ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

من سلبنا أخلاقيات النضال والاختلاف؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

أكثر ما يخيفني حقّاً في هذا الواقع هو نزع الأنسنة عن بعضنا بعضاً، فإذا اختفى النقاش، والحديث، والمواجهة، والاختلاف- لا العداء، أيّ بلد سنعيد بناءه؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

منذ بداية حرب الإسناد في 2024، كان هناك انقسام متباين في الآراء حول “حزب الله” ودوره في الحرب، ومنذ ذلك الحين برزت شريحة واسعة انحرفت عن مسارها الحقوقي الذي كان يعادي سياسة “حزب الله في البلد”. 

فبعد أن كان هؤلاء ينتقدون ممارسات “حزب الله” وفساده، أخذ قسم كبير منهم بلطجته وأصبحوا يمارسونها علينا، فضربوا بعرض الحائط كل قيم الحوار، واحترام الرأي الآخر والاختلاف، وغضّوا البصر عمداً عن كل ممارسات “حزب الله” منذ تأسّس. 

فلماذا نستعير ما تستعمله السلطة في قمعنا لنقمع بعضنا بعضاً؟

لا أذكر عدد المرّات التي هوجمت فيها من أشخاصٍ قد جمعتنا القضايا نفسها يوماً، واجتماعات وحتى صداقات في بعض الأحيان. والجدير بالذكر أن الهجوم كان دائماً يتخطّى السياسة للمساس بالشخصي. فبدلاً من التركيز على فحوى الحديث، والتناظر في وجهات النظر، بدأت الأحاديث تأخذ منحىً جديداً يمسّ بالأشخاص بشكل خاصّ، وحيواتهم وأحياناً كراماتهم.

 خضت محادثات مع أشخاص جعلني فحواها أشكّك في ما إذا كنّا حقّاً معارف في يوم من الأيّام. في واحد من النقاشات قالت صديقة قديمة إنني “صهيوني”، وذلك على خلفية انتقادي لـ”حماس” و”حزب الله”. 

ففي بلاد مثل بلادنا، ظروفها معقّدة ومشبّكة، لا تكون الأمور أبيض وأسود، ونحن أكثر من يعرف أن العداء لطرف، لا يعني الوقوف مع طرف آخر، أو ربما هذا ما ظننت. وفي مثال آخر مع جمعيّة قد تطوّعت ضمنها من أجل تيسير نقاش عن الجنسانية، أخبرت إحدى العضوات عن موقفي السياسي للقيّمين على التنسيق، ولم يقولوا حتى كلمة شكراً بعد الجلسة، أو حتى يرسلوا رسالة بعد الأحداث الأخيرة، علماً أننا تقاسمنا الخبز والملح قبل ذلك.

 ولعلّ أكثر ما يخيف في هذه المسألة هو أننا في بلد نعوّل فيه على شبكات الدعم الاجتماعية، فتحوّل هذه الشبكات إلى أبراج مراقبة لا يبشّر بالخير. ناهيك بالأشخاص الذين اختاروا عدم النقاش بصمت، وإلغاء المتابعة على مواقع التواصل الاجتماعي ومن ثم إلغاء العلاقة في أرض الواقع.

ما يزيد من خطورة هذا الواقع هو تحوّل ما يُعرف بسياسات الإلغاء إلى ممارسة يومية داخل مساحات كان يفترض أن تؤمن بالتعدّدية. فبدلاً من الاختلاف بالرأي، أصبح التخلّص من صاحبه هو الخيار الأسهل؛ مقاطعة، وإقصاء، وتشكيك في النيات، وتحويل الشخص إلى هويّته السياسية وحدها. 

هكذا لا يعود الحوار وسيلة لفهم الآخر، بل امتحان للولاء، ومن يرسب فيه يُستبعد من الدائرة. وما يقلقني أكثر أن هذه الممارسة لا تترك مجالاً للمراجعة أو التعقيب، وكأن الإنسان يفقد حقّه في أن يكوّن أكثر من موقف سياسي واحد.

الحديث هنا ليس عن القضايا بحدّ ذاتها، ولا الآراء السياسية التي من المجدي الاختلاف فيها، إنما عن الأسلوب نفسه. فمن جعل من أصدقائنا وصديقاتنا خصوماً لا يمكن النقاش  أو الحديث معهم؟ انتشرت هذه الظاهرة بكثافة منذ حرب الإسناد وحتى اليوم في الحرب الحالية التي نعيشها. 

منذ بضعة أيّام كنت قد وضعت منشوراً عن الامتعاض من أعلام أميركا في الرابع من تمّوز/ يوليو (عيد الاستقلال الأميركي)، وعدم الاكتراث لصور خامنئي وأعلام إيران، وكيف أن كلا التصرّفين يمسّ في الحقيقة وطنيتنا. فبلد كلبنان في الوقت الحالي من المفترض أنه أدرك أن في استقلاله فقط تكمن نجاته. وصلتني تعليقات عدّة، ولكن بعضها من أشخاص سمحوا لأنفسهم أن يقرّروا عني موقعي من كل ما يحدث، اتّهامات باطلة بالتماهي مع الرواية الإسرائيلية، وغيرها من الأعمال الشائنة التي لطالما استخدمها “حزب الله” ضد معارضيه. علماً أن المنشور ذاته يُخالف ما اتُّهمت به.

فكيف أصبح هذا الخطاب التخويني عادياً إلى هذا الحدّ، وجاهزاً للقولبة ضد أي معارض لآراء فريق واحد في بلدنا؟ نحن الذين تشاركنا المساحات النضالية والنسوية والكويرية، وتعلّمنا بداخلها كيف نواجه ثنائيات السلطة التي تستعملها ضدنا ولقمع المهمّشين. هذه الأماكن التي علّمتنا أن الشخصي سياسي، وأن تجارب الناس وأوجاعهم هي محطّ سردياتنا، هذه المساحات التي كسرنا فيها الثنائيات، واسترجعنا أحقّيتنا في قصصنا. من يعيد حصرنا داخل سرديتين مجدّداً؟ وماذا إذا ما أردنا معارضة كليهما؟ أوليس ذلك ما تعلّمناه معاً؟ 

وربما الأخطر من كل ذلك أن هذا الخطاب لا يغيّر آراء الناس بقدر ما يغيّر شكل علاقتنا ببعضنا بعضاً. فعندما يصبح التصنيف أسرع من الإصغاء، والاتّهام أسهل من السؤال، نخسر شيئاً أكبر من أيّ نقاش سياسي؛ نخسر الثقة. 

والثقة ليست ترفاً في بلد مثل لبنان، بل هي ما يسمح لنا بالعمل معاً، والتنظيم معاً، وتخيّل مستقبل مشترك رغم اختلافاتنا. وإذا أصبحت كل مساحة عامّة ساحة لاختبار الولاءات، فلن يبقى مكان يمكن أن نلتقي فيه بوصفنا مواطنين، بل فقط أفراد يُطلب منهم باستمرار إثبات براءتهم السياسية.

أكثر ما يخيفني حقّاً في هذا الواقع هو نزع الأنسنة عن بعضنا بعضاً، فإذا اختفى النقاش، والحديث، والمواجهة، والاختلاف- لا العداء، أيّ بلد سنعيد بناءه؟

22.07.2026
زمن القراءة: 4 minutes

أكثر ما يخيفني حقّاً في هذا الواقع هو نزع الأنسنة عن بعضنا بعضاً، فإذا اختفى النقاش، والحديث، والمواجهة، والاختلاف- لا العداء، أيّ بلد سنعيد بناءه؟

منذ بداية حرب الإسناد في 2024، كان هناك انقسام متباين في الآراء حول “حزب الله” ودوره في الحرب، ومنذ ذلك الحين برزت شريحة واسعة انحرفت عن مسارها الحقوقي الذي كان يعادي سياسة “حزب الله في البلد”. 

فبعد أن كان هؤلاء ينتقدون ممارسات “حزب الله” وفساده، أخذ قسم كبير منهم بلطجته وأصبحوا يمارسونها علينا، فضربوا بعرض الحائط كل قيم الحوار، واحترام الرأي الآخر والاختلاف، وغضّوا البصر عمداً عن كل ممارسات “حزب الله” منذ تأسّس. 

فلماذا نستعير ما تستعمله السلطة في قمعنا لنقمع بعضنا بعضاً؟

لا أذكر عدد المرّات التي هوجمت فيها من أشخاصٍ قد جمعتنا القضايا نفسها يوماً، واجتماعات وحتى صداقات في بعض الأحيان. والجدير بالذكر أن الهجوم كان دائماً يتخطّى السياسة للمساس بالشخصي. فبدلاً من التركيز على فحوى الحديث، والتناظر في وجهات النظر، بدأت الأحاديث تأخذ منحىً جديداً يمسّ بالأشخاص بشكل خاصّ، وحيواتهم وأحياناً كراماتهم.

 خضت محادثات مع أشخاص جعلني فحواها أشكّك في ما إذا كنّا حقّاً معارف في يوم من الأيّام. في واحد من النقاشات قالت صديقة قديمة إنني “صهيوني”، وذلك على خلفية انتقادي لـ”حماس” و”حزب الله”. 

ففي بلاد مثل بلادنا، ظروفها معقّدة ومشبّكة، لا تكون الأمور أبيض وأسود، ونحن أكثر من يعرف أن العداء لطرف، لا يعني الوقوف مع طرف آخر، أو ربما هذا ما ظننت. وفي مثال آخر مع جمعيّة قد تطوّعت ضمنها من أجل تيسير نقاش عن الجنسانية، أخبرت إحدى العضوات عن موقفي السياسي للقيّمين على التنسيق، ولم يقولوا حتى كلمة شكراً بعد الجلسة، أو حتى يرسلوا رسالة بعد الأحداث الأخيرة، علماً أننا تقاسمنا الخبز والملح قبل ذلك.

 ولعلّ أكثر ما يخيف في هذه المسألة هو أننا في بلد نعوّل فيه على شبكات الدعم الاجتماعية، فتحوّل هذه الشبكات إلى أبراج مراقبة لا يبشّر بالخير. ناهيك بالأشخاص الذين اختاروا عدم النقاش بصمت، وإلغاء المتابعة على مواقع التواصل الاجتماعي ومن ثم إلغاء العلاقة في أرض الواقع.

ما يزيد من خطورة هذا الواقع هو تحوّل ما يُعرف بسياسات الإلغاء إلى ممارسة يومية داخل مساحات كان يفترض أن تؤمن بالتعدّدية. فبدلاً من الاختلاف بالرأي، أصبح التخلّص من صاحبه هو الخيار الأسهل؛ مقاطعة، وإقصاء، وتشكيك في النيات، وتحويل الشخص إلى هويّته السياسية وحدها. 

هكذا لا يعود الحوار وسيلة لفهم الآخر، بل امتحان للولاء، ومن يرسب فيه يُستبعد من الدائرة. وما يقلقني أكثر أن هذه الممارسة لا تترك مجالاً للمراجعة أو التعقيب، وكأن الإنسان يفقد حقّه في أن يكوّن أكثر من موقف سياسي واحد.

الحديث هنا ليس عن القضايا بحدّ ذاتها، ولا الآراء السياسية التي من المجدي الاختلاف فيها، إنما عن الأسلوب نفسه. فمن جعل من أصدقائنا وصديقاتنا خصوماً لا يمكن النقاش  أو الحديث معهم؟ انتشرت هذه الظاهرة بكثافة منذ حرب الإسناد وحتى اليوم في الحرب الحالية التي نعيشها. 

منذ بضعة أيّام كنت قد وضعت منشوراً عن الامتعاض من أعلام أميركا في الرابع من تمّوز/ يوليو (عيد الاستقلال الأميركي)، وعدم الاكتراث لصور خامنئي وأعلام إيران، وكيف أن كلا التصرّفين يمسّ في الحقيقة وطنيتنا. فبلد كلبنان في الوقت الحالي من المفترض أنه أدرك أن في استقلاله فقط تكمن نجاته. وصلتني تعليقات عدّة، ولكن بعضها من أشخاص سمحوا لأنفسهم أن يقرّروا عني موقعي من كل ما يحدث، اتّهامات باطلة بالتماهي مع الرواية الإسرائيلية، وغيرها من الأعمال الشائنة التي لطالما استخدمها “حزب الله” ضد معارضيه. علماً أن المنشور ذاته يُخالف ما اتُّهمت به.

فكيف أصبح هذا الخطاب التخويني عادياً إلى هذا الحدّ، وجاهزاً للقولبة ضد أي معارض لآراء فريق واحد في بلدنا؟ نحن الذين تشاركنا المساحات النضالية والنسوية والكويرية، وتعلّمنا بداخلها كيف نواجه ثنائيات السلطة التي تستعملها ضدنا ولقمع المهمّشين. هذه الأماكن التي علّمتنا أن الشخصي سياسي، وأن تجارب الناس وأوجاعهم هي محطّ سردياتنا، هذه المساحات التي كسرنا فيها الثنائيات، واسترجعنا أحقّيتنا في قصصنا. من يعيد حصرنا داخل سرديتين مجدّداً؟ وماذا إذا ما أردنا معارضة كليهما؟ أوليس ذلك ما تعلّمناه معاً؟ 

وربما الأخطر من كل ذلك أن هذا الخطاب لا يغيّر آراء الناس بقدر ما يغيّر شكل علاقتنا ببعضنا بعضاً. فعندما يصبح التصنيف أسرع من الإصغاء، والاتّهام أسهل من السؤال، نخسر شيئاً أكبر من أيّ نقاش سياسي؛ نخسر الثقة. 

والثقة ليست ترفاً في بلد مثل لبنان، بل هي ما يسمح لنا بالعمل معاً، والتنظيم معاً، وتخيّل مستقبل مشترك رغم اختلافاتنا. وإذا أصبحت كل مساحة عامّة ساحة لاختبار الولاءات، فلن يبقى مكان يمكن أن نلتقي فيه بوصفنا مواطنين، بل فقط أفراد يُطلب منهم باستمرار إثبات براءتهم السياسية.

أكثر ما يخيفني حقّاً في هذا الواقع هو نزع الأنسنة عن بعضنا بعضاً، فإذا اختفى النقاش، والحديث، والمواجهة، والاختلاف- لا العداء، أيّ بلد سنعيد بناءه؟