خلال عام واحد، تحولت هيئة تحرير الشام، عبر سيطرتها على الإدارة الانتقالية في سوريا، من تنظيم مُدرج على لوائح الإرهاب إلى سلطة تشارك في إدارة ملف مكافحته. هذا التحول شمل موقعها داخل المنظومة الدولية، وأيضاً موقعها داخل البنية القانونية والسياسية السورية. ففي الخارج، انتقلت من هدف للعقوبات والملاحقة إلى شريك في التنسيق الأمني. وفي الداخل، انتقلت من موضوع للتصنيف كتنظيم إرهابي إلى جهة تحتكر استخدام هذه الفئة في توصيف خصومها.
ترحيب دولي على رغم “الحوادث الفردية”!
في نهاية العام 2025، وأثناء أول تنسيق ميداني معلن بين قوات الإدارة الانتقالية والتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية، أطلق أحد عناصر قوات الإدارة الانتقالية النار على وفد من التحالف، ما أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين. أعلنت الإدارة الانتقالية أن الفاعل عنصر متطرف بايع تنظيم الدولة وتصرف “بـشكل فردي”، وتعامل التحالف مع الحادثة ضمن هذا الإطار مع استمرار قنوات التنسيق. لا بل أعقبت ذلك مباشرة حملة قصف أميركية على مواقع لتنظيم الدولة الإسلامية في البادية السورية.
اللافت في هذه الحادثة، أن الجانب الأميركي غض النظر عن واقعة أن مطلق النار ينتمي الى صفوف الإدارة الانتقالية، وهو ليس الوحيد الذي لديه ميول جهادية فيها. إذ إن بنية الأجهزة الأمنية والعسكرية للإدارة الانتقالية تضم كتلاً بكاملها من فصائل سلفية متطرفة، وبعضها يضم جهاديين سوريين، عرب وأجانب.
أيضاً، في مطلع 2026، وجدت الإدارة الانتقالية السورية نفسها أمام اختبار أمني معقّد تمثل في إدارة ملف آلاف المقاتلين من تنظيم الدولة الإسلامية المحتجزين سابقاً في مناطق كانت تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية. ومع انتقال السيطرة على أجزاء واسعة من شمال شرقي البلاد من الإدارة الذاتية الكردية إلى الإدارة الانتقالية، انتقلت معها مسؤولية مراكز الاحتجاز. خلال هذه المرحلة، حدثت عمليات فرار لمحتجزين، في ظل اتهامات بتسهيلات قدمها لهم عناصر وزارتي الدفاع والداخلية في الإدارة الانتقالية.
ردّت القيادة المركزية الأميركية بعملية عاجلة لنقل آلاف المعتقلين إلى العراق، في خطوة عكست مستوى القلق الدولي من قدرة السلطة الجديدة على ضبط هذا الملف الحساس. أيضاً، عولجت هذه القضية ضمن منطق احتواء يحافظ على مسار الشراكة، بدل أن يعيد طرح مسألة الخلفيات السلفية المتطرفة للسلطة الجديدة بوصفها إشكالية بنيوية.
تلك الحادثتان جاءتا بعد سلسلة قرارات دولية أعادت تموضع السلطة الجديدة داخل منظومة الحرب على الإرهاب. مباشرة بعد سقوط نظام الأسد، ألغت الولايات المتحدة في كانون الأول/ ديسمبر 2024 المكافأة التي كانت مرصودة لمن يدلي بمعلومات عن أحمد الشرع “أبو محمد الجولاني” ضمن برنامج “مكافآت من أجل العدالة” التابع لوزارة الخارجية الأميركية، والتي كانت قد أُعلنت عام 2017 وبلغت قيمتها عشرة ملايين دولار مقابل معلومات تقود إلى تحديد مكانه أو اعتقاله.
القرار أعقب اتصالات مباشرة بين مسؤولين أميركيين وممثلين عن الإدارة الانتقالية، وفي سياق تصريحات رسمية تعهدت فيها السلطة الجديدة بملاحقة خلايا تنظيم الدولة ومنع استخدام الأراضي السورية كنقطة انطلاق لعمليات عابرة للحدود. إلغاء المكافأة كان إشارة سياسية واضحة الى أن واشنطن لم تعد تتعامل مع الشرع بوصفه هدفاً أمنياً مطلوباً، بل بوصفه طرفاً يمكن إدخاله في ترتيبات تعاون أمني مشروط.
في تموز/ يوليو 2025، رُفع اسم هيئة تحرير الشام من قائمة المنظمات الإرهابية الأميركية. في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 تبنى مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2799 الذي قضى بحذف اسم أحمد الشرع، إلى جانب اسم وزير الداخلية أنس خطاب، من قائمة العقوبات التابعة لنظام الجزاءات المفروض على تنظيم الدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة. وفي 27 شباط/ فبراير 2026 أعلنت لجنة عقوبات تنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة التابعة لمجلس الأمن شطب اسم “جبهة النصرة لأهل الشام” من قائمة العقوبات، وذلك وفق آلية المراجعة المعتمدة داخل اللجنة وموافقة أعضائها. ويعني ذلك أن جبهة النصرة لم تعد مدرجة ضمن نظام الجزاءات الدولي الخاص بتنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية، وأنها خرجت من إطار تجميد الأصول وحظر السفر وحظر السلاح المفروض بموجب هذا النظام.
سوريا انضمت رسمياً إلى التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، بوصفها العضو التسعين في هذا الإطار الذي تقوده الولايات المتحدة منذ 2014. وجاءت الخطوة عقب مشاورات أمنية مكثفة، وإعلان رسمي من الإدارة الانتقالية عن التزامها بمكافحة خلايا التنظيم داخل الأراضي السورية وتبادل المعلومات الاستخبارية مع الشركاء الدوليين.
الانضمام تضمن إدراج ممثلين عن الحكومة الجديدة في آليات التنسيق العملياتي، والمشاركة في اجتماعات التخطيط وتقييم التهديدات، ما كرس انتقال السلطة الجديدة من موقع المراقَب أمنياً إلى موقع الشريك في إدارة ملف مكافحة الإرهاب على المستوى الإقليمي.
إعادة النظر في السياسة الدوليّة
خلال عام واحد، انتقلت هيئة تحرير الشام نفسها، بوصفها تسيطر على الإدارة الانتقالية، من كونها موضوعاً للتصنيف كتنظيم إرهابي، إلى شريك في إدارة الحرب عليه. هذا التحول يمكن فهمه بوصفه إعادة تعريف لموقع الفاعل داخل شبكة الاعتراف الدولي وتغيير آليات المساءلة والتعامل.
الفاعل المعترف به يُخاطَب عبر القنوات الدبلوماسية، ويُدرج في اجتماعات التنسيق، ويُمنح فرصة لتبرير الحوادث وتقديم روايته الرسمية. أما الفاعل المصنَّف إرهابياً فلا يُمنح هذه المساحة، بل يُعامل كهدف مشروع للعمليات العسكرية أو العقوبات. بذلك، يصبح التحول في موقع الفاعل تحولاً في كيفية قراءة أفعاله وفي نوع التفسيرات المقبولة دولياً لسلوكه، وهو ما ينعكس مباشرة على استقرار السلطة الجديدة وقدرتها على ترسيخ نفسها داخلياً وخارجياً.
إقرأوا أيضاً:
في التجربة السورية منذ 2011، لم يكن توصيف الإرهاب توصيفاً لأفعال عنيفة محددة، بل أداة لتنظيم المجال السياسي نفسه. استخدم نظام بشار الأسد التهمة لتحويل احتجاجات سياسية واجتماعية إلى تهديد أمني وجودي، ثم كُرّست هذه المقاربة عبر قوانين 2012 ومحكمة قضايا الإرهاب، ما أدخل منطق الاستثناء في صلب النظام القضائي. بهذا المعنى، كان الإرهاب آلية تصنيف تحدد من يخرج من المجال السياسي ومن يُعامل بوصفه عدواً يجب استئصاله. إذ إن تصنيف الإرهاب لا يتعلق بحجم العنف أو نوعه، بل بسلطة التسمية التي تعيد رسم الحدود بين السياسة والجناية، وبين الخصم والعدو.
ما تغيّر بعد 2024 هو انتقال موقع من يستخدم آلية التصنيف. تحرير الشام التي كانت مصنفة إرهابية محلياً ودولياً، انقلبت لتصبح شريكاً في مكافحة الإرهاب، عبر الإدارة الانتقالية. هذا التحول لم يحدث نتيجة مراجعة تاريخية شاملة أو قطيعة أيديولوجية معلنة لهيئة تحرير الشام مع مسارها الإسلامي المتطرف، بقدر ما جاء نتيجة إعادة ترتيب في الأولويات الدولية والإقليمية. إذ باتت أولوية ضبط ملف تنظيم الدولة الإسلامية ومنع عودته العنيفة تتقدم على الاعتبارات السابقة. بذلك تحولت “مكافحة الإرهاب” من فعل إقصاء لتحرير الشام إلى عملية دمجها، ومن أداة لعزلها إلى مورد يمنحها شرعية سياسية داخل النظام الدولي.
لذا، فإن معالجة ملف فرار معتقلي تنظيم الدولة جاءت من زاوية الحاجة إلى تدخل تقني لضمان الاحتجاز والمحاكمة، ولم تعبر من منظار المساءلة السياسية الشاملة لبنية أجهزة الدولة السورية الجديدة. بالمثل، فُسرت إدارة حادثة مقتل الجنود الأميركيين بوصفها انحرافاً فردياً لعنصر متطرف لم تنجح المؤسسة الأمنية والعسكرية في تحديده وتحييده، لا كمؤشر إلى الاستمرارية البنيوية للعناصر الجهادية داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية. هذه الخيارات وإن بدت تقنية، إلا أنها سياسية في العمق، بغرض الحفاظ على مسار الشراكة مع الدولة السورية.
هاتان الحادثتان، على أهميتهما، لم تفتحا الباب أمام إعادة النظر في الاعتراف المتدرج الذي حظيت به السلطة الجديدة. ويعكس ذلك جزئياً رغبة الرئاسة الأميركية في إعطاء فرصة للمساعي العربية والتركية لإعادة تأهيل هيئة تحرير الشام، على حساب ما تنصح به الأجهزة الأمنية والعسكرية الأميركية. وفي الحالتين، أُديرت الوقائع بما يضمن استمرار موقع السلطة الجديدة كشريك في منظومة مكافحة الإرهاب.
على المستوى الداخلي، ألغت الإدارة الانتقالية محكمة قضايا الإرهاب وأعلنت إبطال عدد من آثار أحكامها، في خطوة بدت كطيّ لمرحلة قانونية استثنائية. وقد أحيلت قضايا الإرهاب المستجدة إلى محاكم الجنايات العادية. ولا يتضمن قانون العقوبات السوري الصادر عام 1949 تعريفاً مستقلاً للإرهاب بوصفه فئة قانونية قائمة بذاتها، بل يضم مواد تعاقب على أفعال من قبيل التفجيرات، أو الأعمال التي تهدف إلى إثارة الفزع، أو الاعتداء على أمن الدولة الداخلي والخارجي. هذه النصوص تجرّم أفعالاً محددة من حيث الوسيلة والنتيجة، لكنها لا تبني مفهوماً شاملاً للإرهاب.
وهذا أمر مربك في حال مقارنته مع أي منظومة قانونية للدول التي تعاني من الهجمات الإرهابية. إذ تميل تلك الدول إلى تحويل مكافحة الإرهاب إلى استثناء قانوني مستدام، يحد من الحريات العامة، ويبرز سمات متزايدة من التوجهات السلطوية حتى لدى أعتى الديمقراطيات. وعلى الرغم من شره هيئة تحرير الشام للتحكم والسلطوية، إلا أن هذا الاتجاه يبدو واعياً وعقلانياً منها، للتقليل من أهمية “الإرهاب” كفئة قانونية قائمة بحد ذاتها، والتطبيع مع أنواع العنف التي تنتجها التنظيمات الإرهابية.
إذ ينسجم هذا التوجه، غير المسبوق دولياً، مع الإحالة الدائمة إلى المسؤولية الفردية، وعدم الانتقال الى مساءلة البنى الدولاتية التي تتبنى العنف الأقصى في ممارساتها ضد الأقليات، ولا التيارات الاجتماعية الواسعة التي تبرر لذلك العنف. كما يعفي هذا التوجه الإدارة الانتقالية من القطع مع تاريخ الممارسات العُنفيّة لهيئة تحرير الشام، بخاصة وأن أعضاء مخضرمين في صفوف الهيئة باتوا على رأس الأجهزة القضائية، العسكرية والأمنية للدولة الجديدة.
في حين أن فئة الإرهاب نفسها لم تختفِ من الخطاب والممارسة لدى الإدارة الانتقالية، بل أعيد تموضعها. ما زالت جهات توصف إرهابية ضمن الخطاب الرسمي، سواء كانت امتدادات لتنظيم القاعدة كحراس الدين أو تنظيم الدولة كأنصار السنّة، أو أيضاً خصوماً مسلحين كحزب العمال الكردستاني وقوات سوريا الديموقراطية، في سياق مرتبط بالتحالف الوثيق مع تركيا. بهذا المعنى، لم يُلغَ منطق التصنيف، بل انتقل احتكاره من سلطة إلى أخرى. الدولة الجديدة لم تتخلّ خطابياً عن فئة الإرهاب، بل أعادت توظيفها ضمن توازناتها السياسية.
في الحالة السورية الراهنة، يظهر الإرهاب أقل بوصفه جوهراً ثابتاً للعنف وأكثر بوصفه موقعاً داخل شبكة من العلاقات الدولية والداخلية. التحول من لائحة الإرهاب إلى شريك في مكافحته أعاد التموضع داخل نظام دولي يوزّع الشرعية على أساس القدرة على المساهمة في ضبط التنظيمات العابرة للحدود. في الداخل السوري، تغيّر من يملك سلطة تعريف الإرهاب واستخدامه. في هذا الانتقال المزدوج، تتجلى المفارقة السورية: الفئة التصنيفية نفسها التي استُخدمت يوماً للإقصاء أصبحت أداة للاندماج، من دون أن تفقد وظيفتها الأساسية كآلية تنظيم للسلطة والمجال السياسي.














