fbpx

من عبد الوهاب إلى ويجز… كيف أغضبت الأغنية المصرية “الذوق العام”؟ 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

الصورة الحالية للأغنية المصرية، لا تقوم فقط على تجاوز تدخّلات ضبطية وأخلاقية، وإنما تقوم على صراع حول قمّة مُتسعة، لا تتحمّل ثبات الصدارة سوى أيام قليلة، حتى تتراجع أغنية وتحلّ مكانها واحدة أخرى.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تحفلُ الأغنية المصرية بتاريخ طويل من المنع والوصم، إذ اعتادت الوقوف على أرض مُتوهّمة الثبات مهما تصاعدت نجوميتها، وعادة ما تنطلق الزلزلة أسفلها من خطاب مؤسسي، سواء بقرار نقابي  أو هجوم صحافي أو جماهيري مُحافظ، إلى آلية الوصم المُعتادة، وهي “إفساد الذوق العام”. 

نُعايش هذه الحالة من مُحاولات تبنّي مسؤولية الضبط الأخلاقي المُبطّن بسلطة تأديبية لمؤسسات تنظيمية وحقوقية مثل “نقابة الموسيقيين”، خلال العلاقة المحتدمة مُنذ سنوات مع فنّاني المهرجانات، وبدرجة أقل حدّة، مع فنّاني “التراب”. بأداة الوصم المُعتادة، ظهرت قرارات من نقابة الموسيقيين، بالمنع والإيقاف عن الغناء أو إصدار أي تصاريح، لفناني المهرجانات والتراب، تحت مُسمّى الضبط الأخلاقي والتصدّي لمُحاولات إفساد الذوق العام. 

من جهة أخرى، يصعدُ نجم مهرجان، أو تراك واحد لأحد الفنانين الشباب حالياً، بصورة تتجاوز حدود النقابة، بل ولها القُدرة على تجاوز الضبط الأخلاقي المؤسسي الحالي. لم يعد، جيل الشعبية، في حاجة أصلاً إلى الدعم النقابي، ولا يمكن إيقافه عن الغناء، وذلك لدخول هذا الجيل ضمن عجلة الإنتاج الحالية، إعلانات لشركات  كُبرى، وحفلات مُتكررة في منطقة الخليج العربي (السعودية بخاصة) وحتى بشكل شديد الأولية، ثمّة منصّات عرض يُمكنها أن تعمل كوسيط توزيع شديد النجاح، وليس على الجمهور سِوى المُشاركة بسماع الأغنية. 

لم تتشكّل آليات الوصم والاحتكاك اللئيم بالبُعد الأخلاقي الذي يُشرعن  سلطة المنع والهجوم على الأغنيات من اللحظة الراهنة، وبرغم التغيرات الشاملة، في سهولة عمل الأغنية، ووفرتها للجمهور، مقارنة بما قبل 2011، إلا أن الحوادث التاريخية شهدت مراحل تشكّل، تغيرات حادّة لقاعدة “إفساد الذوق العام”، التي برغم عجزها الحالي، ما زالت أداة خطابية فاعلة لنموذج بيروقراطي نقابي وثقافي يقتات عليها ليحافظ على مكانته.  

من جدل العالمات إلى قداسة فضائل الرجولة 

في كتاب “كل ده كان ليه؟” بدأت الباحثة والفنّانة فيروز كراوية مسيرة تتبّع الصدارة، وتلوّنات الحفاظ على “الذوق العام” في  الأغنية المصرية، من خلال حضُور النساء في المشهد الغنائي المصري أواخر القرن التاسع عشر، اللاتي كُنّ إما عالمات، أي يمتلكن صوتاً جيّداً ومعرفة بالمقامات الشرقية ومهارة العزف على آلة موسيقية، هذا النوع حُجزت له مساحة أخلاقية آمنة، بسبب إحيائهنّ حفلات منازل الطبقة الأرستقراطية العُليا، بينما الغازيات، كان احتكاكهنّ بطبقة مصنّفة أقل شأناً، في الموالد ومُناسبات الشوارع، المقاهي والعروض الشعبية. 

دفعت هذه التقسيمة الغازيات إلى امتهان بعضهنّ الدعارة، والاعتماد على الأجانب الموجودين في مصر كزبائن، ونتج عن ذلك عناء الغازيات وتعرضهنّ للعنف والإيذاء الجسدي، بسبب غياب المنظومة الإدارية، ولأن محمد علي كان قد ألغى تقنين الدعارة في 1837، بينما السُلطة الدينية وقتها، كانت مُنشغلة بهياجها الخطابي على الغازيات. 

عند ظُهور الأسطوانات في مطلع القرن العشرين، أُتيح للعوالم، بحُكم أمانهنّ في الحيّز الأخلاقي المُجتمعي، وبحكم الوعي الموسيقي والأدائي أيضاً، تسجيل “طقطوقة” نسائية، وكانت خطوة شديدة الأهمية في اقتحام النسوة سوق الغناء المصري، بسبب تزامُن ظهور الإسطوانات في مصر مع انتشار الصالات الليلية، التي شهدت وجود الغازيات والعوالم في حيّز عملٍ واحد. 

لم تدُم هذه المرحلة طويلاً دون اقتحام أخلاقي، ففي 1926، ظهرت حملة على خلاعة كلمات الطقطوقة، وهوجم الشيخ محمد يونس القاضي، أشهر كُتّاب الطقطوقة آنذاك، ليخرج إلى الصحافة مُطالباً بسُخرية مُبطّنة، بعمل رقابة جماعية على المجتمع، وليست الأغنيات فقط، طالما تعترض كلمات “الطقطوقة” أخلاقيات المُجتمع.

رُبما يكون الصعود الأول لقاعدة الذوق العام، وإفساد الفضائل الفنّية في المُجتمع المصري، مُبررة في سياق التعرّض لنساء يؤدين كلمات فيها مسحة من الجرأة والإشارات الجنسية، برغم أن نوع الأغنية “الطقطوقة” ذاته، حفظ لمُطرب مثل سيد درويش مجداً مُمتداً إلى الآن، مشمول بقيمية المُقاومة ومُناهضة الاحتلال ومصر الملكية، وهذا لا ينفي القيمة الموسيقية لحضور سيد درويش، بل يأتي فقط في إشارة إلى مرونة وسيولة التشكّلات الأولى لقاعدة ضبط وتحديد ما هو ضمن الذوق العام، وما هو ضده. 

دواخل زمن الفن الجميل 

شهد الجيل التالي لسيد درويش، تطوراً أكثر تركيب وتنوّع في الأغنية المصرية، بل وفي العلاقة مع السُلطة على اختلاف تشكّلاتها، لأنهم أدركوا طبيعة المسارات الداعمة لتحقق النجومية، وأيضاً لأن همّهم الأكبر كان معنياً بالمُنتج الفنّي ومسؤولية تجديده، موسيقى و كلمات و غناء. 

ظلّ هاجس الذوق العام حاضراً، ينبشُ هُنا وهناك حول أي شرارة يُمكنها تفعيله من جديد. في 1940، نشر سيد قُطب مقالاً في مجلة “الرسالة”، يُهاجم مطربين مصريين ويتهمهم بالفساد الذوقي، ونرى تحديداً مُبرره النقدي، أن هذا المُنتج الغنائي “يهدم بناء المجتمع المصري، ويحُطّم الخلق الشخصي ويحارب فضائل الرجل والمرأة”. حدّد قُطب، اغنيتين لمحمد عبد الوهاب (يا لوعتي يا شقايا- الهوان ويّاك معزّة) وأشار إلى كلماتهما، التي تؤذي الرجل المصري وفضائله، أشد أذيّة. 

تُحلل فيروز كراوية طبيعة النقد الذي قدّمه سيّد قطب، والذي كان سابقاً لأوانه المُتفحّش، إذ تحوّل هذا الرأي- بسبب الصعود الكبير للجماعات الدينية- إلى  توجّه نقدي للآداب والفنون في السبعينيات. يقوم رأي سيد قُطب على محورين، الأول هو انفصال الناقد عن تقييم العمل فنياً لصالح موضعته ضمن مساحة قيمية أخلاقية ودينية، وبهذا تفتقدُ العملية الفنّية خصوصيتها. كانت دعوى سيد قُطب، لاحقاً، خلال المرحلة الناصرية، أن يتم إزاحة طبقة فنّية التحقت بالبلاط الملكي المصري، بينما يقوم المِحور الثاني على مركزة فنّ المُهمّة والرسالة، أي يتم تعيين مُهمّة للمُنتج الفنّي، ونزع خصوصيته الجمالية والفنّية. ثمّة تناقض في محوري رأي سيد قُطب، فكيف يتم تحرير الفنّ من طبقة وائمت سُلطة سابقة، لصالح إعادة تقييدها ضمن إطار رسالي يعملون خلاله؟ 

تناسبت آلية الهجوم القُطبية المُوجّهة، بخاصة خلال مطلع الستينات والتوافق بين النظام الناصري وجماعة الإخوان المُسلمين. وجّه رئيس الوزراء كمال الدين حسين، عبد الحكيم عامر، بصفته وزيراً للحربية، بتنظيم حملات صحافية ضد الأغنيات الخلاعية، وتم نشر رجال من البوليس في الشارع لحلق رأس من يرقص على أغنية “تشا تشا” التي كانت حديث الساعة آنذاك، أو من يغني لعبد الحليم حافظ  “أبو عيون جريئة”، لأنها وُجهّت إلى ضمير مُخاطب ذكر وليس أنثى. 

في النصف الثاني من الستينات، استحال رأي سيد قُطب إلى خطاب مؤسّسي مثّله الأزهر بالتبادل مع أفواه جماعة الإخوان المُسلمين، فقد تم الهجوم من قِبل الشيخ محمد الغزالي على أغنية لست قلبي، التي غنّاها عبد الحليم حافظ في فيلم “معبودة الجماهير”. لم تمرّ جُملة “قدر أحمق الخُطى سحقت هامتي خُطاه” على الشيخ الغزالي، واتُهم عبد الحليم، ومأمون الشنّاوي كاتب الأغنية، بأنّ هذا مُخالف للدين، واعتراض على المشيئة الإلهية. 

تأتي هذه الحوادث، التي شكّلت ما يُشبه سلطة محكمية مُتنقلة لاحقاً، لتشمل الهجوم على مُختلف الأعمال الفنّية والأدبية، بينما تحتفظُ التصوّرات المؤسسية عن هذه المرحلة حالياً، بأنها زمن الفن الجميل، المُهذّب والراقي، ويحتمي بها نوّاب “الكود” الأخلاقي ومُمثّلو النقابة، باعتبارها مرجعاً فنياً تجب العودة إليه، وبرغم أن في ذلك تجهيلاً لخصوصية كل مرحلة.

تحفلُ الأغنية المصرية بتاريخ طويل من المنع والوصم، إذ اعتادت الوقوف على أرض مُتوهّمة الثبات مهما تصاعدت نجوميتها

صوت في كل مكان

عقب فشل المشروع الناصري، اتجّهت الدولة في مرحلة السادات إلى التراجع عن طابع الدولة الشاملة التي حاولت حشد القطاع الفنّي والثقافي ضمن إطار وظيفي لمصلحة السلطة. أفل نجم الجيل السابق، وظهر نجوم جُدد ونجمات جديدات، بطابع مُتأثر بالانفتاح الاقتصادي وهاجس المُعاصرة والتأثر بالفرق الشبابية الأميركية والأوروبية، هذه الفرق الآن تشغلُ أغنياتها حيّزاً كبيراً من استدعاء ما هو حميمي وحيوي في الأغنية المصرية، مثل فرقة “المصرييين” و”فور إم”. 

 مع التغيرات السياسية، وإعادة تشكيل هيكل الطبقات الاجتماعية، بمزيد من التضييق على مساحات تنفيس الطبقة الوُسطى، تحوّل مفهوم “الشعبي” في الأغنية عن صُورته في الستينيات. كان الغناء الشعبي في الستينيات، مُدرج ضمن المنظور التراثي السائد عن الفنون الشعبية، بحيث يتمّ تنقيحه، وكانت للمؤسسة المصرية  مُساهمات في حضوره، مثل تقديمها لمحمد رشدي.  

خلال مرحلة التغيّر في الأغنية المصرية، كان أحمد عدويّة خلال أواخر الستينات، يُغنّي في أماكن  فقيرة، أفراح وسهرات، تُلزمه أن يُكمل الليلة حتى الصباح ليحصل على أجرة جنيه كامل، وبعد الغناء في صالات شارع الهرم، تفجّرت شعبيته بعد أغنية “السح الدح إمبو”، والتي اعتُبر تسجيلها، مجازفة، ولم يكن متوقعاً أن تحظى بهذه الشعبية الكبيرة. 

الشُهرة الكبيرة التي حصل عليها أحمد عدوية، كقطب للأغنية الشعبية في زمانه، واجهها مركز قُوى جديد ضمن فرقة حماية الذوق العام، فالشعبي الذي كان مضموناً داخل مشروعية السُلطة في الستينات، استحال إلى نوع خارج المؤسسة، مقصيّ ومنبوذ، إلا أن مطربيه اكتسبوا آليات شُهرة خارج إطار الضبط السلطوي.

بديلاً عن المؤسسة التي نزعت يدها عن المجال الفنّي، طالما لن يدخل في محظورات النقد والمُساءلة السياسية، تبنّى القطاع الثقافي مسؤولية الهجوم على أحمد عدوية، ففي عدد 13-8-1976، نشرت صحيفة “الأخبار” خبراً في باب “أخبار الناس”، يُشير إلى توزيع منشورات من قبل منظمة الشباب في الاتحاد الاشتراكي، مفادها أن أغنيات عدوية وكلماته مُمتلئة بالإسفاف. 

في مقال “مثقفون وسلطة وعدوية”  يُشير الكاتب أحمد ناجي إلى انطلاق مدافع النقد والهجوم ضد أي شيء يتعلّق بعدوية، فقد كان يحتفى بكل من يتطاول عليه أو ينتقده، درجة أن المجموعة القصصية “أحمد عدوية.. وأشياء” لعبد العال الحمامصي، والتي كانت تنتقدُ “زمن عدوية”، حصلت على جائزة الدولة التشجيعية، وعلّق عدوية على فوز المجموعة قائلاً “أرزاق والله… الراجل حط اسمي على كتاب أخد جايزة”.

في السياق ذاته، قال صلاح عيسى عن عدوية ساخراً، إنّه “العندليب الأخنف”، واصفاً أغنيته بأنها فنّ سوقي. بعيداً من تجاوزات عيسى الساخرة، فقد كان له رأي سياسي حول نجومية أحمد عدوية، إذ انتقد أغنيته باعتبارها نوعاً من العُنصرية الطبقية، وامتداداً لطبائع الانفتاح الاقتصادي وصراع المواقع الطبقية ومركزية الدولة في توجيه الفنّ.

تنتقدُ فيروز كراوية في كتابها، رأي صلاح عيسى، لأنه يُصدّر نموذج مُتلقّ أبله، إضافةً إلى الإحالة الخاطئة لعلاقة مركزية المؤسسة بأغنية عدوية، إذ كانت المؤسسة تتراجع أمام زخم التعدد الموسيقي لإنتاج السبعينات والثمانينات. 

في المقابل، لم يكن عدوية، محتاجاً للانبطاح أمام الهجوم الصحافي، أو مُغازلة الإذاعة حتى ترضى عنه، فقد سُجلت أغنيته “كركشنجي” في اليونان، وسُمع صداها في أنحاء القاهرة. 

مزيد من إفساد الذوق العام 

خلال موجة الغضب من نقابة الموسيقيين، والإذاعة، قال عدوية في أحد حواراته “أنا صوتي في كل مكان، لن أذهب إلى الإذاعة، ولا أريد منها شيئاً”. تكررت نفس الحادثة، وبنفس التقدير الذاتي لمدى جماهيرية النجم وقدرته على تحجيم سُلطة المؤسسة، خلال أحد الصيحات المُعتادة لنقابة الموسيقيين في الآونة الأخيرة ضد جيل التراب، إذ طلب نقيب الموسيقيين مصطفى كامل عقد اجتماع مع فنّاني التراب الممنوعين من إخراج أي تصاريح، ولم يحضر كثير منهم. 

رغم أن آليات الوصم والنقد، ثم المنع، تحوي نفس متن تُهمة “إفساد الذوق العام” فيما يتعلّق بالهجوم على كثير من فنّاني التراب والمهرجانات، لكن السنوات العشرة الماضية خلقت فضاءاً افتراضياً واسعاً، واحدة من إيجابياته هو سهولة تفعيل الوسيط بين صُنّاع الأغنية، أو الأغنية ذاتها، وبين الجُمهور. 

الرد النقابي المُهاجم لجيل الشباب الحالي، يُشبه أزمة حميد الشاعري في الثمانينات، حين قدّم نفسه كرائد لموجة غنائية مُتجاوز للذوق الكلاسيكي السابق. ظهر حميد بهيئة مُطرب وموزّع مُختلفة ، بملابس كاجوال أو رياضية على المسرح، مع إدخال تقنيات تسجيلية ضمن الأغنية، وهذا تحديداً  ضخّم الأزمة بينه وبين النقابة، لأن الأخيرة فوجئت بإبعادها عن مُنتج فنّي له شعبية كبيرة، نظراً لأن حميد خلال الثمانينيات والتسعينيات، ساهم بشكل كبير في تقديم أصوات مثّلت جيلاً غنائياً جديداً. 

استغناء حميد عن ضرورة الاستعانة بالآلات الموسيقية الحيّة، يعود، كما  تُشير فيروز كراوية، إلى محدودية مهاراته في التوزيع، ولذلك كان أسلوبه مُقتصر على استخدام عيّنات صوتية على “الكيبوردز”، وفي ذلك تقليل لتكلفة الإنتاج، وسهولة في تقديم صوت جديد.

برغم أن الأزمة لا تتعلق، بالضرورة، بالجانب الثقافي للأغنية، بقدر ما تتعلق بخوف النقابة على فُرص عمل عازفيها، لكن كما جرت العادة، فالهجوم المُعتمد على الوصم وإفساد الذوق وهدم فضيلة الغناء، عادة ما يكون الغطاء المُناسب لشعور النقابة ومُمثليها بأزمة في أكل عيشهم. 

في دراسة ” بين الراب والمهرجانات.. مُعاداة الموسيقى المعاصرة في مصر”   يُذكر أن الإجراءات التعسّفية التي أصدرتها النقابة، مثل إلغاء الغناء بالفلاشة، وإلزام المؤدي أن يُغنّي بصحبة 80 عازف، تعود أولاً، إلى المزاج المؤسسي الحالي القائم على التربّح، بعيداً من جوانب تبنّي الألوان الغنائية الجديدة، أو على الأقل مُحاولة الاستثمار فيها دون تعجيز مُنتجها أو وضعه في إطار نقد أخلاقي، ينزع عنه خصوصيته. 

كان الاشتباك الأول من قِبل فنّاني التراب والمهرجانات، حين امتنعت النقابة عن إصدار تصاريح دائمة، وكان الفنانون يقومون بإحياء حفلاتهم، من خلال تصاريح موقتة باليوم الواحد، بينما تُشير الدراسة المذكورة سابقاً، إلى أن هناك شُعبة مُدرجة لمغني الراب منذ 2013، إضافة إلى وجود بند نقابي يشمل قُبول الأشكال الغنائية الحديثة، من حيث الآلات والأداء. 

اتجهت النقابة لاحقاً، إلى خطوات وقرارات خارج اختصاصها، مثل التدخل في حركة وأداء الفنّانين على المسرح، أو منع مُطرب بسبب لمحة سخرية من زميله على المسرح، وكان الهجوم، طبعاً، تحت بند الذوق العام والمشاعر الدينية.

تُطالعنا التداخلات المؤسسية الفاعلة في الإنتاج الموسيقي، وفي انتاج النجم حالياً، إلى عجز المؤسسة المصرية، وعدم إهتمامها أيضاً، بجيل التراب والمهرجانات الحالي، فخلال إيقاف عفروتو وويجز من قِبل النقابة، كان الإثنان يحييان حفل في أيلول/ سبتمبر 2021، بحفل في مركز  المنارة التابع  للقوات المُسلّحة، إضافةً إلى انطلاق كثر منهم في فضاءات دُول الخليج العربي لإحياء حفلات، وفي سوق الإعلانات المصري، أصبح تأثير ويجز، أو أبو الأنوار، في إعلان تجاري، يُقابل في الأهمية تأثير نجم سينمائي كبير من نجوم جيل السينما المُباركة والنظيفة. 

مُناوشات حماية الذوق العام و حشر الجانب الأخلاقي كمواد قيمية  للأغنية، هي مسألة مُستدامة لمُجتمعنا المصري، الذي يُجيد إعادة إنتاج أفكاره المُحافظة، والتي تُعطي للطبقة الوسطى حيّز وهمي، زائل منذ زمن خلال تصاعد الأزمات الاقتصادية في السنوات الأخيرة، ولذلك فإن تُهم قائمة على جمل خطابية وآليات شعبوية، ستظلُ باقية حتى وإن تهشّمت فاعليتها أمام تغيرات سياقات الإنتاج حالياً. 

الصورة الحالية للأغنية المصرية، لا تقوم فقط على تجاوز تدخّلات ضبطية وأخلاقية، وإنما تقوم على صراع حول قمّة مُتسعة، لا تتحمّل ثبات الصدارة سوى أيام قليلة، حتى تتراجع أغنية وتحلّ مكانها واحدة أخرى. ثمّة سيولة تبدأ في طبيعة حياتنا، من تحلل للنظم الثقافية والروابط الإجتماعية والنماذج السلوكية، وتنتهي عند المُنتج الذي نحتفي به، لأيام، كي يمُر سريعاً بسبب مناوشات تُشعل المجال، ليظهر أباً جديداً له، لأيام معدودة، حتى تتسيّد أغنية أخرى. 

فداء زياد - كاتبة فلسطينية من غزة | 14.06.2024

عن تخمة الشعور واختبارات النجاة في غزة

ليلة اقتحام رفح، كانت حيلتي أن أستعير أقدام الطبيبة أميرة العسولي، المرأة الطبيبة التي جازفت بحياتها لتنقذ حياة مصاب، فترة حصار الجيش الإسرائيلي مستشفى ناصر في خانيونس، كي أحاول إنقاذ أخي وعائلته وأختي وأبنائها المقيمين في الجهة المقابلة لنا، لأنهم كانوا أكثر قرباً من الخطر.
24.06.2023
زمن القراءة: 10 minutes

الصورة الحالية للأغنية المصرية، لا تقوم فقط على تجاوز تدخّلات ضبطية وأخلاقية، وإنما تقوم على صراع حول قمّة مُتسعة، لا تتحمّل ثبات الصدارة سوى أيام قليلة، حتى تتراجع أغنية وتحلّ مكانها واحدة أخرى.

تحفلُ الأغنية المصرية بتاريخ طويل من المنع والوصم، إذ اعتادت الوقوف على أرض مُتوهّمة الثبات مهما تصاعدت نجوميتها، وعادة ما تنطلق الزلزلة أسفلها من خطاب مؤسسي، سواء بقرار نقابي  أو هجوم صحافي أو جماهيري مُحافظ، إلى آلية الوصم المُعتادة، وهي “إفساد الذوق العام”. 

نُعايش هذه الحالة من مُحاولات تبنّي مسؤولية الضبط الأخلاقي المُبطّن بسلطة تأديبية لمؤسسات تنظيمية وحقوقية مثل “نقابة الموسيقيين”، خلال العلاقة المحتدمة مُنذ سنوات مع فنّاني المهرجانات، وبدرجة أقل حدّة، مع فنّاني “التراب”. بأداة الوصم المُعتادة، ظهرت قرارات من نقابة الموسيقيين، بالمنع والإيقاف عن الغناء أو إصدار أي تصاريح، لفناني المهرجانات والتراب، تحت مُسمّى الضبط الأخلاقي والتصدّي لمُحاولات إفساد الذوق العام. 

من جهة أخرى، يصعدُ نجم مهرجان، أو تراك واحد لأحد الفنانين الشباب حالياً، بصورة تتجاوز حدود النقابة، بل ولها القُدرة على تجاوز الضبط الأخلاقي المؤسسي الحالي. لم يعد، جيل الشعبية، في حاجة أصلاً إلى الدعم النقابي، ولا يمكن إيقافه عن الغناء، وذلك لدخول هذا الجيل ضمن عجلة الإنتاج الحالية، إعلانات لشركات  كُبرى، وحفلات مُتكررة في منطقة الخليج العربي (السعودية بخاصة) وحتى بشكل شديد الأولية، ثمّة منصّات عرض يُمكنها أن تعمل كوسيط توزيع شديد النجاح، وليس على الجمهور سِوى المُشاركة بسماع الأغنية. 

لم تتشكّل آليات الوصم والاحتكاك اللئيم بالبُعد الأخلاقي الذي يُشرعن  سلطة المنع والهجوم على الأغنيات من اللحظة الراهنة، وبرغم التغيرات الشاملة، في سهولة عمل الأغنية، ووفرتها للجمهور، مقارنة بما قبل 2011، إلا أن الحوادث التاريخية شهدت مراحل تشكّل، تغيرات حادّة لقاعدة “إفساد الذوق العام”، التي برغم عجزها الحالي، ما زالت أداة خطابية فاعلة لنموذج بيروقراطي نقابي وثقافي يقتات عليها ليحافظ على مكانته.  

من جدل العالمات إلى قداسة فضائل الرجولة 

في كتاب “كل ده كان ليه؟” بدأت الباحثة والفنّانة فيروز كراوية مسيرة تتبّع الصدارة، وتلوّنات الحفاظ على “الذوق العام” في  الأغنية المصرية، من خلال حضُور النساء في المشهد الغنائي المصري أواخر القرن التاسع عشر، اللاتي كُنّ إما عالمات، أي يمتلكن صوتاً جيّداً ومعرفة بالمقامات الشرقية ومهارة العزف على آلة موسيقية، هذا النوع حُجزت له مساحة أخلاقية آمنة، بسبب إحيائهنّ حفلات منازل الطبقة الأرستقراطية العُليا، بينما الغازيات، كان احتكاكهنّ بطبقة مصنّفة أقل شأناً، في الموالد ومُناسبات الشوارع، المقاهي والعروض الشعبية. 

دفعت هذه التقسيمة الغازيات إلى امتهان بعضهنّ الدعارة، والاعتماد على الأجانب الموجودين في مصر كزبائن، ونتج عن ذلك عناء الغازيات وتعرضهنّ للعنف والإيذاء الجسدي، بسبب غياب المنظومة الإدارية، ولأن محمد علي كان قد ألغى تقنين الدعارة في 1837، بينما السُلطة الدينية وقتها، كانت مُنشغلة بهياجها الخطابي على الغازيات. 

عند ظُهور الأسطوانات في مطلع القرن العشرين، أُتيح للعوالم، بحُكم أمانهنّ في الحيّز الأخلاقي المُجتمعي، وبحكم الوعي الموسيقي والأدائي أيضاً، تسجيل “طقطوقة” نسائية، وكانت خطوة شديدة الأهمية في اقتحام النسوة سوق الغناء المصري، بسبب تزامُن ظهور الإسطوانات في مصر مع انتشار الصالات الليلية، التي شهدت وجود الغازيات والعوالم في حيّز عملٍ واحد. 

لم تدُم هذه المرحلة طويلاً دون اقتحام أخلاقي، ففي 1926، ظهرت حملة على خلاعة كلمات الطقطوقة، وهوجم الشيخ محمد يونس القاضي، أشهر كُتّاب الطقطوقة آنذاك، ليخرج إلى الصحافة مُطالباً بسُخرية مُبطّنة، بعمل رقابة جماعية على المجتمع، وليست الأغنيات فقط، طالما تعترض كلمات “الطقطوقة” أخلاقيات المُجتمع.

رُبما يكون الصعود الأول لقاعدة الذوق العام، وإفساد الفضائل الفنّية في المُجتمع المصري، مُبررة في سياق التعرّض لنساء يؤدين كلمات فيها مسحة من الجرأة والإشارات الجنسية، برغم أن نوع الأغنية “الطقطوقة” ذاته، حفظ لمُطرب مثل سيد درويش مجداً مُمتداً إلى الآن، مشمول بقيمية المُقاومة ومُناهضة الاحتلال ومصر الملكية، وهذا لا ينفي القيمة الموسيقية لحضور سيد درويش، بل يأتي فقط في إشارة إلى مرونة وسيولة التشكّلات الأولى لقاعدة ضبط وتحديد ما هو ضمن الذوق العام، وما هو ضده. 

دواخل زمن الفن الجميل 

شهد الجيل التالي لسيد درويش، تطوراً أكثر تركيب وتنوّع في الأغنية المصرية، بل وفي العلاقة مع السُلطة على اختلاف تشكّلاتها، لأنهم أدركوا طبيعة المسارات الداعمة لتحقق النجومية، وأيضاً لأن همّهم الأكبر كان معنياً بالمُنتج الفنّي ومسؤولية تجديده، موسيقى و كلمات و غناء. 

ظلّ هاجس الذوق العام حاضراً، ينبشُ هُنا وهناك حول أي شرارة يُمكنها تفعيله من جديد. في 1940، نشر سيد قُطب مقالاً في مجلة “الرسالة”، يُهاجم مطربين مصريين ويتهمهم بالفساد الذوقي، ونرى تحديداً مُبرره النقدي، أن هذا المُنتج الغنائي “يهدم بناء المجتمع المصري، ويحُطّم الخلق الشخصي ويحارب فضائل الرجل والمرأة”. حدّد قُطب، اغنيتين لمحمد عبد الوهاب (يا لوعتي يا شقايا- الهوان ويّاك معزّة) وأشار إلى كلماتهما، التي تؤذي الرجل المصري وفضائله، أشد أذيّة. 

تُحلل فيروز كراوية طبيعة النقد الذي قدّمه سيّد قطب، والذي كان سابقاً لأوانه المُتفحّش، إذ تحوّل هذا الرأي- بسبب الصعود الكبير للجماعات الدينية- إلى  توجّه نقدي للآداب والفنون في السبعينيات. يقوم رأي سيد قُطب على محورين، الأول هو انفصال الناقد عن تقييم العمل فنياً لصالح موضعته ضمن مساحة قيمية أخلاقية ودينية، وبهذا تفتقدُ العملية الفنّية خصوصيتها. كانت دعوى سيد قُطب، لاحقاً، خلال المرحلة الناصرية، أن يتم إزاحة طبقة فنّية التحقت بالبلاط الملكي المصري، بينما يقوم المِحور الثاني على مركزة فنّ المُهمّة والرسالة، أي يتم تعيين مُهمّة للمُنتج الفنّي، ونزع خصوصيته الجمالية والفنّية. ثمّة تناقض في محوري رأي سيد قُطب، فكيف يتم تحرير الفنّ من طبقة وائمت سُلطة سابقة، لصالح إعادة تقييدها ضمن إطار رسالي يعملون خلاله؟ 

تناسبت آلية الهجوم القُطبية المُوجّهة، بخاصة خلال مطلع الستينات والتوافق بين النظام الناصري وجماعة الإخوان المُسلمين. وجّه رئيس الوزراء كمال الدين حسين، عبد الحكيم عامر، بصفته وزيراً للحربية، بتنظيم حملات صحافية ضد الأغنيات الخلاعية، وتم نشر رجال من البوليس في الشارع لحلق رأس من يرقص على أغنية “تشا تشا” التي كانت حديث الساعة آنذاك، أو من يغني لعبد الحليم حافظ  “أبو عيون جريئة”، لأنها وُجهّت إلى ضمير مُخاطب ذكر وليس أنثى. 

في النصف الثاني من الستينات، استحال رأي سيد قُطب إلى خطاب مؤسّسي مثّله الأزهر بالتبادل مع أفواه جماعة الإخوان المُسلمين، فقد تم الهجوم من قِبل الشيخ محمد الغزالي على أغنية لست قلبي، التي غنّاها عبد الحليم حافظ في فيلم “معبودة الجماهير”. لم تمرّ جُملة “قدر أحمق الخُطى سحقت هامتي خُطاه” على الشيخ الغزالي، واتُهم عبد الحليم، ومأمون الشنّاوي كاتب الأغنية، بأنّ هذا مُخالف للدين، واعتراض على المشيئة الإلهية. 

تأتي هذه الحوادث، التي شكّلت ما يُشبه سلطة محكمية مُتنقلة لاحقاً، لتشمل الهجوم على مُختلف الأعمال الفنّية والأدبية، بينما تحتفظُ التصوّرات المؤسسية عن هذه المرحلة حالياً، بأنها زمن الفن الجميل، المُهذّب والراقي، ويحتمي بها نوّاب “الكود” الأخلاقي ومُمثّلو النقابة، باعتبارها مرجعاً فنياً تجب العودة إليه، وبرغم أن في ذلك تجهيلاً لخصوصية كل مرحلة.

تحفلُ الأغنية المصرية بتاريخ طويل من المنع والوصم، إذ اعتادت الوقوف على أرض مُتوهّمة الثبات مهما تصاعدت نجوميتها

صوت في كل مكان

عقب فشل المشروع الناصري، اتجّهت الدولة في مرحلة السادات إلى التراجع عن طابع الدولة الشاملة التي حاولت حشد القطاع الفنّي والثقافي ضمن إطار وظيفي لمصلحة السلطة. أفل نجم الجيل السابق، وظهر نجوم جُدد ونجمات جديدات، بطابع مُتأثر بالانفتاح الاقتصادي وهاجس المُعاصرة والتأثر بالفرق الشبابية الأميركية والأوروبية، هذه الفرق الآن تشغلُ أغنياتها حيّزاً كبيراً من استدعاء ما هو حميمي وحيوي في الأغنية المصرية، مثل فرقة “المصرييين” و”فور إم”. 

 مع التغيرات السياسية، وإعادة تشكيل هيكل الطبقات الاجتماعية، بمزيد من التضييق على مساحات تنفيس الطبقة الوُسطى، تحوّل مفهوم “الشعبي” في الأغنية عن صُورته في الستينيات. كان الغناء الشعبي في الستينيات، مُدرج ضمن المنظور التراثي السائد عن الفنون الشعبية، بحيث يتمّ تنقيحه، وكانت للمؤسسة المصرية  مُساهمات في حضوره، مثل تقديمها لمحمد رشدي.  

خلال مرحلة التغيّر في الأغنية المصرية، كان أحمد عدويّة خلال أواخر الستينات، يُغنّي في أماكن  فقيرة، أفراح وسهرات، تُلزمه أن يُكمل الليلة حتى الصباح ليحصل على أجرة جنيه كامل، وبعد الغناء في صالات شارع الهرم، تفجّرت شعبيته بعد أغنية “السح الدح إمبو”، والتي اعتُبر تسجيلها، مجازفة، ولم يكن متوقعاً أن تحظى بهذه الشعبية الكبيرة. 

الشُهرة الكبيرة التي حصل عليها أحمد عدوية، كقطب للأغنية الشعبية في زمانه، واجهها مركز قُوى جديد ضمن فرقة حماية الذوق العام، فالشعبي الذي كان مضموناً داخل مشروعية السُلطة في الستينات، استحال إلى نوع خارج المؤسسة، مقصيّ ومنبوذ، إلا أن مطربيه اكتسبوا آليات شُهرة خارج إطار الضبط السلطوي.

بديلاً عن المؤسسة التي نزعت يدها عن المجال الفنّي، طالما لن يدخل في محظورات النقد والمُساءلة السياسية، تبنّى القطاع الثقافي مسؤولية الهجوم على أحمد عدوية، ففي عدد 13-8-1976، نشرت صحيفة “الأخبار” خبراً في باب “أخبار الناس”، يُشير إلى توزيع منشورات من قبل منظمة الشباب في الاتحاد الاشتراكي، مفادها أن أغنيات عدوية وكلماته مُمتلئة بالإسفاف. 

في مقال “مثقفون وسلطة وعدوية”  يُشير الكاتب أحمد ناجي إلى انطلاق مدافع النقد والهجوم ضد أي شيء يتعلّق بعدوية، فقد كان يحتفى بكل من يتطاول عليه أو ينتقده، درجة أن المجموعة القصصية “أحمد عدوية.. وأشياء” لعبد العال الحمامصي، والتي كانت تنتقدُ “زمن عدوية”، حصلت على جائزة الدولة التشجيعية، وعلّق عدوية على فوز المجموعة قائلاً “أرزاق والله… الراجل حط اسمي على كتاب أخد جايزة”.

في السياق ذاته، قال صلاح عيسى عن عدوية ساخراً، إنّه “العندليب الأخنف”، واصفاً أغنيته بأنها فنّ سوقي. بعيداً من تجاوزات عيسى الساخرة، فقد كان له رأي سياسي حول نجومية أحمد عدوية، إذ انتقد أغنيته باعتبارها نوعاً من العُنصرية الطبقية، وامتداداً لطبائع الانفتاح الاقتصادي وصراع المواقع الطبقية ومركزية الدولة في توجيه الفنّ.

تنتقدُ فيروز كراوية في كتابها، رأي صلاح عيسى، لأنه يُصدّر نموذج مُتلقّ أبله، إضافةً إلى الإحالة الخاطئة لعلاقة مركزية المؤسسة بأغنية عدوية، إذ كانت المؤسسة تتراجع أمام زخم التعدد الموسيقي لإنتاج السبعينات والثمانينات. 

في المقابل، لم يكن عدوية، محتاجاً للانبطاح أمام الهجوم الصحافي، أو مُغازلة الإذاعة حتى ترضى عنه، فقد سُجلت أغنيته “كركشنجي” في اليونان، وسُمع صداها في أنحاء القاهرة. 

مزيد من إفساد الذوق العام 

خلال موجة الغضب من نقابة الموسيقيين، والإذاعة، قال عدوية في أحد حواراته “أنا صوتي في كل مكان، لن أذهب إلى الإذاعة، ولا أريد منها شيئاً”. تكررت نفس الحادثة، وبنفس التقدير الذاتي لمدى جماهيرية النجم وقدرته على تحجيم سُلطة المؤسسة، خلال أحد الصيحات المُعتادة لنقابة الموسيقيين في الآونة الأخيرة ضد جيل التراب، إذ طلب نقيب الموسيقيين مصطفى كامل عقد اجتماع مع فنّاني التراب الممنوعين من إخراج أي تصاريح، ولم يحضر كثير منهم. 

رغم أن آليات الوصم والنقد، ثم المنع، تحوي نفس متن تُهمة “إفساد الذوق العام” فيما يتعلّق بالهجوم على كثير من فنّاني التراب والمهرجانات، لكن السنوات العشرة الماضية خلقت فضاءاً افتراضياً واسعاً، واحدة من إيجابياته هو سهولة تفعيل الوسيط بين صُنّاع الأغنية، أو الأغنية ذاتها، وبين الجُمهور. 

الرد النقابي المُهاجم لجيل الشباب الحالي، يُشبه أزمة حميد الشاعري في الثمانينات، حين قدّم نفسه كرائد لموجة غنائية مُتجاوز للذوق الكلاسيكي السابق. ظهر حميد بهيئة مُطرب وموزّع مُختلفة ، بملابس كاجوال أو رياضية على المسرح، مع إدخال تقنيات تسجيلية ضمن الأغنية، وهذا تحديداً  ضخّم الأزمة بينه وبين النقابة، لأن الأخيرة فوجئت بإبعادها عن مُنتج فنّي له شعبية كبيرة، نظراً لأن حميد خلال الثمانينيات والتسعينيات، ساهم بشكل كبير في تقديم أصوات مثّلت جيلاً غنائياً جديداً. 

استغناء حميد عن ضرورة الاستعانة بالآلات الموسيقية الحيّة، يعود، كما  تُشير فيروز كراوية، إلى محدودية مهاراته في التوزيع، ولذلك كان أسلوبه مُقتصر على استخدام عيّنات صوتية على “الكيبوردز”، وفي ذلك تقليل لتكلفة الإنتاج، وسهولة في تقديم صوت جديد.

برغم أن الأزمة لا تتعلق، بالضرورة، بالجانب الثقافي للأغنية، بقدر ما تتعلق بخوف النقابة على فُرص عمل عازفيها، لكن كما جرت العادة، فالهجوم المُعتمد على الوصم وإفساد الذوق وهدم فضيلة الغناء، عادة ما يكون الغطاء المُناسب لشعور النقابة ومُمثليها بأزمة في أكل عيشهم. 

في دراسة ” بين الراب والمهرجانات.. مُعاداة الموسيقى المعاصرة في مصر”   يُذكر أن الإجراءات التعسّفية التي أصدرتها النقابة، مثل إلغاء الغناء بالفلاشة، وإلزام المؤدي أن يُغنّي بصحبة 80 عازف، تعود أولاً، إلى المزاج المؤسسي الحالي القائم على التربّح، بعيداً من جوانب تبنّي الألوان الغنائية الجديدة، أو على الأقل مُحاولة الاستثمار فيها دون تعجيز مُنتجها أو وضعه في إطار نقد أخلاقي، ينزع عنه خصوصيته. 

كان الاشتباك الأول من قِبل فنّاني التراب والمهرجانات، حين امتنعت النقابة عن إصدار تصاريح دائمة، وكان الفنانون يقومون بإحياء حفلاتهم، من خلال تصاريح موقتة باليوم الواحد، بينما تُشير الدراسة المذكورة سابقاً، إلى أن هناك شُعبة مُدرجة لمغني الراب منذ 2013، إضافة إلى وجود بند نقابي يشمل قُبول الأشكال الغنائية الحديثة، من حيث الآلات والأداء. 

اتجهت النقابة لاحقاً، إلى خطوات وقرارات خارج اختصاصها، مثل التدخل في حركة وأداء الفنّانين على المسرح، أو منع مُطرب بسبب لمحة سخرية من زميله على المسرح، وكان الهجوم، طبعاً، تحت بند الذوق العام والمشاعر الدينية.

تُطالعنا التداخلات المؤسسية الفاعلة في الإنتاج الموسيقي، وفي انتاج النجم حالياً، إلى عجز المؤسسة المصرية، وعدم إهتمامها أيضاً، بجيل التراب والمهرجانات الحالي، فخلال إيقاف عفروتو وويجز من قِبل النقابة، كان الإثنان يحييان حفل في أيلول/ سبتمبر 2021، بحفل في مركز  المنارة التابع  للقوات المُسلّحة، إضافةً إلى انطلاق كثر منهم في فضاءات دُول الخليج العربي لإحياء حفلات، وفي سوق الإعلانات المصري، أصبح تأثير ويجز، أو أبو الأنوار، في إعلان تجاري، يُقابل في الأهمية تأثير نجم سينمائي كبير من نجوم جيل السينما المُباركة والنظيفة. 

مُناوشات حماية الذوق العام و حشر الجانب الأخلاقي كمواد قيمية  للأغنية، هي مسألة مُستدامة لمُجتمعنا المصري، الذي يُجيد إعادة إنتاج أفكاره المُحافظة، والتي تُعطي للطبقة الوسطى حيّز وهمي، زائل منذ زمن خلال تصاعد الأزمات الاقتصادية في السنوات الأخيرة، ولذلك فإن تُهم قائمة على جمل خطابية وآليات شعبوية، ستظلُ باقية حتى وإن تهشّمت فاعليتها أمام تغيرات سياقات الإنتاج حالياً. 

الصورة الحالية للأغنية المصرية، لا تقوم فقط على تجاوز تدخّلات ضبطية وأخلاقية، وإنما تقوم على صراع حول قمّة مُتسعة، لا تتحمّل ثبات الصدارة سوى أيام قليلة، حتى تتراجع أغنية وتحلّ مكانها واحدة أخرى. ثمّة سيولة تبدأ في طبيعة حياتنا، من تحلل للنظم الثقافية والروابط الإجتماعية والنماذج السلوكية، وتنتهي عند المُنتج الذي نحتفي به، لأيام، كي يمُر سريعاً بسبب مناوشات تُشعل المجال، ليظهر أباً جديداً له، لأيام معدودة، حتى تتسيّد أغنية أخرى. 

24.06.2023
زمن القراءة: 10 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية