في شباط/ فبراير 2014، وعلى منصة تحيط بها قيادات عسكرية، ظهر رجل بزيّ جيش ليعلن أمام المصريين اكتشافًا مذهلًا: جهاز يعالج الإيدز والتهاب الكبد الوبائي فيروس سي، وقف اللواء إبراهيم عبد العاطي، مقدِّمًا نفسه كمخترع هذا الابتكار الطبي “المعجزة”، ليبشّر بعلاج المرضى “بشكل يشبه تناول الكفتة”. وقد زعم عبد العاطي أنه يستطيع “أخذ الإيدز من المريض، ثم إعادة الفيروس إليه على هيئة إصبع كفتة”، في عبارة أثارت الذهول والسخرية على الأقل خارج من حضروا المؤتمر. بدا المشهد أقرب إلى الخيال العلمي: ضابط جيش يتحدث عن تحويل فيروس قاتل إلى كرة لحم، في مؤتمر صحافي رسمي حضره آنذاك المشير عبد الفتاح السيسي شخصيًا. لكن ما لبث أن تحول هذا الإعلان إلى فضيحة وطنية، وامتحان عسير لمصداقية المؤسسة العسكرية في ميدان البحث العلمي.
بعد أيام من إعلان “جهاز الكفتة”، واجه المجتمع العلمي المصري والعالمي مزاعم الجيش بالتشكيك والرفض. وصف خبراء في الفيروسات الاختراع بأنه “عديم الأساس العلمي”، وانتقدته منظمة نقابة الأطباء علنًا.
الحقيقة الصادمة تكشّفت سريعًا: المخترع المزعوم ليس طبيبًا مسجّلًا من الأصل، والبحث الذي استند إليه الجهاز لم يخضع لمراجعة علمية مستقلة. بحلول حزيران/ يونيو 2014، اضطرت القوات المسلّحة إلى التراجع والإعلان أن الجهاز يحتاج إلى”ستة أشهر أخرى من الاختبارات” قبل استخدامه. كان ذلك اعترافًا مبطّنًا بفشل المشروع، أعقبته إطاحة المسؤولين الرئيسيين عن الفكرة: في 30 حزيران 2014، صدر قرار بإقالة رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة اللواء طاهر عبدالله – الشريك الأساس لعبد العاطي – ونقله إلى منصب مساعد وزير الدفاع. هكذا انتهت مهزلة جهاز علاج الإيدز” إلى درس قاسٍ، وافترض كثيرون أنها ستكون لحظة صحوة تعيد هذه المؤسسة إلى نطاق اختصاصها التقليدي في الأشغال العسكرية.
لكن ما حدث كان العكس تمامًا. لقد افتُضح قصور الهيئة الهندسية علميًا في مطلع 2014، بيد أن تلك السنة نفسها شهدت بداية تغوّل غير مسبوق لدور الهيئة في كل مشروع مدني كبير تقريبًا. بعد بضعة أشهر من فضيحة “الكفتة”، وقف اللواء عماد الألفي – الذي خلف طاهر عبد الله في رئاسة الهيئة الهندسية –ليعدد إنجازات هيئته: قال في أيلول/ سبتمبر 2014 إن الهيئة تشرف على 1350 مشروعًا قيد التنفيذ، من حفر قناة السويس الجديدة، إلى مدّ شبكات الطرق، واستصلاح مليون فدان زراعي، بل وبناء 50 ألف وحدة سكنية.
ذلك بغض النظر عن واقعية هذه الأرقام المهولة. لم يسأل مثلًا: من أين جاءت الهيئة الهندسية بالموظفين والمهندسين أصحاب الخبرات المتنوعة للإشراف على هذا الكمّ من المشاريع؟ وأين المعدّات والتمويل وآليات الحوكمة التي تضمن تنفيذًا كفؤًا؟ ألم يؤثّر هذا التضخّم في المهام على قدرة الهيئة الأصلية داخل القوات المسلحة؟ ولماذا تتولى الهيئة العسكرية هذه المشاريع أصلًا في وجود شركات مدنية عريقة كـ”المقاولون العرب” وشركة “النيل للطرق والكباري”؟ أسئلة مشروعة كهذه غابت تمامًا عن المشهد الإعلامي في ظل حالة الانبهار بدور الجيش في “البناء والتنمية”.

جموح بلا حواجز: تشريعات مفصّلة على مقاس الجيش
مع نهاية 2014، كانت شهية السلطة السياسية مفتوحة على مصراعيها لمزيد من إقحام القوات المسلحة في الاقتصاد المدني. اعتبرت إنجازات الهيئة الهندسية في حفر قناة السويس الجديدة خلال عام واحد بمثابة دعاية لنموذج “المقاول العسكري” الكفؤ. وفي 2015، اتخذ هذا التوجه طابعًا رسميًا بقانون جديد. أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قرارًا بقانون رقم 23 لسنة 2015 يُعدِّل قانون البناء الموحد (119 لسنة 2008) بحيث يمنح الهيئة الهندسية للقوات المسلحة وضعًا إداريًا خاصًا. نص التعديل على أن الهيئة الهندسية هي “الجهة الإدارية المختصة” بإصدار تراخيص البناء في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية عسكريًا، والأراضي المملوكة أو المخصصة للقوات المسلحة، وكذلك المشروعات القومية التي تُسند إليها بقرار من مجلس الوزراء. بعبارة أخرى، أصبحت الهيئة الذراع الحكومية العليا لأي مشروع تعتبره الدولة “استراتيجيًا”، من دون تعريف رقابي واضح لهذا الوصف. كان هذا تحولًا هيكليًا في مهام الهيئة، يُفترض أن تواكبه تغييرات مؤسسية ضخمة في بنيتها وقدراتها الإدارية – وهو ما لا دليل على حدوثه فعليًا حتى اليوم، إذ لا صوت يعلو فوق صوت آلات الحفر وشرائط الافتتاح.
في الأعوام التالية، تسارع اندفاع الهيئة الهندسية في كل أشغال البناء والتشييد تقريبًا. غدت الهيئة المشرف الفعلي على تنفيذ غالبية المشروعات الحكومية الكبرى تحت شعار متكرر: الكفاءة والإنجاز في الوقت القياسي. ولتكريس هذا الواقع قانونيًا، صدر قانون تنظيم التعاقدات الحكومية الجديد رقم 182 لسنة 2018 ليحل محل قانون المناقصات والمزايدات القديم. حمل القانون الجديد بين ثناياه مادة مفصلية (المادة 78) تتيح للجهات العامة التعاقد المباشر في ما بينها من دون التقيّد بالإجراءات أو الحدود المالية المعتادة. عمليًا، فتح ذلك الباب على مصراعيه لإبرام اتفاقات بالأمر المباشر بين الوزارات والهيئات المختلفة.
وبالطبع، باتت المؤسسة العسكرية أبرز المستفيدين: فأي وزارة تستطيع الآن أن تسند تنفيذ مشروع ما إلى الهيئة الهندسية للقوات المسلحة مباشرة، بلا مناقصة تنافسية ولا رقابة مسبقة. وقد حذّر خبراء حينها من أن هذا الاستثناء الواسع يقوّض مبدأ الشفافية والمساواة، إذ يسمح بتوجيه عقود بمليارات الجنيهات لمقاولين محددين سلفًا. مؤشر مدركات الفساد العالمي الصادر عن منظمة الشفافية الدولية شهد تراجعًا في ترتيب مصر بعد هذه الخطوة التشريعية الجريئة. ففي تقرير 2020، تراجعت مصر إلى المركز 117 عالميًا في مكافحة الفساد، بعدما كانت في المرتبة 106 قبل عام واحد.
ولم يتوقف الأمر عند قانون التعاقدات. إذ جاءت تعديلات الدستور في 2019 لتستكمل إحكام القبضة العسكرية على المشروعات العامة. أحد هذه التعديلات مسّ استقلال مجلس الدولة (جهة القضاء الإداري العليا) وتقليص دوره في مراجعة عقود الحكومة. قبل 2019، كان الدستور ينص على وجوب عرض مشروعات العقود التي تكون الدولة طرفًا فيها على قسم الفتوى والتشريع بمجلس الدولة لمراجعتها وضمان عدم تضمّنها مخالفات أو إجحاف بالمال العام.
أما بعد تعديل المادة 190 في 2019، فقد أُلغيت المراجعة المسبقة الشاملة، وقُصرت فقط على العقود التي يحددها القانون بقيمة معينة. فتح ذلك ثغرة ينفذ منها التنفيذيون لتجنب رقابة القضاء الإداري عبر تفتيت العقود أو إعادة تصنيفها بحيث لا تبلغ النصاب اللازم للعرض على مجلس الدولة. بكلمات أخرى، خُلع آخر صمام أمان قضائي كان يمكن أن يكشف عيوب أو شبهات فساد في العقود الحكومية قبل توقيعها.

اكتملت بذلك معالم المشهد: هيئة هندسية عسكرية تُسند إليها المشاريع بالأمر المباشر من دون منافسة، وتُبرم عقودها من دون تدقيق مسبق مستقل. وما هي إلا أشهر حتى خرج إلى العلن ما يجسّد مخاوف المنتقدين. في أيلول/ سبتمبر 2019، انتشرت مقاطع فيديو للمقاول محمد علي – الذي سبق أن نفّذ مشروعات للجيش – يزعم فيها حكايات صادمة عن الفساد في عقود الإنشاءات العسكرية. تحدّث عن إهدار مليارات الجنيهات على إنشاء قصور وفيلات فارهة للرئاسة، وعن توزيع الهيئة الهندسية منافع المقاولات على محظيّين من الباطن مع اقتطاع عمولات للضباط. بل وصف الهيئة الهندسية بأنها تحولت إلى مجرد “سمسار” يمرر المشاريع للمقاولين المدنيين مقابل نسبة مالية في المنتصف.
وكشفت وثائق ومعلومات لاحقة صحّة بعض ما ورد على لسانه: فإعلانات شركات المقاولات كانت تتداول بالفعل شروطًا للتعاقد مع مقاولين من الباطن تتضمن اقتطاع 6.7 في المئة لحساب الهيئة الهندسية من أي مستخلصات أعمال، إلى جانب نسب أخرى للتأمينات وضرائب القيمة المضافة ونسبة للمقاول الرئيسي نفسه. هكذا بدت الهيئة وكأنها مقاول ثانوي كبير: تحصل على عقود ضخمة بحكم نفوذها، ثم تعيد إسناد معظم التنفيذ إلى مقاولين مدنيين وتأخذ لنفسها حصة من كل عقد. لم تفلح حملات النفي الرسمية حينها في تبديد شعور شريحة واسعة من المواطنين بأن ما يحصل هو فقدان للحوكمة والرقابة على إنفاق المال العام تحت لافتة “المشروعات القومية”.
تجميد البناء: حين يصبح الجيش المُرخص والمُنفذ معًا
وسط هذا التوسع العسكري في الاقتصاد، شهدت مصر أزمة أخرى بين 2018 و2021 تمس مجال العمران والبناء المدني. فمنذ عقود، يعاني قطاع البناء من انتشار مبانٍ عشوائية وغير مرخصة. وبعد سلسلة انهيارات عقارات كارثية، قررت الحكومة في 2020 وقف إصدار تراخيص البناء لمدة 6 أشهر في المدن الكبرى، ريثما تُعدّل اشتراطات البناء. لكن الشهور الستة امتدت لتصبح أربع سنوات من التجميد الفعلي. وظل الملاكون والمستثمرون عاجزين عن بناء عقارات جديدة في معظم المناطق الحضرية حتى عامنا الحالي 2025، انتظارًا لقانون بناء جديد يحل محل قانون 2008. وخلال هذه الفترة الطويلة، شهد سوق الإنشاءات جمودًا وتراجعًا حادًا في أنشطة شركات المقاولات الخاصة.
مع اقتراب صدور تعديلات قانون البناء الموحد المرتقبة في 2025، بدأت تتسرب معلومات عن منح صلاحيات أوسع للهيئة الهندسية للقوات المسلحة في منظومة تراخيص البناء. كشف تقرير صحافي في موقع المنصة أن القانون الجديد سيشترط موافقة الهيئة الهندسية على تراخيص البناء في المشروعات الكبرى بالمدن الجديدة، وتحديدًا تلك التي تتجاوز مساحتها 20 فدانًا.
هذا يعني عمليًا أن غالبية مشروعات المجمعات السكنية الضخمة (الكومباوندات والقرى السياحية) ستصبح صدور تراخيصها رهن توقيع الهيئة الهندسية مباشرة. ليس ذلك فحسب، بل تشمل التحديثات المقترحة أيضًا إسناد تعديل قيود الارتفاعات في المدن والقرى إلى الهيئة، بحيث يُسمح بالبناء لأكثر من خمسة طوابق بموافقتها، وكذلك الموافقة على تغيير استخدام الطابق الأرضي من سكني إلى تجاري أو إداري. أي أن القرارات التخطيطية التي كانت من صميم اختصاص المحليات ووزارة الإسكان ستركز بشكل متزايد في يد المؤسسة العسكرية.
أثار هذا التوجه قلقًا مكتومًا لدى خبراء التخطيط العمراني وبعض المطورين العقاريين. يقول أحد المطوّرين العاملين في شرق القاهرة، “المدن الجديدة مخططة أصلًا بشكل جيد ولا تحتاج الى أدوار حكومية إضافية للرقابة عليها”. يتساءل آخرون: هل قامت الهيئة الهندسية بإعادة هيكلة داخلية وتجهيز كوادر فنية تسمح لها بالاضطلاع بهذه المهمة الجسيمة، التي كانت تقوم بها وزارات وهيئات مدنية بكاملها؟ وكيف سيؤثر هذا على أولويات الجيش ذاته، الذي يُفترض أن ينصبّ تركيزه الأساس على الدفاع والأمن لا على خدمات المحليات؟ ثم أين ضمانات الشفافية والمساءلة في عمل الهيئة إذا ما أصبحت حكمًا وحيدًا يصدر تراخيص مشروعات بمليارات الجنيهات؟ أسئلة صعبة لا تجد صداها في وسائل الإعلام الرسمية. لكن التجربة خلال السنوات الماضية تجعل من الصعب تجاهلها. فحين نرى الهيئة الهندسية وقد أصبحت صاحبة القول الفصل في التخطيط العمراني، وفي الوقت نفسه هي المقاول والمنفّذ لمشروعات هذا التخطيط، نكون أمام تضارب مصالح صارخ لم تعرفه مصر في تاريخ الإدارة الحديثة.

إنجازات مُعلّبة وحوادث بالجملة
اعتمدت سردية السلطة في تبرير توسع دور الهيئة الهندسية على شعار براق: إنجاز المشروعات “بسرعة وجودة” وبما يفوق قدرة البيروقراطية المدنية البطيئة. لا جدال في أن القوات المسلّحة نجحت في تنفيذ مشروعات كبرى في مدد زمنية قياسية – مشروع تفريعة قناة السويس عام 2015 مثال واضح – لكن فاتورة السرعة تكشّفت لاحقًا على هيئة كوارث هندسية ومشاكل تتعلق بالجودة وسلامة المواطنين. خلال السنوات الأخيرة، شهدت مصر سلسلة حوادث مؤلمة في مشروعات ضخمة أشرفت عليها الهيئة الهندسية، ما ألقى بظلال من الشك على معايير التنفيذ تحت ضغط التعجّل.
لنبدأ بأحدث الأمثلة: الطريق الدائري الإقليمي، وهو طريق سريع ضخم يحيط بالقاهرة الكبرى ويربط 15 محافظة لمسافة 400 كيلومتر. اكتمل إنشاء القوس الشمالي الغربي من هذا الطريق في أيلول/ سبتمبر 2018 بمشاركة الهيئة الهندسية للقوات المسلحة وأجهزة وزارة الإسكان.
ظن الجميع أن مصر كسبت شريانًا مروريًا حديثًا يخفف الازدحام عن الطرق القديمة. لكن اعتبارًا من عام 2024، تحول هذا الطريق إلى مصيدة موت. تكررت على الدائري الإقليمي حوادث تصادم مروعة أودت بحياة عشرات المواطنين. في إحدى المآسي خلال حزيران 2025 اصطدمت حافلتان صغيرتان بمحافظة المنوفية، ما أسفر عن مصرع 9 أشخاص وإصابة 11. وقبلها بأيام قليلة، شهد الطريق ذاته حادثًا آخر قضى على حياة 19 فتاة من العاملات الزراعيّات خلال عودتهن إلى بيوتهن. وعلى رغم أن الأسباب المباشرة تنوعت بين السرعة الزائدة وأعطال المركبات، فإن خبراء النقل أشاروا إلى عيوب تصميمية وتنفيذية في الطريق ساهمت في ارتفاع معدلات الحوادث. فبعض أجزاء الدائري الإقليمي نُفّذت من دون خدمات إنارة كافية أو محطات استراحة، ما دفع الشاحنات الى التوقف على جانب الطريق في الظلام ووقوع تصادمات كارثية.
أمام نزيف الأرواح هذا، اضطرت الدولة إلى اتخاذ إجراء استثنائي: ، حيث وجّه الرئيس السيسي بغلق أجزاء من الطريق الإقليمي مؤقتًا لإجراء تحسينات عاجلة في وسائل الأمان. وبالفعل تم التعاقد مع شركات مدنية كبرى – مثل أوراسكوم للإنشاءات وحسن علام والمقاولون العرب – لتولي أعمال إعادة تأهيل الطريق ورفع كفاءته بتكلفة تقدّر بملياري جنيه. وهكذا، بعد أقل من سبع سنوات على افتتاحه، احتاج المشروع الى عملية إنقاذ شاملة تشابه استدعاء المقاول الأصلي مجددًا لإصلاح ما فسد. والمفارقة أن بعض هذه الشركات المدنية التي جاءت لإصلاح الطريق كانت متاحة أصلًا لتنفيذه من البداية، لكنها أقصيت أو همّشت في ظل هيمنة الهيئة الهندسية على معظم عقود الطرق في تلك الفترة.
حادث آخر صار رمزًا لسرعة التنفيذ على حساب السلامة: انهيار مدرج جماهيري في صالة رياضية جديدة. فمع استضافة مصر لبطولة العالم لكرة اليد للرجال مطلع 2021، شيّدت الهيئة الهندسية صالة حسن مصطفى الرياضية في مدينة 6 أكتوبر لتكون واحدة من أحدث المنشآت الرياضية في البلاد. افتُتحت الصالة في وقت قياسي قبل البطولة، وبدت مشروعاً ناجحًا للوهلة الأولى.
لكن بعد أقل من ثلاث سنوات، خلال مباراة كأس السوبر لكرة السلة في أيلول/ ديسمبر 2022، انهار جزء من المدرجات المعدنية بشكل مفاجئ. أصيب 27 متفرجًا على الأقل جراء سقوط الهيكل عليهم، وتحول الاحتفال الرياضي إلى مشهد ذعر جماعي. أظهرت التحقيقات الأولية أن تدافعًا للمشجعين أدى إلى هذا الانهيار، لكن خبراء الهندسة أشاروا إلى عيب تصميمي في تركيب المدرجات وعدم مطابقته معايير السلامة الكاملة. اللافت في الأمر أن هذه الصالة افتتحت عام 2020 فقط، أي أن الهيكل انهار خلال عمر افتراضي لم يتجاوز 3 سنوات من التشغيل. مثل هذا الحادث يطرح تساؤلات عن معايير الإشراف الهندسي في المنشآت التي نفذتها الهيئة تحت ضغط عامل الزمن.
وفي العاصمة القاهرة، كان محور روض الفرج (جسر تحيا مصر) عنوانًا آخر للإنجازات السريعة. هذا الجسر العملاق دخل موسوعة غينيس عام 2019 كأعرض كوبري معلق في العالم، ونُفّذ في نحو ثلاث سنوات فقط. لكن بعد مرور أقل من عامين على افتتاحه المهيب، ظهرت الحاجة الى صيانة جوهرية: في نيسان/ أبريل 2021 أعلنت محافظة الجيزة غلقًا جزئيًا للمحور أعلى جزيرة الوراق لمدة 10 أيام لإصلاح فواصل التمدد المعدنية وصيانة بعض الأجزاء الإنشائية. صحيح أن أعمال الصيانة الدورية أمر متوقع لأي جسر، لكن توقيتها المبكر أثار ملاحظة المراقبين. فالإغلاق جاء “بعد أقل من عامين على الافتتاح”، ما يوحي بأن بعض العناصر ربما لم تُنفّذ وفق أعلى معايير التحمل منذ البداية، أو أن التشغيل فاق التوقعات التصميمية. ومهما يكن، فإن النتيجة واحدة: فاتورة مضاعفة تدفعها الدولة من ميزانيتها (ومواطنوها من أعصابهم) بسبب الحاجة الى إصلاح مشاريع تم التعجيل في إنجازها من قبل.
هذه الأمثلة ليست سوى رأس جبل الجليد. إذ تتواتر الحوادث الأصغر في مشروعات شتى – من تصدعات مفاجئة في جسور حديثة، إلى سوء رصف طرق جديدة بشكل يؤدي إلى تجمع المياه والحوادث، وحتى انقطاع خدمات أساسية نتيجة أعطال في بنية تحتية نفّذها الجيش – ما يعكس غياب آليات المراجعة المستقلة وضبط الجودة.
استثمرت الدولة في عهد السيسي مبالغ طائلة غير مسبوقة في قطاع البنية التحتية؛ الطرق والجسور والإسكان والمدن الجديدة كلها شهدت طفرة إنشائية. غير أن ضعف الحوكمة واحتكار التنفيذ من طرف واحد ألقيا بظلال من الشك حول الاستدامة. وكما يقول المثل، الشيطان يكمن في التفاصيل: بناء طريق أو كوبري بسرعة ليس إنجازًا حقيقيًا إن كان سيحتاج الى إعادة بناء بعد سنوات قليلة. الإنجاز المستدام يقاس بالعمر الافتراضي الطويل والفاعلية، وهما عنصران يحتاجان إلى مؤسسات رصينة ورقابة ومساءلة أكثر مما يحتاجان إلى حفّارات سريعة.

العودة إلى الثكنات: ضرورة لإصلاح الدولة قبل فوات الأوان
بعد عقد من الزمن على مشهد “اللواء مخترع الكفتة”، نجد أنفسنا أمام لوحة أوسع كثيرًا لذلك المشهد: تغوّل المؤسسة العسكرية في كل مفاصل الاقتصاد المدني تقريبًا، من البناء إلى الغذاء وحتى الصحة والإعلام. حالة اندماج غير صحية تهدد بتآكل الحدود الفاصلة بين مهام الجيش المهنية ودوره الدستوري، وبين مجال عمل الحكومة المدنية ومسؤوليتها أمام الشعب. يدافع البعض عن هذا الوضع بحجة أن القوات المسلحة “أكفأ وأسرع في الإنجاز، وبحجة أن مؤسسات الدولة المدنية مترهلة ولا بأس بأن يساعده الجيش”. لكن العقد الماضي أثبت أن ما يحدث تجاوز المساعدة إلى الإحلال الكامل. ورأينا عواقب ذلك في هشاشة مخرجات المشاريع وفي تهميش القطاع الخاص، بل وفي دخول الجيش نفسه في مناطق مخاطرة وفساد تهز صورته وهيبته.
يشرح عالم الاقتصاد السياسي يزيد صايغ ما أسماه “جمهورية الضباط” في مصر، وكيف أن عسكرة الاقتصاد أدت إلى تشوهات هيكلية تقوّض المنافسة والتنمية المستدامة. فالمؤسسة العسكرية – التي يفترض أن تتميز بالانضباط والدقة – وجدت نفسها تدير شبكات مقاولين من الباطن وآلاف الموظفين المدنيين، وتتورط بحكم الأمر الواقع في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن (من أسعار اللحوم إلى جودة الطرق). هذا الوضع يضع الجيش أمام مساءلة شعبية غير مباشرة لم يعتدها. ولعل أشد ما يُخشى منه أن أي إخفاق مدني (كجسر ينهار أو طريق يقتل الأبرياء) سيُحسب في وعي الناس على جيشهم، لا على وزير الإسكان أو المحافظ. إن سمعة القوات المسلحة المصرية التي تراكمت عبر عقود – كمؤسسة وطنية احترافية تمثل صمام أمان البلاد – تُصبح على المحك عندما يراها المواطن شريكة في مشروعات فاشلة أو في مظاهر فساد مالي.
من هذا المنطلق، يرتفع من حين الى آخر صوت العقلاء: عودوا إلى ثكناتكم. ليس المقصود طبعًا انسحاب الجيش من المشهد التنموي كليًا، بل إعادة ضبط الدور بحيث يعود الجيش حاميًا ومنفذًا لمهامه الأمنية والدفاعية الأساسية، وداعمًا عند الضرورة للمشاريع القومية ولكن من وراء الستار وبشفافية. أما إدارة عجلة الاقتصاد اليومي وملف التنمية فيجب أن تبقى في يد المؤسسات المدنية التنفيذية، الخاضعة للمحاسبة البرلمانية والشعبية. وإذا شاب هذه المؤسسات وهن أو فساد، فالحل هو إصلاحها وتقويتها عبر القانون والرقابة الشعبية، لا القفز فوقها إلى حكم العسكر. لقد شهد تاريخ مصر المعاصر فترات كانت فيها البيروقراطية الحكومية أكثر كفاءة وانضباطًا – لا سيما حين توافرت إرادة سياسية للإصلاح واحترام لمبدأ وضع الشخص المناسب في المكان المناسب. أما الآن، في ظل هيمنة منطق “الأمر المباشر” وغياب المنافسة، فإننا نخاطر بأن نخسر الاثنين معًا: كفاءة الاقتصاد المدني وحياد المؤسسة العسكرية.
لا يقف رئيس الاتحاد المصري، لمقاولي التشييد والبناء، محمد سامي سعد، ضد الاستعانة بالجيش في المشروعات، “لكن من دون مناقصات لن نحصل على أفضل العروض – هذه أبجدية الاقتصاد والإدارة الرشيدة”. إنها فعلاً أبجدية بديهية: الشفافية تضمن الجودة وتخفض التكلفة. وإذا كانت الحوكمة هي الضحية الكبرى في عقد توسع الهيئة الهندسية، فإن إنقاذها بات واجبًا وطنيًا عاجلًا. لقد كشف العقد الماضي عمّا يمكن أن نسميه أزمة بنيوية في نموذج الحكم: حيث يتغوّل ذراع من الدولة خارج نطاق رقابته الدستورية، وحيث تختلط السلطة بالثروة بلا خطوط فاصلة. هذه الأزمة لا علاج لها سوى إعادة تعريف حدود الاختصاص بين الجيش والمدنيين، وفرض شفافية حقيقية في إدارة المشروعات العامة، قبل أن تتآكل أعمدة الثقة والبنية التحتية معًا تحت أقدام الجميع.
في اليوم الذي وقف فيه اللواء إبراهيم عبد العاطي بزيّه العسكري ليعلن علاج الإيدز العجيب بالكفتة، تساءل المصريون ساخرين: من يحاسب الجيش إذا خرج عن اختصاصه؟
اليوم، وبعد عشر سنوات، لم يعد السؤال مادةً للسخرية بل للحسرة والقلق. مستقبل مصر يحتاج إلى جيش قوي محصّن بالسمعة الحسنة والكفاءة القتالية، وإلى اقتصاد مدني مزدهر تقوده عقول وسواعد المصريين تحت راية الشفافية والقانون.
هذه المعادلة لن تتحقق ما لم يُصحَّح المسار ويعود كل طرف إلى دوره الطبيعي. وإلى أن يحدث ذلك، ستبقى إنجازات الظاهر تحمل في طياتها نذر العواقب الباطنة – وسنبقى نتذكر جهاز الكفتة لا كطرفة تاريخية، بل كإنذار مبكر أهملناه فضاعت الدروس في غمرة التصفيق.









