سأحدّثكم عن قصّتي مع “الفجوة المالية”؛ وهي العبارة الغريبة العجيبة التي رحنا نتبادلها نحن غير المتخصّصين بالاقتصاد، نتبادلها على رغم وقعها غير الرقيق على آذاننا، وهي أيضاً قصّتي مع وديعتي ومع المصرف الذي ائتمنته عليها.
عملت في صحيفة “الحياة” اللندنية لما يزيد على عشرين عاماً، اكتسبت خلالها الكثير من الخبرة والمهارات والزملاء والأصدقاء، لكنّها أيضاً كانت سنوات شاقّة، أوفدتني خلالها “الحياة” لتغطية معظم الحروب التي شهدتها السنوات بين 1995 و2015. نحن نتحدّث عن لبنان والبلقان وأفغانستان وباكستان والعراق وغزّة وسوريا واليمن.
وفي العام 2017 قرّرت الانتقال بتجربتي إلى موقع آخر من خلال تأسيس موقع “درج” مع زملاء آخرين. تقاضيت تعويضي عن سنوات العمل من الضمان الاجتماعي، الذي بلغ نحو مئة ألف دولار، وتعويضاّ آخر من الصحيفة بلغ أقل بقليل من نصف تعويض الضمان الاجتماعي.
الأمر نفسه تماماً حصل مع زوجتي، كانت المبالغ متقاربة، فأدمجناها في وديعة في أحد المصارف اللبنانية الكبيرة. وتتمّة القصّة يعرفها كلّ اللبنانيين، ويعاني منها أكثر من مليون لبناني.
لكلّ وديعة من المليون وديعة قصّة تشبه قصّتي. لم يطبق المصرف على المليارات فقط، إنما أطبق على تلك السنوات التي أمضيتها متعقّباً “القاعدة” في أفغانستان، و”البعث” في العراق وسوريا، والاحتلال في غزّة، وأطبق على ما عقدنا العزم عليه زوجتي وأنا من خطط لتعليم ابننا ولتقاعدنا، هذا قبل أن نتحدّث عن الانكشاف الصحّي والطبّي الرهيب، الذي يعيشه معظم اللبنانيين بفعل سرقة القرن، التي تواطأت على ارتكابها حكومات الممانعة مع المصارف التجارية برعاية مصرف لبنان وتنظيمه.
اليوم حانت ساعة الحقيقة. مشروع قانون الفجوة المالية يلوح في الأفق، والمؤكّد ممّا رشح عنه حتى الآن، أن وديعتي الجميلة والمحنّطة سينالني منها مئة ألف دولار، ستُقسَّط على مدى أربع سنوات. هذه الوديعة المسكينة، وليدة سنوات الحبّ والشقاء، اغتصبها أشرار منظومة الفساد والسلاح، وجاءت حكومة الإصلاح لتتوّج ما تعرّضت له بقانون لم يبقِ منها إلا ألف دولار تُدفع لي شهرياً.
من سرق وديعتي؟ هل تذكرون عبارة لينين: “من قتل أخي؟”، وهي العبارة التي ساقها طوال مرحلة قتاله قيصر روسيا! القيصر قتل شقيق لينين، وتحالف منظومة الفساد والسلاح مع المصارف سرق وديعتي؟ لينين أطاح بالقيصر، أما نحن، مودعو هذه المصارف غير المفلسة، فلم يُحاكَم أيّ ممن ارتكب بحقنا “سرقة القرن”! حتى رياض سلامة لم يُسأَل عمّا فعله بنا، هو اليوم يُحاكَم على سرقة أخرى.
إقرأوا أيضاً:
قد يكون ذكر لينين في هذا السياق فرصة لمن دأبوا على اتّهامنا بالرغبة في تدمير القطاع المصرفي بهدف تأميمه. لكنّ ما حدث بالفعل هو تأميم لودائعنا، وهو تأميم لم يكن لمصلحة “الأمّة” على ما زعم سابقاً لينين ورهطه، إنما لمصلحة طبقة سياسية ومصرفية فاسدة.
هل يعقل أن مليارديراً مثل نجيب ميقاتي أو سعد الحريري وربما نبيه برّي، أتيحت لهم فرص النجاة بودائعهم، ولم تتح لنا نحن صغار المودعين ممّن أفنينا أعمارنا سعياً لتعليم ابن أو ضمان تقاعد؟
يسألنا أصدقاؤنا في “حكومة الإصلاح” عن السبيل لإنصافنا في ظلّ اختفاء الأموال في سراديب الفساد، وفي حسابات السياسيين والمصرفيين في الخارج.
الأرجح أنهم محقّون في استحالة استعادة الأموال، وحتمية اقتطاع الجزء الأكبر من الودائع، ولكن ماذا عن المحاسبة؟ ماذا عن العدالة أيها القاضي النزيه يا رئيس الحكومة، وأيها الصديق المحامي الذي تشغل منصب وزير العدل؟ هل يعقل أن أيّ سياسي أو مصرفي لم يُحاكَم حتى الآن على جريمة واضحة وصفها البنك الدولي بـ”مخطّط بونزي”؟
لا بأس فالوديعة في ذمّة الله، ولكنّ تعويضاً معنوياً لا بدّ منه لكي يخفّف المرارة. المرتكبون معروفون بالاسم والعنوان، ويبدو أن مشروع قانون الفجوة المالية وضعهم في المرتبة الثالثة لجهة تحمّل المسؤوليات. المودع أولاً عبر اقتطاع وديعته، واللبنانيون ثانياً عبر تحميل دولتهم العبء الثاني، والمصارف ثالثاً عبر تعويمها وعدم تصفير رؤوس أموالها.













