يفتح في علامة تبويب جديدة
ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

من لورد إلى العالم: عرفنا بما حصل فماذا تغيّر؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

بين الحكمين استمرت المسارح والحفلات والاحتفاء. وفي بيروت، ظهرت حملة تقول “لبنان لا يرحب بسعد لمجرد”، فيما استمر آخرون في مشاركته الأغاني والمساحات العامة. ألم يخطر ببال فنانة تشاركه الأغنية والمنصة، ثم تسلّم عليه وتعانقه، أن هذه ليست مجرد لحظة فنية أو خيار شخصي؟ ماذا تعني هذه الصورة لمن تعرضت للاغتصاب؟ وماذا تقول عن المسافة التي تفصل أحياناً بين معرفتنا بالعنف وموقفنا منه؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في فيلم Spotlight، المستند إلى التحقيق الاستقصائي الذي نشرته صحيفة Boston Globe عام 2002، لا تبدأ القصة من محاولة كشف معتدٍ واحد، بل من خيط يقود الصحافيين إلى شبكة أوسع بكثير مما كانوا يتوقعون. ما بدا في البداية حالات منفصلة لرجال دين اعتدوا جنسياً على أطفال، سرعان ما كشف نمطاً امتد لسنوات داخل أبرشية بوسطن. ومع توسع التحقيق، طاولت الاتهامات ما يقارب الـ250 كاهناً في منطقة بوسطن، فيما خرج مئات الناجين والناجيات إلى العلن. لم تعد القصة إذاً: من هو الكاهن الذي اعتدى؟ بل كيف استطاع هذا العدد من الاعتداءات أن يحدث، وأن يستمر، وأن يبقى محمياً كل هذا الوقت؟

في الفيلم، يقول المحامي ميتشل غرابيديان جملة يصعب نسيانها: “إذا كانت تربية طفل تحتاج إلى قرية، فإن الاعتداء على طفل يحتاج إلى قرية أيضاً”. ربما لأن هذه الجملة تنقل السؤال من المكان الذي اعتدنا أن نضعه فيه. لا تعفينا من مسؤولية المعتدي، لكنها تجبرنا على توسيع دائرة النظر: ماذا يوجد حوله؟ من يعرف؟ من يشك؟ من يصمت؟ من يحمي؟ من يبرر؟ ومن يخاف على سمعة المؤسسة أكثر مما يخاف على من تعرّض للأذى؟ 

هذا ما كان مهماً في Spotlight . فالصحافيون لم يعودوا يلاحقون أسماء أفراد بقدر ما أصبحوا يلاحقون البنية التي أتاحت للاعتداء أن يحدث ويستمر ويُخفى.

فكرت في هذه “القرية” وأنا أتابع لقاء البابا لاوون الرابع عشر في لورد مع أشخاص نجوا من اعتداءات جنسية داخل الكنيسة. لقاء كان مقرراً أن يستمر ساعة وامتد قرابة الساعتين. أصغى البابا إلى الناجين والناجيات، بعضهم على انفراد ثم ضمن المجموعة، وتحدثوا معه ليس فقط عما تعرضوا له، بل عن مسؤولية المؤسسة والحاجة إلى مواجهة الطابع المنظومي للاعتداءات.

لا أعرف ماذا يعني أن يجلس إنسان أمام أعلى سلطة في المؤسسة التي ارتبطت بألمه ويحكي. ولا أريد أن أفترض أن اللقاء يشكل شفاءً، أو أن الإصغاء يعادل العدالة. لا يحق لنا أن نحمّل لقاءً رمزياً أكثر مما يحتمل. الاعتذار لا يعيد طفولة سُلبت، والتعاطف لا يحاسب من صمت، والاستماع لا يفتح الأرشيف ولا يصلح وحده المؤسسات التي حمت نفسها.

لكن شيئاً في الصورة يستحق التوقف عنده: المؤسسة، ولو للحظة، تجلس أمام من أذتهم منظومتها وتسمع روايتهم هم. وهنا علينا ربما في لبنان أن نسأل كيف حمينا منصور لبكي؟

لـ”قرية” رجل الدين اللبناني منصور لبكي، روايتها في ذلك كله. منظومة دينية واجتماعية اختارت، لسنوات، أن تحمي الرجل في مواجهة مسار كنسي وقضائي طويل انتهى بإدانته جنائياً في فرنسا عام 2021 بجرائم اغتصاب واعتداءات جنسية على قاصرات، والحكم عليه بالسجن خمسة عشر عاماً، ثم تجريده من الحالة الكهنوتية بقرار فاتيكاني. لكنني لا أريد أن أكتب عن منصور لبكي بقدر ما أريد أن أكتب عما كان حوله: عن الذين دعموه وساندوه واحتضنوه ووقفوا في وجه تسليمه للسلطات الفرنسية. عن الهالة التي ترافق رجل الدين، وعن السلطة التي يمنحها المجتمع لمن يعتبره ممثلاً للمقدس. عن المؤسسات التي يصعب عليها أن ترى نفسها مكاناً يمكن أن ينتج الأذى. وعن أشخاص قد يجدون التشكيك في طفلة أو امرأة أقل إيلاماً من التشكيك في رجل أحبوه ووثقوا به.

ماذا يعني لناجية أن تستجمع قدرتها على تسمية ما حدث، ثم تكتشف أن عليها ألا تواجه الشخص الذي آذاها فقط، بل ذاكرة جماعية كاملة عنه؟ أن تقول: هذا الرجل آذاني. فيجيبها المجتمع: لكنك لا تعرفين ماذا يعني لنا. ربما هنا يبدأ الاعتداء الثاني.

ليس اعتداءً جسدياً بالضرورة، بل اجتماعياً ورمزياً ومؤسساتياً. يحدث عندما تصبح الناجية مطالبة، مرة بعد مرة، بإثبات أذاها، بينما لا تُطالب المؤسسة بتفسير صمتها. عندما تُفحص ذاكرتها وتوقيت كلامها وسلوكها ودوافعها، فيما تبقى صورة الرجل الذي تتحدث عنه محاطة بالتقدير والحنين.

مسرح لسعد لمجرد

ثم أفكر في سعد لمجرد. القضيتان مختلفتان، ولا ينبغي خلطهما قانونياً أو مؤسساتياً. لكنهما تلتقيان عند سؤال آخر: ماذا تفعل المجتمعات بعد أن يصبح العنف الجنسي جزءاً من السجل العام؟

في فرنسا، أُدين لمجرد بالاغتصاب عام 2023 وحُكم عليه بالسجن ست سنوات، قبل أن يستأنف الحكم. وفي أيلول/ سبتمبر 2026، أدانته محكمة الاستئناف مجدداً وحكمت عليه بالسجن عشر سنوات. لكن بين الحكمين استمرت المسارح والحفلات والاحتفاء. وفي بيروت، ظهرت حملة تقول “لبنان لا يرحب بسعد لمجرد”، فيما استمر آخرون في مشاركته الأغاني والمساحات العامة. ألم يخطر ببال فنانة تشاركه الأغنية والمنصة، ثم تسلّم عليه وتعانقه، أن هذه ليست مجرد لحظة فنية أو خيار شخصي؟ ماذا تعني هذه الصورة لمن تعرضت للاغتصاب؟ وماذا تقول عن المسافة التي تفصل أحياناً بين معرفتنا بالعنف وموقفنا منه؟

ليست خيارات شخصية

ربما هنا أيضاً علينا أن نسأل عن ذلك الخط الرفيع بين الشخصي والعام. من حق الإنسان أن تكون له علاقاته وخياراته ومشاعره الخاصة، لكن ماذا يحدث عندما ينتقل هذا الخيار إلى المنصة، إلى الصورة، إلى الحفل، إلى الفضاء العام؟ متى يتوقف الفعل عن كونه شأناً شخصياً ويصبح رسالة، حتى لو لم يقصد صاحبه أن يرسلها؟ المسألة ليست في مراقبة خيارات الناس أو مطالبتهم بحياة خاصة “نقية”، بل في الاعتراف بأن القوة والظهور والمنصة تحمل مسؤولية، وأن بعض الأفعال، بمجرد أن تصبح علنية، تكتسب معنى يتجاوز النوايا الشخصية لمن قام بها. وقد يبدو الأمر نقاشاً قديماً حول إمكان الفصل بين الفنان وما فعله. لكنْ، ثمة سؤال آخر يغيب: ماذا يسمع الناجون والناجيات عندما يبدأ التصفيق؟

والمسألة، بالنسبة إليّ، لا تتوقف عند الاغتصاب والاعتداء الجنسي. ماذا عن أشكال العنف الأخرى التي تعلمنا أن نتعايش معها لأنها أصبحت عادية؟ ماذا عن خياراتنا اليومية حين يتحوّل الإنسان إلى جسد، أو صورة، أو وسيلة للمتعة، أو مادة للاستهلاك؟ ماذا عن الخطاب والإعلان والفن والترفيه حين يعيد إنتاج علاقات قوة تُشيّئ الأكثر هشاشة أو تجعل إذلالهم قابلاً للفرجة والضحك والتسويق؟ وماذا عن عنف لا نمارسه بأيدينا، لكننا نمنحه مساحة، أو نشتري تذكرة له، أو نعيد نشره، أو نصفق له؟

ربما المسألة ليست فقط في أن نسأل: هل ارتكب هذا الشخص جريمة؟ بل أيضاً: ما الذي نختار، نحن، أن نطبّع معه؟ ما الذي نقبل أن يتحول إلى فرجة؟ وأين نقف عندما تصبح حرية أحدهم أو شهرته أو سلطته ممكنة على حساب كرامة شخص أقل قدرة على الكلام أو الرفض أو الوصول إلى المنصة نفسها؟

المسرح ليس محكمة، والجمهور ليس هيئة محلفين، والتذكرة ليست حكماً قضائياً. لكن المنصة ليست بريئة تماماً أيضاً. فهي تمنح الحضور، وتعيد إنتاج المكانة، وتقول، بشكل أو بآخر، من لا يزال جديراً بأن يحتل الفضاء العام، وأن تُرفع صورته ويُحتفى به. وهنا يصبح السؤال أبعد من سعد لمجرد نفسه: ماذا نعيد إنتاجه حين نصفق؟ وأي حدود نرسمها، كمجتمع، بين ما نعرف أنه عنف، وبين ما نستمر في منحه الشرعية الاجتماعية؟ 

لذلك لا أسأل فقط ماذا يعني التصفيق لسعد لمجرد، بل ماذا يعني لشابة تعرضت للاغتصاب ولم تتكلم بعد، لطفل يحاول أن يفهم أن كان ما حدث له يستحق أن يقوله لأحد، لامرأة تكلمت ولم يصدقها أحد، ولكل من اختبر شكلاً من أشكال العنف ثم رأى الشخص أو البنية التي أذتهما تستعيد مكانها بصورة طبيعية في المجتمع.

أكثر ما يخيف في فيلم Spotlight، الفيلم الذي منع المزاج العام عرضه في لبنان، ليس اكتشاف وجود رجال ارتكبوا جرائم بحق أطفال، بل اكتشاف كم يحتاج استمرار الاعتداء إلى أناس عاديين يؤدون أدوارهم العادية: رجل دين يحمي المؤسسة، محامٍ يسوّي قضية، مسؤول ينقل كاهناً من مكان إلى آخر، عائلة تخاف الفضيحة، وشخص يعرف جزءاً من القصة ويفضل ألا يعرف بقيّتها. وحتى الصحيفة نفسها لم تكن خارج هذه الدائرة. كان عليها أن تواجه حقيقة أنها تلقت في سنوات سابقة إشارات ومعلومات لم تتحول آنذاك إلى التحقيق الذي كان ينبغي أن تكونه.

وهنا يصبح السؤال أكثر صعوبة، لأن القرية هي نحن أيضاً.

لهذا لا أريد أن نجعل من لقاء لورد قصة نجاح عن مؤسسة أصبحت تصغي إلى الناجين والناجيات. السؤال ليس فقط إن كانت المؤسسة قد سمعت، بل ماذا ستفعل بما سمعت. هل تتغير الإجراءات؟ هل تُفتح الملفات؟ هل تصبح آليات الإبلاغ مستقلة فعلاً؟ هل يُسأل من عرفوا ولم يتحركوا؟ هل يحصل الناجون والناجيات على الدعم الذي يختارونه هم، لا الذي تقرر المؤسسة أنه مناسب لهم؟ وهل يستطيع شخص آخر أن يتكلم بعد عشر سنوات من دون أن يدفع الثمن نفسه؟

والأهم: هل نترك للناجين والناجيات حق الصمت؟

فهم لا يدينون لنا بشهاداتهم، ولا بتفاصيل أذيتهم كي نتعلم منها، ولا بقصة مرتبة يمكن أن نضعها في تقرير أو فيلم أو حملة توعية. ولا يدينون للمؤسسة بالغفران لأنها اعتذرت، أو بالمصالحة لأنها قررت أخيراً أن تسمع.

وربما علينا أن نتوقف قليلاً عن سؤال الناجين والناجيات: ماذا حدث لكم؟

ونسأل أنفسنا بدلاً من ذلك: ماذا فعلنا نحن بما عرفناه؟

وهل تغيّرت القرية؟

بين الحكمين استمرت المسارح والحفلات والاحتفاء. وفي بيروت، ظهرت حملة تقول “لبنان لا يرحب بسعد لمجرد”، فيما استمر آخرون في مشاركته الأغاني والمساحات العامة. ألم يخطر ببال فنانة تشاركه الأغنية والمنصة، ثم تسلّم عليه وتعانقه، أن هذه ليست مجرد لحظة فنية أو خيار شخصي؟ ماذا تعني هذه الصورة لمن تعرضت للاغتصاب؟ وماذا تقول عن المسافة التي تفصل أحياناً بين معرفتنا بالعنف وموقفنا منه؟

في فيلم Spotlight، المستند إلى التحقيق الاستقصائي الذي نشرته صحيفة Boston Globe عام 2002، لا تبدأ القصة من محاولة كشف معتدٍ واحد، بل من خيط يقود الصحافيين إلى شبكة أوسع بكثير مما كانوا يتوقعون. ما بدا في البداية حالات منفصلة لرجال دين اعتدوا جنسياً على أطفال، سرعان ما كشف نمطاً امتد لسنوات داخل أبرشية بوسطن. ومع توسع التحقيق، طاولت الاتهامات ما يقارب الـ250 كاهناً في منطقة بوسطن، فيما خرج مئات الناجين والناجيات إلى العلن. لم تعد القصة إذاً: من هو الكاهن الذي اعتدى؟ بل كيف استطاع هذا العدد من الاعتداءات أن يحدث، وأن يستمر، وأن يبقى محمياً كل هذا الوقت؟

في الفيلم، يقول المحامي ميتشل غرابيديان جملة يصعب نسيانها: “إذا كانت تربية طفل تحتاج إلى قرية، فإن الاعتداء على طفل يحتاج إلى قرية أيضاً”. ربما لأن هذه الجملة تنقل السؤال من المكان الذي اعتدنا أن نضعه فيه. لا تعفينا من مسؤولية المعتدي، لكنها تجبرنا على توسيع دائرة النظر: ماذا يوجد حوله؟ من يعرف؟ من يشك؟ من يصمت؟ من يحمي؟ من يبرر؟ ومن يخاف على سمعة المؤسسة أكثر مما يخاف على من تعرّض للأذى؟ 

هذا ما كان مهماً في Spotlight . فالصحافيون لم يعودوا يلاحقون أسماء أفراد بقدر ما أصبحوا يلاحقون البنية التي أتاحت للاعتداء أن يحدث ويستمر ويُخفى.

فكرت في هذه “القرية” وأنا أتابع لقاء البابا لاوون الرابع عشر في لورد مع أشخاص نجوا من اعتداءات جنسية داخل الكنيسة. لقاء كان مقرراً أن يستمر ساعة وامتد قرابة الساعتين. أصغى البابا إلى الناجين والناجيات، بعضهم على انفراد ثم ضمن المجموعة، وتحدثوا معه ليس فقط عما تعرضوا له، بل عن مسؤولية المؤسسة والحاجة إلى مواجهة الطابع المنظومي للاعتداءات.

لا أعرف ماذا يعني أن يجلس إنسان أمام أعلى سلطة في المؤسسة التي ارتبطت بألمه ويحكي. ولا أريد أن أفترض أن اللقاء يشكل شفاءً، أو أن الإصغاء يعادل العدالة. لا يحق لنا أن نحمّل لقاءً رمزياً أكثر مما يحتمل. الاعتذار لا يعيد طفولة سُلبت، والتعاطف لا يحاسب من صمت، والاستماع لا يفتح الأرشيف ولا يصلح وحده المؤسسات التي حمت نفسها.

لكن شيئاً في الصورة يستحق التوقف عنده: المؤسسة، ولو للحظة، تجلس أمام من أذتهم منظومتها وتسمع روايتهم هم. وهنا علينا ربما في لبنان أن نسأل كيف حمينا منصور لبكي؟

لـ”قرية” رجل الدين اللبناني منصور لبكي، روايتها في ذلك كله. منظومة دينية واجتماعية اختارت، لسنوات، أن تحمي الرجل في مواجهة مسار كنسي وقضائي طويل انتهى بإدانته جنائياً في فرنسا عام 2021 بجرائم اغتصاب واعتداءات جنسية على قاصرات، والحكم عليه بالسجن خمسة عشر عاماً، ثم تجريده من الحالة الكهنوتية بقرار فاتيكاني. لكنني لا أريد أن أكتب عن منصور لبكي بقدر ما أريد أن أكتب عما كان حوله: عن الذين دعموه وساندوه واحتضنوه ووقفوا في وجه تسليمه للسلطات الفرنسية. عن الهالة التي ترافق رجل الدين، وعن السلطة التي يمنحها المجتمع لمن يعتبره ممثلاً للمقدس. عن المؤسسات التي يصعب عليها أن ترى نفسها مكاناً يمكن أن ينتج الأذى. وعن أشخاص قد يجدون التشكيك في طفلة أو امرأة أقل إيلاماً من التشكيك في رجل أحبوه ووثقوا به.

ماذا يعني لناجية أن تستجمع قدرتها على تسمية ما حدث، ثم تكتشف أن عليها ألا تواجه الشخص الذي آذاها فقط، بل ذاكرة جماعية كاملة عنه؟ أن تقول: هذا الرجل آذاني. فيجيبها المجتمع: لكنك لا تعرفين ماذا يعني لنا. ربما هنا يبدأ الاعتداء الثاني.

ليس اعتداءً جسدياً بالضرورة، بل اجتماعياً ورمزياً ومؤسساتياً. يحدث عندما تصبح الناجية مطالبة، مرة بعد مرة، بإثبات أذاها، بينما لا تُطالب المؤسسة بتفسير صمتها. عندما تُفحص ذاكرتها وتوقيت كلامها وسلوكها ودوافعها، فيما تبقى صورة الرجل الذي تتحدث عنه محاطة بالتقدير والحنين.

مسرح لسعد لمجرد

ثم أفكر في سعد لمجرد. القضيتان مختلفتان، ولا ينبغي خلطهما قانونياً أو مؤسساتياً. لكنهما تلتقيان عند سؤال آخر: ماذا تفعل المجتمعات بعد أن يصبح العنف الجنسي جزءاً من السجل العام؟

في فرنسا، أُدين لمجرد بالاغتصاب عام 2023 وحُكم عليه بالسجن ست سنوات، قبل أن يستأنف الحكم. وفي أيلول/ سبتمبر 2026، أدانته محكمة الاستئناف مجدداً وحكمت عليه بالسجن عشر سنوات. لكن بين الحكمين استمرت المسارح والحفلات والاحتفاء. وفي بيروت، ظهرت حملة تقول “لبنان لا يرحب بسعد لمجرد”، فيما استمر آخرون في مشاركته الأغاني والمساحات العامة. ألم يخطر ببال فنانة تشاركه الأغنية والمنصة، ثم تسلّم عليه وتعانقه، أن هذه ليست مجرد لحظة فنية أو خيار شخصي؟ ماذا تعني هذه الصورة لمن تعرضت للاغتصاب؟ وماذا تقول عن المسافة التي تفصل أحياناً بين معرفتنا بالعنف وموقفنا منه؟

ليست خيارات شخصية

ربما هنا أيضاً علينا أن نسأل عن ذلك الخط الرفيع بين الشخصي والعام. من حق الإنسان أن تكون له علاقاته وخياراته ومشاعره الخاصة، لكن ماذا يحدث عندما ينتقل هذا الخيار إلى المنصة، إلى الصورة، إلى الحفل، إلى الفضاء العام؟ متى يتوقف الفعل عن كونه شأناً شخصياً ويصبح رسالة، حتى لو لم يقصد صاحبه أن يرسلها؟ المسألة ليست في مراقبة خيارات الناس أو مطالبتهم بحياة خاصة “نقية”، بل في الاعتراف بأن القوة والظهور والمنصة تحمل مسؤولية، وأن بعض الأفعال، بمجرد أن تصبح علنية، تكتسب معنى يتجاوز النوايا الشخصية لمن قام بها. وقد يبدو الأمر نقاشاً قديماً حول إمكان الفصل بين الفنان وما فعله. لكنْ، ثمة سؤال آخر يغيب: ماذا يسمع الناجون والناجيات عندما يبدأ التصفيق؟

والمسألة، بالنسبة إليّ، لا تتوقف عند الاغتصاب والاعتداء الجنسي. ماذا عن أشكال العنف الأخرى التي تعلمنا أن نتعايش معها لأنها أصبحت عادية؟ ماذا عن خياراتنا اليومية حين يتحوّل الإنسان إلى جسد، أو صورة، أو وسيلة للمتعة، أو مادة للاستهلاك؟ ماذا عن الخطاب والإعلان والفن والترفيه حين يعيد إنتاج علاقات قوة تُشيّئ الأكثر هشاشة أو تجعل إذلالهم قابلاً للفرجة والضحك والتسويق؟ وماذا عن عنف لا نمارسه بأيدينا، لكننا نمنحه مساحة، أو نشتري تذكرة له، أو نعيد نشره، أو نصفق له؟

ربما المسألة ليست فقط في أن نسأل: هل ارتكب هذا الشخص جريمة؟ بل أيضاً: ما الذي نختار، نحن، أن نطبّع معه؟ ما الذي نقبل أن يتحول إلى فرجة؟ وأين نقف عندما تصبح حرية أحدهم أو شهرته أو سلطته ممكنة على حساب كرامة شخص أقل قدرة على الكلام أو الرفض أو الوصول إلى المنصة نفسها؟

المسرح ليس محكمة، والجمهور ليس هيئة محلفين، والتذكرة ليست حكماً قضائياً. لكن المنصة ليست بريئة تماماً أيضاً. فهي تمنح الحضور، وتعيد إنتاج المكانة، وتقول، بشكل أو بآخر، من لا يزال جديراً بأن يحتل الفضاء العام، وأن تُرفع صورته ويُحتفى به. وهنا يصبح السؤال أبعد من سعد لمجرد نفسه: ماذا نعيد إنتاجه حين نصفق؟ وأي حدود نرسمها، كمجتمع، بين ما نعرف أنه عنف، وبين ما نستمر في منحه الشرعية الاجتماعية؟ 

لذلك لا أسأل فقط ماذا يعني التصفيق لسعد لمجرد، بل ماذا يعني لشابة تعرضت للاغتصاب ولم تتكلم بعد، لطفل يحاول أن يفهم أن كان ما حدث له يستحق أن يقوله لأحد، لامرأة تكلمت ولم يصدقها أحد، ولكل من اختبر شكلاً من أشكال العنف ثم رأى الشخص أو البنية التي أذتهما تستعيد مكانها بصورة طبيعية في المجتمع.

أكثر ما يخيف في فيلم Spotlight، الفيلم الذي منع المزاج العام عرضه في لبنان، ليس اكتشاف وجود رجال ارتكبوا جرائم بحق أطفال، بل اكتشاف كم يحتاج استمرار الاعتداء إلى أناس عاديين يؤدون أدوارهم العادية: رجل دين يحمي المؤسسة، محامٍ يسوّي قضية، مسؤول ينقل كاهناً من مكان إلى آخر، عائلة تخاف الفضيحة، وشخص يعرف جزءاً من القصة ويفضل ألا يعرف بقيّتها. وحتى الصحيفة نفسها لم تكن خارج هذه الدائرة. كان عليها أن تواجه حقيقة أنها تلقت في سنوات سابقة إشارات ومعلومات لم تتحول آنذاك إلى التحقيق الذي كان ينبغي أن تكونه.

وهنا يصبح السؤال أكثر صعوبة، لأن القرية هي نحن أيضاً.

لهذا لا أريد أن نجعل من لقاء لورد قصة نجاح عن مؤسسة أصبحت تصغي إلى الناجين والناجيات. السؤال ليس فقط إن كانت المؤسسة قد سمعت، بل ماذا ستفعل بما سمعت. هل تتغير الإجراءات؟ هل تُفتح الملفات؟ هل تصبح آليات الإبلاغ مستقلة فعلاً؟ هل يُسأل من عرفوا ولم يتحركوا؟ هل يحصل الناجون والناجيات على الدعم الذي يختارونه هم، لا الذي تقرر المؤسسة أنه مناسب لهم؟ وهل يستطيع شخص آخر أن يتكلم بعد عشر سنوات من دون أن يدفع الثمن نفسه؟

والأهم: هل نترك للناجين والناجيات حق الصمت؟

فهم لا يدينون لنا بشهاداتهم، ولا بتفاصيل أذيتهم كي نتعلم منها، ولا بقصة مرتبة يمكن أن نضعها في تقرير أو فيلم أو حملة توعية. ولا يدينون للمؤسسة بالغفران لأنها اعتذرت، أو بالمصالحة لأنها قررت أخيراً أن تسمع.

وربما علينا أن نتوقف قليلاً عن سؤال الناجين والناجيات: ماذا حدث لكم؟

ونسأل أنفسنا بدلاً من ذلك: ماذا فعلنا نحن بما عرفناه؟

وهل تغيّرت القرية؟

|
آخر القصص
ذاكرة الأطفال المعلّقة: قراءة في فيلم Sentimental Value
زينة علوش - خبيرة دولية في الحماية من العنف ضد الأطفال | 14.10.2026
كيف يورّث أحمد العوضي الذكورية لجيل الشباب؟
إيمان عادل- صحافية مصرية | 14.10.2026

اشترك بنشرتنا البريدية