ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

من لبنان إلى كندا… قصة طفلة متبناة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

عندما يصبح التبنّي الخيار المناسب، فإن حماية الطفل لا تقتصر على سلامة الإجراءات، بل تمتد لتشمل التأكد، قبل صدور أي حكم نهائي، من أن الأسرة ستكون قادرة على العيش معاً، وأن الاعتراف القانوني، وإجراءات الهجرة، والضمانات المتعلقة بالإقامة والجنسية قد استُكملت. فالمصلحة الفضلى للطفل لا تتحقق بمجرد صدور حكم بالتبنّي، بل عندما يكون هذا الحكم قابلاً للحياة، ويؤدي فعلاً إلى استقرار الطفل داخل أسرته الجديدة، لا إلى إبقائه عالقاً بين نظامين قانونيين.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

منذ أسابيع، تتصدّر وسائل الإعلام الكندية قصة عائلة كندية من أصول لبنانية أنهت إجراءات تبنّي طفلة في لبنان، لكنها لم تتمكن من تسفيرها إلى كندا بسبب رفض الحكومة الكندية استصدار أوراق تسمح بسفر الطفلة بصفة طفلة متبناة. 

وبينما بقي عضو من العائلة في كندا، اضطرت السيدة إلى البقاء مع الطفلة في لبنان لأشهر طويلة، في انتظار حلّ قانوني يتيح لهما السفر. وقد تحوّلت القضية إلى نقاش سياسي وإعلامي حول مسؤولية السلطات الكندية، والإجراءات الإدارية، والبيروقراطية التي حالت دون لمّ شمل الأسرة. 

تُسلّط هذه القضية الضوء على معضلة بنيوية عميقة في مجال التبنّي الدولي، وهي معضلة لا يمكن اختزالها في خلاف أنظمة الحماية، ولا في تحميل المسؤولية لعائلة بعينها. فبحسب ما أعلنته العائلة، استكملت إجراءات التبنّي أمام القضاء اللبناني، وصدر حكم قضائي يُقرّ بالتبنّي بعد المرور بالمراحل القانونية المطلوبة. إلا أنّ الطفلة لم تتمكّن من الالتحاق بعائلتها في كندا، لأنّ التبنّي لم يكن معترفاً به ضمن الآليات التي تعتمدها السلطات الكندية، ما أدّى إلى نشوء حالة من الفراغ القانوني والإنساني، إذ تعترف دولة بالتبنّي بينما تعجز الأخرى عن استكمال آثاره.

لكن خلف هذه القصة الإنسانية المؤلمة، تختبئ أسئلة أكثر تعقيداً من مجرد تأخر في إصدار تأشيرة أو خلاف بين دولتين. فكيف يمكن أن يُستكمل تبنٍّ دولي في بلد المنشأ، بينما لا يكون الطفل أو الطفلة مؤهلاً قانونياً للانتقال إلى بلد الأسرة المتبنّية؟ والأهم من ذلك، هل كانت مصلحة الطفلة الفضلى هي البوصلة التي وجّهت جميع القرارات؟

هذه القضية لا تتعلق بحالة الزوجين اللذين قررا التبني من لبنان، ولا تبرّر التشكيك في رغبتهما في احتضان طفلة تحتاج إلى أسرة. كما أنها لا تُختزل في تحميل المسؤولية لطرف واحد. بل تكشف عن إشكالية أعمق في منظومة التبنّي الدولي، حيث قد تتقاطع اعتبارات حماية الأطفال من الإتجار والاستغلال مع حقهم في العيش ضمن أسرة مستقرة، من دون أن تنجح الأنظمة القانونية دائماً في تحقيق التوازن بين هذين الهدفين.

ولعلّ المفارقة الأكثر إيلاماً هي أن الشخص الوحيد الذي لم يكن له أي دور في القرارات التي اتُّخذت هو الطفلة نفسها، لكنها أصبحت الوحيدة التي تتحمل تبعاتها. وبينما تتجادل الأنظمة القانونية حول الاختصاصات والإجراءات، تبقى هي عالقة بين بلدين، وبين نظامين، وبين مفهومين مختلفين لما تعنيه “المصلحة الفضلى للطفل”.

ولفهم هذه القضية، لا بد من وضعها ضمن السياق التاريخي الأوسع للتبنّي الدولي في لبنان. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، بدأت عمليات نقل الأطفال من لبنان إلى بلدان غربية عبر الإرساليات والمؤسسات الدينية والخيرية، إلا أنّ التبنّي الدولي بمعناه المعاصر تسارعت وتيرته خصوصاً منذ سبعينات القرن الماضي وخلال سنوات الحرب الأهلية وما بعدها، في ظل ضعف مؤسسات الدولة، وتنامي دور المؤسسات الخاصة، وغياب إطار وطني موحّد ينظّم التبنّي الدولي ويؤمّن التنسيق مع الدول المستقبِلة.

 وعلى مدى عقود، لم يكن التبنّي الدولي مجرد قصة عن إيجاد أسر للأطفال، بل كان أيضاً جزءاً من تاريخ أكثر تعقيداً، تداخل فيه الفقر والحرب والوصمة الاجتماعية المرتبطة بالأمومة خارج الزواج وعدم المساواة بين الدول، مع مصالح اقتصادية ومؤسساتية، ما جعل بعض الأطفال والطفلات عرضة للإتجار أو التزوير أو الفصل غير المشروع عن أسرهم. وقد كشفت شهادات عدد من المتبنّين والمتبنّيات اللبنانيين، بعد عقود، أن بعضهم لم يكونوا أيتاماً، بل كانت لهم عائلات لم تحصل على فرصة حقيقية لتربية أطفالها، أو لم تُمنح المعلومات الكاملة لاتخاذ قرار حر ومستنير.

في موازاة هذه المراجعات، شهدت منظومة التبنّي الدولي عالمياً، تحوّلاً جذرياً، إذ انتقل التركيز من تسهيل إيجاد أسر للأطفال إلى ضمان حق الأطفال في عدم الانفصال عن أسرهم أو مجتمعاتهم إلا عندما يكون ذلك ضرورياً، وبعد استنفاد جميع البدائل الممكنة لدعم الأسرة الأصلية أو الرعاية ضمن الأسرة الممتدة والمجتمع المحلي.

 وأصبح التبنّي الدولي يُنظر إليه بوصفه الحل الأخير، لا الخيار الأول، تحكمه معايير صارمة لضمان احترام حقوق الطفل ومنع الإتجار به أو استغلال هشاشة الأسر.

وانعكس هذا التحوّل على سياسات الدول المستقبِلة، ومنها كندا، ولا سيما في مقاطعة كيبيك، التي تشترط الحصول على موافقة مسبقة من سلطاتها المختصة قبل الشروع في أي إجراءات تبنٍّ في بلد المنشأ، وأن تتم العملية ضمن إطار قانوني يوفّر الضمانات اللازمة للاعتراف بالتبنّي واستكمال إجراءات هجرة الطفل أو الطفلة. وبما أنّ لبنان لم ينضم إلى اتفاقية لاهاي الخاصة بالتبنّي الدولي، ولا يعتمد هيئة مركزية تنظّم هذا النوع من التبنّي وفق المعايير الدولية، أصبحت عمليات التبنّي من لبنان إلى كيبيك نادرة للغاية ومعقّدة من الناحية القانونية والإجرائية. إلا أنّ القضية الحالية تكشف أن غياب التنسيق المسبق بين بلد المنشأ وبلد الاستقبال لا يمنع دائماً المضي في إجراءات التبنّي داخل لبنان، ما قد يفضي إلى أوضاع يجد فيها الأطفال أنفسهم عالقين بين نظامين قانونيين، فيما يفترض أن تكون مصلحتهم الفضلى هي الاعتبار الأول في جميع القرارات التي تمسّ حياتهم.

وهذه ليست خصوصية لبنانية. ففي السنوات الأخيرة، شهد العالم مراجعة غير مسبوقة لإرث التبنّي الدولي. ففي هولندا، خلصت لجان تحقيق مستقلة إلى وجود مخالفات جسيمة في عمليات التبنّي الدولي امتدت لعقود، شملت التزوير والفساد والإتجار بالأطفال في عدد من بلدان المنشأ، ما دفع الحكومة إلى تعليق التبنّي الدولي، بينما يواصل عدد من المتبنّين والمتبنّيات اللجوء إلى القضاء للمطالبة باعتراف الدولة بمسؤوليتها عن الانتهاكات التي تعرّضوا لها. 

وفي كوريا الجنوبية، التي كانت لعقود من أكبر الدول المرسلة للأطفال عبر التبنّي الدولي، نجح المتبنّون والمتبنّيات البالغون في تحويل تجاربهم الشخصية إلى حركة حقوقية دفعت الدولة إلى فتح تحقيقات رسمية في ممارسات الماضي، والكشف عن ملفات مزوّرة وانتهاكات في بعض الحالات، وصولاً إلى إصلاحات تشريعية تعيد مسؤولية حماية الأطفال إلى الدولة، وتعزّز بقاءهم داخل أسرهم ومجتمعاتهم كلما كان ذلك ممكناً.

 لقد غيّرت هذه التجارب النقاش العالمي حول التبنّي الدولي؛ فلم يعد السؤال الأساسي هو كيف نجد أطفالاً لأسر ترغب في التبنّي، بل كيف نضمن ألا يُحرم أي طفل أو طفلة من أسرته أو مجتمعه أو هويته من دون ضرورة حقيقية.

من هذا المنطلق، لا يمكن فهم التشدد الذي تعتمده بعض الدول المستقبلة، ومنها كندا، بمعزل عن هذا التاريخ العالمي. فالضوابط الصارمة ليست مجرد إجراءات إدارية، بل هي استجابة لتجارب أثبتت أن غياب الرقابة قد يؤدي إلى انتهاكات جسيمة. لكن في المقابل، لا تتحقق الحماية بمجرد إغلاق الأبواب أو تعليق التبنّي من بلد معيّن، إذا لم تكن معايير هذا القرار واضحة، ومتّسقة، وقابلة للمساءلة.

ومن منظور حقوق الطفل، ينبغي ألا يكون النقاش منصبّاً على نوايا العائلة المتبنّية أو على تبادل الاتهامات بين السلطات اللبنانية والكندية، بل على الطفلة التي تدفع الثمن. فبمجرد صدور قرار التبنّي وتكوين علاقة رعاية وتعلّق وانتماء مع العائلة المتبنّية، يصبح الحفاظ على استمرارية هذه العلاقة جزءاً من حق الطفلة في الاستقرار، والعيش ضمن بيئة أسرية آمنة، واستمرارية الروابط العاطفية التي تكوّنت. وفي الوقت نفسه، لا يمكن النظر إلى هذا الحق بمعزل عن الحق في الحماية من أي ممارسات غير قانونية أو غير أخلاقية قد ترافق بعض عمليات التبنّي الدولي. وهنا تكمن المعضلة الحقيقية: فالطفلة اليوم ليست مسؤولة عن القرارات التي اتخذها الكبار، لكنها وحدها تتحمل آثارها.

وفي هذه القضية، لا توجد إجابات سهلة، كما لا يجوز التسرّع في إصدار الأحكام. لكن القضية تفرض سؤالين أساسيين يستحقان نقاشاً عاماً.

السؤال الأول يتعلق بالسياسات الكندية تجاه لبنان. فإذا كانت المخاطر المرتبطة بالتبنّي الدولي موثقة في عدد كبير من بلدان العالم، فلماذا يبدو أن التبنّي من لبنان إلى كندا غير ممكن عملياً، في حين تستمر برامج التبنّي من دول أخرى شهدت هي أيضاً انتهاكات موثقة؟ ما المعايير التي تستند إليها كندا في هذا التمييز؟ وهل ترتبط هذه السياسة بتقييم محدد للنظام اللبناني، أم بغياب اتفاقيات ثنائية وآليات تعاون تضمن حماية الأطفال والاعتراف المتبادل بالإجراءات؟

أما السؤال الثاني، وربما الأكثر إلحاحاً، فيتعلّق بالمسار الذي سبق صدور قرار التبنّي في لبنان. فإذا كانت الجهات اللبنانية تعلم، أو كان يفترض بها أن تعلم، أنّ هذا التبنّي لن يحظى بالاعتراف اللازم في كندا، وأنّ الطفلة لن تتمكن من دخول البلد الذي تقيم فيه عائلتها المتبنّية، فلماذا جرى المضي في إجراءات التبنّي أصلاً. أليس من واجب الجهات المختصة التأكد، قبل اتخاذ قرار نهائي يغيّر مصير طفل أو طفلة، من أنّ الأسرة ستكون قادرة فعلاً على العيش معاً؟

تكشف هذه القضية حدود التعامل مع التبنّي الدولي بوصفه مسارين قانونيين منفصلين، أحدهما في بلد المنشأ والآخر في بلد الاستقبال. فالتبنّي ليس حكماً قضائياً فحسب، بل هو مسار حماية متكامل، يبدأ قبل صدور أي قرار قضائي، ويفترض أن ينتهي باستقرار الطفل أو الطفلة داخل أسرة قادرة قانونياً وعملياً على رعايته. كما أن فلسفة حماية الطفل المعاصرة لم تعد تنطلق من البحث عن أطفال لأسر ترغب في التبنّي، بل من البحث أولاً عن كل السبل الممكنة لدعم الأسرة الأصلية، ومنع الانفصال غير الضروري، وتعزيز الرعاية ضمن الأسرة الممتدة أو المجتمع المحلي، قبل اللجوء إلى التبنّي الدولي كحل أخير عندما تستنفد جميع البدائل الأخرى ويثبت أنه يحقق بالفعل المصلحة الفضلى للطفل.

وعندما يصبح التبنّي الخيار المناسب، فإن حماية الطفل لا تقتصر على سلامة الإجراءات، بل تمتد لتشمل التأكد، قبل صدور أي حكم نهائي، من أن الأسرة ستكون قادرة على العيش معاً، وأن الاعتراف القانوني، وإجراءات الهجرة، والضمانات المتعلقة بالإقامة والجنسية قد استُكملت. فالمصلحة الفضلى للطفل لا تتحقق بمجرد صدور حكم بالتبنّي، بل عندما يكون هذا الحكم قابلاً للحياة، ويؤدي فعلاً إلى استقرار الطفل داخل أسرته الجديدة، لا إلى إبقائه عالقاً بين نظامين قانونيين.

المأساة الحقيقية في هذه القضية ليست فقط وجود نظامين قانونيين لا يلتقيان، بل إنّ الشخص الوحيد الذي لا يملك أي سلطة على القرارات التي اتُّخذت باسمه هو الطفلة. وبينما ينشغل الجميع بالمسؤوليات القانونية والإدارية، تبقى هي الضحية الوحيدة. فلا يمكن إعادة الزمن إلى الوراء، ولا يمكن تجاهل الحاجة إلى الحفاظ على العلاقة التي نشأت بينها وبين عائلتها التبنية، كما لا يمكن في الوقت نفسه التغاضي عن الأسئلة الجوهرية التي تكشفها هذه القضية بشأن سلامة منظومة التبنّي الدولي. 

وربما يكون الدرس الأهم الذي تقدمه هذه القضية هو أن حماية الأطفال تقتضي أن نبحث عن كيفية إتمام إجرارات التبني في لبنان: من اتخذ القرار وعلى أي أساس؟ وهل كان من الأجدى البحث عن حلول محلية كما أوصت معاهدة لاهاي، والتي منعت التبني الدولي؟. 

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 04.09.2026

لبنان: مليار دولار قد يستعيدها المودعون من مجالس إدارات المصارف 

محامو المصارف يستعينون بدفاعهم عن فعلة موكليهم بعبارة رهيبة، تتمثل بأن ما أقدم عليه موكلوهم عندما أنقذوا ودائعهم الشخصية من الفعلة التي ارتكبوها بحق زبائنهم هو "قانوني وإن كان غير أخلاقي"، ويبدو أنهم بصدد الاستعانة بهذه المعادلة في المرحلة التي تعقب اعترافهم بفعلتهم "القانونية وغير الأخلاقية".

عندما يصبح التبنّي الخيار المناسب، فإن حماية الطفل لا تقتصر على سلامة الإجراءات، بل تمتد لتشمل التأكد، قبل صدور أي حكم نهائي، من أن الأسرة ستكون قادرة على العيش معاً، وأن الاعتراف القانوني، وإجراءات الهجرة، والضمانات المتعلقة بالإقامة والجنسية قد استُكملت. فالمصلحة الفضلى للطفل لا تتحقق بمجرد صدور حكم بالتبنّي، بل عندما يكون هذا الحكم قابلاً للحياة، ويؤدي فعلاً إلى استقرار الطفل داخل أسرته الجديدة، لا إلى إبقائه عالقاً بين نظامين قانونيين.

منذ أسابيع، تتصدّر وسائل الإعلام الكندية قصة عائلة كندية من أصول لبنانية أنهت إجراءات تبنّي طفلة في لبنان، لكنها لم تتمكن من تسفيرها إلى كندا بسبب رفض الحكومة الكندية استصدار أوراق تسمح بسفر الطفلة بصفة طفلة متبناة. 

وبينما بقي عضو من العائلة في كندا، اضطرت السيدة إلى البقاء مع الطفلة في لبنان لأشهر طويلة، في انتظار حلّ قانوني يتيح لهما السفر. وقد تحوّلت القضية إلى نقاش سياسي وإعلامي حول مسؤولية السلطات الكندية، والإجراءات الإدارية، والبيروقراطية التي حالت دون لمّ شمل الأسرة. 

تُسلّط هذه القضية الضوء على معضلة بنيوية عميقة في مجال التبنّي الدولي، وهي معضلة لا يمكن اختزالها في خلاف أنظمة الحماية، ولا في تحميل المسؤولية لعائلة بعينها. فبحسب ما أعلنته العائلة، استكملت إجراءات التبنّي أمام القضاء اللبناني، وصدر حكم قضائي يُقرّ بالتبنّي بعد المرور بالمراحل القانونية المطلوبة. إلا أنّ الطفلة لم تتمكّن من الالتحاق بعائلتها في كندا، لأنّ التبنّي لم يكن معترفاً به ضمن الآليات التي تعتمدها السلطات الكندية، ما أدّى إلى نشوء حالة من الفراغ القانوني والإنساني، إذ تعترف دولة بالتبنّي بينما تعجز الأخرى عن استكمال آثاره.

لكن خلف هذه القصة الإنسانية المؤلمة، تختبئ أسئلة أكثر تعقيداً من مجرد تأخر في إصدار تأشيرة أو خلاف بين دولتين. فكيف يمكن أن يُستكمل تبنٍّ دولي في بلد المنشأ، بينما لا يكون الطفل أو الطفلة مؤهلاً قانونياً للانتقال إلى بلد الأسرة المتبنّية؟ والأهم من ذلك، هل كانت مصلحة الطفلة الفضلى هي البوصلة التي وجّهت جميع القرارات؟

هذه القضية لا تتعلق بحالة الزوجين اللذين قررا التبني من لبنان، ولا تبرّر التشكيك في رغبتهما في احتضان طفلة تحتاج إلى أسرة. كما أنها لا تُختزل في تحميل المسؤولية لطرف واحد. بل تكشف عن إشكالية أعمق في منظومة التبنّي الدولي، حيث قد تتقاطع اعتبارات حماية الأطفال من الإتجار والاستغلال مع حقهم في العيش ضمن أسرة مستقرة، من دون أن تنجح الأنظمة القانونية دائماً في تحقيق التوازن بين هذين الهدفين.

ولعلّ المفارقة الأكثر إيلاماً هي أن الشخص الوحيد الذي لم يكن له أي دور في القرارات التي اتُّخذت هو الطفلة نفسها، لكنها أصبحت الوحيدة التي تتحمل تبعاتها. وبينما تتجادل الأنظمة القانونية حول الاختصاصات والإجراءات، تبقى هي عالقة بين بلدين، وبين نظامين، وبين مفهومين مختلفين لما تعنيه “المصلحة الفضلى للطفل”.

ولفهم هذه القضية، لا بد من وضعها ضمن السياق التاريخي الأوسع للتبنّي الدولي في لبنان. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، بدأت عمليات نقل الأطفال من لبنان إلى بلدان غربية عبر الإرساليات والمؤسسات الدينية والخيرية، إلا أنّ التبنّي الدولي بمعناه المعاصر تسارعت وتيرته خصوصاً منذ سبعينات القرن الماضي وخلال سنوات الحرب الأهلية وما بعدها، في ظل ضعف مؤسسات الدولة، وتنامي دور المؤسسات الخاصة، وغياب إطار وطني موحّد ينظّم التبنّي الدولي ويؤمّن التنسيق مع الدول المستقبِلة.

 وعلى مدى عقود، لم يكن التبنّي الدولي مجرد قصة عن إيجاد أسر للأطفال، بل كان أيضاً جزءاً من تاريخ أكثر تعقيداً، تداخل فيه الفقر والحرب والوصمة الاجتماعية المرتبطة بالأمومة خارج الزواج وعدم المساواة بين الدول، مع مصالح اقتصادية ومؤسساتية، ما جعل بعض الأطفال والطفلات عرضة للإتجار أو التزوير أو الفصل غير المشروع عن أسرهم. وقد كشفت شهادات عدد من المتبنّين والمتبنّيات اللبنانيين، بعد عقود، أن بعضهم لم يكونوا أيتاماً، بل كانت لهم عائلات لم تحصل على فرصة حقيقية لتربية أطفالها، أو لم تُمنح المعلومات الكاملة لاتخاذ قرار حر ومستنير.

في موازاة هذه المراجعات، شهدت منظومة التبنّي الدولي عالمياً، تحوّلاً جذرياً، إذ انتقل التركيز من تسهيل إيجاد أسر للأطفال إلى ضمان حق الأطفال في عدم الانفصال عن أسرهم أو مجتمعاتهم إلا عندما يكون ذلك ضرورياً، وبعد استنفاد جميع البدائل الممكنة لدعم الأسرة الأصلية أو الرعاية ضمن الأسرة الممتدة والمجتمع المحلي.

 وأصبح التبنّي الدولي يُنظر إليه بوصفه الحل الأخير، لا الخيار الأول، تحكمه معايير صارمة لضمان احترام حقوق الطفل ومنع الإتجار به أو استغلال هشاشة الأسر.

وانعكس هذا التحوّل على سياسات الدول المستقبِلة، ومنها كندا، ولا سيما في مقاطعة كيبيك، التي تشترط الحصول على موافقة مسبقة من سلطاتها المختصة قبل الشروع في أي إجراءات تبنٍّ في بلد المنشأ، وأن تتم العملية ضمن إطار قانوني يوفّر الضمانات اللازمة للاعتراف بالتبنّي واستكمال إجراءات هجرة الطفل أو الطفلة. وبما أنّ لبنان لم ينضم إلى اتفاقية لاهاي الخاصة بالتبنّي الدولي، ولا يعتمد هيئة مركزية تنظّم هذا النوع من التبنّي وفق المعايير الدولية، أصبحت عمليات التبنّي من لبنان إلى كيبيك نادرة للغاية ومعقّدة من الناحية القانونية والإجرائية. إلا أنّ القضية الحالية تكشف أن غياب التنسيق المسبق بين بلد المنشأ وبلد الاستقبال لا يمنع دائماً المضي في إجراءات التبنّي داخل لبنان، ما قد يفضي إلى أوضاع يجد فيها الأطفال أنفسهم عالقين بين نظامين قانونيين، فيما يفترض أن تكون مصلحتهم الفضلى هي الاعتبار الأول في جميع القرارات التي تمسّ حياتهم.

وهذه ليست خصوصية لبنانية. ففي السنوات الأخيرة، شهد العالم مراجعة غير مسبوقة لإرث التبنّي الدولي. ففي هولندا، خلصت لجان تحقيق مستقلة إلى وجود مخالفات جسيمة في عمليات التبنّي الدولي امتدت لعقود، شملت التزوير والفساد والإتجار بالأطفال في عدد من بلدان المنشأ، ما دفع الحكومة إلى تعليق التبنّي الدولي، بينما يواصل عدد من المتبنّين والمتبنّيات اللجوء إلى القضاء للمطالبة باعتراف الدولة بمسؤوليتها عن الانتهاكات التي تعرّضوا لها. 

وفي كوريا الجنوبية، التي كانت لعقود من أكبر الدول المرسلة للأطفال عبر التبنّي الدولي، نجح المتبنّون والمتبنّيات البالغون في تحويل تجاربهم الشخصية إلى حركة حقوقية دفعت الدولة إلى فتح تحقيقات رسمية في ممارسات الماضي، والكشف عن ملفات مزوّرة وانتهاكات في بعض الحالات، وصولاً إلى إصلاحات تشريعية تعيد مسؤولية حماية الأطفال إلى الدولة، وتعزّز بقاءهم داخل أسرهم ومجتمعاتهم كلما كان ذلك ممكناً.

 لقد غيّرت هذه التجارب النقاش العالمي حول التبنّي الدولي؛ فلم يعد السؤال الأساسي هو كيف نجد أطفالاً لأسر ترغب في التبنّي، بل كيف نضمن ألا يُحرم أي طفل أو طفلة من أسرته أو مجتمعه أو هويته من دون ضرورة حقيقية.

من هذا المنطلق، لا يمكن فهم التشدد الذي تعتمده بعض الدول المستقبلة، ومنها كندا، بمعزل عن هذا التاريخ العالمي. فالضوابط الصارمة ليست مجرد إجراءات إدارية، بل هي استجابة لتجارب أثبتت أن غياب الرقابة قد يؤدي إلى انتهاكات جسيمة. لكن في المقابل، لا تتحقق الحماية بمجرد إغلاق الأبواب أو تعليق التبنّي من بلد معيّن، إذا لم تكن معايير هذا القرار واضحة، ومتّسقة، وقابلة للمساءلة.

ومن منظور حقوق الطفل، ينبغي ألا يكون النقاش منصبّاً على نوايا العائلة المتبنّية أو على تبادل الاتهامات بين السلطات اللبنانية والكندية، بل على الطفلة التي تدفع الثمن. فبمجرد صدور قرار التبنّي وتكوين علاقة رعاية وتعلّق وانتماء مع العائلة المتبنّية، يصبح الحفاظ على استمرارية هذه العلاقة جزءاً من حق الطفلة في الاستقرار، والعيش ضمن بيئة أسرية آمنة، واستمرارية الروابط العاطفية التي تكوّنت. وفي الوقت نفسه، لا يمكن النظر إلى هذا الحق بمعزل عن الحق في الحماية من أي ممارسات غير قانونية أو غير أخلاقية قد ترافق بعض عمليات التبنّي الدولي. وهنا تكمن المعضلة الحقيقية: فالطفلة اليوم ليست مسؤولة عن القرارات التي اتخذها الكبار، لكنها وحدها تتحمل آثارها.

وفي هذه القضية، لا توجد إجابات سهلة، كما لا يجوز التسرّع في إصدار الأحكام. لكن القضية تفرض سؤالين أساسيين يستحقان نقاشاً عاماً.

السؤال الأول يتعلق بالسياسات الكندية تجاه لبنان. فإذا كانت المخاطر المرتبطة بالتبنّي الدولي موثقة في عدد كبير من بلدان العالم، فلماذا يبدو أن التبنّي من لبنان إلى كندا غير ممكن عملياً، في حين تستمر برامج التبنّي من دول أخرى شهدت هي أيضاً انتهاكات موثقة؟ ما المعايير التي تستند إليها كندا في هذا التمييز؟ وهل ترتبط هذه السياسة بتقييم محدد للنظام اللبناني، أم بغياب اتفاقيات ثنائية وآليات تعاون تضمن حماية الأطفال والاعتراف المتبادل بالإجراءات؟

أما السؤال الثاني، وربما الأكثر إلحاحاً، فيتعلّق بالمسار الذي سبق صدور قرار التبنّي في لبنان. فإذا كانت الجهات اللبنانية تعلم، أو كان يفترض بها أن تعلم، أنّ هذا التبنّي لن يحظى بالاعتراف اللازم في كندا، وأنّ الطفلة لن تتمكن من دخول البلد الذي تقيم فيه عائلتها المتبنّية، فلماذا جرى المضي في إجراءات التبنّي أصلاً. أليس من واجب الجهات المختصة التأكد، قبل اتخاذ قرار نهائي يغيّر مصير طفل أو طفلة، من أنّ الأسرة ستكون قادرة فعلاً على العيش معاً؟

تكشف هذه القضية حدود التعامل مع التبنّي الدولي بوصفه مسارين قانونيين منفصلين، أحدهما في بلد المنشأ والآخر في بلد الاستقبال. فالتبنّي ليس حكماً قضائياً فحسب، بل هو مسار حماية متكامل، يبدأ قبل صدور أي قرار قضائي، ويفترض أن ينتهي باستقرار الطفل أو الطفلة داخل أسرة قادرة قانونياً وعملياً على رعايته. كما أن فلسفة حماية الطفل المعاصرة لم تعد تنطلق من البحث عن أطفال لأسر ترغب في التبنّي، بل من البحث أولاً عن كل السبل الممكنة لدعم الأسرة الأصلية، ومنع الانفصال غير الضروري، وتعزيز الرعاية ضمن الأسرة الممتدة أو المجتمع المحلي، قبل اللجوء إلى التبنّي الدولي كحل أخير عندما تستنفد جميع البدائل الأخرى ويثبت أنه يحقق بالفعل المصلحة الفضلى للطفل.

وعندما يصبح التبنّي الخيار المناسب، فإن حماية الطفل لا تقتصر على سلامة الإجراءات، بل تمتد لتشمل التأكد، قبل صدور أي حكم نهائي، من أن الأسرة ستكون قادرة على العيش معاً، وأن الاعتراف القانوني، وإجراءات الهجرة، والضمانات المتعلقة بالإقامة والجنسية قد استُكملت. فالمصلحة الفضلى للطفل لا تتحقق بمجرد صدور حكم بالتبنّي، بل عندما يكون هذا الحكم قابلاً للحياة، ويؤدي فعلاً إلى استقرار الطفل داخل أسرته الجديدة، لا إلى إبقائه عالقاً بين نظامين قانونيين.

المأساة الحقيقية في هذه القضية ليست فقط وجود نظامين قانونيين لا يلتقيان، بل إنّ الشخص الوحيد الذي لا يملك أي سلطة على القرارات التي اتُّخذت باسمه هو الطفلة. وبينما ينشغل الجميع بالمسؤوليات القانونية والإدارية، تبقى هي الضحية الوحيدة. فلا يمكن إعادة الزمن إلى الوراء، ولا يمكن تجاهل الحاجة إلى الحفاظ على العلاقة التي نشأت بينها وبين عائلتها التبنية، كما لا يمكن في الوقت نفسه التغاضي عن الأسئلة الجوهرية التي تكشفها هذه القضية بشأن سلامة منظومة التبنّي الدولي. 

وربما يكون الدرس الأهم الذي تقدمه هذه القضية هو أن حماية الأطفال تقتضي أن نبحث عن كيفية إتمام إجرارات التبني في لبنان: من اتخذ القرار وعلى أي أساس؟ وهل كان من الأجدى البحث عن حلول محلية كما أوصت معاهدة لاهاي، والتي منعت التبني الدولي؟.