عندما وصلنا خبر مقتل أحد عناصر حزب الله في اليوم الأخير قبل إعلان وقف إطلاق النار مع إسرائيل في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، قيل يومها إن نجله كان ابتعد عنه ليجلب الطعام، ثم عاد ليجد والده يحترق بينما نجا هو. أخبرني أحد معارف الابن أنه لا يستبعد احتمال أن يكون الابن نفسه قد وشى بوالده. يومها، وعلى رغم معرفتي باحتمال جنوح الابن نحو الأذى، رفضت مجرد افتراض أن أحدًا قد يزوّد إسرائيل بإحداثيات تؤدي إلى مقتل أبيه ورفاقه، خصوصًا إن كان عنصرًا في الحزب.
لكن مع تداول قصة المشتبه به “م.ه.ص.”، الموقوف لدى القضاء والذي قالت الأنباء إنه ابن عنصر في “قوة الرضوان” ومقرّب من مقاتلين للحزب قضوا في الحرب الأخيرة، بدا حينها أن كل شيء ممكن. منذ انتهاء الحرب تتكشف حكايات وقصص عن اختراق داخلي عميق في حزب الله، لكن هل يمكن لعناصر فيه أن يبلغوا من العمالة حدًّا لا يكترثون فيه حتى لمصير أقرب الناس إليهم!
في السنوات الماضية، ومع تكشف المزيد من حالات العمالة لإسرائيل، تبيّن أن النسبة الأكبر من هذه الحالات مصدرها البيئة الداخلية اللصيقة بالحزب، حتى إن الأمين العام السابق لحزب الله، حسن نصرالله، تحدث صراحة في خطابه الأخير قبل اغتياله عن ذلك.
تكشف حالات توقيف مشتبه بهم بالعمالة من داخل البيئة الحاضنة لحزب الله هشاشة البنية الأمنية للحزب، وتعيد بعضًا من الاعتبار لمن طاولهم التخوين والتشهير لعقود من معارضيه. إذ عمد حزب الله إلى تحويل تهمة العمالة إلى ما يشبه السيف المسلط على رقاب منتقديه ورافضي أدواره المتعاظمة في البيئة الشيعية وفي لبنان.
وتُستخدم تهمة العمالة بما يتجاوز كونها سلاحًا سياسيًا. إنها أداة قتل معنوي قد تصل إلى حدّ تجريد الفرد من شرعيته الاجتماعية، ووضعه في مصافّ الخيانة الأخلاقية والوطنية، حتى قبل أن يقول القضاء كلمته.
فلم يعد يُتّهم بالعمالة من يُمسك فعلاً بإحداثيات أمنية أو يقدّم معلومات حساسة، بل من يجرؤ على الاعتراض على سلطة الحزب. شملت التهمة حتى من طالب بلقمة عيشه، أو بخدمات المياه والكهرباء. وامتدّ الأمر إلى قمع الإعلام ومحاولة فرض تعتيم شامل على مناطق نفوذ الثنائي “أمل” و”حزب الله”.
قد يُفسَّر انكشاف قصة المشتبه به “م.ه.ص.” هذا الإصرار من الحزب على تبرئة نفسه من أي خرق بشري. فبدلًا من مواجهة هذا الخرق، يحمّل الحزب اللوم لسياسيين أو صحافيين أو أجانب كانوا موجودين مصادفة في أماكن استهدفتها الغارات. وكأنها محاولة للهروب إلى الأمام، وإشاحة النظر عن حقيقة أن الخرق الحقيقي غالبًا ما يأتي من داخل الحزب.
بالنسبة إلي، لم يكن اكتشاف هذه العمالة مفاجئًا. أنا من ضمن شريحة واسعة عانت من حملات التخوين منذ سنوات، نعرف كيف تُستخدم هذه التهمة لتصفية الحسابات ومنع التفكير النقدي.
أتذكّر الشخص الذي قاد حملات تحريض واعتداءات ضدي وضد عائلتي بدءًا من عام 2020. كان يُشيع عبر ناشطين على مواقع التواصل أننا “عملاء”، حتى بات الحيّ الذي وُلدنا فيه يُعاملنا كغرباء. في المقابل، ظلّ العملاء الفعليون في الحزب يتمتّعون بامتيازاتهم وحصانتهم.
كنّا نرى كيف يُروَّج أننا “صهاينة” ونتواصل مع العدو، فيما الاعتداءات الجسدية والتهديدات تلاحقنا. اضطررنا إلى تركيب كاميرات مراقبة لحماية أنفسنا، على رغم تواطؤ الأجهزة الأمنية. لكن بدل أن توقف الكاميرات الاستهداف، أصبحت تهمة جديدة: “كاميرات موصولة بتل أبيب”!
وعندما طفت قضية “م.ه.ص.” إلى السطح، أعادني “فيسبوك” إلى منشور قديم لصديقة تسخر فيه من شخص يقول إنني “مديرة مكتب الصهاينة في لبنان”. حتى أحد أبواق الحزب المعروفين اتّهمني أمام القاضية بأني أهدّد “الأمن القومي”، فقط لأني تحدّثت عن دور ابن شقيق نائب في الحزب في محاولة قتلي. كنت حينها أتجنّب التصعيد، أملاً بأن يتبرّأ الحزب من أفعال هؤلاء، لكنه لم يفعل.
كثيرون غيري تعرّضوا للتخوين، من بينهم صحافيون بارزون، رُكّبت صور وجوههم على صور الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، أو طُبعت نجمة داوود على صورهم. صارت هذه الممارسات سلاحًا مألوفًا لدى مناصري الحزب.
لكن إسرائيل، في النهاية، لا تجنّد إلا من يستطيع الوصول إلى أسرار التنظيم، لا من يجرؤ على نشر كلمة نقدية.
هذا ما كنا نردّده دائمًا: إسرائيل لا تحتاج إلى معارضين يلاحقهم الحزب ليل نهار، بل إلى من يجلسون على طاولة القرارات.
ما كان الحزب يسخّفه صار اليوم يضطر لتبريره لجمهوره الغاضب من صدمة الانكشاف.
إقرأوا أيضاً:
البلطجة تفضح الأسماء الكبيرة
لم يفاجئني انهيار الحزب في الحرب الأخيرة، ولا حجم الاختراق في صفوفه. قلت مرارًا لأصدقائي: “الحزب أضعف بكثير مما يدّعي، وأسهل اختراقًا بكثير مما يُروّج”.
تأكّدت من ذلك منذ عام 2020، حين تعرّضت عائلتي لاعتداءات من عناصر تحت إشراف مباشر من مسؤولين في الحزب، إضافة إلى أحداث سياسية أخرى. بدأت وقتها أرى صورة أوضح: الحزب الذي يُخيف الجميع بالحديد والنار، يعاني داخليًا من تصدّعات عميقة.
في تلك الفترة، كشفت لي الاعتداءات أسماء ومهام مسؤولين كبار، بينهم “الحاج محسن” وفؤاد شكر، الذي لم أكن سمعت باسمه قبلها، قبل أن تغتاله إسرائيل في الضاحية. عناصر “الخلية” التي أسّسها ابن شقيقة شكر – وتضم أبناء مسؤولين ونافذين – كانوا مستعدّين لكشف أسماء قادة الصف الأول في الحزب، فقط لإرهاب عائلتي. حينها أدركت هشاشة هذا التنظيم، وقدرة إسرائيل على الوصول، عبر شخص واحد، إلى شبكة واسعة.
“حيثما يوجد خوف، يوجد دائمًا خونة”
هكذا تحوّلت “الشللية” والبلطجة داخل الحزب من نقطة استقطاب لجيل شاب ينجذب إلى صورة “المقاوم”، إلى خاصرة رخوة للاختراق. ومن يعرف العلاقات الهشّة داخل الحزب، يفهم كيف قد تدفع الغيرة أو التهميش أو حتى الإغراء المادي بعض العناصر الى التعامل مع إسرائيل.
وعلى رغم تكتم الحزب المعتاد، أقرّ أمينه العام السابق، حسن نصرالله، في عام 2011، بتجسّس عضوين لصالح وكالة الاستخبارات الأميركية (CIA)، والتحقيق مع ثالث. حينها، سرت روايات داخلية عن أن أحدهم شعر بالغضب بعد استبعاده من خلافة القيادي عماد مغنية، الذي اغتيل في سوريا عام 2008. تبيّن إذًا أن الدافع لم يكن دائمًا ماديًا، بل أحيانًا تصفية حسابات داخلية أو كسر تهميش طويل.
في النهاية، يدفع الحزب اليوم أثماناً ثقيلة وأحد هذه الأثمان هو نهجه: التخوين الجماعي لكل صوت معترض.
وهو ثمن يتطلّب من الحزب مراجعة عميقة، وكفّ التخوين وتتفيه التهم. لكنه، للأسف، يبدو مصرًّا على أسلوب أوصلنا جميعًا إلى حافة الهاوية.
إقرأوا أيضاً:














