ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

من هو البطل في سوريا؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

السلطة تقدّس موتاً واحداً، موتاً دينياً أو استشهادياً يصلح للعرض، فيما تُهمل موتاً آخر: موت الحياة اليومية نفسها، موت الحكايات المخنوقة، وموت الزمن الذي يُسرق بلا صوت.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

هناك مشهدية تتكرّر كثيراً في سوريا. 

رجال يحملون السلاح ويخطبون أو يهدّدون أو يشتمون أو يقتلون. كرّست المرحلة الماضية شرعية الكلام والحضور لمن يحمل بندقية، لا لمن يملك قولاً. لا نعرف تاريخ معظم هؤلاء، لكنّ معيار الظهور بات واضحاً: السلاح أوّلاً. من هنا، تُختَصر البطولة في شخص واحد أو بندقية واحدة، أو في بنادق كثيرة تُعاد تدوير رموزها، حتى بات من الصعب تجاوز السلاح وحامله والجماعة التي تُعرِّف نفسها به.

هذا النصّ ينطلق من هذه الأمثلة اليومية ليطرح سؤالاً أبعد: كيف تحوّل السلاح إلى هويّة، والبطولة إلى صورة واحدة تُفرَض على الخيال العامّ؟ ولماذا تُقصى سرديات المدنيين والمعتقلين والمنفيين وأهالي القتلى من معنى البطولة؟

 السلاح بوصفه سردية بطولة

في سوريا، تُختَصر البطولة في شخص واحد أو بندقية واحدة، أو في بنادق كثيرة يُعاد تدوير رموزها، حتى بات من الصعب تجاوز البندقية وصاحبها وحاملها وبندقية الجماعة واستعدادها للجهاد. ومع الوقت، صارت البندقية نفسها مبرّراً يلغي سردية العنف كلّها من أجل تمجيد السلاح ومن يحمله. حتى من يريد مهاجمة الأقلّيات أو المعترضين على النظام، بات يحمل السلاح ويخطب؛ لا خطاب دون سلاح، في محاولة للتماهي مع السلطة أو مع من يمدحونها. لا نعرف أبداً تاريخ الذين يظهرون في الشوارع والجوامع حاملين السلاح ويشتمون أو يهدّدون الناس، ولا نعرف إن كانوا مقاتلين أو مدنيين مثلنا جيراناً لنا وأقارب. حمل السلاح من أجل الخطب هو معيار من يحقّ له القول، هذا لا شكّ فيه أبداً.

يتواجد السلاح في سوريا كنزعة للبطولة، من القصّة الشعبية إلى الدراما، حتى صار هناك هوس ببطولة تُكرَّس اجتماعياً وتُحاكَى بلا توقّف. وهكذا صار السوري يرى السلاح جزءاً من يومه، لا حدثاً استثنائياً، ممّا يشرح الإصرار على إعادة إنتاج الفارس أو البحث عنه، وكأن المخيّلة العامّة لا تحتمل إلا نموذجاً واحداً: الفارس، والبحث الدائم عن الفارس.

وتحاول السلطة نفي مفردات المخلّص والخلاص من الخطاب العامّ، لكنّها تعيد إنتاجهما بطرق أخرى؛ إذ تشيّد عبر إعلامها الموازي صورة تُظهر القائد الشرع بوصفه منقذاً، وتربط حضوره بوعود النجاة وكأنه خلاص بديل من خارج السياسة. وتأتي المقايضة الخفيّة بين تاريخه الجهادي وما يُراد له أن يمثّله اليوم، لتؤكّد هذا البناء الرمزي: مسامحته عمّا مضى، نزع أي صفة جرمية عنه، وتغطية ما استحوذ عليه قانونياً، في عمليّة تبييض ممنهجة تهدف إلى إعادة تقديمه كضرورة لا بديل عنها.

والرئيس ذاته، الذي يدّعي عدم محبّته للتقديس أو لتعليق صوره، استحوذ على الفعل السياسي كلّه، وعلى السياسة نفسها، وعلى المشاركة في العمليّة الدستورية. ومع الانهيار الطويل، أصبح للخيال السوري برمجة على غريزة قديمة: من يحمل الموت يملك الحياة، ومن يملك السلاح يملك الفعل السياسي. لم تعد البندقية أداة، بل تحوّلت إلى هويّة تُنسب إلى الجماعة. واحتكار السلاح لم يعد لحماية من يسلّمه أو يرفض الدفاع عن نفسه، بل لاستلابه. السلطة، والإعلام، ومريدو السلطة جعلوا من السلاح شرطًا للظهور ووسيلة لتعريف الانتماء، إلى أن تحوّل الخيال السياسي من تعدّد الممكنات إلى صورة واحدة تُعاد بلا توقّف: البطل المسلّح.

 وهم الفارس وإقصاء المجال العامّ

التركيز على فرد واحد ممسك بالقوّة ومحتكر لسردية النجاة، يجعل المجتمع في موقع المتفرّج، ويحوّل المواجهة إلى أساسٍ للشرعية لا يمكن الاستغناء عنه. هكذا ينزاح المجال العامّ من سياسة تُبنى وتُناقَش إلى سردية أحادية تُفرَض وتُكرَّس، ويصبح الخلاص معاداً إنتاجه عبر صورة القائد لا عبر المجتمع.

ويُدفَع السوريون جميعاً إلى عيش عصر فرسانٍ لا يشبهوهم؛ فرسان لا نراهم إلا لأننا أُمِرنا برؤيتهم، بينما الذين لم يحملوا السلاح يبقون في الظلّ. طريقة الحضور الوحيدة المعترف بها هي حضور من حمل سلاحاً. ولسنا أصلاً في عالم الفرسان الذي انْسَحَر به دون كيخوت، الشخصيّة الروائية التي ابتكرها الكاتب الإسباني ميغيل دي سيرفانتس في القرن السابع عشر، حيث كان الوهم نبيلاً وساذجاً وأخلاقياً؛ نحن في زمن أوضح وأقسى: زمن أمراء الحرب الذين أنهوا الفعل السياسي ويوميّاته، وصادروا المجال العامّ كما صادروا المعنى.

الفارس عند سيرفانتس كان يعيش في وهم نبيل ساذج؛ أما فرسان اليوم فيصنعون الوهم بالقوّة، ويفرضونه على الخيال الجماعي، كأن البطولة تُقاس بطول فوهة البندقية والجلَد والجهاد. وحملة السلاح — من الأمن العامّ إلى المليشيات التي أصبحت جزءاً من بنية الجيش السوري — صاروا إمّا أبطالاً في خطاب السلطة، وإمّا مصادر كراهية لدى آخرين كالعلويين والدروز.

وأخطر ما يفعله “الفارس الميليشيوي” أنه يلغي إمكان الظهور للآخرين؛ فالذين لا يحملون السلاح يُدفَعون إلى الظلّ، لأن المجال العامّ لم يعد يتعرّف إلا على الضجيج، لا على القول، وعلى القوّة لا على الحضور الإنساني. بلغة فلسفية مستعارة من مارتن هايدغر، الفيلسوف الألماني، لا تظهر الحقيقة إلا حين يُتاح للشيء أن يكون، أمّا حين يحتكر العنف المشهد، فإن العالم لا يُرى كما هو، بل كما يُفرَض.

يُكتَب على السوري اليوم أن يصبح غير مرئي، لأن المخيّلة العامّة والإعلام ورؤية السلطة لنفسها، لا ترى إلا من يشبه نموذج الفارس الذي لا يشبهنا. ليعد للمدني، وللمعتقل، وللمنفي، ولأمّ القتيل مكان في الرواية، فهذه سرديات بلا دروع ولا خيول، ولا تستطيع كاميرا درون تصويرها: الناس الذين عملوا لأكثر من اثنتي عشرة ساعة ليأكلوا ويشربوا ويحتمّلوا القمع والخوف.

ثم هناك العاديون، أولئك الذين لم يستطيعوا حمل السلاح، والذين أفزعهم كلّ شيء. من فقدوا قوت يومهم، الذين لا يسأل عنهم أحد، ولا يدخلون في أيّ أرشيف بطولي. أين مكان هؤلاء من الذين نحزن على عدم رؤيتهم أو سماعهم؟

 بطولة الحياة اليومية

هناك بطولة أخلاقية تولد في المساحات التي لم يصل إليها السلاح. فإذا كانت التضحية والجهادية والبطولة الميليشيوية تقوم على إلغاء الموت بالمعنى الهايدغري — أي الاندفاع الواعي نحوه — فهذه ليست البطولة الوحيدة الممكنة. كان هناك وعي يومي سوري يواجه الموت بصورة مختلفة: ليس بالاندفاع نحوه، بل بالبقاء أمامه.

ترى حنّة أرندت، الفيلسوفة السياسية الألمانية- الأميركية، أن ما يحدث في اليومي هو شكل من أشكال نزع سلطة الموت؛ فالحياة المستمرّة رغم القمع فعل يجرّد الموت من هيمنته. إرادة النظام السوري اليومية في سحق شروط الحياة جعلت السوري يعيش كلّ صباح بوصفه مواجهة مباشرة للموت. وكلّ سوري واجه موتاً متعدّد الأشكال: موت الجسد، وموت العمل السياسي، وموت الكلمة، وموت القصّة، وموت الشهادة. وهذه جميعها — في معناها العميق — تتجاوز فناء الجسد.

ومع ذلك، فُرض على كثيرين أن يكون الموت معياراً وحيداً للبطولة، وكأن لا بطولة خارج الجسد الفاني. لكنّ كثيرين وجدوا بطولتهم في كلّ يوم، بعيداً عن الموت الذي يرويه الإعلام أو الذي تحتكره السلطة، بل الموت الذي ترويه العائلة وتعرفه وحدها. فالسلطة تقدّس موتاً واحداً، موتاً دينياً أو استشهادياً يصلح للعرض، فيما تُهمل موتاً آخر: موت الحياة اليومية نفسها، موت الحكايات المخنوقة، وموت الزمن الذي يُسرق بلا صوت.

وفي قلب هذا كلّه يبقى الفعل السياسي — الكلمة، القصّة، الشهادة — هو ما يتجاوز الموت فعلاً، لأنه يتيح للإنسان أن يظهر، ولو للحظة، خارج سلطة الفناء.

هناك بطل سوري عادي، كان يحتمل خساراته وهجرته وفقره، خسارة عمله، وبيع مدّخراته، وضياع أرضه. هذه هي البطولة التي ميّزت أرندت بين العمل الذي يدمّر والعمل الذي يبني: بناء العالم من جديد عبر الحِرَف الصغيرة، والمهن التي تُتعلّم كي تستمرّ الحياة، وتكرار الفعل اليومي لتربية الأولاد وحمايتهم. 

كان استمرار الحياة بطولة يومية في تجربة النازحين والمهاجرين، الذين عملوا في لبنان والعراق والأردن ومصر والعالم كلّه، من أجل أن تبقى الحياة السورية ممكنة.

وفي الحتمية السوداء التي صنعها النظام بفقدان الأمن الغذائي، وتدمير الإمكانيات، والقوانين التي دفعت المجتمع إلى أدنى درجات الفقر، ظهرت بطولة بلا صراخ: أمّهات خلطْن الزعتر بالماء بدل الزيت، وموظّفون حكوميون كانوا يتقاضون ثلاثة عشر دولاراً ويذهبون كلّ صباح لأن الاستمرار نفسه صار شكلاً من المقاومة. هؤلاء هم أبطال الحياة العادية الذين تجاوزوا الخوف والضغط اليومي؛ الاستيقاظ، واحتمال القذائف، وتفادي الاعتقال، والصمت القسري.

هؤلاء، لعائلاتهم، كانوا محاربين جماعيين. دخلوا في ما تسمّيه أرندت “زمن الضرورة”، الزمن الذي لا يتيح للإنسان رفاهية الفعل السياسي، بل يختزله إلى صراع مع الطبيعة كي يبقى حياً. قتالهم كان القدرة على النجاة وإيجاد ما يؤكل بدلاً من الموت. بطولتهم بلا صور ولا صراخ ولا أسواق؛ لا تُباع ولا تُشترى ولا تصلح لأسطورة إعلامية.

في سوريا الحديثة، يُعاد إنتاج الغريزة ذاتها داخل لغة الإعلام والسلطة، التي تغيّر وجوهها لكنّها تُبقي البطولة محصورة في من يحمل السلاح، وبينما يحتكر المقاتلون ورجال السلطة سردية البطولة، تتلاشى سرديات الذين دفعوا الثمن: المعتقلون، المنفيون، وأهالي القتلى. هؤلاء لا يمكن تقديمهم كأبطال شعبيين لأن بطولتهم بلا سلاح، بلا فرجة، وبلا سوق سياسي.

في النهاية، ليست البطولة في سوريا سؤالاً عن السلاح ولا عن الصورة، بل عن الإنسان الذي لم يتوقّف عن المحاولة كي يعيش. في أدنى درجات القدرة على البقاء، ومن دون أيّ انتصار على أحد، قاوم السوري الإبادة بصمت، ونجا بما استطاع، وهرب من الموت يومياً باختراع منفذ صغير للحياة. ما لا يفهمه الميليشيوي ولا أمير الحرب، أن النفس السورية امتلكت شكلاً آخر من المقاومة: مقاومة لحماية الحياة المقبلة، لا لابتلاع حياة الآخرين.

وهناك زاوية تُنكر دائماً ذاكرة الذين صمتوا وخسروا ولم ينجحوا في الهرب؛ أولئك الأبطال الخفيّون، الخارجون من هوامش الحياة، الذين أنقذوا أطفالهم والآخرين دون أن يراهم أحد. هؤلاء الذين لا تُصنع لهم صور ولا تُكتب عنهم أساطير… هم الذين حملوا أثقل أشكال البطولة: بلا ضجيج ولا سلاح، البطولة التي لا تُرى لكنّها تجعل الحياة ممكنة.

13.12.2025
زمن القراءة: 7 minutes

السلطة تقدّس موتاً واحداً، موتاً دينياً أو استشهادياً يصلح للعرض، فيما تُهمل موتاً آخر: موت الحياة اليومية نفسها، موت الحكايات المخنوقة، وموت الزمن الذي يُسرق بلا صوت.

هناك مشهدية تتكرّر كثيراً في سوريا. 

رجال يحملون السلاح ويخطبون أو يهدّدون أو يشتمون أو يقتلون. كرّست المرحلة الماضية شرعية الكلام والحضور لمن يحمل بندقية، لا لمن يملك قولاً. لا نعرف تاريخ معظم هؤلاء، لكنّ معيار الظهور بات واضحاً: السلاح أوّلاً. من هنا، تُختَصر البطولة في شخص واحد أو بندقية واحدة، أو في بنادق كثيرة تُعاد تدوير رموزها، حتى بات من الصعب تجاوز السلاح وحامله والجماعة التي تُعرِّف نفسها به.

هذا النصّ ينطلق من هذه الأمثلة اليومية ليطرح سؤالاً أبعد: كيف تحوّل السلاح إلى هويّة، والبطولة إلى صورة واحدة تُفرَض على الخيال العامّ؟ ولماذا تُقصى سرديات المدنيين والمعتقلين والمنفيين وأهالي القتلى من معنى البطولة؟

 السلاح بوصفه سردية بطولة

في سوريا، تُختَصر البطولة في شخص واحد أو بندقية واحدة، أو في بنادق كثيرة يُعاد تدوير رموزها، حتى بات من الصعب تجاوز البندقية وصاحبها وحاملها وبندقية الجماعة واستعدادها للجهاد. ومع الوقت، صارت البندقية نفسها مبرّراً يلغي سردية العنف كلّها من أجل تمجيد السلاح ومن يحمله. حتى من يريد مهاجمة الأقلّيات أو المعترضين على النظام، بات يحمل السلاح ويخطب؛ لا خطاب دون سلاح، في محاولة للتماهي مع السلطة أو مع من يمدحونها. لا نعرف أبداً تاريخ الذين يظهرون في الشوارع والجوامع حاملين السلاح ويشتمون أو يهدّدون الناس، ولا نعرف إن كانوا مقاتلين أو مدنيين مثلنا جيراناً لنا وأقارب. حمل السلاح من أجل الخطب هو معيار من يحقّ له القول، هذا لا شكّ فيه أبداً.

يتواجد السلاح في سوريا كنزعة للبطولة، من القصّة الشعبية إلى الدراما، حتى صار هناك هوس ببطولة تُكرَّس اجتماعياً وتُحاكَى بلا توقّف. وهكذا صار السوري يرى السلاح جزءاً من يومه، لا حدثاً استثنائياً، ممّا يشرح الإصرار على إعادة إنتاج الفارس أو البحث عنه، وكأن المخيّلة العامّة لا تحتمل إلا نموذجاً واحداً: الفارس، والبحث الدائم عن الفارس.

وتحاول السلطة نفي مفردات المخلّص والخلاص من الخطاب العامّ، لكنّها تعيد إنتاجهما بطرق أخرى؛ إذ تشيّد عبر إعلامها الموازي صورة تُظهر القائد الشرع بوصفه منقذاً، وتربط حضوره بوعود النجاة وكأنه خلاص بديل من خارج السياسة. وتأتي المقايضة الخفيّة بين تاريخه الجهادي وما يُراد له أن يمثّله اليوم، لتؤكّد هذا البناء الرمزي: مسامحته عمّا مضى، نزع أي صفة جرمية عنه، وتغطية ما استحوذ عليه قانونياً، في عمليّة تبييض ممنهجة تهدف إلى إعادة تقديمه كضرورة لا بديل عنها.

والرئيس ذاته، الذي يدّعي عدم محبّته للتقديس أو لتعليق صوره، استحوذ على الفعل السياسي كلّه، وعلى السياسة نفسها، وعلى المشاركة في العمليّة الدستورية. ومع الانهيار الطويل، أصبح للخيال السوري برمجة على غريزة قديمة: من يحمل الموت يملك الحياة، ومن يملك السلاح يملك الفعل السياسي. لم تعد البندقية أداة، بل تحوّلت إلى هويّة تُنسب إلى الجماعة. واحتكار السلاح لم يعد لحماية من يسلّمه أو يرفض الدفاع عن نفسه، بل لاستلابه. السلطة، والإعلام، ومريدو السلطة جعلوا من السلاح شرطًا للظهور ووسيلة لتعريف الانتماء، إلى أن تحوّل الخيال السياسي من تعدّد الممكنات إلى صورة واحدة تُعاد بلا توقّف: البطل المسلّح.

 وهم الفارس وإقصاء المجال العامّ

التركيز على فرد واحد ممسك بالقوّة ومحتكر لسردية النجاة، يجعل المجتمع في موقع المتفرّج، ويحوّل المواجهة إلى أساسٍ للشرعية لا يمكن الاستغناء عنه. هكذا ينزاح المجال العامّ من سياسة تُبنى وتُناقَش إلى سردية أحادية تُفرَض وتُكرَّس، ويصبح الخلاص معاداً إنتاجه عبر صورة القائد لا عبر المجتمع.

ويُدفَع السوريون جميعاً إلى عيش عصر فرسانٍ لا يشبهوهم؛ فرسان لا نراهم إلا لأننا أُمِرنا برؤيتهم، بينما الذين لم يحملوا السلاح يبقون في الظلّ. طريقة الحضور الوحيدة المعترف بها هي حضور من حمل سلاحاً. ولسنا أصلاً في عالم الفرسان الذي انْسَحَر به دون كيخوت، الشخصيّة الروائية التي ابتكرها الكاتب الإسباني ميغيل دي سيرفانتس في القرن السابع عشر، حيث كان الوهم نبيلاً وساذجاً وأخلاقياً؛ نحن في زمن أوضح وأقسى: زمن أمراء الحرب الذين أنهوا الفعل السياسي ويوميّاته، وصادروا المجال العامّ كما صادروا المعنى.

الفارس عند سيرفانتس كان يعيش في وهم نبيل ساذج؛ أما فرسان اليوم فيصنعون الوهم بالقوّة، ويفرضونه على الخيال الجماعي، كأن البطولة تُقاس بطول فوهة البندقية والجلَد والجهاد. وحملة السلاح — من الأمن العامّ إلى المليشيات التي أصبحت جزءاً من بنية الجيش السوري — صاروا إمّا أبطالاً في خطاب السلطة، وإمّا مصادر كراهية لدى آخرين كالعلويين والدروز.

وأخطر ما يفعله “الفارس الميليشيوي” أنه يلغي إمكان الظهور للآخرين؛ فالذين لا يحملون السلاح يُدفَعون إلى الظلّ، لأن المجال العامّ لم يعد يتعرّف إلا على الضجيج، لا على القول، وعلى القوّة لا على الحضور الإنساني. بلغة فلسفية مستعارة من مارتن هايدغر، الفيلسوف الألماني، لا تظهر الحقيقة إلا حين يُتاح للشيء أن يكون، أمّا حين يحتكر العنف المشهد، فإن العالم لا يُرى كما هو، بل كما يُفرَض.

يُكتَب على السوري اليوم أن يصبح غير مرئي، لأن المخيّلة العامّة والإعلام ورؤية السلطة لنفسها، لا ترى إلا من يشبه نموذج الفارس الذي لا يشبهنا. ليعد للمدني، وللمعتقل، وللمنفي، ولأمّ القتيل مكان في الرواية، فهذه سرديات بلا دروع ولا خيول، ولا تستطيع كاميرا درون تصويرها: الناس الذين عملوا لأكثر من اثنتي عشرة ساعة ليأكلوا ويشربوا ويحتمّلوا القمع والخوف.

ثم هناك العاديون، أولئك الذين لم يستطيعوا حمل السلاح، والذين أفزعهم كلّ شيء. من فقدوا قوت يومهم، الذين لا يسأل عنهم أحد، ولا يدخلون في أيّ أرشيف بطولي. أين مكان هؤلاء من الذين نحزن على عدم رؤيتهم أو سماعهم؟

 بطولة الحياة اليومية

هناك بطولة أخلاقية تولد في المساحات التي لم يصل إليها السلاح. فإذا كانت التضحية والجهادية والبطولة الميليشيوية تقوم على إلغاء الموت بالمعنى الهايدغري — أي الاندفاع الواعي نحوه — فهذه ليست البطولة الوحيدة الممكنة. كان هناك وعي يومي سوري يواجه الموت بصورة مختلفة: ليس بالاندفاع نحوه، بل بالبقاء أمامه.

ترى حنّة أرندت، الفيلسوفة السياسية الألمانية- الأميركية، أن ما يحدث في اليومي هو شكل من أشكال نزع سلطة الموت؛ فالحياة المستمرّة رغم القمع فعل يجرّد الموت من هيمنته. إرادة النظام السوري اليومية في سحق شروط الحياة جعلت السوري يعيش كلّ صباح بوصفه مواجهة مباشرة للموت. وكلّ سوري واجه موتاً متعدّد الأشكال: موت الجسد، وموت العمل السياسي، وموت الكلمة، وموت القصّة، وموت الشهادة. وهذه جميعها — في معناها العميق — تتجاوز فناء الجسد.

ومع ذلك، فُرض على كثيرين أن يكون الموت معياراً وحيداً للبطولة، وكأن لا بطولة خارج الجسد الفاني. لكنّ كثيرين وجدوا بطولتهم في كلّ يوم، بعيداً عن الموت الذي يرويه الإعلام أو الذي تحتكره السلطة، بل الموت الذي ترويه العائلة وتعرفه وحدها. فالسلطة تقدّس موتاً واحداً، موتاً دينياً أو استشهادياً يصلح للعرض، فيما تُهمل موتاً آخر: موت الحياة اليومية نفسها، موت الحكايات المخنوقة، وموت الزمن الذي يُسرق بلا صوت.

وفي قلب هذا كلّه يبقى الفعل السياسي — الكلمة، القصّة، الشهادة — هو ما يتجاوز الموت فعلاً، لأنه يتيح للإنسان أن يظهر، ولو للحظة، خارج سلطة الفناء.

هناك بطل سوري عادي، كان يحتمل خساراته وهجرته وفقره، خسارة عمله، وبيع مدّخراته، وضياع أرضه. هذه هي البطولة التي ميّزت أرندت بين العمل الذي يدمّر والعمل الذي يبني: بناء العالم من جديد عبر الحِرَف الصغيرة، والمهن التي تُتعلّم كي تستمرّ الحياة، وتكرار الفعل اليومي لتربية الأولاد وحمايتهم. 

كان استمرار الحياة بطولة يومية في تجربة النازحين والمهاجرين، الذين عملوا في لبنان والعراق والأردن ومصر والعالم كلّه، من أجل أن تبقى الحياة السورية ممكنة.

وفي الحتمية السوداء التي صنعها النظام بفقدان الأمن الغذائي، وتدمير الإمكانيات، والقوانين التي دفعت المجتمع إلى أدنى درجات الفقر، ظهرت بطولة بلا صراخ: أمّهات خلطْن الزعتر بالماء بدل الزيت، وموظّفون حكوميون كانوا يتقاضون ثلاثة عشر دولاراً ويذهبون كلّ صباح لأن الاستمرار نفسه صار شكلاً من المقاومة. هؤلاء هم أبطال الحياة العادية الذين تجاوزوا الخوف والضغط اليومي؛ الاستيقاظ، واحتمال القذائف، وتفادي الاعتقال، والصمت القسري.

هؤلاء، لعائلاتهم، كانوا محاربين جماعيين. دخلوا في ما تسمّيه أرندت “زمن الضرورة”، الزمن الذي لا يتيح للإنسان رفاهية الفعل السياسي، بل يختزله إلى صراع مع الطبيعة كي يبقى حياً. قتالهم كان القدرة على النجاة وإيجاد ما يؤكل بدلاً من الموت. بطولتهم بلا صور ولا صراخ ولا أسواق؛ لا تُباع ولا تُشترى ولا تصلح لأسطورة إعلامية.

في سوريا الحديثة، يُعاد إنتاج الغريزة ذاتها داخل لغة الإعلام والسلطة، التي تغيّر وجوهها لكنّها تُبقي البطولة محصورة في من يحمل السلاح، وبينما يحتكر المقاتلون ورجال السلطة سردية البطولة، تتلاشى سرديات الذين دفعوا الثمن: المعتقلون، المنفيون، وأهالي القتلى. هؤلاء لا يمكن تقديمهم كأبطال شعبيين لأن بطولتهم بلا سلاح، بلا فرجة، وبلا سوق سياسي.

في النهاية، ليست البطولة في سوريا سؤالاً عن السلاح ولا عن الصورة، بل عن الإنسان الذي لم يتوقّف عن المحاولة كي يعيش. في أدنى درجات القدرة على البقاء، ومن دون أيّ انتصار على أحد، قاوم السوري الإبادة بصمت، ونجا بما استطاع، وهرب من الموت يومياً باختراع منفذ صغير للحياة. ما لا يفهمه الميليشيوي ولا أمير الحرب، أن النفس السورية امتلكت شكلاً آخر من المقاومة: مقاومة لحماية الحياة المقبلة، لا لابتلاع حياة الآخرين.

وهناك زاوية تُنكر دائماً ذاكرة الذين صمتوا وخسروا ولم ينجحوا في الهرب؛ أولئك الأبطال الخفيّون، الخارجون من هوامش الحياة، الذين أنقذوا أطفالهم والآخرين دون أن يراهم أحد. هؤلاء الذين لا تُصنع لهم صور ولا تُكتب عنهم أساطير… هم الذين حملوا أثقل أشكال البطولة: بلا ضجيج ولا سلاح، البطولة التي لا تُرى لكنّها تجعل الحياة ممكنة.