ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

من “موقعة الجمل” إلى “شباب المصريين في الخارج”: أساليب متجدّدة لـ”البلطجة الوطنية”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

منذ 2013، تحولت السفارات المصرية في الخارج إلى مسارح رمزية للصراع السياسي. فالمعارضة المصرية، وعلى رأسها الإخوان وغيرهم من المنفيين، اتخذت منها نقطة تجمع للاحتجاج على النظام، مستفيدة من الحريات السياسية في أوروبا وأميركا.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في شتاء 2011، خرج متظاهرون مصريون إلى ميدان التحرير للمطالبة بالحرية والعدالة، لكن نظام مبارك يومها لم يكتفِ بأجهزة الأمن والشرطة لقمع المتظاهرين، بل أطلق العنان لما عُرف لاحقًا بـ”البلطجية”، الذين اندفعوا بالجمال والخيول في مشهد صار علامة سوداء عُرفت باسم “موقعة الجمل”. آنذاك، دهست الجمال والخيول المتظاهرين بلا رحمة لكسر شوكتهم وإشاعة الفوضى عبر مجموعات مدفوعة الأجر أو الولاء، تُستخدم كأداة غير رسمية لقمع المعارضة.

بعد أكثر من عقد، يظهر المشهد وكأنه يعاد إنتاجه مرة أخرى لكن بأدوات جديدة وبجغرافيا مختلفة. ففي شوارع برلين ولندن وهولندا وأمام السفارات المصرية في أوروبا، يطل أحمد عبد القادر “ميدو” على رأس كيان يُسمى “اتحاد شباب المصريين في الخارج”. يقدم نفسه كحارس للمصالح الوطنية و”مُدافع” عن السفارات المصرية ضد تظاهرات الإخوان والمعارضين، يهدد ويتوعد المتظاهرين المطالبين بفتح مصر المعبر أمام المساعدات لأهالي غزة، ويصفهم هو ورفاقه بالإرهابيين.

في آب/ أغسطس 2025، استهدف متظاهرون يُرجّح انتماؤهم الى جماعة الإخوان، السفارات المصرية في هولندا وتل أبيب. تصدّى لهم شباب الجاليات المصرية بتنظيم وقفات مضادة أمام السفارات، عبر اتحاد شباب المصريين في الخارج، مُصوّرين أنفسهم كـ”خط الدفاع الوطني” في الخارج.

ما حدث في هولندا سبقته بأيام قليلة في القاهرة تظاهرات تمت بأريحية غير معتادة، حين سمح الأمن المصري بالتظاهر فقط لمناصريه أمام سفارة هولندا – وعلى رغم حظر التظاهر في مصر وآلاف المعتقلين على خلفية قانون سيئ السمعة- لكن الهتافات واللافتات علت بعبارات “الشعب يريد تسليم الإخوان”، “لا لدعم الإخوان” وغيرها. ومنذ ساعات، سحبت القاهرة الحراسة الأمنية عن سفارة بريطانيا في القاهرة احتجاجًا على القبض على المتظاهرين المؤيدين للنظام المصري أمام السفارة المصرية في بريطانيا.

اللافت، أن عبد القادر وزملاءه لا يتحركون كأفراد عاديين، بل بغطاء شبه رسمي يشمل صوراً مع مسؤولين، دعماً من الإعلام الموالي، وتدخلاً مباشراً من وزارة الخارجية المصرية بعد اعتقاله في لندن. تماماً كما وفرت الدولة في 2011 الغطاء لاقتحام الخيول الميدان، توفر اليوم غطاءً سياسيًا لمجموعات “شبابية” تُطلَق لمواجهة المعارضين بالخارج

ما يقدمه اتحاد شباب المصريين في الخارج ليس أكثر من إعادة تدوير لفكرة قديمة ومعتادة، وهي خلق “مدنيين” يواجهون المعارضة بدلًا من الدولة، ليبدو الأمر وكأنه صراع مواطنين ضد مواطنين، بينما هو في الحقيقة صراع نظام ضد معارضيه. الفارق فقط أن الميدان تحوّل إلى ساحات أمام سفارات أوروبا، والجِمال تحولت إلى شعارات وطنية ممزوجة بالتهديد والوعيد.

الآن، أصبح عبد القادر ورفاقه امتدادًا لأسلوب طالما احترفته الأنظمة السلطوية، وهو تفويض “مناصرين” غير رسميين لمواجهة الخصوم. هؤلاء لا يخضعون لمحاسبة قانونية واضحة، لكنهم يمنحون النظام مساحة إنكار مريحة: فالمعارضون لا يُضربون على يد الشرطة، بل على يد “مواطنين غاضبين”.

أحمد ناصر دبابة، والذي اختار لنفسه لقبًا ممتنًا ومنتميًا الى الجيش والحكم العسكري، كان واحداً من الأيادي والأصوات المشاركة بقوة في معركة حماية السفارات المصرية بالخارج، واستُقبل في القاهرة استقبال فاتحي عكا والقدس، وتعاظم حظّه أن أصبح اسمه في العناوين ومنشيتات الصحف المصرية، مثل ” لا تراجع ولا استسلام”، ” البطل وصل مصر”.

منذ 2013، تحولت السفارات المصرية في الخارج إلى مسارح رمزية للصراع السياسي. فالمعارضة المصرية، وعلى رأسها الإخوان وغيرهم من المنفيين، اتخذت منها نقطة تجمع للاحتجاج على النظام، مستفيدة من الحريات السياسية في أوروبا وأميركا.

بالنسبة الى النظام المصري، لم تكن هذه الوقفات مجرد تظاهرات محدودة العدد، بل تهديدًا مزدوجًا لأنها تضع صورة مصر الرسمية في الخارج تحت ضغط الإعلام الدولي، ولأنها تُظهر أن المعركة مع النظام لم تُحسم بالكامل على رغم القبضة الأمنية في الداخل.

لذلك، تتعامل الدولة مع أي حراك أمام سفاراتها كما لو كان خرقًا لهيبتها وسيادتها، وتعتبر أن حماية تلك السفارات ليست مسؤولية أمن الدولة المضيفة فقط، بل واجب سياسي على أنصار النظام أنفسهم. وهنا يأتي دور كيانات مثل اتحاد شباب المصريين في الخارج، التي تقدم نفسها كـ”خط دفاع شعبي” لحماية السفارات، لكنها في الحقيقة تمثل خصخصة القمع العابر للحدود، وإعادة إنتاج “موقعة الجمل” لكن على أرض أوروبية.

الناشطة الصحافية بسمة مصطفى، التي تعرضت للسجن والاختفاء القسري في مصر، تعرضت أيضاً للترهيب واللكم والبصق على وجهها في برلين من مجموعة من اتحاد شباب المصريين في الخارج، الذين كانوا موجودين للتهليل للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أثناء زيارته إلي برلين. كانت بسمة تقوم بتغطية تظاهرة معارضة مصرية أثناء زيارة السيسي لبرلين بوجود مجموعات ضاغطة لكشف ملف السجناء المصريين السياسيين والتجاوزات التي تحدث بحقهم في السجون.

تقول بسمة: “منذ عام 2022، وأنا أقول بوضوح إن ما تعرضتُ له لم يكن حادثة فردية، بل جزءاً من عمل ممنهج تقوده شبكة مدعومة رسمياً من الدولة المصرية، تتحرك عبر وزارة الخارجية وبتنسيق مباشر مع الأجهزة الأمنية، وبتمويل من جيوب المصريين، بهدف استهداف الصحافيين والمعارضين والمنفيين. في أوراق قضيتي بألمانيا ورد صراحةً على لسان أحد المتورطين، الذي قُبض عليه منذ أيام بعد ظهوره في مقطع فيديو شهير، أنه يعمل لدى دبلوماسي مصري. كما أن دبلوماسياً آخر من السفارة المصرية، وهو ضابط مخابرات، شهد بنفسه بهذا الكلام صراحة، وكان هو ذاته قد لاحقني مراراً في شوارع برلين وحول منزلي.

لا تشعر بسمة بالحماية فيما اتحاد شباب المصريين بالخارج محميّ ومنظم. تقول بسمة: “أن تسكن في أوروبا وتشعر أنك ما زلت تحت قبضة الأمن في مصر، لأنك تعلم أنهم قادرون على الوصول إليك في أي لحظة. وهذا هو صميم الرسالة التي يقوم عليها القمع العابر للحدود: حياتك مخترَقة من جميع الاتجاهات، ولست آمناً في أي بقعة على هذا الكوكب ما دمت مصرياً”.

شاركت بسمة في إطلاق أول إحاطة أممية عن القمع العابر للحدود مع المفوضية السامية داخل مجلس حقوق الإنسان، كما ساهمت في صياغة سياسات تخص تحسين الحماية المقدمة من الدول المضيفة للمدافعين في المنفى.

ما حصل مع الصحافية بسمة مصطفى يوضح رسالة سياسية عابرة للحدود، مفادها أن الدولة تستطيع الوصول إليك أينما كنت، ولو عبر وكلاء غير رسميين.

هذا النمط ليس جديدًا في التاريخ السياسي، إذ إن أنظمة سلطوية عدة مارسته مثل تركيا، في ملاحقة معارضي غولن في أوروبا، وروسيا في اغتيال خصومها ببرلين ولندن، والسعودية في قضية خاشقجي.

مصر اليوم تنضم إلى هذا السياق، مستخدمة “مناصرين مدنيين”، ما يوفر لها هامش إنكار، لكنها في الوقت نفسه تضمن رسالتها: “المعارضة لن تمر بلا تكلفة، حتى في المنفى”.

المفارقة أن هؤلاء “المناصرين” أنفسهم هم غالبًا شخصيات هامشية، مثل عبد القادر، الذي فشل في مسيرته الرياضية، واحترف الادعاءات والشبهات. لكن الدولة تمنحه غطاءً سياسيًا وإعلاميًا ليصبح رمزًا وطنيًا مؤقتًا، يؤدي المهمة ثم يُستنزف. إنه بالضبط ما حدث في موقعة الجمل: حشد عابر للزمان يُستخدم لإرهاب الخصوم، ثم يختفي من المشهد حين يؤدي مهمته.

بين موقعة الجمل واتحاد الشباب بالخارج، تتجلى فكرة واحدة، وهي أن النظام المصري حين يعجز عن إقناع المعارضين، يطلق عليهم “أشباحه” ليرهبوهم، مرة بالخيول والسيوف، ومرة بالتهديدات وادعاء حماية السفارات.

ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية | 17.01.2026

لماذا تربكني الراحة؟

أفكر أحياناً أن جيلاً كاملاً من أبناء هذه البلاد يواجه اليوم المعضلة نفسها، جيل كبير بعدد أفراده وصغير بعدد لحظاته الآمنة، جيل محترف في الاستعداد، سيّئ في الاسترخاء، جيل تعلّم أن يدير الأزمات لكنّه لم يتعلّم كيف يعيش بين أزمة وأخرى.
02.09.2025
زمن القراءة: 5 minutes

منذ 2013، تحولت السفارات المصرية في الخارج إلى مسارح رمزية للصراع السياسي. فالمعارضة المصرية، وعلى رأسها الإخوان وغيرهم من المنفيين، اتخذت منها نقطة تجمع للاحتجاج على النظام، مستفيدة من الحريات السياسية في أوروبا وأميركا.

في شتاء 2011، خرج متظاهرون مصريون إلى ميدان التحرير للمطالبة بالحرية والعدالة، لكن نظام مبارك يومها لم يكتفِ بأجهزة الأمن والشرطة لقمع المتظاهرين، بل أطلق العنان لما عُرف لاحقًا بـ”البلطجية”، الذين اندفعوا بالجمال والخيول في مشهد صار علامة سوداء عُرفت باسم “موقعة الجمل”. آنذاك، دهست الجمال والخيول المتظاهرين بلا رحمة لكسر شوكتهم وإشاعة الفوضى عبر مجموعات مدفوعة الأجر أو الولاء، تُستخدم كأداة غير رسمية لقمع المعارضة.

بعد أكثر من عقد، يظهر المشهد وكأنه يعاد إنتاجه مرة أخرى لكن بأدوات جديدة وبجغرافيا مختلفة. ففي شوارع برلين ولندن وهولندا وأمام السفارات المصرية في أوروبا، يطل أحمد عبد القادر “ميدو” على رأس كيان يُسمى “اتحاد شباب المصريين في الخارج”. يقدم نفسه كحارس للمصالح الوطنية و”مُدافع” عن السفارات المصرية ضد تظاهرات الإخوان والمعارضين، يهدد ويتوعد المتظاهرين المطالبين بفتح مصر المعبر أمام المساعدات لأهالي غزة، ويصفهم هو ورفاقه بالإرهابيين.

في آب/ أغسطس 2025، استهدف متظاهرون يُرجّح انتماؤهم الى جماعة الإخوان، السفارات المصرية في هولندا وتل أبيب. تصدّى لهم شباب الجاليات المصرية بتنظيم وقفات مضادة أمام السفارات، عبر اتحاد شباب المصريين في الخارج، مُصوّرين أنفسهم كـ”خط الدفاع الوطني” في الخارج.

ما حدث في هولندا سبقته بأيام قليلة في القاهرة تظاهرات تمت بأريحية غير معتادة، حين سمح الأمن المصري بالتظاهر فقط لمناصريه أمام سفارة هولندا – وعلى رغم حظر التظاهر في مصر وآلاف المعتقلين على خلفية قانون سيئ السمعة- لكن الهتافات واللافتات علت بعبارات “الشعب يريد تسليم الإخوان”، “لا لدعم الإخوان” وغيرها. ومنذ ساعات، سحبت القاهرة الحراسة الأمنية عن سفارة بريطانيا في القاهرة احتجاجًا على القبض على المتظاهرين المؤيدين للنظام المصري أمام السفارة المصرية في بريطانيا.

اللافت، أن عبد القادر وزملاءه لا يتحركون كأفراد عاديين، بل بغطاء شبه رسمي يشمل صوراً مع مسؤولين، دعماً من الإعلام الموالي، وتدخلاً مباشراً من وزارة الخارجية المصرية بعد اعتقاله في لندن. تماماً كما وفرت الدولة في 2011 الغطاء لاقتحام الخيول الميدان، توفر اليوم غطاءً سياسيًا لمجموعات “شبابية” تُطلَق لمواجهة المعارضين بالخارج

ما يقدمه اتحاد شباب المصريين في الخارج ليس أكثر من إعادة تدوير لفكرة قديمة ومعتادة، وهي خلق “مدنيين” يواجهون المعارضة بدلًا من الدولة، ليبدو الأمر وكأنه صراع مواطنين ضد مواطنين، بينما هو في الحقيقة صراع نظام ضد معارضيه. الفارق فقط أن الميدان تحوّل إلى ساحات أمام سفارات أوروبا، والجِمال تحولت إلى شعارات وطنية ممزوجة بالتهديد والوعيد.

الآن، أصبح عبد القادر ورفاقه امتدادًا لأسلوب طالما احترفته الأنظمة السلطوية، وهو تفويض “مناصرين” غير رسميين لمواجهة الخصوم. هؤلاء لا يخضعون لمحاسبة قانونية واضحة، لكنهم يمنحون النظام مساحة إنكار مريحة: فالمعارضون لا يُضربون على يد الشرطة، بل على يد “مواطنين غاضبين”.

أحمد ناصر دبابة، والذي اختار لنفسه لقبًا ممتنًا ومنتميًا الى الجيش والحكم العسكري، كان واحداً من الأيادي والأصوات المشاركة بقوة في معركة حماية السفارات المصرية بالخارج، واستُقبل في القاهرة استقبال فاتحي عكا والقدس، وتعاظم حظّه أن أصبح اسمه في العناوين ومنشيتات الصحف المصرية، مثل ” لا تراجع ولا استسلام”، ” البطل وصل مصر”.

منذ 2013، تحولت السفارات المصرية في الخارج إلى مسارح رمزية للصراع السياسي. فالمعارضة المصرية، وعلى رأسها الإخوان وغيرهم من المنفيين، اتخذت منها نقطة تجمع للاحتجاج على النظام، مستفيدة من الحريات السياسية في أوروبا وأميركا.

بالنسبة الى النظام المصري، لم تكن هذه الوقفات مجرد تظاهرات محدودة العدد، بل تهديدًا مزدوجًا لأنها تضع صورة مصر الرسمية في الخارج تحت ضغط الإعلام الدولي، ولأنها تُظهر أن المعركة مع النظام لم تُحسم بالكامل على رغم القبضة الأمنية في الداخل.

لذلك، تتعامل الدولة مع أي حراك أمام سفاراتها كما لو كان خرقًا لهيبتها وسيادتها، وتعتبر أن حماية تلك السفارات ليست مسؤولية أمن الدولة المضيفة فقط، بل واجب سياسي على أنصار النظام أنفسهم. وهنا يأتي دور كيانات مثل اتحاد شباب المصريين في الخارج، التي تقدم نفسها كـ”خط دفاع شعبي” لحماية السفارات، لكنها في الحقيقة تمثل خصخصة القمع العابر للحدود، وإعادة إنتاج “موقعة الجمل” لكن على أرض أوروبية.

الناشطة الصحافية بسمة مصطفى، التي تعرضت للسجن والاختفاء القسري في مصر، تعرضت أيضاً للترهيب واللكم والبصق على وجهها في برلين من مجموعة من اتحاد شباب المصريين في الخارج، الذين كانوا موجودين للتهليل للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أثناء زيارته إلي برلين. كانت بسمة تقوم بتغطية تظاهرة معارضة مصرية أثناء زيارة السيسي لبرلين بوجود مجموعات ضاغطة لكشف ملف السجناء المصريين السياسيين والتجاوزات التي تحدث بحقهم في السجون.

تقول بسمة: “منذ عام 2022، وأنا أقول بوضوح إن ما تعرضتُ له لم يكن حادثة فردية، بل جزءاً من عمل ممنهج تقوده شبكة مدعومة رسمياً من الدولة المصرية، تتحرك عبر وزارة الخارجية وبتنسيق مباشر مع الأجهزة الأمنية، وبتمويل من جيوب المصريين، بهدف استهداف الصحافيين والمعارضين والمنفيين. في أوراق قضيتي بألمانيا ورد صراحةً على لسان أحد المتورطين، الذي قُبض عليه منذ أيام بعد ظهوره في مقطع فيديو شهير، أنه يعمل لدى دبلوماسي مصري. كما أن دبلوماسياً آخر من السفارة المصرية، وهو ضابط مخابرات، شهد بنفسه بهذا الكلام صراحة، وكان هو ذاته قد لاحقني مراراً في شوارع برلين وحول منزلي.

لا تشعر بسمة بالحماية فيما اتحاد شباب المصريين بالخارج محميّ ومنظم. تقول بسمة: “أن تسكن في أوروبا وتشعر أنك ما زلت تحت قبضة الأمن في مصر، لأنك تعلم أنهم قادرون على الوصول إليك في أي لحظة. وهذا هو صميم الرسالة التي يقوم عليها القمع العابر للحدود: حياتك مخترَقة من جميع الاتجاهات، ولست آمناً في أي بقعة على هذا الكوكب ما دمت مصرياً”.

شاركت بسمة في إطلاق أول إحاطة أممية عن القمع العابر للحدود مع المفوضية السامية داخل مجلس حقوق الإنسان، كما ساهمت في صياغة سياسات تخص تحسين الحماية المقدمة من الدول المضيفة للمدافعين في المنفى.

ما حصل مع الصحافية بسمة مصطفى يوضح رسالة سياسية عابرة للحدود، مفادها أن الدولة تستطيع الوصول إليك أينما كنت، ولو عبر وكلاء غير رسميين.

هذا النمط ليس جديدًا في التاريخ السياسي، إذ إن أنظمة سلطوية عدة مارسته مثل تركيا، في ملاحقة معارضي غولن في أوروبا، وروسيا في اغتيال خصومها ببرلين ولندن، والسعودية في قضية خاشقجي.

مصر اليوم تنضم إلى هذا السياق، مستخدمة “مناصرين مدنيين”، ما يوفر لها هامش إنكار، لكنها في الوقت نفسه تضمن رسالتها: “المعارضة لن تمر بلا تكلفة، حتى في المنفى”.

المفارقة أن هؤلاء “المناصرين” أنفسهم هم غالبًا شخصيات هامشية، مثل عبد القادر، الذي فشل في مسيرته الرياضية، واحترف الادعاءات والشبهات. لكن الدولة تمنحه غطاءً سياسيًا وإعلاميًا ليصبح رمزًا وطنيًا مؤقتًا، يؤدي المهمة ثم يُستنزف. إنه بالضبط ما حدث في موقعة الجمل: حشد عابر للزمان يُستخدم لإرهاب الخصوم، ثم يختفي من المشهد حين يؤدي مهمته.

بين موقعة الجمل واتحاد الشباب بالخارج، تتجلى فكرة واحدة، وهي أن النظام المصري حين يعجز عن إقناع المعارضين، يطلق عليهم “أشباحه” ليرهبوهم، مرة بالخيول والسيوف، ومرة بالتهديدات وادعاء حماية السفارات.