ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

من تجميد الإمدادات الروسية إلى تهديد “داعش”: الوقود السوري في الحرب الإقليمية

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تبدو أزمة الوقود في سوريا انعكاساً مباشراً لتعقيدات المشهدين الإقليمي والمحلّي، حيث يتداخل تجميد الإمدادات الروسية مع تهالك الحقول النفطية وتهديدات “داعش” والمخاطر الأمنية على طرق النقل، ما يجعل استقرار قطاع الطاقة مهمّة شديدة التعقيد.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

بعد الإعلان عن اتّفاقية الهدنة بين إيران والولايات المتّحدة، بدا المشهد الإقليمي أكثر هدوءاً على الورق، لكنّ آثار التصعيد الأخير لا تزال ملموسة في حياة السوريين اليومية.

 ركّزت التغطية الإعلامية على التهدئة العسكرية، إلا أن الأزمات الاقتصادية التي خلّفتها الحرب الإقليمية لم تتوقّف، بل امتدّت إلى الأسواق المحلّية في سوريا، حيث بدأت أسعار الوقود والمواد الأساسية تشهد تقلّبات ملحوظة خلال الأسابيع الأخيرة، ونقص الغاز والمازوت والبنزين من محطّات الوقود في عموم البلاد، في ظلّ تراجع الإمدادات النفطية وارتفاع تكاليف النقل وتعقّد طرق التوريد، الشأن الذي نفته وسائل الإعلام السورية الرسمية، لكنّ الواقع على الأرض مختلف…

فقد نشرت “الشركة السورية للبترول” عبر صفحتها الرسمية، أن عمليّات توريد الغاز إلى مصبّ بانياس البحري مستمرّة ضمن جهودها لتعزيز استقرار قطاع الطاقة.

وبحسب البيان الذي تابعه “درج” تمّ تسلّم شحنة جديدة من الغاز يوم الاثنين على متن الناقلة “غاز سيرينتي” بحمولة تبلغ 11,600 طنّ متري، حيث باشرت فرق المصبّ عمليّات الربط والتفريغ فور استكمال الإجراءات الفنّية، لضمان نقل الكميّات إلى خزّانات قسم غاز بانياس بكفاءة وأمان…

كما أوضحت الشركة أن عدّة نواقل أخرى تنتظر دورها ضمن برنامج توريد مستمرّ بحمولات متفاوتة، ولم يحدّد البيان مصدر التوريد أو بلد المنشأ لهذه الشحنات، واكتفى بالإشارة إلى استمرار برنامج الإمداد.

ويأتي ذلك في وقت كانت فيه الحكومة قد أكّدت سابقاً توفّر المشتقّات النفطية والغاز في الأسواق ونفت وجود أيّ نقص، رغم استمرار الحديث عن ضغوط على التوزيع في بعض الفترات.

تعكس هذه الارتفاعات هشاشة الاقتصاد السوري واعتماده الكبير على الإمدادات المحلّية المحدودة والإمدادات الخارجية المتقطّعة، بما في ذلك الغاز والمازوت. فالإمداد المحلّي لا يغطّي الاحتياجات بالكامل، والإمدادات الخارجية من روسيا انخفضت قبل أيّام قليلة من الحرب الأميركية الإسرائيلية ضدّ طهران.

في هذا السياق، تتشابك أسباب محلّية وإقليمية لتضغط على ميزانيات الأسر، وتزيد من الصعوبات اليومية، ما يجعل الأزمة الاقتصادية أحد أبرز تداعيات الحرب الإقليمية على السوريين، حتى بعد إعلان الهدنة الأميركية الإيرانية على الصعيد العسكري.

تجميد الإمدادات الروسية

تشير بيانات وتقارير قطاع الطاقة إلى أن سوريا تعتمد بشكل متزايد على الشحنات النفطية الخارجية لتشغيل مصافيها وتأمين احتياجات السوق المحلّية، في ظلّ تراجع الإنتاج المحلّي منذ سنوات.

 وقد استقبلت مصفاة بانياس خلال الأشهر الأولى من بداية العام؛ كان آخرها بداية شهر شباط/ فبراير، عدّة شحنات نفطية روسية، وهو ما أكّدته مصادر من مصفاة بانياس رفضت الكشف عن هويّتها لـ”درج”، مشيرة إلى أن من بينها شحنة بلغت نحو 1.6 مليون برميل من الخام والمشتقّات النفطية، ضمن خطّة لتعزيز الإمدادات وتشغيل المصافي وتأمين الوقود لقطاعي الكهرباء والنقل.

وتؤكّد هذه الشحنات وفق المصدر، أن مصفاة بانياس ما تزال تمثّل نقطة ارتكاز رئيسية في منظومة الطاقة السورية، حيث تعتمد على الواردات البحرية لتغطية جزء من احتياجات البلاد، خاصّة مع ضعف الإنتاج المحلّي وتراجع قدرة الحقول النفطية على تلبية الطلب الداخلي مشيرة إلى أن “هذا الاعتماد على الشحنات الخارجية  يجعل سوق الوقود في سوريا حسّاساً لأيّ اضطراب في طرق النقل أو تصاعد في المخاطر الإقليمية، لكنّ هذه الشحنات حالياً توقّفت. فتجميد موسكو شحنات نفطها إلى سوريا جاء في توقيت حسّاس، قبيل العمليّات العسكرية الأميركية ضدّ إيران”.

يرى الخبير في شؤون الطاقة والسياسة الدولية الدكتور همّام حيدر أن “توقّف توريد النفط الروسي إلى سوريا لم يكن مجرّد مسألة لوجستية، بل يعكس حسابات جيوسياسية دقيقة بين روسيا وأطراف إقليمية ودولية”، ويقول في لقاء مع “درج”: “يمكن  فهم توقّف التوريد في إطار عدّة اعتبارات استراتيجية. أولاً: موسكو كانت تتوخّى الحذر من الانجرار المباشر إلى مواجهة محتملة مع الولايات المتّحدة وإسرائيل، خصوصاً في ظلّ التهديدات المفتوحة ضدّ إيران. ثانياً: روسيا تحتاج إلى إعادة ترتيب أولوياتها في سلسلة التوريد، حفاظاً على مخزونها الداخلي من البترول ومنع أيّ تأثير سلبي مباشر على أسعار النفط العالمية. ثالثاً: هناك بعد سياسي، فالتوقّف عن الإمدادات يعتبر رسالة واضحة لكل الأطراف أن موسكو ليست على استعداد لتحمّل المخاطر وحدها في حال اندلاع تصعيد إقليمي. هذا التوازن بين الالتزامات الدولية والمصالح الإقليمية هو ما يفسّر قرار موسكو تجميد الشحنات مؤقّتاً، وليس هناك مؤشّر على أن هذا القرار يعكس رغبة في ترك سوريا دون دعم، بل هو جزء من سياسة محسوبة لتجنّب التورّط المباشر في أيّ صدام عسكري”.

التوقّف فاقم معاناة السوريين

تسبّب توقّف الشحنات الروسية مباشرة في أزمة طاقة داخلية انعكست على المواطنين بشكل ملموس، تقول الصحافية السورية فاطمة حسني: “إن انخفاض الإمدادات أدّى إلى نقص الوقود في محطّات المحروقات، ما تسبّب في طوابير طويلة وانتظار لساعات للحصول على البنزين والمازوت، خاصّة للمواصلات العامّة والمولدات الكهربائية الخاصّة”.

وتشير في حديثها لـ”درج” إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية عشرات الأضعاف نتيجة ارتفاع تكاليف النقل، إذ يعتمد قطاع النقل بشكل شبه كامل على الوقود المستورد وتقول: “هذا النقص أثّر أيضاً على قطاع الصناعة والإنتاج المحلّي، فالمصانع التي كانت تعمل بنسب محدودة اضطرّت لتقليص ساعات عملها أو التوقّف تماماً، ممّا زاد من الضغط على الأسر السورية المتأثّرة أصلاً بالحرب والتضخّم المستمرّ”.

وفي السياق ذاته، ينقل أبو علي وهو مالك محطّة وقود في مدينة الحسكة لـ”درج” معاناة الحسكة كغيرها من المدن السورية في الوقت الحالي، من شحّ كبير في المازوت والغاز والبنزين، حيث أصبحت غير متوفّرة في معظم محطّات الوقود، ويوضح أن المازوت المدعوم يُباع رسمياً بسعر 5,650 ليرة سورية للتر الواحد، بينما يصل سعر صرف الدولار الرسمي إلى 13600ليرة، ما يعني أن سعر اللتر بالدولار الرسمي يقارب 75 سنتاً.

ويقول: “أما في السوق السوداء، فتتوفّر كميّات قليلة من المازوت، ويصل سعرها إلى أكثر من 10,000 ليرة سورية  للتر الواحد، ويضطرّ الناس للوقوف في طوابير لساعات طويلة وربما لليوم الثاني لكن دون جدوى، فيلجأون إلى السوق السوداء”.

 وفق حسابات موقع “الطاقة” المتخصّص في شؤون النفط والطاقة، الذي رصد تذبذب الأسعار وندرة الوقود في الأسواق السورية، فإن سوريا احتلّت المرتبة السادسة من بين الدول العربية التي شهدت ارتفاعاً في أسعار الوقود بسبب الحرب الإيرانية الأميركية.

حقول النفط السورية: بين التدمير والتهديدات

رغم أن “الشركة السورية للبترول” أعلنت بدء تشغيل واستخراج النفط من الحقول التي أعادت الدولة السيطرة عليها في دير الزور والحسكة، بموجب الاتّفاقية التي أُبرمت بين “قوّات سوريا الديمقراطية” وحكومة دمشق في 29 كانون الثاني/ يناير والعمل على إعادة تأهيل البنية التحتية للآبار والمنشآت المتضرّرة، وهو ما أكّده  مهندس البترول سردار علي، الذي تنقّل في عمله بين حقول البترول في رميلان ودير الزور قبل أزمة البلاد وخلالها  لـ”درج” إلا أن تنفيذ هذا التأهيل لا يزال يتطلّب وقتاً أطول من المتوقّع، وليس فورياً على الأرض .

علي نوّه إلى أن إعادة إدخال هذه الحقول في دورة الإنتاج تحتاج إلى خطّة متكاملة،   وإلى شهور طويلة من الصيانة والتجهيز قبل أن تغطّي احتياجات السوق المحلّية.

 ووصف معظم المنشآت النفطية في دير الزور والحسكة بأنها غير مؤهّلة للعمل، وتعرّضت لتدمير واسع وتلوّث بيئي نتيجة سنوات النزاع، وقال: “حقول بترول مناطق الجزيرة على مدار السنوات الأخيرة، لم تسلم من القصف من قِبل الدولة التركية، وجهود إزالة الأضرار وتحسين الوضع البيئي تتطلّب وقتاً طويلاً ودعماً دولياً لإعادة تأهيل البنية التحتية بالكامل”.

وأشار إلى تداخل التهديدات الأمنية المحلّية مع التحولات الإقليمية الأوسع، التي تشهدها المنطقة بين واشنطن وطهران، وتحوّل سوريا إلى مسرح لتصفية الحسابات في ما بينهما، وقال: “في هذا المناخ الإقليمي المشحون، فإن أيّ خطّة لتأهيل الحقول النفطية في سوريا — حتى بعد استعادتها — لا يمكن فصلها عن المخاطر المتّصلة بالأمن المحلّي وهجمات داعش، وأيضاً عن الصراع الأوسع الذي يشمل استخدام الصواريخ والمسيّرات كأدوات ردع واستهداف في الحرب الأميركية ‑الإيرانية، وهذا يجعل إعادة الإنتاج إلى مستويات أعلى، مسألة أكثر هشاشة من مجرّد أعمال هندسية، إذ يعتمد نجاحها على تأمين بيئة مستقرّة نسبياً على الأرض، وتقليل مخاطر الهجمات المتكرّرة، كما أن نقل البترول الخام قبل أزمة البلاد كانت تصل للمصافي عبر أنابيب ممتدّة من الحقول النفطية إلى المصافي مباشرة، فكانت توفّر الوقت والجهد وتغطّي حاجة السوق وتفيض، لكن بعد سنوات النزاع الطويلة استبدلت الأنابيب بالصهاريج، وإعادة تأهيل الأنابيب مرّة أخرى تحتاج تكلفة عالية قد تعجز خزينة الدولة سدّ نفقاتها بسبب التدهور الاقتصادي الكبير الذي تعانيه سوريا”.

بحسب مصادر ميدانية تحدّثت لـ”درج”، فإن صهاريج النفط التي تنقل الخام من مناطق الجزيرة السورية باتّجاه مصفاة بانياس، تواجه ظروفاً أمنية معقّدة أدّت إلى تراجع حركة النقل خلال الفترة الأخيرة.

ويقول عابد الذي رفض الكشف عن اسمه الأوّل لـ”درج” لأسباب أمنية، وهو أحد سائقي صهاريج الوقود: “إن الطرق التي تعبرها الشاحنات أصبحت أكثر خطورة”، مشيراً إلى أن “بعض المسارات تشهد نشاطاً لخلايا تنظيم داعش، إضافة إلى توتّرات مع بعض العشائر في مناطق العبور، ما يدفع السائقين إلى تقليل الرحلات أو التوقّف مؤقّتاً في بعض الأحيان”.

من جهته، يوضح مهندس البترول سردار علي أن “هناك مخاوف متزايدة من استهداف الصهاريج خلال نقلها، سواء نتيجة التوتّرات الأمنية، أو احتمال تعرّضها لضربات من مسيّرات إيرانية أو هجمات مسلّحة، وهو ما يدفع شركات النقل والسائقين إلى اتّخاذ إجراءات احترازية تزيد من زمن الرحلة وتكاليفها”.

ويقول: “هذه الظروف تؤثّر بشكل مباشر على سرعة وصول النفط إلى مصفاة بانياس، ما ينعكس على عمليّات التكرير وإنتاج الوقود، خاصّة في ظلّ الحاجة المستمرّة إلى تأمين كميّات ثابتة من الخام، ممّا يؤثّر على سدّ حاجة السوق”.

ونقلت وسائل إعلام محلّية وتقارير متابعة ميدانية عن تصاعد حوادث استهداف صهاريج نقل النفط في ريف دير الزور خلال شهري آذار/ مارس الماضي ونيسان/ أبريل الجاري، في وقت تشهد فيه المنطقة نشاطاً أمنياً متقطّعاً وهجمات متفرّقة للتنظيم تطال البنية الاقتصادية المرتبطة بقطاع النفط.

وبحسب ما تمّ تداوله، فقد أعلن “تنظيم الدولة الإسلامية/ داعش” عبر بيانات صادرة عن منصّاته الإعلامية، مسؤوليته عن عدد من العمليّات التي استهدفت صهاريج نفط في مناطق متفرّقة من ريف دير الزور، مستخدماً أسلوب الهجمات المباشرة التي أسفرت عن أضرار مادّية في بعض الشاحنات وحمولاتها.

وتأتي هذه التطوّرات ضمن نمط متكرّر من العمليّات التي تشهدها مناطق شرق سوريا، حيث تستهدف هجمات من هذا النوع خطوط نقل النفط ومرافقه الحيوية، ما ينعكس على حركة النقل والإمداد في تلك المناطق ويزيد من حالة التوتّر الأمني.

كما أفادت التقارير بأن هذه الحوادث جرى تداولها عبر بيانات إعلامية مرتبطة بالتنظيم، في ظلّ استمرار النشاط الأمني غير المستقرّ في المنطقة، وتكرار استهداف البنية الاقتصادية المرتبطة بالطاقة خلال الفترة المذكورة.

فيما لم تُصدر وزارة الداخلية السورية أيّ تعليق رسمي بشأن الهجمات، التي أعلن “تنظيم الدولة الإسلامية/ داعش” مسؤوليته عنها في مناطق متفرّقة خلال الفترة الماضية، فيما أعلنت في سياق متّصل تنفيذ عمليّة أمنية في ريف حلب الشرقي أسفرت عن إلقاء القبض على خليّة تابعة للتنظيم.

في المقابل، أعلنت الوزارة في الثالث من نيسان/ أبريل الحالي أنها عزّزت الإجراءات الأمنية لتأمين وحماية صهاريج نقل النفط المنطلقة من حقل العمر في ريف محافظة دير الزور والمتّجهة إلى مدينة بانياس، في إطار الحفاظ على الاستقرار وضمان سلامة عمليّات نقل الموارد الحيوية.

وأوضحت أن هذه الخطوة تأتي ضمن خطّة أمنية متكاملة تهدف إلى حماية البنية التحتية النفطية، وتأمين خطوط النقل من أيّ تهديدات محتملة.

آفاق الحلول بين الاتّفاقيات وتحسين الأمن

من جانبه يرى  المحلّل الاقتصادي بهاء السويعي أن “الحل يكمن في تعزيز استقرار الإمدادات النفطية عبر تنويع مصادر الاستيراد، وتحسين أمن طرق النقل، وتسريع تنفيذ الاتّفاقيات المتعلّقة بإدارة الحقول النفطية، إضافة إلى دعم الإنتاج المحلّي وتقليل الاعتماد على الشحنات الخارجية”.

ويشدد في ختام حديثه لـ”درج” على “أهمّية تأمين طرق نقل الصهاريج بين مناطق الإنتاج ومصافي التكرير، باعتبارها الحلقة الأضعف في منظومة الطاقة السورية، إلى جانب ضرورة تطوير البنية التحتية للمصافي وزيادة قدرتها الإنتاجية”.

في ضوء هذه المعطيات، تبدو أزمة الوقود في سوريا انعكاساً مباشراً لتعقيدات المشهدين الإقليمي والمحلّي، حيث يتداخل تجميد الإمدادات الروسية مع تهالك الحقول النفطية وتهديدات “داعش” والمخاطر الأمنية على طرق النقل، ما يجعل استقرار قطاع الطاقة مهمّة شديدة التعقيد.

 وبينما تفرض الهدنة الإيرانية – الأميركية هدوءاً عسكرياً نسبياً، يبقى الواقع الاقتصادي للسوريين مرهوناً بقدرة الدولة على تأمين الإمدادات، وإعادة تأهيل البنية التحتية النفطية وضمان بيئة أمنية مستقرّة، وهي تحدّيات ستحدّد ملامح سوق الطاقة في المرحلة المقبلة.

25.04.2026
زمن القراءة: 9 minutes

تبدو أزمة الوقود في سوريا انعكاساً مباشراً لتعقيدات المشهدين الإقليمي والمحلّي، حيث يتداخل تجميد الإمدادات الروسية مع تهالك الحقول النفطية وتهديدات “داعش” والمخاطر الأمنية على طرق النقل، ما يجعل استقرار قطاع الطاقة مهمّة شديدة التعقيد.

بعد الإعلان عن اتّفاقية الهدنة بين إيران والولايات المتّحدة، بدا المشهد الإقليمي أكثر هدوءاً على الورق، لكنّ آثار التصعيد الأخير لا تزال ملموسة في حياة السوريين اليومية.

 ركّزت التغطية الإعلامية على التهدئة العسكرية، إلا أن الأزمات الاقتصادية التي خلّفتها الحرب الإقليمية لم تتوقّف، بل امتدّت إلى الأسواق المحلّية في سوريا، حيث بدأت أسعار الوقود والمواد الأساسية تشهد تقلّبات ملحوظة خلال الأسابيع الأخيرة، ونقص الغاز والمازوت والبنزين من محطّات الوقود في عموم البلاد، في ظلّ تراجع الإمدادات النفطية وارتفاع تكاليف النقل وتعقّد طرق التوريد، الشأن الذي نفته وسائل الإعلام السورية الرسمية، لكنّ الواقع على الأرض مختلف…

فقد نشرت “الشركة السورية للبترول” عبر صفحتها الرسمية، أن عمليّات توريد الغاز إلى مصبّ بانياس البحري مستمرّة ضمن جهودها لتعزيز استقرار قطاع الطاقة.

وبحسب البيان الذي تابعه “درج” تمّ تسلّم شحنة جديدة من الغاز يوم الاثنين على متن الناقلة “غاز سيرينتي” بحمولة تبلغ 11,600 طنّ متري، حيث باشرت فرق المصبّ عمليّات الربط والتفريغ فور استكمال الإجراءات الفنّية، لضمان نقل الكميّات إلى خزّانات قسم غاز بانياس بكفاءة وأمان…

كما أوضحت الشركة أن عدّة نواقل أخرى تنتظر دورها ضمن برنامج توريد مستمرّ بحمولات متفاوتة، ولم يحدّد البيان مصدر التوريد أو بلد المنشأ لهذه الشحنات، واكتفى بالإشارة إلى استمرار برنامج الإمداد.

ويأتي ذلك في وقت كانت فيه الحكومة قد أكّدت سابقاً توفّر المشتقّات النفطية والغاز في الأسواق ونفت وجود أيّ نقص، رغم استمرار الحديث عن ضغوط على التوزيع في بعض الفترات.

تعكس هذه الارتفاعات هشاشة الاقتصاد السوري واعتماده الكبير على الإمدادات المحلّية المحدودة والإمدادات الخارجية المتقطّعة، بما في ذلك الغاز والمازوت. فالإمداد المحلّي لا يغطّي الاحتياجات بالكامل، والإمدادات الخارجية من روسيا انخفضت قبل أيّام قليلة من الحرب الأميركية الإسرائيلية ضدّ طهران.

في هذا السياق، تتشابك أسباب محلّية وإقليمية لتضغط على ميزانيات الأسر، وتزيد من الصعوبات اليومية، ما يجعل الأزمة الاقتصادية أحد أبرز تداعيات الحرب الإقليمية على السوريين، حتى بعد إعلان الهدنة الأميركية الإيرانية على الصعيد العسكري.

تجميد الإمدادات الروسية

تشير بيانات وتقارير قطاع الطاقة إلى أن سوريا تعتمد بشكل متزايد على الشحنات النفطية الخارجية لتشغيل مصافيها وتأمين احتياجات السوق المحلّية، في ظلّ تراجع الإنتاج المحلّي منذ سنوات.

 وقد استقبلت مصفاة بانياس خلال الأشهر الأولى من بداية العام؛ كان آخرها بداية شهر شباط/ فبراير، عدّة شحنات نفطية روسية، وهو ما أكّدته مصادر من مصفاة بانياس رفضت الكشف عن هويّتها لـ”درج”، مشيرة إلى أن من بينها شحنة بلغت نحو 1.6 مليون برميل من الخام والمشتقّات النفطية، ضمن خطّة لتعزيز الإمدادات وتشغيل المصافي وتأمين الوقود لقطاعي الكهرباء والنقل.

وتؤكّد هذه الشحنات وفق المصدر، أن مصفاة بانياس ما تزال تمثّل نقطة ارتكاز رئيسية في منظومة الطاقة السورية، حيث تعتمد على الواردات البحرية لتغطية جزء من احتياجات البلاد، خاصّة مع ضعف الإنتاج المحلّي وتراجع قدرة الحقول النفطية على تلبية الطلب الداخلي مشيرة إلى أن “هذا الاعتماد على الشحنات الخارجية  يجعل سوق الوقود في سوريا حسّاساً لأيّ اضطراب في طرق النقل أو تصاعد في المخاطر الإقليمية، لكنّ هذه الشحنات حالياً توقّفت. فتجميد موسكو شحنات نفطها إلى سوريا جاء في توقيت حسّاس، قبيل العمليّات العسكرية الأميركية ضدّ إيران”.

يرى الخبير في شؤون الطاقة والسياسة الدولية الدكتور همّام حيدر أن “توقّف توريد النفط الروسي إلى سوريا لم يكن مجرّد مسألة لوجستية، بل يعكس حسابات جيوسياسية دقيقة بين روسيا وأطراف إقليمية ودولية”، ويقول في لقاء مع “درج”: “يمكن  فهم توقّف التوريد في إطار عدّة اعتبارات استراتيجية. أولاً: موسكو كانت تتوخّى الحذر من الانجرار المباشر إلى مواجهة محتملة مع الولايات المتّحدة وإسرائيل، خصوصاً في ظلّ التهديدات المفتوحة ضدّ إيران. ثانياً: روسيا تحتاج إلى إعادة ترتيب أولوياتها في سلسلة التوريد، حفاظاً على مخزونها الداخلي من البترول ومنع أيّ تأثير سلبي مباشر على أسعار النفط العالمية. ثالثاً: هناك بعد سياسي، فالتوقّف عن الإمدادات يعتبر رسالة واضحة لكل الأطراف أن موسكو ليست على استعداد لتحمّل المخاطر وحدها في حال اندلاع تصعيد إقليمي. هذا التوازن بين الالتزامات الدولية والمصالح الإقليمية هو ما يفسّر قرار موسكو تجميد الشحنات مؤقّتاً، وليس هناك مؤشّر على أن هذا القرار يعكس رغبة في ترك سوريا دون دعم، بل هو جزء من سياسة محسوبة لتجنّب التورّط المباشر في أيّ صدام عسكري”.

التوقّف فاقم معاناة السوريين

تسبّب توقّف الشحنات الروسية مباشرة في أزمة طاقة داخلية انعكست على المواطنين بشكل ملموس، تقول الصحافية السورية فاطمة حسني: “إن انخفاض الإمدادات أدّى إلى نقص الوقود في محطّات المحروقات، ما تسبّب في طوابير طويلة وانتظار لساعات للحصول على البنزين والمازوت، خاصّة للمواصلات العامّة والمولدات الكهربائية الخاصّة”.

وتشير في حديثها لـ”درج” إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية عشرات الأضعاف نتيجة ارتفاع تكاليف النقل، إذ يعتمد قطاع النقل بشكل شبه كامل على الوقود المستورد وتقول: “هذا النقص أثّر أيضاً على قطاع الصناعة والإنتاج المحلّي، فالمصانع التي كانت تعمل بنسب محدودة اضطرّت لتقليص ساعات عملها أو التوقّف تماماً، ممّا زاد من الضغط على الأسر السورية المتأثّرة أصلاً بالحرب والتضخّم المستمرّ”.

وفي السياق ذاته، ينقل أبو علي وهو مالك محطّة وقود في مدينة الحسكة لـ”درج” معاناة الحسكة كغيرها من المدن السورية في الوقت الحالي، من شحّ كبير في المازوت والغاز والبنزين، حيث أصبحت غير متوفّرة في معظم محطّات الوقود، ويوضح أن المازوت المدعوم يُباع رسمياً بسعر 5,650 ليرة سورية للتر الواحد، بينما يصل سعر صرف الدولار الرسمي إلى 13600ليرة، ما يعني أن سعر اللتر بالدولار الرسمي يقارب 75 سنتاً.

ويقول: “أما في السوق السوداء، فتتوفّر كميّات قليلة من المازوت، ويصل سعرها إلى أكثر من 10,000 ليرة سورية  للتر الواحد، ويضطرّ الناس للوقوف في طوابير لساعات طويلة وربما لليوم الثاني لكن دون جدوى، فيلجأون إلى السوق السوداء”.

 وفق حسابات موقع “الطاقة” المتخصّص في شؤون النفط والطاقة، الذي رصد تذبذب الأسعار وندرة الوقود في الأسواق السورية، فإن سوريا احتلّت المرتبة السادسة من بين الدول العربية التي شهدت ارتفاعاً في أسعار الوقود بسبب الحرب الإيرانية الأميركية.

حقول النفط السورية: بين التدمير والتهديدات

رغم أن “الشركة السورية للبترول” أعلنت بدء تشغيل واستخراج النفط من الحقول التي أعادت الدولة السيطرة عليها في دير الزور والحسكة، بموجب الاتّفاقية التي أُبرمت بين “قوّات سوريا الديمقراطية” وحكومة دمشق في 29 كانون الثاني/ يناير والعمل على إعادة تأهيل البنية التحتية للآبار والمنشآت المتضرّرة، وهو ما أكّده  مهندس البترول سردار علي، الذي تنقّل في عمله بين حقول البترول في رميلان ودير الزور قبل أزمة البلاد وخلالها  لـ”درج” إلا أن تنفيذ هذا التأهيل لا يزال يتطلّب وقتاً أطول من المتوقّع، وليس فورياً على الأرض .

علي نوّه إلى أن إعادة إدخال هذه الحقول في دورة الإنتاج تحتاج إلى خطّة متكاملة،   وإلى شهور طويلة من الصيانة والتجهيز قبل أن تغطّي احتياجات السوق المحلّية.

 ووصف معظم المنشآت النفطية في دير الزور والحسكة بأنها غير مؤهّلة للعمل، وتعرّضت لتدمير واسع وتلوّث بيئي نتيجة سنوات النزاع، وقال: “حقول بترول مناطق الجزيرة على مدار السنوات الأخيرة، لم تسلم من القصف من قِبل الدولة التركية، وجهود إزالة الأضرار وتحسين الوضع البيئي تتطلّب وقتاً طويلاً ودعماً دولياً لإعادة تأهيل البنية التحتية بالكامل”.

وأشار إلى تداخل التهديدات الأمنية المحلّية مع التحولات الإقليمية الأوسع، التي تشهدها المنطقة بين واشنطن وطهران، وتحوّل سوريا إلى مسرح لتصفية الحسابات في ما بينهما، وقال: “في هذا المناخ الإقليمي المشحون، فإن أيّ خطّة لتأهيل الحقول النفطية في سوريا — حتى بعد استعادتها — لا يمكن فصلها عن المخاطر المتّصلة بالأمن المحلّي وهجمات داعش، وأيضاً عن الصراع الأوسع الذي يشمل استخدام الصواريخ والمسيّرات كأدوات ردع واستهداف في الحرب الأميركية ‑الإيرانية، وهذا يجعل إعادة الإنتاج إلى مستويات أعلى، مسألة أكثر هشاشة من مجرّد أعمال هندسية، إذ يعتمد نجاحها على تأمين بيئة مستقرّة نسبياً على الأرض، وتقليل مخاطر الهجمات المتكرّرة، كما أن نقل البترول الخام قبل أزمة البلاد كانت تصل للمصافي عبر أنابيب ممتدّة من الحقول النفطية إلى المصافي مباشرة، فكانت توفّر الوقت والجهد وتغطّي حاجة السوق وتفيض، لكن بعد سنوات النزاع الطويلة استبدلت الأنابيب بالصهاريج، وإعادة تأهيل الأنابيب مرّة أخرى تحتاج تكلفة عالية قد تعجز خزينة الدولة سدّ نفقاتها بسبب التدهور الاقتصادي الكبير الذي تعانيه سوريا”.

بحسب مصادر ميدانية تحدّثت لـ”درج”، فإن صهاريج النفط التي تنقل الخام من مناطق الجزيرة السورية باتّجاه مصفاة بانياس، تواجه ظروفاً أمنية معقّدة أدّت إلى تراجع حركة النقل خلال الفترة الأخيرة.

ويقول عابد الذي رفض الكشف عن اسمه الأوّل لـ”درج” لأسباب أمنية، وهو أحد سائقي صهاريج الوقود: “إن الطرق التي تعبرها الشاحنات أصبحت أكثر خطورة”، مشيراً إلى أن “بعض المسارات تشهد نشاطاً لخلايا تنظيم داعش، إضافة إلى توتّرات مع بعض العشائر في مناطق العبور، ما يدفع السائقين إلى تقليل الرحلات أو التوقّف مؤقّتاً في بعض الأحيان”.

من جهته، يوضح مهندس البترول سردار علي أن “هناك مخاوف متزايدة من استهداف الصهاريج خلال نقلها، سواء نتيجة التوتّرات الأمنية، أو احتمال تعرّضها لضربات من مسيّرات إيرانية أو هجمات مسلّحة، وهو ما يدفع شركات النقل والسائقين إلى اتّخاذ إجراءات احترازية تزيد من زمن الرحلة وتكاليفها”.

ويقول: “هذه الظروف تؤثّر بشكل مباشر على سرعة وصول النفط إلى مصفاة بانياس، ما ينعكس على عمليّات التكرير وإنتاج الوقود، خاصّة في ظلّ الحاجة المستمرّة إلى تأمين كميّات ثابتة من الخام، ممّا يؤثّر على سدّ حاجة السوق”.

ونقلت وسائل إعلام محلّية وتقارير متابعة ميدانية عن تصاعد حوادث استهداف صهاريج نقل النفط في ريف دير الزور خلال شهري آذار/ مارس الماضي ونيسان/ أبريل الجاري، في وقت تشهد فيه المنطقة نشاطاً أمنياً متقطّعاً وهجمات متفرّقة للتنظيم تطال البنية الاقتصادية المرتبطة بقطاع النفط.

وبحسب ما تمّ تداوله، فقد أعلن “تنظيم الدولة الإسلامية/ داعش” عبر بيانات صادرة عن منصّاته الإعلامية، مسؤوليته عن عدد من العمليّات التي استهدفت صهاريج نفط في مناطق متفرّقة من ريف دير الزور، مستخدماً أسلوب الهجمات المباشرة التي أسفرت عن أضرار مادّية في بعض الشاحنات وحمولاتها.

وتأتي هذه التطوّرات ضمن نمط متكرّر من العمليّات التي تشهدها مناطق شرق سوريا، حيث تستهدف هجمات من هذا النوع خطوط نقل النفط ومرافقه الحيوية، ما ينعكس على حركة النقل والإمداد في تلك المناطق ويزيد من حالة التوتّر الأمني.

كما أفادت التقارير بأن هذه الحوادث جرى تداولها عبر بيانات إعلامية مرتبطة بالتنظيم، في ظلّ استمرار النشاط الأمني غير المستقرّ في المنطقة، وتكرار استهداف البنية الاقتصادية المرتبطة بالطاقة خلال الفترة المذكورة.

فيما لم تُصدر وزارة الداخلية السورية أيّ تعليق رسمي بشأن الهجمات، التي أعلن “تنظيم الدولة الإسلامية/ داعش” مسؤوليته عنها في مناطق متفرّقة خلال الفترة الماضية، فيما أعلنت في سياق متّصل تنفيذ عمليّة أمنية في ريف حلب الشرقي أسفرت عن إلقاء القبض على خليّة تابعة للتنظيم.

في المقابل، أعلنت الوزارة في الثالث من نيسان/ أبريل الحالي أنها عزّزت الإجراءات الأمنية لتأمين وحماية صهاريج نقل النفط المنطلقة من حقل العمر في ريف محافظة دير الزور والمتّجهة إلى مدينة بانياس، في إطار الحفاظ على الاستقرار وضمان سلامة عمليّات نقل الموارد الحيوية.

وأوضحت أن هذه الخطوة تأتي ضمن خطّة أمنية متكاملة تهدف إلى حماية البنية التحتية النفطية، وتأمين خطوط النقل من أيّ تهديدات محتملة.

آفاق الحلول بين الاتّفاقيات وتحسين الأمن

من جانبه يرى  المحلّل الاقتصادي بهاء السويعي أن “الحل يكمن في تعزيز استقرار الإمدادات النفطية عبر تنويع مصادر الاستيراد، وتحسين أمن طرق النقل، وتسريع تنفيذ الاتّفاقيات المتعلّقة بإدارة الحقول النفطية، إضافة إلى دعم الإنتاج المحلّي وتقليل الاعتماد على الشحنات الخارجية”.

ويشدد في ختام حديثه لـ”درج” على “أهمّية تأمين طرق نقل الصهاريج بين مناطق الإنتاج ومصافي التكرير، باعتبارها الحلقة الأضعف في منظومة الطاقة السورية، إلى جانب ضرورة تطوير البنية التحتية للمصافي وزيادة قدرتها الإنتاجية”.

في ضوء هذه المعطيات، تبدو أزمة الوقود في سوريا انعكاساً مباشراً لتعقيدات المشهدين الإقليمي والمحلّي، حيث يتداخل تجميد الإمدادات الروسية مع تهالك الحقول النفطية وتهديدات “داعش” والمخاطر الأمنية على طرق النقل، ما يجعل استقرار قطاع الطاقة مهمّة شديدة التعقيد.

 وبينما تفرض الهدنة الإيرانية – الأميركية هدوءاً عسكرياً نسبياً، يبقى الواقع الاقتصادي للسوريين مرهوناً بقدرة الدولة على تأمين الإمدادات، وإعادة تأهيل البنية التحتية النفطية وضمان بيئة أمنية مستقرّة، وهي تحدّيات ستحدّد ملامح سوق الطاقة في المرحلة المقبلة.