ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

من ضحايا انفجار مرفأ بيروت إلى ضحايا قوانين الأحوال الشخصية: نساء يدفعن الثمن مضاعفاً

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

هذه قصص نساء فقدن أحبّاءهن في انفجار المرفأ، أو كنّ ضحايا مباشرات للانفجار، فوجدن أنفسهن بعد ذلك ضحايا أيضاً للقوانين والعادات؛ بين حضانة تُنتزع، وحقوق ميراث تُسلب، وظلم ينجو من العقاب.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في الرابع من آب/ أغسطس 2020، هزّ انفجار مرفأ بيروت العاصمة اللبنانية، وراح ضحيّته ما لا يقلّ عن 236 شخصاً وأُصيب أكثر من 7000 آخرين. وبينما تقاعست السلطات عن إجراء تحقيق جدّي، وانهارت الوعود الرسمية تحت أثقال الزمن، طُمرت قصص كثير من الضحايا، وتحديداً النساء منهن، تحت أنقاض أعراف وقوانين لا تقلّ ظلماً عن الإهمال الرسمي.

سلطة الأعراف

في منزلها في منطقة البقاع، تقف دنيا (اسم مستعار) وهي امرأة شابّة في الثلاثينيات، محتضنة طفلتيها راما (11 عاماً) ولينا (6 أعوام)، بعدما استطاعت أخيراً استعادتهما من عائلة زوجها الذي قُتل في انفجار المرفأ. كان زوجها يعمل سائق شاحنة في المرفأ، وبعد مقتله استند أهله إلى وصيّة مزعومة، وإلى ورقة قضائية منحتهم حقّ الوصاية على الطفلتين، رغم وجود الأمّ على قيد الحياة.

حُرمت دنيا من طفلتيها بحجّة تلك الوصيّة، “طلبهن عمهن يومين ليشوفوا سِتّهُن، إجا أخدهن على أساس يومين، وما رجّعن”.

لم تستطع دنيا اللجوء إلى المحاكم لعدم قدرتها على تحمّل الأعباء المالية، ولأنها، شأن كثير من النساء، لم تكن تعرف كيفية التعامل مع قوانين الأحوال الشخصية المتغيّرة وفقاً للطائفة والمذهب. وبرغم شعورها بالخذلان، امتنعت عن توجيه أيّ اتّهام قاسٍ لعائلة زوجها، مكتفية بالقول: “علاقتي بحماتي جيّدة، وهي اهتمّت بالبنات بس كانوا عندها”.

في لبنان هناك ١٥ محكمة أحوال شخصية طائفية بحسب المذهب، وهذه المحاكم تحدّد قوانين الزواج والطلاق والحضانة والإرث، وفق تفسيرات دينية واجتهادات رجال الدين.

دنيا تتبع للمحكمة الجعفرية التي تحكم بأن يتسلّم الأب حضانة الطفل الذكر عند بلوغه السنتين، والطفلة عند بلوغها السابعة. ترجّح دنيا أن يكون الجدّ والعمّ قد توجّها إلى الشيخ وطلبا قراراً استثنائياً برعاية الطفلتين معاً تفادياً لتفريقهما. أو لعلّ الورقة التي أُعطيت لدنيا، كما خُدعت سابقاً لتسليم الفتاتين، كانت تتضمّن تحايلاً لم تنتبه إليه.

في مثل هذه الحالة، لن تكون دنيا وحدها في حيرتها إزاء القرارات القانونية المتشابكة والمتعدّدة، إذ تختلف الاجتهادات من شيخ إلى آخر. وفي حال وقوع الأسوأ، فإن غياب الدعم المادّي والمساعدة القانونية يجعل استغلال النساء سهلاً، خصوصاً أولئك اللواتي لم يُضطررن من قبل للتعامل مع قضايا من هذا النوع.

وعلى أيّة حال، إذا كانت الورقة قانونية، تقول المحامية ديالا شحادة في هذا السياق: “ليس الجميع يفقه في القانون، إلى أن تقع له حادثة تفرض عليه أن يفهم القوانين. الحضانة والنفقة على الزوجة والأطفال، هي من القرارات الصادرة عن المحاكم الدينية، ويتمّ تنفيذها عبر دوائر التنفيذ والدرك. لكن على الأمّ أن تقاتل، فإذا صدر القرار عن المحكمة الجعفرية يمكن الاعتراض عليه، ولا بدّ لها من التوجّه إلى الشيخ وطلب المشورة منه…”.

بعد أشهر من محاولات الإقناع، استعادت دنيا طفلتيها إثر تدخّل وجهاء في المنطقة ورجال الدين في إطار ما سُمّي بـ”الصلحة”، وتقول: “صار في تدخل من ناس… رجال المنطقة، أقرباء، رجال دين… كلهم”.

تدخّل هؤلاء الرجال، أو ما كان يُعرف سابقاً بـ”الأجاويد”، بهدف الهدنة وتسوية النزاعات، يُعدّ من خصال المجتمعات العربية والعشائرية، وقد اعتمد هذا الأسلوب قديماً كوسيلة لحلّ النزاعات وتسوية الخلافات، خصوصاً في القرى حيث كانت العائلات تعرف بعضها بعضاً، وتلجأ إلى من يمتلك شيئاً من السلطة أو القدرة على التأثير، لاسترداد الحقّ أو الوصول إلى تسوية.

ولا تقتصر المقاربة العشائرية للأمور على بيئة واحدة في لبنان، بل تظهر بدرجات متفاوتة في مختلف الطوائف، ويعود ذلك، أوّلاً، إلى كونها أكثر عمليةً من اللجوء إلى القانون، وثانياً، لأن السياسات الحكومية، ولا سيّما قوانين الأحوال الشخصية، تسمح لها بالازدهار، وتتحمّل إلى حدّ كبير مسؤوليّة استمرارها حتى اليوم.

في السياق اللبناني، إذا نظرنا إلى موقع النساء، وأقصد هنا الشرائح الاجتماعية التي قلّما تظهر على شاشاتنا، رغم أنها تمثّل الفئة الأوسع، نلاحظ أن نساء الطبقات الأكثر تهميشاً ما زلن خاضعات لسلطة الأعراف، ولم ينلن العدالة بعد انفجار المرفأ، فجاءت العادات وقوانين الأحوال الشخصية لتزيدهنّ قهراً. أما العدالة بالنسبة إليهنّ، فتُمارَس ضمن إطار الاعتبارات الشخصية، لا في نطاق القانون الذي يُفترض أن يضمن المساواة والحقوق.

هذا النوع من التدخّلات، الذي يعود إلى ما قبل الدولة الحديثة، يزدهر اليوم في ظلّ قوانين طائفية متباينة تعمل خارج إطار حماية النساء، ما يجعل العادات لا تقلّ سلطةً عن القانون نفسه.

تختصر دنيا مأساة تجربتها بقولها إن “أساس المشكلة العادات والتقاليد”، التي تمنح الرجال سلطة مطلقة على شؤون الأسرة، وتؤكّد أنه لم تكن هناك أي حجّة لمنعها من حضانة طفلتيها، سوى الانصياع لأعراف تقدّم العادات على حقّ الأمّ في تربية أبنائها. 

ليليان شعيتو: عدالة معطّلة وطفل غائب

من أكثر المآسي التي شغلت الرأي العامّ اللبناني بعد انفجار مرفأ بيروت، كانت قصّة ليليان شعيتو، الشابّة التي توجّهت إلى أسواق بيروت في الرابع من آب/ أغسطس لشراء هدية لزوجها المسافر في أفريقيا بمناسبة عيد ميلاده، لكنّها أُصيبت بجروح بالغة جرّاء انفجار المرفأ. الجروح وضعتها في غيبوبة طويلة، وهي كانت حديثة الولادة وابنها كان رضيعاً. 

استفاقت ليليان على واقع مرّ: زوجها انتزع منها حضانة طفلها الوحيد ونقله خارج لبنان، رغم قرارات المحكمة.

كانت قصّتها من أكثر قصص ضحايا انفجار المرفأ تأثيراً. صورها في المستشفى في حين أصرّت عائلة الزوج على منع وحيدها علي، من زيارتها حتى بعد أن استفاقت. والدة الزوج تحدّثت تكراراً للإعلام بأنها تريد حماية الطفل من والدته “المصابة”. خاضت عائلة ليليان معركة رأي عامّ في محاولة لدفع أهل الزوج للسماح بابنها بزيارتها لعلّ ذلك يساعد في طمأنتها بعدما استفاقت من الغيبوبة. 

ليليان لا تزال تتلقّى العلاج حتى اليوم بعد الإصابة البالغة في رأسها.

تقول فاطمة زعرور محامية ليليان في هذا الإطار: “لم تتلقَّ العائلة أي مساعدة، وعندما توجّهت إلى الدولة بطلب دعم لتغطية تكاليف علاج بقيمة 500 دولار، جاء الردّ: ما إلنا علاقة“.

تتّهم عائلة ليليان كلاً من زوجها حسن حدرج ووالدته، بالتواطؤ على مخالفة قرار قضائي صادرٍ عن المحكمة الجعفرية العليا، يقضي بتمكين ليليان من رؤية طفلها علي مرّة أسبوعياً. علماً أن حسن لا يزال زوجها شرعاً، وبحسب المحامية، فهو لا يلتزم بأيّ من واجباته المادّية تجاهها، لا نفقة ولا دعماً معنوياً، ولا شيئاً يُذكر حتى أن العائلة تقول إن زيارته الأولى لزوجته بعد إصابتها، حصلت بعد نحو أسبوع من الانفجار…

لم تلتزم عائلةُ الزوج بتنفيذ قرار المحكمة، واكتفت بالسماح للطفل بزيارة والدته مرّة واحدة في عام 2022، وفي إطار المساعي لإعادة لمّ شمل الأمّ بابنها، لجأت عائلةُ ليليان إلى المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان، طالبةً تدخّله لإقناع عائلة حدرج بالسماح للأمّ برؤية طفلها، لعلّ تدخّل رجل الدين يفلح حيث فشل القانون، لكنّ محاولاته لم تلقَ أيّ تجاوب. 

أوكلت العائلة القضيّة إلى المحامية فاطمة الزعرور في آب/ أغسطس 2025، التي أعادت الملفّ إلى مساره القضائي، لتصدر دائرة التنفيذ قراراً يُلزم الجهة الحاضنة بتسليم الطفل مرة في الأسبوع تطبيقاً للحكم الصادر.

لكن، بعد تبليغهم رسمياً، توارت عائلةُ حدرج عن الأنظار. وأفادت فصيلة المصيطبة، التي قصدت منزل العائلة أكثر من مرّة، بأن أفرادها “إما سافروا وإما غير موجودين”.

لاحقاً، وردت معلومات من المأمور المكلّف بالتنفيذ، تفيد بأن الطفل علي حدرج نُقل أوّلاً إلى العراق، ثم إلى أبيدجان، في خطوة وُصفت بأنها تهريب متعمّد لتفادي تنفيذ الحكم.

وبعد تهريب الطفل، وافق والده على السماح لليليان بإجراء مكالمة هاتفية قصيرة مع ابنها، هي الأولى منذ أكثر من عامين. تروي المحامية الزعرور تفاصيل الاتّصال قائلةً: “مدة الاتّصال ثماني دقائق، أوّل دقيقتين ليليان ما عرفت ابنها. إلها سنتين مش شايفته، فما عرفت ابنها، ومفهمين الصبي ما يعيطلها ماما، يعيطلها ليليان. بعد دقيقتين عرفته انه هيدا علوشي، انهارت، ست دقائق عم تبكي”.

اليوم، يستمرّ صراع ليليان وموكّلتها مع ما تعتبرانه قانوناً مجحفاً ومماطلة قضائية. تروي الزعرور الحجج التي تتكرّر على مسمعها من أصحاب الشأن، قائلةً: “إن محامية حدرج تشترط على موكّلها عدم السماح للطفل برؤية والدته، إلا إذا وقّعنا تعهّداً بالابتعاد عن الإعلام، في حين أن الإجراءات القانونية لا تتحرّك أصلاً إلا عندما يتناولها الإعلام!”.

تدّعي المحامية أن الجدة تعبّر علناً عن اعتراضها على ليليان التي “تشوّهت” خلال الانفجار. إذ يُتوقّع من النساء أن يكنّ جميلات، ملتزمات بالمعايير الاجتماعية، وأن يظهرن دائماً بمظهر “لائق”. غير أن حدثاً لم يكن في الحسبان حرّر ليليان من هذا الواجب المفروض عليها اجتماعياً، فجعلها غير مرغوبة في نظر الزوج وعائلته. وكانت عقوبة ذلك هي حرمانها من طفلها.

قضيّة ليليان ما زالت قيد التشكيل، معالمها غير واضحة ما دامت معبئة بالكيديات، وضعف المنظومة القضائية التي تطغى عليها المحسوبيات في إطار قانوني مجحف.

بين الإرث والحضانة: ورثة الدم والذاكرة

خلفيات القهر لا تتوقّف عند الحضانة. فالإرث نفسه يتحوّل إلى معركة تفضح تواطؤ الأعراف مع قوانين الأحوال الشخصية.

هادي (8 سنوات) ورنا (6 سنوات) فقدا والديهما معاً في الانفجار. لم يكن مجرّد فقدان، بل بداية خلاف بين عائلتي الوالدين حول من توفّي أوّلاً، لأن تحديد لحظة الوفاة يحدّد توزيع الميراث، وحضانة الأطفال.

تروي الجدّة والدة الأمّ أن عائلة الزوج أصرّت على أن الابنة (أمّ الطفلين) توفيت قبل زوجها، لتنتقل حصّتها من الإرث إلى أهل الزوج. أما حضانة الطفلين فكانت محاولة متكرّرة للضغط على العائلة المفجوعة، قبل أن تنجح الجدّة في استردادهما.

من قصّة شخصية إلى حركة عامّة: علوم عودة وجمعيّة “حقّي أورث”

قضيّة الميراث سابقة على انفجار المرفأ، فمن المعلوم أن بعض الطوائف لا تورث بالتساوي بين الذكور والإناث، وأن المجتمعات التقليدية تشهد ضغوطاً على الفتيات لدفعهن للتنازل عن حقوقهن. 

هذا دفع بالناشطة علوم عودة للعمل على حقوق الإرث لدى النساء.

علوم، أستاذة في الفيزياء في الجامعة اللبنانية، كانت تظنّ أنها بعيدة عن هذه الحرب الأهلية الصغيرة داخل العائلات. تربّت في بيت علماني يؤمن بالتساوي بين الأبناء، إلى أن تبيّن أن والدها لم يورثها كما أورث إخوتها الذكور.

كتبت على “فيسبوك”، فانهالت عليها ردود مثل: “عم تكتبي لأنك مقهورة إنو بيّك كتب الأرض لإخواتك الصبيان؟”، هذه اللحظة، تقول علوم، كانت كالطعنة. لكنّها صنعت منها قوّة. 

أسّست جمعيّة “حقّي أورث” التي باتت تستقبل عشرات القضايا شهرياً، وإن كانت عاجزة عن تغطية نفقات المحامين لكلّ حالة: “الرجال في المناطق بيتدخلوا، بيحاولوا يقنعوا النساء ما يعملوا مشاكل، أو يقنعوا العيلة تلين شوي. بيروحوا بيحكوا مع شيخ، يتفقوا بين بعض”، تقول علوم.

علوم تعتبر أن المشاكل التي تواجه نساء أو عائلات تضرّرت بسبب انفجار مرفأ بيروت، مردّها إلى ظلم سابق، هو القوانين التي تحكم هذا الحقّ، وأتى انفجار مرفأ بيروت ليزيد من ظلامة هؤلاء النساء.

بين القانون والعرف: من يحكم حياة النساء؟

في ظلّ غياب قانون مدني موحّد للأحوال الشخصية في لبنان، تبقى المحاكم الطائفية والاجتهادات الدينية مساحةً مفتوحة للظلم، خاصّة حين يتعلّق الأمر بالنساء الفقيرات، أو الأقلّ تعليماً، أو أولئك اللواتي لا سند لهن.

في قاعات المحاكم، كما في داخل القرى، تُختزل مصائر النساء في ورقة أو توقيع أو شهادة، بينما يُصاغ القانون على مقاس من له النفوذ أو القدرة على الضغط أو الواسطة.

ورغم جذور هذا الخلل في قانون الأحوال الشخصية، تتعمّق الفجوة اليوم مع غياب الدولة ومؤسّساتها عن دورها في حماية النساء، وضمان العدالة لجميع الضحايا، ضحايا الانفجار وضحايا القوانين معاً.

وربما، حين تتحقّق العدالة لكلّ ضحايا الانفجار، وتُحاسَب الأيدي المرتكبة، وتُصلَح قوانين الإرث والحضانة، يُمكننا القول: “لا أحد سيدفع الثمن مرّتين”.

تمّ تغيير بعض الأسماء حفاظاً على خصوصية الضحايا والقاصرين.

الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية - Siraj | 08.05.2026

“ماما، لماذا لست سورياً؟”: أبناء السوريات من “أجانب”… بلا قيد ولا شهادة ميلاد

 في معظم الأحيان، يقدم موضوع زواج سوريات من أجانب باعتباره مقتصراً على من تزوجن بمقاتلي تنظيم "داعش" خلال فترة صعوده. إلا أن هذه المعضلة وتبعاتها، لا سيما الثمن الذي تدفعه الزوجات السوريات وأولادهن اليوم، تمتد لتشمل زيجات من غير مقاتلي التنظيم، ناهيك بأن حرمان الأم السورية من منح الجنسية لأبنائها مشكلة قانونية ونسوية بدأت قبل…
08.11.2025
زمن القراءة: 8 minutes

هذه قصص نساء فقدن أحبّاءهن في انفجار المرفأ، أو كنّ ضحايا مباشرات للانفجار، فوجدن أنفسهن بعد ذلك ضحايا أيضاً للقوانين والعادات؛ بين حضانة تُنتزع، وحقوق ميراث تُسلب، وظلم ينجو من العقاب.

في الرابع من آب/ أغسطس 2020، هزّ انفجار مرفأ بيروت العاصمة اللبنانية، وراح ضحيّته ما لا يقلّ عن 236 شخصاً وأُصيب أكثر من 7000 آخرين. وبينما تقاعست السلطات عن إجراء تحقيق جدّي، وانهارت الوعود الرسمية تحت أثقال الزمن، طُمرت قصص كثير من الضحايا، وتحديداً النساء منهن، تحت أنقاض أعراف وقوانين لا تقلّ ظلماً عن الإهمال الرسمي.

سلطة الأعراف

في منزلها في منطقة البقاع، تقف دنيا (اسم مستعار) وهي امرأة شابّة في الثلاثينيات، محتضنة طفلتيها راما (11 عاماً) ولينا (6 أعوام)، بعدما استطاعت أخيراً استعادتهما من عائلة زوجها الذي قُتل في انفجار المرفأ. كان زوجها يعمل سائق شاحنة في المرفأ، وبعد مقتله استند أهله إلى وصيّة مزعومة، وإلى ورقة قضائية منحتهم حقّ الوصاية على الطفلتين، رغم وجود الأمّ على قيد الحياة.

حُرمت دنيا من طفلتيها بحجّة تلك الوصيّة، “طلبهن عمهن يومين ليشوفوا سِتّهُن، إجا أخدهن على أساس يومين، وما رجّعن”.

لم تستطع دنيا اللجوء إلى المحاكم لعدم قدرتها على تحمّل الأعباء المالية، ولأنها، شأن كثير من النساء، لم تكن تعرف كيفية التعامل مع قوانين الأحوال الشخصية المتغيّرة وفقاً للطائفة والمذهب. وبرغم شعورها بالخذلان، امتنعت عن توجيه أيّ اتّهام قاسٍ لعائلة زوجها، مكتفية بالقول: “علاقتي بحماتي جيّدة، وهي اهتمّت بالبنات بس كانوا عندها”.

في لبنان هناك ١٥ محكمة أحوال شخصية طائفية بحسب المذهب، وهذه المحاكم تحدّد قوانين الزواج والطلاق والحضانة والإرث، وفق تفسيرات دينية واجتهادات رجال الدين.

دنيا تتبع للمحكمة الجعفرية التي تحكم بأن يتسلّم الأب حضانة الطفل الذكر عند بلوغه السنتين، والطفلة عند بلوغها السابعة. ترجّح دنيا أن يكون الجدّ والعمّ قد توجّها إلى الشيخ وطلبا قراراً استثنائياً برعاية الطفلتين معاً تفادياً لتفريقهما. أو لعلّ الورقة التي أُعطيت لدنيا، كما خُدعت سابقاً لتسليم الفتاتين، كانت تتضمّن تحايلاً لم تنتبه إليه.

في مثل هذه الحالة، لن تكون دنيا وحدها في حيرتها إزاء القرارات القانونية المتشابكة والمتعدّدة، إذ تختلف الاجتهادات من شيخ إلى آخر. وفي حال وقوع الأسوأ، فإن غياب الدعم المادّي والمساعدة القانونية يجعل استغلال النساء سهلاً، خصوصاً أولئك اللواتي لم يُضطررن من قبل للتعامل مع قضايا من هذا النوع.

وعلى أيّة حال، إذا كانت الورقة قانونية، تقول المحامية ديالا شحادة في هذا السياق: “ليس الجميع يفقه في القانون، إلى أن تقع له حادثة تفرض عليه أن يفهم القوانين. الحضانة والنفقة على الزوجة والأطفال، هي من القرارات الصادرة عن المحاكم الدينية، ويتمّ تنفيذها عبر دوائر التنفيذ والدرك. لكن على الأمّ أن تقاتل، فإذا صدر القرار عن المحكمة الجعفرية يمكن الاعتراض عليه، ولا بدّ لها من التوجّه إلى الشيخ وطلب المشورة منه…”.

بعد أشهر من محاولات الإقناع، استعادت دنيا طفلتيها إثر تدخّل وجهاء في المنطقة ورجال الدين في إطار ما سُمّي بـ”الصلحة”، وتقول: “صار في تدخل من ناس… رجال المنطقة، أقرباء، رجال دين… كلهم”.

تدخّل هؤلاء الرجال، أو ما كان يُعرف سابقاً بـ”الأجاويد”، بهدف الهدنة وتسوية النزاعات، يُعدّ من خصال المجتمعات العربية والعشائرية، وقد اعتمد هذا الأسلوب قديماً كوسيلة لحلّ النزاعات وتسوية الخلافات، خصوصاً في القرى حيث كانت العائلات تعرف بعضها بعضاً، وتلجأ إلى من يمتلك شيئاً من السلطة أو القدرة على التأثير، لاسترداد الحقّ أو الوصول إلى تسوية.

ولا تقتصر المقاربة العشائرية للأمور على بيئة واحدة في لبنان، بل تظهر بدرجات متفاوتة في مختلف الطوائف، ويعود ذلك، أوّلاً، إلى كونها أكثر عمليةً من اللجوء إلى القانون، وثانياً، لأن السياسات الحكومية، ولا سيّما قوانين الأحوال الشخصية، تسمح لها بالازدهار، وتتحمّل إلى حدّ كبير مسؤوليّة استمرارها حتى اليوم.

في السياق اللبناني، إذا نظرنا إلى موقع النساء، وأقصد هنا الشرائح الاجتماعية التي قلّما تظهر على شاشاتنا، رغم أنها تمثّل الفئة الأوسع، نلاحظ أن نساء الطبقات الأكثر تهميشاً ما زلن خاضعات لسلطة الأعراف، ولم ينلن العدالة بعد انفجار المرفأ، فجاءت العادات وقوانين الأحوال الشخصية لتزيدهنّ قهراً. أما العدالة بالنسبة إليهنّ، فتُمارَس ضمن إطار الاعتبارات الشخصية، لا في نطاق القانون الذي يُفترض أن يضمن المساواة والحقوق.

هذا النوع من التدخّلات، الذي يعود إلى ما قبل الدولة الحديثة، يزدهر اليوم في ظلّ قوانين طائفية متباينة تعمل خارج إطار حماية النساء، ما يجعل العادات لا تقلّ سلطةً عن القانون نفسه.

تختصر دنيا مأساة تجربتها بقولها إن “أساس المشكلة العادات والتقاليد”، التي تمنح الرجال سلطة مطلقة على شؤون الأسرة، وتؤكّد أنه لم تكن هناك أي حجّة لمنعها من حضانة طفلتيها، سوى الانصياع لأعراف تقدّم العادات على حقّ الأمّ في تربية أبنائها. 

ليليان شعيتو: عدالة معطّلة وطفل غائب

من أكثر المآسي التي شغلت الرأي العامّ اللبناني بعد انفجار مرفأ بيروت، كانت قصّة ليليان شعيتو، الشابّة التي توجّهت إلى أسواق بيروت في الرابع من آب/ أغسطس لشراء هدية لزوجها المسافر في أفريقيا بمناسبة عيد ميلاده، لكنّها أُصيبت بجروح بالغة جرّاء انفجار المرفأ. الجروح وضعتها في غيبوبة طويلة، وهي كانت حديثة الولادة وابنها كان رضيعاً. 

استفاقت ليليان على واقع مرّ: زوجها انتزع منها حضانة طفلها الوحيد ونقله خارج لبنان، رغم قرارات المحكمة.

كانت قصّتها من أكثر قصص ضحايا انفجار المرفأ تأثيراً. صورها في المستشفى في حين أصرّت عائلة الزوج على منع وحيدها علي، من زيارتها حتى بعد أن استفاقت. والدة الزوج تحدّثت تكراراً للإعلام بأنها تريد حماية الطفل من والدته “المصابة”. خاضت عائلة ليليان معركة رأي عامّ في محاولة لدفع أهل الزوج للسماح بابنها بزيارتها لعلّ ذلك يساعد في طمأنتها بعدما استفاقت من الغيبوبة. 

ليليان لا تزال تتلقّى العلاج حتى اليوم بعد الإصابة البالغة في رأسها.

تقول فاطمة زعرور محامية ليليان في هذا الإطار: “لم تتلقَّ العائلة أي مساعدة، وعندما توجّهت إلى الدولة بطلب دعم لتغطية تكاليف علاج بقيمة 500 دولار، جاء الردّ: ما إلنا علاقة“.

تتّهم عائلة ليليان كلاً من زوجها حسن حدرج ووالدته، بالتواطؤ على مخالفة قرار قضائي صادرٍ عن المحكمة الجعفرية العليا، يقضي بتمكين ليليان من رؤية طفلها علي مرّة أسبوعياً. علماً أن حسن لا يزال زوجها شرعاً، وبحسب المحامية، فهو لا يلتزم بأيّ من واجباته المادّية تجاهها، لا نفقة ولا دعماً معنوياً، ولا شيئاً يُذكر حتى أن العائلة تقول إن زيارته الأولى لزوجته بعد إصابتها، حصلت بعد نحو أسبوع من الانفجار…

لم تلتزم عائلةُ الزوج بتنفيذ قرار المحكمة، واكتفت بالسماح للطفل بزيارة والدته مرّة واحدة في عام 2022، وفي إطار المساعي لإعادة لمّ شمل الأمّ بابنها، لجأت عائلةُ ليليان إلى المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان، طالبةً تدخّله لإقناع عائلة حدرج بالسماح للأمّ برؤية طفلها، لعلّ تدخّل رجل الدين يفلح حيث فشل القانون، لكنّ محاولاته لم تلقَ أيّ تجاوب. 

أوكلت العائلة القضيّة إلى المحامية فاطمة الزعرور في آب/ أغسطس 2025، التي أعادت الملفّ إلى مساره القضائي، لتصدر دائرة التنفيذ قراراً يُلزم الجهة الحاضنة بتسليم الطفل مرة في الأسبوع تطبيقاً للحكم الصادر.

لكن، بعد تبليغهم رسمياً، توارت عائلةُ حدرج عن الأنظار. وأفادت فصيلة المصيطبة، التي قصدت منزل العائلة أكثر من مرّة، بأن أفرادها “إما سافروا وإما غير موجودين”.

لاحقاً، وردت معلومات من المأمور المكلّف بالتنفيذ، تفيد بأن الطفل علي حدرج نُقل أوّلاً إلى العراق، ثم إلى أبيدجان، في خطوة وُصفت بأنها تهريب متعمّد لتفادي تنفيذ الحكم.

وبعد تهريب الطفل، وافق والده على السماح لليليان بإجراء مكالمة هاتفية قصيرة مع ابنها، هي الأولى منذ أكثر من عامين. تروي المحامية الزعرور تفاصيل الاتّصال قائلةً: “مدة الاتّصال ثماني دقائق، أوّل دقيقتين ليليان ما عرفت ابنها. إلها سنتين مش شايفته، فما عرفت ابنها، ومفهمين الصبي ما يعيطلها ماما، يعيطلها ليليان. بعد دقيقتين عرفته انه هيدا علوشي، انهارت، ست دقائق عم تبكي”.

اليوم، يستمرّ صراع ليليان وموكّلتها مع ما تعتبرانه قانوناً مجحفاً ومماطلة قضائية. تروي الزعرور الحجج التي تتكرّر على مسمعها من أصحاب الشأن، قائلةً: “إن محامية حدرج تشترط على موكّلها عدم السماح للطفل برؤية والدته، إلا إذا وقّعنا تعهّداً بالابتعاد عن الإعلام، في حين أن الإجراءات القانونية لا تتحرّك أصلاً إلا عندما يتناولها الإعلام!”.

تدّعي المحامية أن الجدة تعبّر علناً عن اعتراضها على ليليان التي “تشوّهت” خلال الانفجار. إذ يُتوقّع من النساء أن يكنّ جميلات، ملتزمات بالمعايير الاجتماعية، وأن يظهرن دائماً بمظهر “لائق”. غير أن حدثاً لم يكن في الحسبان حرّر ليليان من هذا الواجب المفروض عليها اجتماعياً، فجعلها غير مرغوبة في نظر الزوج وعائلته. وكانت عقوبة ذلك هي حرمانها من طفلها.

قضيّة ليليان ما زالت قيد التشكيل، معالمها غير واضحة ما دامت معبئة بالكيديات، وضعف المنظومة القضائية التي تطغى عليها المحسوبيات في إطار قانوني مجحف.

بين الإرث والحضانة: ورثة الدم والذاكرة

خلفيات القهر لا تتوقّف عند الحضانة. فالإرث نفسه يتحوّل إلى معركة تفضح تواطؤ الأعراف مع قوانين الأحوال الشخصية.

هادي (8 سنوات) ورنا (6 سنوات) فقدا والديهما معاً في الانفجار. لم يكن مجرّد فقدان، بل بداية خلاف بين عائلتي الوالدين حول من توفّي أوّلاً، لأن تحديد لحظة الوفاة يحدّد توزيع الميراث، وحضانة الأطفال.

تروي الجدّة والدة الأمّ أن عائلة الزوج أصرّت على أن الابنة (أمّ الطفلين) توفيت قبل زوجها، لتنتقل حصّتها من الإرث إلى أهل الزوج. أما حضانة الطفلين فكانت محاولة متكرّرة للضغط على العائلة المفجوعة، قبل أن تنجح الجدّة في استردادهما.

من قصّة شخصية إلى حركة عامّة: علوم عودة وجمعيّة “حقّي أورث”

قضيّة الميراث سابقة على انفجار المرفأ، فمن المعلوم أن بعض الطوائف لا تورث بالتساوي بين الذكور والإناث، وأن المجتمعات التقليدية تشهد ضغوطاً على الفتيات لدفعهن للتنازل عن حقوقهن. 

هذا دفع بالناشطة علوم عودة للعمل على حقوق الإرث لدى النساء.

علوم، أستاذة في الفيزياء في الجامعة اللبنانية، كانت تظنّ أنها بعيدة عن هذه الحرب الأهلية الصغيرة داخل العائلات. تربّت في بيت علماني يؤمن بالتساوي بين الأبناء، إلى أن تبيّن أن والدها لم يورثها كما أورث إخوتها الذكور.

كتبت على “فيسبوك”، فانهالت عليها ردود مثل: “عم تكتبي لأنك مقهورة إنو بيّك كتب الأرض لإخواتك الصبيان؟”، هذه اللحظة، تقول علوم، كانت كالطعنة. لكنّها صنعت منها قوّة. 

أسّست جمعيّة “حقّي أورث” التي باتت تستقبل عشرات القضايا شهرياً، وإن كانت عاجزة عن تغطية نفقات المحامين لكلّ حالة: “الرجال في المناطق بيتدخلوا، بيحاولوا يقنعوا النساء ما يعملوا مشاكل، أو يقنعوا العيلة تلين شوي. بيروحوا بيحكوا مع شيخ، يتفقوا بين بعض”، تقول علوم.

علوم تعتبر أن المشاكل التي تواجه نساء أو عائلات تضرّرت بسبب انفجار مرفأ بيروت، مردّها إلى ظلم سابق، هو القوانين التي تحكم هذا الحقّ، وأتى انفجار مرفأ بيروت ليزيد من ظلامة هؤلاء النساء.

بين القانون والعرف: من يحكم حياة النساء؟

في ظلّ غياب قانون مدني موحّد للأحوال الشخصية في لبنان، تبقى المحاكم الطائفية والاجتهادات الدينية مساحةً مفتوحة للظلم، خاصّة حين يتعلّق الأمر بالنساء الفقيرات، أو الأقلّ تعليماً، أو أولئك اللواتي لا سند لهن.

في قاعات المحاكم، كما في داخل القرى، تُختزل مصائر النساء في ورقة أو توقيع أو شهادة، بينما يُصاغ القانون على مقاس من له النفوذ أو القدرة على الضغط أو الواسطة.

ورغم جذور هذا الخلل في قانون الأحوال الشخصية، تتعمّق الفجوة اليوم مع غياب الدولة ومؤسّساتها عن دورها في حماية النساء، وضمان العدالة لجميع الضحايا، ضحايا الانفجار وضحايا القوانين معاً.

وربما، حين تتحقّق العدالة لكلّ ضحايا الانفجار، وتُحاسَب الأيدي المرتكبة، وتُصلَح قوانين الإرث والحضانة، يُمكننا القول: “لا أحد سيدفع الثمن مرّتين”.

تمّ تغيير بعض الأسماء حفاظاً على خصوصية الضحايا والقاصرين.