مرّة أخرى، يجد لبنان نفسه في قلب معركة مُنهِكة حول حرّية التعبير والسخرية، وهذه المرّة تتجسّد القضيّة باسم واحد: ماريو مبارك.
منذ نحو أسبوعين، انتشر مقطع مجتزأ من عرض كوميدي قدّمه المؤدّي الساخر ماريو مبارك في أمسية مغلقة، تضمّن نكتة عن قيامة المسيح، لم يشاهد معظم الغاضبين العرض كاملاً، ولم يعرفوا سياقه، لكنّ الدقيقة المقتطعة كانت كافية لإشعال حملة تحريض هائلة، تجاوزت الانتقاد إلى التهديد العلني بالقتل، وترافقت مع تعبئة منظّمة على وسائل التواصل.
تحرّك المركز الكاثوليكي للإعلام، رُفعت دعوى ضدّ مبارك بجرم “المساس بالمشاعر الدينية والذات الإلهية”، وتحوّل الكوميدي إلى متّهم يُلاحَق قضائياً. وأمس، عاد ماريو من كندا، ليفاجأ بتوقيفه في مطار بيروت: صودرت أجهزته الإلكترونية وجواز سفره وهاتفه، وكأنه مجرم خطير، قبل أن يُسمح له بالمغادرة على أن يُستدعى مطلع الأسبوع المقبل للتحقيق لدى الأمن العام. هكذا تحوّلت نكتة إلى ملفّ أمني، وإلى مواجهة بين فنّان ومؤسّسات دينية وأمنية تمتلك قدرة فعلية على تقييد حياته.
قضيّة ماريو ليست حادثة معزولة، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة تطال الساخرين في لبنان والمنطقة، من شادن فقيه إلى نور حجّار، وصولاً إلى عشرات الأصوات التي لجأت إلى الصمت أو السفر خوفاً من أن تتحوّل نكتة أو جملة ساخرة إلى تهمة. وهي أيضاً امتداد لسياق عالمي أوسع، يعيد باستمرار تعريف حدود المقدّس وحدود التعبير.
فقبل أكثر من ثلاثة عقود، أصدر آية الله الخميني فتوى بإهدار دم الروائي سلمان رشدي بسبب روايته آيات شيطانية. عاشت الفتوى طويلاً في الوعي العامّ، إلى أن تحقّقت فعلياً في عام 2022، حين تعرّض رشدي لمحاولة قتل أثناء إلقاء محاضرة في نيويورك، نجا الكاتب، لكنّه فقد عيناً وأُصيب بعجز دائم، في تجسيد مرير لفكرة أن نقد الدين قد يُدفع ثمنه دماً بعد عقود من صدور النصّ.
ولم تكن أزمة الرسوم الدنماركية في عام 2005 أقلّ عنفاً، إذ تحوّلت رسومات في صحيفة، إلى موجات احتجاج عالمية وعمليّات قتل وحرق سفارات، تبعها هجوم “شارلي إيبدو” في باريس في عام 2015، حيث قُتل رسّامون وصحافيون بسبب رسومات ساخرة. هكذا تكرّس منطق يعتبر أن حماية المقدّسات أهمّ من حماية البشر، وأن السخرية جريمة تستحقّ الموت.
في العالم العربي، تفاقم هذا المنطق حين خرجت السخرية السياسية أيضاً من المسموح إلى الممنوع، وفي لبنان، الذي يُفترض أن يكون مساحة أكثر انفتاحاً، يتكرّر المشهد نفسه بأساليب مختلفة: استدعاءات، ملاحقات قضائية، ضغط طائفي، وتحريض رقمي يحوّل الكوميدي إلى هدف مشروع.
الأخطر أن نموذج الغضب الديني، الذي كان مرتبطاً تاريخياً بالإسلام السياسي، صار يُستعاد اليوم داخل الأوساط المسيحية، عبر خطاب يطالب بـ”المعاملة بالمثل”: إذا مُنعت السخرية من الرموز الدينية الإسلامية، فلماذا يُسمح بها في السياق المسيحي؟ هكذا يتحوّل النقاش من الدفاع عن حرّية موحّدة للجميع إلى سباق على من يمتلك حقّ المنع أكثر.
إقرأوا أيضاً:
وسط هذا كلّه، يغيب النقاش الحقيقي حول مفهوم حرّية التعبير. فالحرّية، في جوهرها، تعني الحقّ في نقد الدين والسخرية منه والتشكيك فيه وحتى التجديف، فالأديان منظومات فكرية، لا أشخاص يمكن أن يطالها الضرر، والقانون يُسنّ لحماية الأفراد من العنف، لا لحماية المشاعر من الانزعاج، ولهذا تعتبر الديمقراطيات الحديثة أن التجديف، مهما كان صادماً، جزء من حرّية التعبير، بينما التحريض على العنف جريمة لا تُغتفر.
لكن في لبنان، كما في أماكن أخرى، اختلط الأمران بشكل خطير: تُعامل النكتة كجريمة، بينما يُترك التهديد بالقتل بلا محاسبة. يصبح الساخر هو المعتدي، ويحظى من يحمل الساطور بصفة “مدافع عن المقدّسات”. ينقلب منطق القانون: يُدان الكلام، ويُعفى الفعل.
وفي قلب هذا الخلط، تعيش عبارة يردّدها الكثيرون بوصفها حكمة بليغة: “حرّيتك تنتهي عند حرّية الآخرين”. لكنّ هذه الجملة، رغم انتشارها، لا معنى قانوني ولا فلسفي لها. فهي غالباً تُفسَّر على نحو يجعل حرّية الفرد تتوقّف عند مشاعر الآخرين أو حساسياتهم أو ما يعتبرونه مسيئاً. لكنّ الحرّيات لا تُقاس بالانزعاج؛ تُقاس بالضرر. الحرّية تنتهي عند التحريض على العنف، لا عند السخرية منه. عند الاعتداء على شخص، لا عند طرح سؤال صادم أو نكتة غير مريحة. إذا تحوّلت مشاعر الناس إلى حدود للحرّية، فلن يبقى أيّ كلام ممكناً، لأن أيّ جملة قادرة على إزعاج أحدهم.
ما يحدث اليوم مع ماريو مبارك يضعنا أمام سؤال جوهري:
أيّهما أخطر على المجتمع، السخرية أم التحريض؟
النكتة أم الساطور؟
الضحك أم الكراهية؟
حين يصبح الكوميدي متّهماً، ومن يهدّده بالقتل طليقاً، نكون قد بدأنا نفقد قدرتنا على التمييز بين الرأي والجريمة، وبين النقد والاعتداء، وبين ما يزعج وما يقتل. وحين يخشى الدين أو الهويّة نكتة، فهذا يعني أننا نخشى الأسئلة أكثر مما نخشى الشتائم، ونخاف الضحكة أكثر مما نخاف العنف.
هذه ليست معركة على الذوق، ولا على “احترام المقدّسات”. إنها معركة على الحقّ في التفكير، في السؤال، في النقد، في الضحك، في كسر الهيمنة الرمزية، وفي إنتاج مساحة عامّة يمكن للناس أن يتكلّموا فيها بلا خوف. السخرية ليست ترفاً، بل شرط من شروط المجتمع الحرّ، وما لم نتّفق على هذا المبدأ، سيبقى كلّ كوميدي، وكلّ كاتب، وكلّ فنان مهدّداً بأن يكون ضحيّة جديدة في المواجهة الدائمة بين الكلمة والسيف… مواجهة خاسرها الأوّل هو الحرّية، وخاسرها الأخير هو المجتمع نفسه.











