ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

من المدرجات إلى وسائل التواصل: مفارقات “مشاهدة” كرة القدم و”تقييمها”!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

في ظل الثورة الرقمية، لم يعد المشاهد يكتفي بدور المشاهدة والمتابعة، بل تخطاه إلى التفاعل مع الأحداث والمباريات بالكتابة والتعليق، ولا تكاد تظهر حالة تحكيمية أو جدلية في إحدى المباريات، حتى تمتلئ منصات التواصل بآلاف المنشورات والمقاطع القصيرة والتعليقات التي تفسر هذه الحالة أو تلك، وتنتشر هذه التفسيرات على نطاق واسع، وبإمكان المشاهد أن يقتنع بالرواية التي تكررت أكثر من غيرها حتى وإن لم تكن صحيحة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

جلسنا على مدرج فريق النجمة في المدينة الرياضية ببيروت لمشاهدة ديربي الكرة اللبنانية ضد الأنصار، مع صديق مصري يشجع النادي الأهلي في بلاده.

كمشجع أنصاري يجلس متخفيًا مع جمهور النجمة رفقة أصدقائي النجماويين، وكوني أعمل في مجال الصحافة الرياضية، وباعتبار أن حماستي للكرة اللبنانية خفت مع مرور السنين بسبب تراجع مستواها، كانت مراقبة تلك المباريات من المدرج فرصة لي لفهم طريقة تفاعل الجمهور مع مجريات اللقاء بصورة أعمق.

يمكن القول إن الجماهير كانت تحتجّ على معظم الصافرات التي يطلقها الحكم ضد فريقها، مرفقةً ذلك بسيل من السباب والشتائم، وأحيانًا رمي قوارير المياه باتجاه الملعب، حتى وإن كانت الحالة تبدو بديهية وقرار الحكم يبدو صحيحًا.

سألت الصديق المصري إن كان الأمر نفسه يحصل لديهم في مصر، فأخبرني أنه في إحدى المرات كان يشاهد مباراة فريقه الأهلي من الملعب، وفقد أعصابه يومها وبدأ برمي أشياء تجاه الملعب لأن الحكم لم يحتسب لهم ست ركلات جزاء صحيحة لا لبس فيها.

عندما عاد إلى المنزل وشاهد الملخص، اكتشف أن كل قرارات الحكم كانت صحيحة، وليس هناك أي ضربة جزاء لفريقه، على الرغم من أنه كان مقتنعًا بأنهم تعرّضوا للظلم عندما كان وسط الحشد الكبير.

من المدرج الحقيقي إلى الافتراضي

تأثير الحشود في الحكم على القرارات لا يقتصر على مدرجات الملاعب، بل يمتد إلى الفضاء الرقمي في ظل الثورة في عالم التواصل الاجتماعي. فمشاهد كرة القدم المعاصر لا يكتفي بمشاهدة المباراة، بل يتفاعل معها عبر الصفحات والمجموعات من خلال التعليقات أو أزرار الإعجاب.

في كأس العالم ترتفع شعبية كرة القدم إلى أعلى مستوياتها. هناك شريحة كبيرة من الجمهور لا تتابع كرة القدم إلا في كأس العالم، وخلال المسابقة يعلن الناس عن تشجيعهم لمنتخباتهم المفضّلة بطرق مختلفة، من تغيير صور الخلفية افتراضيًا إلى تعليق الأعلام على الشرفات والسيارات في الحياة الواقعية.

تنقسم العائلات والمباني والشوارع بين المشجعين، كذلك منصات وسائل التواصل. ويُعد “التزريك” لجمهور المنتخب الخاسر أحد أبرز طقوس كأس العالم، يمنح البطولة رونقًا إضافيًا ويزيد من حدة المنافسة بين المشجعين. إلا أن هذه الأجواء لا تقتصر على المزاح، بل تتحول في كثير من الأحيان إلى أجواء تعزز الانحياز وعدم الموضوعية وتعيد إنتاج الروايات غير الدقيقة.

وفي ظل الثورة الرقمية، لم يعد المشاهد يكتفي بدور المشاهدة والمتابعة، بل تخطاه إلى التفاعل مع الأحداث والمباريات بالكتابة والتعليق، ولا تكاد تظهر حالة تحكيمية أو جدلية في إحدى المباريات، حتى تمتلئ منصات التواصل بآلاف المنشورات والمقاطع القصيرة والتعليقات التي تفسر هذه الحالة أو تلك، وتنتشر هذه التفسيرات على نطاق واسع، وبإمكان المشاهد أن يقتنع بالرواية التي تكررت أكثر من غيرها حتى وإن لم تكن صحيحة.

غرفة الصدى

تخدعنا وسائل التواصل جميعًا؛ تفهم الخوارزميات طريقة تفكيرنا، فتضع أمامنا كل ما يناسب أفكارنا وقناعاتنا. والأمر ليس جديدًا كما قد يظن البعض، أو مرتبطًا حصرًا بالثورة في عالم الذكاء الاصطناعي التي نشهدها أخيرًا، فقد تناول أستاذ القانون وعالم الاجتماع الأميركي كاس ر. سانستين هذه الفكرة في كتابه “Republic.com” عام 2001.

ثم عاد ووسّع نقاشه حول تأثير البيئات الإعلامية المغلقة في كتاب “Republic.com 2.0” عام 2007، مع الانتشار المتزايد لمواقع التواصل الاجتماعي، إذ اعتبر أن هذه المواقع تضع المستخدم في ما يشبه غرفة صدى، تعرض له بشكل مستمر كل ما يتوافق مع رغباته.  

تتقاطع نظرية “غرفة الصدى” مع دراسات أخرى في علم النفس والاجتماع، حول أن وسائل التواصل تجمع الأشخاص الذين يتبنون أفكارًا متشابهة داخل غرفة كبيرة، تقدم لهم المحتوى نفسه تقريبًا بطرق مختلفة، فيتلقى المستخدم باستمرار آراء تؤكد معتقداته، وتقلّ فرص اطلاعه على الآراء التي تدحض معتقداته، ما يعزز قناعته بأن أفكاره صحيحة، وأنها تحظى بموافقة معظم الناس.

فيما تشير دراسة أخرى نشرتها مجلة Telematics and Informatics إلى أن المشجعين المتعصبين لأنديتهم يستخدمون وسائل التواصل ليس فقط لمناقشة المباريات والحالات التي تشهدها، بل لتكريس انتمائهم الى المجموعة، وبالتالي فإن كل ما يكتبونه أو يتفاعلون من خلاله يجعلهم جزءًا من الهوية الجماعية، ما يشعرهم بالرضا.

عندما تتغلب العاطفة

بعد مباراة مصر ضد الأرجنتين مباشرةً، كتبت منشورًا على صفحتي المتخصصة بأخبار كرة القدم، نقلت فيه عن أحد المواقع العالمية المتخصصة بالتحكيم، إشارته إلى أن محمد صلاح لم يكن يستحق ركلة جزاء في اللقطة التي أشعلت وسائل التواصل.

وصلتني مئات التعليقات المسيئة بسبب هذا المنشور، سواء من خلال التعليقات أو عبر البريد الخاص، تراوحت بين الشتائم والتخوين والتهديد والسخرية والتنمر والتبليغات ضد الصفحة. توقفت بعد ساعة تقريبًا عن قراءة التعليقات والرسائل، ربما شاركت المنشور فيما كانت العواطف تغلي، ولا مكان للغة العقل.

في الأيام اللاحقة، كان محللون وصناع محتوى كثر في مصر والعالم العربي يشرحون أن ركلة الجزاء لم تكن صحيحة، وأنه يجب العمل على معالجة الثغرات ودراسة المباراة لفهم أسباب الخسارة عوضًا عن تحميل التحكيم المسؤولية حصرًا. وكانت غالبية التعليقات مؤيدة، فكلما ابتعدنا عن المباراة زمنيًا، زادت إمكانية إعمال العقل ومحاولة إلقاء نظرة محايدة على الحالات.

أذكر أيضًا في هذا المونديال أنني استغربت قرارًا احتسب في مباراة ألمانيا ضد الباراغواي. الحالة لم تكن مؤثرة كثيرًا على اللعب، وكنت أحاول شرحها من الناحية التقنية فقط، ولم أكن أعرف أصلًا أن الحكم من المغرب، لأفاجأ أيضًا بسيل من الشتائم (لا يقارن بالسيل المذكور أعلاه)، لأنني أنتقد حكمًا مغربيًا أو عربيًا.

بين العاطفة والموضوعية

جمالية أجواء كأس العالم تكمن في شموليته وشعبيته الجارفة، فهو البطولة التي تتخطى المشجعين التقليديين لكرة القدم، وتسحر الملايين حول العالم بتفاصيل المباريات وأجواء المدرجات واحتفالات اللاعبين وكل ما يحيط باللعبة.

هذه الجماهيرية الواسعة هي ما يمنح كأس العالم سحره الخاص، لكنها في الوقت نفسه تجعل الأحكام المرتبطة به أكثر عاطفية. فالمشجع لا يتعامل مع المباراة باعتبارها تسعين دقيقة تنتهي بفوز من يسجل أكثر، بل يربطها بهوية وطنية وذكريات وانتماء، لذلك تصبح ردات الفعل القوية بعد أي قرار تحكيمي أو خسارة، نتيجة طبيعية ومفهومة في سياق بطولة بهذا الحجم وبهذه الجماهيرية.

والمشاهد، وحتى المحلل أو المتخصص، ليس مطالبًا بالحيادية المطلقة، فهو قبل أي شيء محب لهذه اللعبة ومشجع، ولديه أبطاله المفضلون، ويمكن لأهوائه أن تتحكم به وتؤثر في الأحكام التي يطلقها.

ولكنه، مع ذلك، لا يجب أن يترك العاطفة تتحكم به تمامًا. فأحيانًا، أو غالبًا، يجب إلقاء نظرة موضوعية لفهم ما حدث وتحديد الأخطاء ومكامن الضعف للعمل على معالجتها، عوضًا عن ممارسة الإنكار والتعمية وتبرير الإخفاق.

في ظل الثورة الرقمية، لم يعد المشاهد يكتفي بدور المشاهدة والمتابعة، بل تخطاه إلى التفاعل مع الأحداث والمباريات بالكتابة والتعليق، ولا تكاد تظهر حالة تحكيمية أو جدلية في إحدى المباريات، حتى تمتلئ منصات التواصل بآلاف المنشورات والمقاطع القصيرة والتعليقات التي تفسر هذه الحالة أو تلك، وتنتشر هذه التفسيرات على نطاق واسع، وبإمكان المشاهد أن يقتنع بالرواية التي تكررت أكثر من غيرها حتى وإن لم تكن صحيحة.

جلسنا على مدرج فريق النجمة في المدينة الرياضية ببيروت لمشاهدة ديربي الكرة اللبنانية ضد الأنصار، مع صديق مصري يشجع النادي الأهلي في بلاده.

كمشجع أنصاري يجلس متخفيًا مع جمهور النجمة رفقة أصدقائي النجماويين، وكوني أعمل في مجال الصحافة الرياضية، وباعتبار أن حماستي للكرة اللبنانية خفت مع مرور السنين بسبب تراجع مستواها، كانت مراقبة تلك المباريات من المدرج فرصة لي لفهم طريقة تفاعل الجمهور مع مجريات اللقاء بصورة أعمق.

يمكن القول إن الجماهير كانت تحتجّ على معظم الصافرات التي يطلقها الحكم ضد فريقها، مرفقةً ذلك بسيل من السباب والشتائم، وأحيانًا رمي قوارير المياه باتجاه الملعب، حتى وإن كانت الحالة تبدو بديهية وقرار الحكم يبدو صحيحًا.

سألت الصديق المصري إن كان الأمر نفسه يحصل لديهم في مصر، فأخبرني أنه في إحدى المرات كان يشاهد مباراة فريقه الأهلي من الملعب، وفقد أعصابه يومها وبدأ برمي أشياء تجاه الملعب لأن الحكم لم يحتسب لهم ست ركلات جزاء صحيحة لا لبس فيها.

عندما عاد إلى المنزل وشاهد الملخص، اكتشف أن كل قرارات الحكم كانت صحيحة، وليس هناك أي ضربة جزاء لفريقه، على الرغم من أنه كان مقتنعًا بأنهم تعرّضوا للظلم عندما كان وسط الحشد الكبير.

من المدرج الحقيقي إلى الافتراضي

تأثير الحشود في الحكم على القرارات لا يقتصر على مدرجات الملاعب، بل يمتد إلى الفضاء الرقمي في ظل الثورة في عالم التواصل الاجتماعي. فمشاهد كرة القدم المعاصر لا يكتفي بمشاهدة المباراة، بل يتفاعل معها عبر الصفحات والمجموعات من خلال التعليقات أو أزرار الإعجاب.

في كأس العالم ترتفع شعبية كرة القدم إلى أعلى مستوياتها. هناك شريحة كبيرة من الجمهور لا تتابع كرة القدم إلا في كأس العالم، وخلال المسابقة يعلن الناس عن تشجيعهم لمنتخباتهم المفضّلة بطرق مختلفة، من تغيير صور الخلفية افتراضيًا إلى تعليق الأعلام على الشرفات والسيارات في الحياة الواقعية.

تنقسم العائلات والمباني والشوارع بين المشجعين، كذلك منصات وسائل التواصل. ويُعد “التزريك” لجمهور المنتخب الخاسر أحد أبرز طقوس كأس العالم، يمنح البطولة رونقًا إضافيًا ويزيد من حدة المنافسة بين المشجعين. إلا أن هذه الأجواء لا تقتصر على المزاح، بل تتحول في كثير من الأحيان إلى أجواء تعزز الانحياز وعدم الموضوعية وتعيد إنتاج الروايات غير الدقيقة.

وفي ظل الثورة الرقمية، لم يعد المشاهد يكتفي بدور المشاهدة والمتابعة، بل تخطاه إلى التفاعل مع الأحداث والمباريات بالكتابة والتعليق، ولا تكاد تظهر حالة تحكيمية أو جدلية في إحدى المباريات، حتى تمتلئ منصات التواصل بآلاف المنشورات والمقاطع القصيرة والتعليقات التي تفسر هذه الحالة أو تلك، وتنتشر هذه التفسيرات على نطاق واسع، وبإمكان المشاهد أن يقتنع بالرواية التي تكررت أكثر من غيرها حتى وإن لم تكن صحيحة.

غرفة الصدى

تخدعنا وسائل التواصل جميعًا؛ تفهم الخوارزميات طريقة تفكيرنا، فتضع أمامنا كل ما يناسب أفكارنا وقناعاتنا. والأمر ليس جديدًا كما قد يظن البعض، أو مرتبطًا حصرًا بالثورة في عالم الذكاء الاصطناعي التي نشهدها أخيرًا، فقد تناول أستاذ القانون وعالم الاجتماع الأميركي كاس ر. سانستين هذه الفكرة في كتابه “Republic.com” عام 2001.

ثم عاد ووسّع نقاشه حول تأثير البيئات الإعلامية المغلقة في كتاب “Republic.com 2.0” عام 2007، مع الانتشار المتزايد لمواقع التواصل الاجتماعي، إذ اعتبر أن هذه المواقع تضع المستخدم في ما يشبه غرفة صدى، تعرض له بشكل مستمر كل ما يتوافق مع رغباته.  

تتقاطع نظرية “غرفة الصدى” مع دراسات أخرى في علم النفس والاجتماع، حول أن وسائل التواصل تجمع الأشخاص الذين يتبنون أفكارًا متشابهة داخل غرفة كبيرة، تقدم لهم المحتوى نفسه تقريبًا بطرق مختلفة، فيتلقى المستخدم باستمرار آراء تؤكد معتقداته، وتقلّ فرص اطلاعه على الآراء التي تدحض معتقداته، ما يعزز قناعته بأن أفكاره صحيحة، وأنها تحظى بموافقة معظم الناس.

فيما تشير دراسة أخرى نشرتها مجلة Telematics and Informatics إلى أن المشجعين المتعصبين لأنديتهم يستخدمون وسائل التواصل ليس فقط لمناقشة المباريات والحالات التي تشهدها، بل لتكريس انتمائهم الى المجموعة، وبالتالي فإن كل ما يكتبونه أو يتفاعلون من خلاله يجعلهم جزءًا من الهوية الجماعية، ما يشعرهم بالرضا.

عندما تتغلب العاطفة

بعد مباراة مصر ضد الأرجنتين مباشرةً، كتبت منشورًا على صفحتي المتخصصة بأخبار كرة القدم، نقلت فيه عن أحد المواقع العالمية المتخصصة بالتحكيم، إشارته إلى أن محمد صلاح لم يكن يستحق ركلة جزاء في اللقطة التي أشعلت وسائل التواصل.

وصلتني مئات التعليقات المسيئة بسبب هذا المنشور، سواء من خلال التعليقات أو عبر البريد الخاص، تراوحت بين الشتائم والتخوين والتهديد والسخرية والتنمر والتبليغات ضد الصفحة. توقفت بعد ساعة تقريبًا عن قراءة التعليقات والرسائل، ربما شاركت المنشور فيما كانت العواطف تغلي، ولا مكان للغة العقل.

في الأيام اللاحقة، كان محللون وصناع محتوى كثر في مصر والعالم العربي يشرحون أن ركلة الجزاء لم تكن صحيحة، وأنه يجب العمل على معالجة الثغرات ودراسة المباراة لفهم أسباب الخسارة عوضًا عن تحميل التحكيم المسؤولية حصرًا. وكانت غالبية التعليقات مؤيدة، فكلما ابتعدنا عن المباراة زمنيًا، زادت إمكانية إعمال العقل ومحاولة إلقاء نظرة محايدة على الحالات.

أذكر أيضًا في هذا المونديال أنني استغربت قرارًا احتسب في مباراة ألمانيا ضد الباراغواي. الحالة لم تكن مؤثرة كثيرًا على اللعب، وكنت أحاول شرحها من الناحية التقنية فقط، ولم أكن أعرف أصلًا أن الحكم من المغرب، لأفاجأ أيضًا بسيل من الشتائم (لا يقارن بالسيل المذكور أعلاه)، لأنني أنتقد حكمًا مغربيًا أو عربيًا.

بين العاطفة والموضوعية

جمالية أجواء كأس العالم تكمن في شموليته وشعبيته الجارفة، فهو البطولة التي تتخطى المشجعين التقليديين لكرة القدم، وتسحر الملايين حول العالم بتفاصيل المباريات وأجواء المدرجات واحتفالات اللاعبين وكل ما يحيط باللعبة.

هذه الجماهيرية الواسعة هي ما يمنح كأس العالم سحره الخاص، لكنها في الوقت نفسه تجعل الأحكام المرتبطة به أكثر عاطفية. فالمشجع لا يتعامل مع المباراة باعتبارها تسعين دقيقة تنتهي بفوز من يسجل أكثر، بل يربطها بهوية وطنية وذكريات وانتماء، لذلك تصبح ردات الفعل القوية بعد أي قرار تحكيمي أو خسارة، نتيجة طبيعية ومفهومة في سياق بطولة بهذا الحجم وبهذه الجماهيرية.

والمشاهد، وحتى المحلل أو المتخصص، ليس مطالبًا بالحيادية المطلقة، فهو قبل أي شيء محب لهذه اللعبة ومشجع، ولديه أبطاله المفضلون، ويمكن لأهوائه أن تتحكم به وتؤثر في الأحكام التي يطلقها.

ولكنه، مع ذلك، لا يجب أن يترك العاطفة تتحكم به تمامًا. فأحيانًا، أو غالبًا، يجب إلقاء نظرة موضوعية لفهم ما حدث وتحديد الأخطاء ومكامن الضعف للعمل على معالجتها، عوضًا عن ممارسة الإنكار والتعمية وتبرير الإخفاق.