أنهيتُ دراستي الثانوية بدون مشروع مهني واضح، وبمجموع لم يكن يؤهلني لدخول كلية التجارة التي رغبتُ فيها. في الحقيقة، لم أكن أعرف تماماً ماذا أريد أن أصبح. كنت فقط أريد أن أحصل على شهادة جامعية وأن تكون لديّ مهنة، لكنني لم أكن أعرف ما هي. ولم يكن في مدرستنا مرشد نفسي ليساعدنا، كان هناك مكتب للموجّه يتابع الحضور والغياب والسجلات المدرسية، ونُرسل إليه عند مخالفتنا قواعد المدرسة السلوكية، وقد يشارك في تنظيم الرحلات، لكن العاملين فيه لم يكونوا مرشدين نفسيين أو اجتماعيين.
أحد أصدقاء والدي، وكان يعمل في كلية التربية، أقنعه بأن ألتحق بها، لم يكن الأمر مهماً كثيراً بالنسبة إليّ آنذاك: أأصبح مدرّسة فلسفة أم موظفة إدارية؟ كانت المسافة بيني وبين جميع الخيارات واحدة. وهكذا دخلت الكلية من دون شغف سابق بعلم النفس أو التربية أو التعليم؛ دخلتها لأنها كانت الخيار المتاح.
كانت كليتنا تدرّس علم النفس، لكنها لا تخرّج اختصاصيين نفسيين بالمعنى المهني للكلمة. كنا ندرس مواد كثيرة، من دون أن نعرف أين سنعمل بعد التخرج أو ما المهنة التي تمنحنا إياها الشهادة. بدا الاختصاص موجوداً في الكتب والقاعات الجامعية وبيننا نحن الطلاب، لكنه كان شبه غائب عن الكلية نفسها وعن المدارس، والمستشفيات والمراكز الصحية ومؤسسات الرعاية والحماية. كان لدى الدولة قسم جامعي تنفق عليه، أُسِّس في عام 1946، وتبتعث بعض خريجيه إلى الخارج في منح دراسية، لكنها لم تعترف فعلياً بمهنة هؤلاء الخريجين. لذا كان السؤال يلاحقنا جميعاً: ماذا سنصبح بعد التخرج؟
ولادة مهنة لم يكتمل بناؤها
بعد قرابة نصف قرن من تأسيس الكلية، في عام 2001، حصل تحول مهم تمثل في إحداث وظائف للمرشدين النفسيين والاجتماعيين في المدارس السورية. كان القرار أقرب إلى فتح باب للتوظيف منه إلى تأسيس مهنة متكاملة، ومع ذلك، شعر كثير من الخريجين بأن ما درسوه يمكن أن يتحول إلى مستقبل مهني واضح لهم.
الجدير بالذكر أن المرشدين النفسيين عُيّنوا في المدارس الإعدادية والثانوية، بينما عُيّن المرشدون الاجتماعيون في المدارس الابتدائية، مع أن الإرشاد النفسي والعمل الاجتماعي اختصاصان مختلفان، ولكل منهما وظائفه وأدواته ومتطلبات تأهيله.
لم تكن مهمة المرشد ترفيه الطلاب أو ملء الحصص عند غياب المعلم، بل متابعة المشكلات النفسية والاجتماعية والتربوية، ودراسة الحالات الفردية، ومساندة من يواجهون صعوبات أسرية أو مدرسية، والمساهمة في الوقاية من العنف والتنمر والتسرب. وشملت مهمته أيضاً التواصل مع الأسر والمدرسين، وتنفيذ برامج توعوية حول خطر زواج القاصرات، أو عن الخيارات المهنية بعد الثانوية العامة.
حتى الأنشطة الجماعية التي ينظمها المرشد لم تكن غاية مستقلة، بل وسيلة لتحقيق أهداف نفسية وتربوية. لكن إحداث الوظيفة لم يترافق مع اعتراف متكامل بالمهنة ومتطلباتها، أو مع إعادة النظر في البرامج الجامعية وما يستلزمه إعداد المرشد النفسي المدرسي فعلياً. بقي موقع المرشد داخل المدرسة غامضاً: فهو ليس إدارياً، لكنه ليس معلماً أيضاً. وبدلاً من تأسيس جهة متخصصة ومستقلة تشرف على الإرشاد النفسي، تنقّل المرشد بين تصنيفات لا تعبّر عن مهنته.
هذه الاستقلالية ليست مسألة إدارية فحسب، بل شرط لتوفير الثقة والأمان للطلاب وذويهم والعاملين في المدرسة. فمن الصعب أن يلجأ الطالب إلى المرشد ويتحدث معه بحرية إذا كان ينظر إليه بوصفه امتداداً لإدارة المدرسة أو جهة رقابية داخلها.
كما بقيت الإجازة الجامعية كافية للعمل في مجال يتضمن مسؤوليات نفسية حساسة، من دون اشتراط تدريب تطبيقي معمق أو إشراف مهني مستمر. ولم تتوسع التجربة لتفتح أمام الخريجين مسارات واضحة داخل المستشفيات والمراكز الصحية ومؤسسات الرعاية والحماية.
حاجة ملحة ومهنة لم يعترف بها
تشير أرقام منشورة عام 2016 إلى وجود نحو 4900 مرشد نفسي لما يقارب الأربعة ملايين طالب في مدارس التعليم الأساسي والثانوي، أي بمعدل حسابي يقارب مرشداً واحداً لكل 816 طالباً، من دون أن يعكس هذا المتوسط بالضرورة التفاوت في توزيع المرشدين بين المحافظات والمدارس. ولم تكن المشكلة عددية فقط، بل تعلقت أيضاً بالتأهيل، والإشراف، والخصوصية، وحجم الملفات التي يُطلب من المرشد متابعتها.
كشفت سنوات الحرب والنزوح والفقد والفقر والعنف والانقطاع عن التعليم حجم الحاجة إلى خدمات الصحة النفسية. لذلك، كان من المنطقي أن تطوّر وزارة التربية تجربة الإرشاد، فترفع معايير التأهيل، وتوفر الإشراف المهني، وتحدد مسارات الإحالة، وتميّز بين اختصاصات المرشد النفسي والمرشد الاجتماعي ومشرف الأنشطة. لكن القرار رقم 1056، الصادر في 3 آب/ أغسطس 2026، اتجه نحو تعديل مسمى “المرشد النفسي” إلى “مشرف أنشطة”، وإضافة مهام تنتمي إلى وظيفة مختلفة.
لا يقلل الاعتراض على القرار من أهمية الأنشطة المدرسية. فالأنشطة ضرورية، لكن مشرف الأنشطة ليس مرشداً نفسياً، والمرشد النفسي ليس بديلاً عنه. لكل وظيفة أهدافها وأدواتها وشروطها المهنية.كما أن فتح وظيفة مشرف الأنشطة أمام حملة إجازات جامعية أو شهادات معاهد من اختصاصات مختلفة يطرح سؤالاً أعمق: هل نحن أمام إضافة مهمة إلى عمل المرشد، أم أمام إلغاء تدريجي للصلة بين الوظيفة والاختصاص النفسي؟
العريضة وحدها لا تكفي
بعد صدور القرار، ظهرت عريضة جمعت تواقيع حوالى 1000 مرشد واختصاصي وأكاديمي وتربوي. كان هذا رقماً متواضعًا، ولكنه خطوة ضرورية لإعلان الرفض وإثبات أن القرار لا يحظى بقبول العاملين في المجال. لكن العريضة كشفت في الوقت نفسه ضعف قدرتنا على التحول من الاعتراض الفردي إلى ضغط مهني منظم.
لم تحدد العريضة عدداً مستهدفاً من التوقيعات أو جدولاً زمنياً لمتابعتها. كما لم تجب عن الأسئلة الأهم: ماذا بعد جمع التوقيعات؟ هل توجد ورقة بديلة تقدم توصيفاً مهنياً واضحاً لدور المرشد النفسي وشروط تأهيله وعلاقته بإدارة المدرسة؟ هل هناك خطة محكمة بديلة توضع على الطاولة لتنافس مقترح الوزارة؟
العريضة تبقى أداة وليست غاية. فالقرارات الحكومية لا تتغير بسبب وجود اعتراض أخلاقي عليها فقط، وإنما عندما يتحول الاعتراض إلى قوة مهنية منظمة، قادرة على تقديم بديل والتفاوض بشأنه ومتابعته ومساءلة المسؤولين عنه.
إقرأوا أيضاً:
لاحقاً، أبدى بعض الاختصاصيين والمرشدين رأيهم بالقرار، إذ كتب د. مطاع بركات: “لو كنت في مجلس الشعب لسألت وزير التربية عن تجاهله لآراء المتخصصين في الإرشاد النفسي والاجتماعي حين وافق على تغيير توصيف عملهم المهني من دون أخذ آراء أهل الاختصاص بالاعتبار قبل القرار وبعده أيضاً. احترام الاختصاصات ليس مسألة تهذيب، أو سلامة نية، بل مسألة حرص على المصلحة العامة”.
أما مصطفى عبيسي فكتب : “يعيش حقل الصحة النفسية في واقعنا أزمة هوية حقيقية، إذ يدفع المرشد النفسي يومياً ضريبة تشوهات بنيوية مركبة… لا توجد نقابة مستقلة تحمي الممارسين، وتضبط أخلاقيات المهنة، وتمنح تراخيص مزاولة واضحة؛ ما جعل التخصص نهباً للدخلاء وحرم خريجيه من أبسط حقوقهم المهنية”.
أما براء الجمعة الذي ظهر في برنامج على الإخبارية السورية، فقال: “مطالباتنا لا تنطلق من الدفاع عن مسمى وظيفي أو واقع سابق يحتاج إلى إصلاح، إنما من ضرورة حماية حق الطفل السوري في رعاية نفسية متخصصة يُشرف عليها أكاديميون ومتخصصون مؤهلون”.
اختلفت محاولات متفرقة للضغط، لكن هذه الجهود لم تتجمع ضمن تحرك موحد. وبعد الجدل، أصدرت الوزارة توضيحاً يفيد بأن المرشد سيحتفظ بمهامه الأساسية، لكنه سيُكلّف أيضاً بالإشراف على الأنشطة اللاصفية في صالات الأنشطة.
غير أن هذا الالتفاف لا يحل المشكلة: لماذا تغير المسمى الوظيفي أصلاً إذا كان المرشد سيبقى مرشداً؟ ولماذا تُضاف إليه مسؤولية قاعة الأنشطة بدلاً من تعيين شخص مؤهل ومتفرغ لهذه المهمة؟ ظهر أثر ضعف الضغط المهني أيضاً خلال جلسة مجلس الشعب التي دُعي إليها وزير التربية. وكانت هذه من المرات الأولى التي تُبث فيها علناً جلسة استماع لوزير أمام المجلس في ظل المرحلة الانتقالية. وقد لا يمتلك المجلس صلاحيات رقابية واسعة تتيح له العزل أو المساءلة البرلمانية الكاملة، لكن ذلك لا يمنع أعضاءه من الاعتراض ومواجهة الوزير بالأسئلة وطلب التوضيح ومتابعة الإجابات.
طُرح على الوزير سؤال عن القرار، وذُكرت العريضة تحديداً، وطالبه أحد النواب بالجلوس مع أهل الاختصاص. لكن الوزير، وبنفاد صبر، نفى القرار الذي أصدره ووقّع عليه، وأضاف أن المرشد لا يمتلك الأدوات الكافية للعمل، وأن الوزارة أنشأت قاعات للأنشطة سيُشرف عليها، ويُطبَّق فيها منهاج للقيم تعمل الوزارة على إعداده، في ظل ما وصفه بوجود مشكلات عدة في القيم والسلوك. ولم ينسَ أن يشير إلى أن هذه المهنة الجديدة سترافقها مكافأة مالية، وكأنه يلفت إلى أن من سيرفض تنفيذها من المرشدين سيخسر المكرُمة.
انتهى الحديث عند هذا الحد، من دون نقاش حقيقي حول تغيير المسمى والتوصيف الوظيفي، أو حول “منهاج القيم”: من يضعه؟ وإلى أي تصور تربوي ونفسي يستند؟ لا تكمن المشكلة في تعليم القيم بحد ذاته، بل في التعامل معها كما لو كانت محتوى منفصلاً يُنقل إلى الطلاب داخل قاعة مخصصة. فالاتجاهات التربوية الحديثة تركز على التعلم الاجتماعي والعاطفي، الذي يساعد الطلاب على الوعي بذواتهم، وتنظيم انفعالاتهم، وبناء علاقات صحية، واتخاذ قرارات مسؤولة. وهذه المهارات لا تُكتسب في حصة معزولة فقط، بل تُدمج في المناهج، وأساليب التدريس، وإدارة الصف، والعلاقات اليومية داخل المدرسة.
كما لم يُسأل الوزير عن الأولويات والموارد. فوفق بيانات الوزارة، يوجد في سوريا 2744 مدرسة خارج الخدمة، بينها 822 مدرسة مدمرة كلياً. وإذا كانت الوزارة قادرة على إنشاء قاعات للأنشطة وإعداد منهاج جديد لها، فكيف تنسجم هذه الخطوة مع أزمة الأبنية المدرسية والازدحام الكبير في المدارس العاملة؟
ولم يُناقش أثر القرار في هوية المرشد ومؤهلاته، أو النتائج المترتبة على تحويله إلى موظف مسؤول عن قاعة. لم تكن هناك أسئلة متابعة، ولا مطالبة بدراسة مهنية للقرار، ولا دعوة ملزمة إلى استشارة أهل الاختصاص قبل تنفيذه.
يبدو أن لدى الوزارة توجهاً تحاول تمريره عبر قرارات قد تبدو إدارية وبسيطة، لكنها عميقة الأثر في هوية المهنة وفي مفهوم الصحة النفسية داخل المدرسة. وفي المقابل، لا يزال مجتمع الاختصاصيين عاجزاً عن تقديم بديل قوي أو تشكيل كتلة ضغط مهنية قادرة على فرض حوار حقيقي.
لا يعني ذلك تحميل المرشدين مسؤولية القرار بدلاً من الوزارة، ولا تجاهل الخوف والقيود التي قد تمنع كثيرين من إعلان أسمائهم أو التحرك بحرية. لكنه يعني الاعتراف بأن الدفاع عن المهنة يحتاج إلى أكثر من عريضة. وإذا لم ينظم أصحاب الاختصاص أنفسهم ويدافعوا عن تعريف مهنتهم، ستتولى الإدارة تعريفها بالنيابة عنهم، وفق احتياجاتها هي، لا وفق حاجات الطلاب أو معايير الصحة النفسية العالمية.
ما المطلوب؟
لا يكفي إيقاف القرار والعودة إلى الوضع السابق، لأن الوضع السابق نفسه كان مليئاً بالثغرات. المطلوب مراجعة شاملة لمكانة الصحة النفسية داخل الدولة السورية والمؤسسات التربوية والتعليمية على وجه الخصوص.
نحتاج إلى اعتراف قانوني بالمهنة، وتوصيف وظيفي مستقل، وشروط تأهيل أكثر صرامة، وتدريب تطبيقي مستمر، وإشراف تخصصي، وقواعد أخلاقية واضحة، وغرف تحمي خصوصية الطلاب، وجهة إشراف مستقلة تمنح المرشدين قدراً من الحياد داخل المدرسة، إضافة إلى مسارات واضحة للإحالة والتعاون مع وزارتي الصحة والشؤون الاجتماعية.
كما نحتاج إلى التمييز بين الإرشاد النفسي، والإرشاد الاجتماعي، وتنظيم الأنشطة، وبناء فريق متكامل يعمل لمصلحة الطالب، بدلاً من جمع أدوار مختلفة في موظف واحد.
كان قرار عام 2001 خطوة متقدمة في زمنه، لكنه يحتاج بعد ربع قرن إلى المراجعة والتطوير. أما إفراغ دور المرشد من مضمونه، بعد كل ما عاشه أطفال سوريا ومراهقوها، فهو تراجع عن الاعتراف بالمهنة. السؤال اليوم ليس فقط: ماذا نسمّي هذا الموظف؟ بل: هل نعترف فعلاً بأن أطفال سوريا ومراهقيها يحتاجون إلى صحة نفسية مدرسية متخصصة؟
إذا كانت الإجابة نعم، فعلينا بناء المهنة وتطويرها، لا استبدالها بمهنة أخرى. كما أن على أصحاب الاختصاص ألا ينتظروا من الوزارة وحدها أن تحدد لهم هويتهم المهنية. فالمهنة التي لا ينظم أصحابها صفوفهم، ولا يقدمون تعريفهم الخاص لها، ستبقى عرضة لأن تُعاد صياغتها كلما احتاجت الإدارة إلى موظف يملأ فراغاً أو يشغل قاعة، بحيث لا يبقى الفراغ فارغاً.












