استقال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر من زعامة حزب العمال، تمهيداً لمغادرته رئاسة الحكومة بعد أقل من عامين على وصوله إلى السلطة بغالبية برلمانية كاسحة.
جاء قراره بعد تصاعد الضغوط داخل الحزب، واقتناع عدد متزايد من نوابه ووزرائه بأنه لم يعد قادراً على قيادة العمال إلى الانتخابات العامة المقبلة.
وقال ستارمر في بيان استقالته: “السؤال الذي يطرحه حزبي الآن هو ما إذا كنت الشخص الأنسب لقيادتنا في الانتخابات العامة المقبلة. لقد سمعت إجابة حزبي البرلماني، وأتقبّلها برحابة صدر”.
لكن استقالة ستارمر لم تكن نتيجة انتكاسة واحدة، بل خاتمة مسار من التعثر السياسي والاقتصادي، والانقسامات الداخلية، والقرارات المثيرة للجدل، قبل أن تأتي عودة آندي بورنهام إلى البرلمان لتجعل بقاءه في المنصب شبه مستحيل.
انتصار تاريخي لم يتحوّل إلى مشروع حكم
قبل أقل من عامين، قاد ستارمر حزب العمال إلى انتصار تاريخي أنهى أربعة عشر عاماً متواصلة من حكم المحافظين. وبعد سنوات من الفوضى التي رافقت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وتعاقب الحكومات المحافظة، بدا ستارمر للكثيرين مرشحاً لإعادة الاستقرار والانضباط إلى الحياة السياسية البريطانية.
غير أن الغالبية البرلمانية الكبيرة لم تتحول إلى زخم سياسي مماثل.
دخلت الحكومة وهي تَعِد بتحقيق النمو الاقتصادي، وإصلاح هيئة الخدمات الصحية الوطنية، وضبط الهجرة، وتحسين مستويات المعيشة. لكن الاقتصاد ظل ضعيف النمو، فيما استمرت أزمة غلاء المعيشة، وبقيت الخدمات العامة تحت ضغط شديد.
وفي ملف الهجرة، تبنّت حكومة ستارمر خطاباً أكثر تشدداً، من دون أن تنجح في خفض أعداد الوافدين أو وقف القوارب الصغيرة التي تعبر القنال الإنكليزي. وأدى ذلك إلى خسارتها جزءاً من قاعدتها اليسارية، من دون أن تتمكن من استعادة الناخبين الذين انتقلوا إلى حزب “إصلاح المملكة المتحدة” بزعامة نايجل فاراج.
أما في القطاع الصحي، فعلى الرغم من إعلان الحكومة إحراز تقدم في تقليص بعض لوائح الانتظار، ظلت الأزمات الجديدة تتراكم بوتيرة أسرع من قدرة الحكومة على معالجتها.
وبمرور الوقت، اتسعت الفجوة بين خطاب “التجديد” الذي أوصل حزب العمال إلى السلطة وواقع حكومة بدت عاجزة عن صياغة رواية سياسية واضحة أو إقناع الناخبين بأن حياتهم تتحسن.
إقرأوا أيضاً:
ماكرفيلد: الشرارة الأخيرة
شكّلت الانتخابات الفرعية في دائرة ماكرفيلد، في 18 حزيران/يونيو 2026، اللحظة التي حسمت مصير ستارمر.
خاض آندي بورنهام، عمدة مانشستر الكبرى السابق وأحد أبرز وجوه حزب العمال، الانتخابات بهدف العودة إلى مجلس العموم بعد سنوات أمضاها خارج وستمنستر. وفاز بنسبة 54.8 في المئة من الأصوات، متقدماً بفارق يزيد عن تسعة آلاف صوت على مرشح حزب “إصلاح المملكة المتحدة”.
لم يكن فوزه مجرد احتفاظ لحزب العمال بمقعد برلماني، بل تحوّل إلى استعراض سياسي لقوة بديل محتمل داخل الحزب. فقد عاد بورنهام إلى البرلمان محاطاً بدعم واسع من النواب والوزراء والنقابات، وبصورة زعيم قادر، وفق مؤيديه، على استعادة الناخبين في شمال إنكلترا ومواجهة صعود فاراج.
وبعد أدائه اليمين نائباً في البرلمان، بات واضحاً أن بورنهام قادر على تجاوز العتبة المطلوبة لخوض انتخابات زعامة الحزب، فيما لم يعد ستارمر يملك ما يكفي من الدعم لخوض مواجهة داخلية طويلة.
وبعد مشاورات مع أعضاء حكومته ومستشاريه ومسؤولي النقابات، خلص ستارمر إلى أن محاولة البقاء قد تؤدي إلى انقسام الحزب وإطالة أزمته، فاختار الإعلان عن الاستقالة.
نزيف داخل الحكومة والحزب
كانت الضغوط بدأت قبل عودة بورنهام إلى البرلمان بأشهر.
ففي الانتخابات المحلية التي أُجريت في أيار/ مايو 2026، تعرّض حزب العمال لخسائر واسعة، وفقد أكثر من ألف مقعد في المجالس المحلية وعشرات المجالس التي كان يسيطر عليها. وجاءت النتائج لمصلحة حزب “إصلاح المملكة المتحدة” والخضر، وكشفت تفكك التحالف الانتخابي الذي منح ستارمر انتصاره الكبير في 2024.
وفي 14 أيار/ مايو، استقال وزير الصحة ويس ستريتنغ، معلناً أن ستارمر لم يعد قادراً على قيادة الحزب إلى الانتخابات المقبلة. وعلى الرغم من أن ستريتنغ كان يُنظر إليه سابقاً باعتباره منافساً محتملاً على الزعامة، فإنه أعلن لاحقاً دعمه لبورنهام.
ثم استقال وزير الدفاع جون هيلي في حزيران/ يونيو، على خلفية خلاف مع رئاسة الحكومة ووزارة الخزانة بشأن تمويل خطة الاستثمار الدفاعي. وحذّر هيلي من أن الموارد المقترحة لا تتناسب مع حجم التهديدات الأمنية والتعهدات التي قطعتها الحكومة بشأن زيادة الإنفاق العسكري.
هذه الاستقالات لم تكن خلافات وزارية معزولة، بل مؤشرات إلى أن سلطة ستارمر داخل حكومته كانت تتآكل، وأن الوزراء بدأوا يتصرفون على أساس أن مرحلة ما بعده قد اقتربت.
وعندما فاز بورنهام في ماكرفيلد، كان السد بدأ يتصدع فعلياً منذ أشهر.
ماندلسون وإبستين: القرار الذي لاحق ستارمر
كانت قضية بيتر ماندلسون من أكثر الملفات التي ألحقت الضرر بصدقية ستارمر وحكمه السياسي.
ففي كانون الأول/ ديسمبر 2024، اختار ستارمر ماندلسون، أحد أبرز مهندسي مرحلة “حزب العمال الجديد”، سفيراً لبريطانيا لدى الولايات المتحدة، على الرغم من أن علاقته السابقة بالممول الأميركي المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين كانت معروفة علناً.
وفي أيلول/ سبتمبر 2025، نُشرت رسالة قديمة وصف فيها ماندلسون إبستين بأنه “أفضل صديق” له. ومع ذلك، أعلن ستارمر في البداية أنه لا يزال يثق بسفيره.
لكن رسائل إلكترونية إضافية أظهرت أن ماندلسون كان شجّع إبستين على مقاومة إدانته والسعي إلى الإفراج المبكر عنه. وبعد يوم واحد فقط من إعلان ثقته به، اضطر ستارمر إلى إقالته.
تفاقمت الأزمة في شباط/ فبراير 2026، عندما كشفت ملفات إضافية عن تعاملات مالية واتصالات بين الرجلين، وعن احتمال تسريب معلومات حكومية حساسة إلى إبستين. وقال ماندلسون إنه لا يتذكر تلقي بعض المدفوعات الواردة في الملفات، وانسحب من حزب العمال “لتجنب المزيد من الإحراج”.
ودعت الحكومة إلى إبعاده عن مجلس اللوردات، فيما فتحت الشرطة تحقيقاً في احتمال ارتكابه سوء سلوك في منصب عام.
ولم تتوقف التداعيات عند ماندلسون. فقد استقال رئيس موظفي ستارمر، مورغان مكسويني، وأقر بأنه كان من الذين نصحوا بتعيينه سفيراً.
أظهرت القضية مشكلة أعمق من سوء اختيار موظف كبير: فقد بدت رئاسة الحكومة وكأنها تجاهلت تحذيرات واضحة، ثم دافعت عن ماندلسون قبل أن تضطر إلى التراجع تحت ضغط الوقائع. وأصبحت الفضيحة رمزاً لضعف الحكم السياسي داخل داونينغ ستريت.
خلاف علني مع ترامب
تعاملت حكومة ستارمر، خلال الأشهر الأولى من عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، مع خلافاتها مع واشنطن بحذر. ففي ملفات التجارة، والاعتراف بالدولة الفلسطينية، ومستقبل غرينلاند، حاول الوزراء البريطانيون التعبير عن مواقف مختلفة من دون تحويل الخلاف إلى مواجهة شخصية مع الرئيس الأميركي.
لكن هذه المعادلة انهارت خلال الحرب مع إيران.
رفض ستارمر في البداية الانخراط المباشر في العمليات العسكرية الأميركية، ودخلت لندن وواشنطن في خلاف بشأن حدود استخدام القواعد والمنشآت العسكرية البريطانية. وردّ ترامب بشن هجمات علنية على رئيس الوزراء البريطاني، قائلاً إنه “ليس ونستون تشرشل”، ومعتبراً أن البريطانيين لم يعجبهم رفضه الانضمام إلى الحرب.
لم يكن الخلاف مع ترامب السبب المباشر في سقوط ستارمر، لكنه أضاف إلى صورة رئيس حكومة محاصر داخلياً، ومكشوف أمام الإهانات العلنية من أقرب حلفاء بريطانيا، وغير قادر على تحويل موقفه من الحرب إلى رصيد سياسي داخل بلاده.
مرحلة انتقالية وبورنهام في المقدمة
أبلغ ستارمر الملك تشارلز الثالث بقراره صباح 22 حزيران/ يونيو، قبل إعلان الاستقالة من أمام مقر الحكومة في داونينغ ستريت. وسيظل رئيساً للوزراء إلى حين اختيار زعيم جديد لحزب العمال، مع التزامه بعدم اتخاذ قرارات كبرى قد تقيّد خليفته.
ومن المقرر فتح باب الترشيحات لزعامة الحزب في 9 تموز/ يوليو. وإذا لم يظهر منافس قادر على الحصول على دعم 20 في المئة من نواب العمال، فقد يُعلن بورنهام زعيماً جديداً للحزب ويتولى رئاسة الحكومة في منتصف تموز. أما إذا خاض أكثر من مرشح السباق، فقد تمتد العملية خلال الصيف، على أن تُحسم قبل عودة البرلمان في مطلع أيلول/ سبتمبر.
ويظل بورنهام المرشح الأوفر حظاً، مستفيداً من خبرته الوزارية السابقة، وشعبيته في شمال إنكلترا، ودعم عدد كبير من النواب والوزراء. لكنه سيواجه، في حال توليه المنصب، الأسئلة نفسها التي أسقطت سلفه: كيف يمكن تحقيق النمو من دون التخلي عن الانضباط المالي؟ وكيف يمكن إصلاح الخدمات العامة وضبط الهجرة ومواجهة صعود اليمين الشعبوي من دون خسارة قاعدة حزب العمال؟
أزمة تتجاوز ستارمر
تمثل استقالة ستارمر فصلاً جديداً في عقد من عدم الاستقرار السياسي بدأ مع استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي عام 2016.
فبريطانيا تتجه إلى استقبال رئيس وزرائها السابع خلال أقل من عشر سنوات. وهذه ليست مجرد إحصائية عن فشل أفراد متعاقبين، بل مؤشر إلى أزمة أعمق في النظام الحزبي وفي قدرة الحكومات البريطانية على بناء سياسات طويلة الأمد وتنفيذها.
وصل ستارمر إلى السلطة واعداً بالاستقرار والجدية بعد سنوات من الفوضى. لكنه لم ينجح في تحويل الانضباط الشخصي أو الغالبية البرلمانية الكبيرة إلى مشروع سياسي واضح.
وتطرح مغادرته أسئلة تتجاوز شخصه: هل أدى بريكست إلى زعزعة دائمة للتحالفات السياسية البريطانية؟ وهل تحولت آلية استبدال رؤساء الحكومات من داخل الأحزاب، من دون انتخابات عامة، إلى مصدر أزمة تمثيل؟ أم أنها دليل على مرونة النظام الدستوري؟ وهل يستطيع آندي بورنهام وقف دورة تغيير الزعماء، أم سيكون مجرد اسم جديد في مرحلة عدم استقرار أطول؟
لقد سقط ستارمر لأن حزبه لم يعد يؤمن بأنه قادر على الفوز مجدداً. لكن التحدي الذي سيواجه خليفته لن يكون الفوز بزعامة حزب العمال فحسب، بل إقناع البريطانيين بأن تغيير رئيس الحكومة يمكن أن يعني هذه المرة تغييراً في طريقة الحكم.
إقرأوا أيضاً:












