعة لتأليب الرأي العام ضد اللاجئين. ما فتح الباب أمام حملات تشويه ومضايقات يومية بحقهم.
بعد تموز/ يوليو 2013، فرضت السلطات قيودًا جديدة على دخول السوريين، مثل اشتراط الحصول على تأشيرات أمنية مسبقة. وقد أشارت هيومن رايتس ووتش بوضوح إلى أن هذه القيود زادت معاناة السوريين وحوّلت وجودهم في مصر إلى تجربة محفوفة بعدم الأمان.
السوريون قوة اقتصادية في مصر
الإعلامي نشأت الديهي بالغ في تعاليه، متحدثًا وكأن المصريين “آووا السوريين” الذين يعيشون في خيام ويتلقون معونات، متجاهلًا أنهم أصحاب صنعة وتجربة ناجحة في التجارة أنعشت الاقتصاد المصري. بل وسخر متسائلًا: “كيف تُنعش الشاورما اقتصاد مصر؟”
والحقيقة أن “الشاورما” كمجاز عن العمل السوري أنعشت بالفعل الاقتصاد. فوفق تقرير مشترك لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمة العمل الدولية وبرنامج الأغذية العالمي، ضخّت المشاريع التي أسسها لاجئون سوريون نحو 800 مليون دولار في الاقتصاد المصري منذ عام 2011.
هذه الحركة الاقتصادية لم تكن خالية من العواقب، ونجاحها أشبه بالمعجزة، وكان يمكن أن تكون أكثر فائدة لو أزيلت بعض الحواجز القانونية والبيروقراطية، وسُهّل تسجيل الشركات، والاعتراف بالمؤهلات، وتقديم تسهيلات القروض والضمانات، وتوزيع الفرص في مناطق غير مركزية.
المشاريع السورية أسست وظائف، سواء لسوريين أو مصريين، ما خفف من البطالة وسمح بتداول الدخل محليًا، وحفّز الإنفاق على قطاعات عدة: المواصلات، الطعام، الخدمات… إلخ. كما أن اللاجئين السوريين يستهلكون ويحتاجون إلى خدمات: السكن، التعليم، الصحة، المعيشة اليومية، ما يزيد الطلب على السلع والخدمات، وبالتالي يُنعش الأسواق التي تخدم هذه الاحتياجات.
تظاهرات الجامع الأموي عرّت ازدواجية الإعلام المصري، الذي اختار شيطنة السوريين في الداخل بدلًا من التخفيف عنهم. ما حدث في الجامع الأموي وضع مرآة أمام المصريين ليروا كيف تُفتعل قضايا جانبية على ألسنة المذيعين لإلهائهم، وكيف ينعش هذا كله أمل إسرائيل، التي تجد في المشهد ما يُطيب خاطرها، إذ ترى العرب منشغلين ببعضهم بدلًا من مواجهة عدوانها على غزة وإبادة أهلها.
إقرأوا أيضاً:














