ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

من هو السوري الذي تُصلَح الدولة من أجله؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

أن يُطلب من المواطن تخفيف استهلاكه وتحمّل ارتفاع الفاتورة وفقدان العمل وتراجع الخدمات، ثم يرى في الجهة المقابلة سيارة المسؤول وموكبه ومخصصاته، فالمسألة تتغير. السؤال يصبح: لماذا الندرة والاحتمال واجبان على المجتمع، ولا يظهران بالوضوح نفسه في حياة شخصيات السلطة وأقاربها؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

بإمكان الدولة أن تصلح الكهرباء وإيراد المياه، وتعيد هيكلة القطاع العام وتبيع أجزاء منه أو تشتت موارد كان من الممكن أن تبقى عمومية وتُصلح، وأن تبني جهازاً أمنياً جديداً وتفتح البلاد أمام الاستثمار، ومع ذلك كله تنتج إصلاحاً معطوباً. ليس لأن كل ما تفعله خاطئ بالضرورة، بل لأن سؤالاً يسبق كل إصلاح يبدو غائباً: من هو السوري الذي تُصلَح الدولة من أجله؟

في كثير من السياسات الجديدة يظهر السوري ككائن قادر دائماً على تحمّل الكلفة. يستطيع دفع فاتورة أعلى لأن الكهرباء تحتاج إلى تمويل، وخسارة وظيفته لأن القطاع العام متضخم، والانتظار إلى أن تأتي الاستثمارات وتتحول الأرقام الاقتصادية يوماً ما إلى حياة أفضل. كأن لدى السلطة افتراضاً بأن المجتمع مخزون لا ينفد من الصبر والقدرة على التكيف وتدبير الحال.

المشكلة ليست في إدارة الملفات وحدها، بل في صورة الإنسان السوري التي تقف خلفها. قد يكون الإصلاح الاقتصادي منطقياً على الورق، وقد يحاكي تجارب عالمية، وقد تكون إعادة بناء المؤسسات ضرورة، والاستثمار حاجة لا خلاف عليها. لكن الدولة تتدخل في مجتمع خرج من حرب أهلية طويلة استخدم فيها نظام الأسد أعتى الأسلحة ضد مناطق كثيرة ودمر بنيتها التحتية، وفي بلد انهارت فيه الدخول والمدخرات والخدمات وشبكات الأمان، وتحول فيه تدبير الكهرباء والدواء والسكن والعمل إلى جهد يومي مرهق. ويُطلب من هذا المجتمع أن يدفع كلفة إعادة بناء الدولة قبل أن تستعيد الدولة قدرتها على حمايته، فيتحمل الناس مرة أخرى نتائج خراب لم يصنعوه.

جزء من تشكل السلطة الجديدة يحصل عبر الصورة: السيارة الجديدة، المواكب، المكاتب الفخمة، المظهر الرسمي، والانتقال السريع من هيئة الفصيل إلى هيئة الدولة. والمسألة ليست أن المسؤول يجب أن يكون فقيراً، بل في معنى الإصلاح الذي تقدمه سلطة تطلب من مجتمع فقير إعادة ترتيب حياته بسبب محدودية الموارد، فيما لا تجعل الاقتصاد في نفقاتها جزءاً واضحاً من عملية إعادة البناء نفسها.

وصلت المسألة إلى حدّ أن أحمد الشرع، بحسب رويترز، وبّخ في آب/ أغسطس 2025 مسؤولين وموالين وصل كثير منهم إلى اجتماع في إدلب بسيارات كاديلاك إسكاليد ورينج روفر وشيفروليه تاهو، وطلب، وفق مصادر الوكالة، من موظفين حكوميين يمتلكون سيارات فارهة تسليم مفاتيحها أو مواجهة التحقيق في مصادر أموالهم. وبعد أشهر تسربت وثائق صادرة عن وزارة الأوقاف تتضمن طلباً لشراء 44 سيارة حديثة بكلفة تقارب الـ1.85 مليون دولار، بينها تاهو للوزير، قبل أن تقول الوزارة إن الطلب لم يُعتمد ولم تُشترَ السيارات.

ثم صدر في نيسان/ أبريل 2026 قرار عام ينظم السيارات الحكومية ويخصص للوزير ثلاث سيارات ولنائبه سيارتين، إضافة إلى الوقود والصيانة والتأمين على نفقة الجهات العامة. أهمية هذه التفاصيل ليست في أنها تثبت وحدها فساداً أو تبذيراً، بل في ما تكشفه عن خيال الدولة وهي تعيد بناء نفسها. لماذا تبدو السيارة الحديثة جزءاً طبيعياً من إعادة تأهيل المنصب، بينما لا يظهر بالوضوح نفسه برنامج لتقليل استهلاك السيارات الحكومية والمحروقات أو تحويل الأساطيل تدريجياً إلى وسائل أقل كلفة؟ في التجربة اليونانية مع التقشف، مُنع شراء سيارات للمؤسسات الحكومية يتجاوز سعرها العشرين ألف يورو، مع مراقبة الإنفاق على المحروقات. في سوريا، في المقابل، تزداد بهرجة الدولة ومفاخرها.

ولماذا لا تصبح إعادة استخدام الموجود وإصلاحه وتدوير الموارد فضيلة حكومية معلنة في بلد يحتاج إلى كل دولار؟ الدولة تحتاج إلى شكل وصورة وهيبة، لكن الظهور شيء والمشاهدة شيء آخر. بإمكان السلطة أن تكون شديدة الحضور في الموكب والمكتب والسيارة، من دون أن ترى جيداً الحياة التي تحصل أمامها. وحين تنشغل الدولة بكيف تبدو، قد تصبح صورتها أوضح لديها من المجتمع الذي يفترض أن تنظر إليه. هناك صناعة لدولة تستعرض ولا تُشاهد.

يمكن الاقتراب من هذا العطب من خلال فكرة إعادة الإنتاج الاجتماعي. المجتمع لا يستمر بالمصانع والأسواق والاستثمارات وحدها، بل يحتاج إلى حياة يومية تجعل العمل والإنتاج ممكنين أصلاً: دخل يسمح للناس بالعيش، وبيت يمكن تدفئته وإنارته، ونقل وتعليم وصحة ورعاية. لكن الدولة تتصرف كأن هذه القدرة موجودة سلفاً ويمكن الضغط عليها كلما احتاج الإصلاح إلى كلفة جديدة.

بإمكان الدولة أن ترفع تعرفة خدمة لأن القطاع يحتاج إلى تمويل، وتقلص وظائف لأن الإدارة تحتاج إلى تخفيف كتلتها، وتحرر قطاعات لأن الاستثمار يحتاج إلى بيئة أكثر مرونة. ويمكن الدفاع عن كل قرار منفرداً، لكن الناس لا يعيشون هذه القرارات منفردة. كلها تلتقي في البيت نفسه وفي الراتب نفسه. وما يبدو إصلاحاً موزعاً بين الوزارات قد يتحول، حين تجتمع آثاره، إلى استنزاف لقدرة الأسرة على إعادة إنتاج حياتها.

التجربة السورية تضيف إلى ذلك أن الأسرة عوضت النقص بعمالة الأطفال وشروط العمل المذلة، والمغترب عوض انهيار دخل العائلة، والمولد الخاص عوض كهرباء الدولة، والعمل الثاني عوض الوظيفة غير الكافية، والاستدانة عوضت غياب الحماية الاجتماعية. السوري لم يكن يتكيف مع أزمة مؤقتة، بل كان يبني حول غياب الدولة شبكة تسمح له بالبقاء. وما يظهر في حسابات الدولة بوصفه تخفيضاً للنفقات قد يعني أن النفقة انتقلت من الموازنة العامة إلى موازنة البيوت السورية المتهالكة.

الأساس الذي لا أساس له

تبني الدولة موازنتها ومؤسساتها وسياساتها فوق قدرة اجتماعية تسبقها ولا تصنعها هي بالكامل، قدرة الناس على العمل وإعالة بعضهم والاقتراض وتأجيل حاجاتهم وتعويض غياب الخدمات من مواردهم الخاصة. هذه القدرة لا تظهر كثيراً في يوميات الدولة الجديدة ولا في حساباتها، مع أن جزءاً كبيراً مما تفعله يفترض وجودها سلفاً.

قبل فاتورة الكهرباء هناك دخل يحتاج إليه إنسان له فرصة وعمل ومعنى، وقبل الحديث عن إعادة الإعمار هناك قيمة للعمل اليومي نفسه، وإمكانية لأن يشعر السوري بأن تعبه يدخل في بناء شيء مشترك. أما حين تتحول إعادة البناء إلى سلسلة تكاليف تقع عليه، تصبح قدرته السابقة على الاحتمال حجة لتحميله المزيد. لقد عاش سنوات طويلة تحت دولة انسحبت من كثير من وظائفها، واستطاع أن يجد الكهرباء والماء والدواء والعمل بطريقته، ولذلك يمكن، كما يبدو، أن يفعل الشيء نفسه مرة أخرى.

لكن هذه قراءة شديدة السوء لما فعله السوري طوال الحرب. النجاة ليست دليلاً على شرط حياة مقبول، ولا على أن الإنسان يستطيع تحمّل أعبائها بلا نهاية. كانت استجابة اضطرارية لخراب ودمار ونظام إبادة. وحين تدخل هذه القدرة في حساب السياسة العامة، يصبح خراب البيوت وقهر الناس أحد موارد الدولة الجديدة.

تتحول عبارة “السوري بيدبر حاله” إلى تصور سياسي عن المواطن. قدرة الناس على الاحتمال ليست مورداً طبيعياً، ولها تاريخ وحدود. البشر يستطيعون التعاون وتحمّل الخسارة، لكنهم لا يفعلون ذلك بالسلوك ذاته في كل الظروف. هناك فارق بين كلفة يشعر الإنسان أنه يتعرض لها هو وغيره، وكلفة يرى أنها مطلوبة منه كي يحتفظ غيره بامتيازاته الاقتصادية والأخلاقية. لذلك لا تتعلق المسألة بمقدار ما يستطيع السوري تحمّله فقط، بل بما يفهمه من التضحية التي يُطلب منه تقديمها.

بإمكان مجتمع فقير أن يقبل سياسة شديدة القسوة إذا رأى أن القسوة عامة، وأن من يتحدث عن محدودية القدرة والمال يتصرف على أساس أن المال محدود فعلاً. أما أن يُطلب من المواطن تخفيف استهلاكه وتحمّل ارتفاع الفاتورة وفقدان العمل وتراجع الخدمات، ثم يرى في الجهة المقابلة سيارة المسؤول وموكبه ومخصصاته، فالمسألة تتغير. السؤال يصبح: لماذا الندرة والاحتمال واجبان على المجتمع، ولا يظهران بالوضوح نفسه في حياة شخصيات السلطة وأقاربها؟

لا يتفاعل الناس مع الحسابات الرقمية المجردة، بل مع علاقات يستطيعون فهمها. ويعطون السلطة مكانة وامتيازاً لأنهم يفترضون أن وراء هذه المكانة وظيفة عامة. الوزير لا يحصل على السيارة والمكتب والحماية لأن شخصه أثمن من الآخرين، بل لأن هناك وظيفة يفترض أنه يؤديها لهم. وحين يكون المواطن مطالباً بأن “يدبر حاله”، فيما تتولى الدولة سريعاً تدبير هيبتها ومظاهر رجالها، تظهر مفارقة يصعب إخفاؤها: قدرة الدولة على تحسين شروط ظهورها أسرع من قدرتها على تحسين شروط حياة من تحكمهم.

السياسة تبدأ من سؤال القدرة على الاحتمال، ومن شروط الاجتماع التي تجعل الناس يقبلون أن يدفعوا معاً ثمن الانتقال. لكن السوريين محرومون إلى حد بعيد من المشاركة في صياغة أي سؤال، في ظل عقد سياسي واجتماعي ضعيف وقيادة اقتصادية قليلة الخبرة تظهر حولها منذ البداية إشارات مقلقة.

هذه الأسئلة جزء من الاقتصاد نفسه، لأن أي قرار اقتصادي هو في النهاية قرار بشأن من سيتحمل الخسارة، ومن يستطيع التكيف معها، وما حدود مشاركته فيها. والخطر أن تترك الدولة هذه الأسئلة للسوق والموازنة والاستثمار والأسعار العالمية، وكأنها إجابات قائمة بذاتها.

النظام السابق علّم السوري طويلاً أن الدولة تستطيع أن تعطيه القليل وتطالبه بالطاعة، وأن تعاقبه حتى الإبادة إذا خرج عن هذه العلاقة. أما النظام الحالي فيقدم الاحتمال بلغة مختلفة: هذه ضريبة دولة نبنيها. وفي الوقت نفسه يمكن أن ينقلب خراب الماضي نفسه إلى حجة على الناس، تحملتم الأسد، ويمكنكم أن تتحملوا اليوم أيضاً. وهنا تصبح المسألة أخطر، لأن ما عاشه السوري بوصفه قهراً في ظل النظام السابق يُستعمل كدليل على قدرته على دفع كلفة الدولة الجديدة وإن كان فسادها وبهرجتها داخل السياق.

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 04.09.2026

لبنان: مليار دولار قد يستعيدها المودعون من مجالس إدارات المصارف 

محامو المصارف يستعينون بدفاعهم عن فعلة موكليهم بعبارة رهيبة، تتمثل بأن ما أقدم عليه موكلوهم عندما أنقذوا ودائعهم الشخصية من الفعلة التي ارتكبوها بحق زبائنهم هو "قانوني وإن كان غير أخلاقي"، ويبدو أنهم بصدد الاستعانة بهذه المعادلة في المرحلة التي تعقب اعترافهم بفعلتهم "القانونية وغير الأخلاقية".
28.08.2026
زمن القراءة: 6 minutes

أن يُطلب من المواطن تخفيف استهلاكه وتحمّل ارتفاع الفاتورة وفقدان العمل وتراجع الخدمات، ثم يرى في الجهة المقابلة سيارة المسؤول وموكبه ومخصصاته، فالمسألة تتغير. السؤال يصبح: لماذا الندرة والاحتمال واجبان على المجتمع، ولا يظهران بالوضوح نفسه في حياة شخصيات السلطة وأقاربها؟

بإمكان الدولة أن تصلح الكهرباء وإيراد المياه، وتعيد هيكلة القطاع العام وتبيع أجزاء منه أو تشتت موارد كان من الممكن أن تبقى عمومية وتُصلح، وأن تبني جهازاً أمنياً جديداً وتفتح البلاد أمام الاستثمار، ومع ذلك كله تنتج إصلاحاً معطوباً. ليس لأن كل ما تفعله خاطئ بالضرورة، بل لأن سؤالاً يسبق كل إصلاح يبدو غائباً: من هو السوري الذي تُصلَح الدولة من أجله؟

في كثير من السياسات الجديدة يظهر السوري ككائن قادر دائماً على تحمّل الكلفة. يستطيع دفع فاتورة أعلى لأن الكهرباء تحتاج إلى تمويل، وخسارة وظيفته لأن القطاع العام متضخم، والانتظار إلى أن تأتي الاستثمارات وتتحول الأرقام الاقتصادية يوماً ما إلى حياة أفضل. كأن لدى السلطة افتراضاً بأن المجتمع مخزون لا ينفد من الصبر والقدرة على التكيف وتدبير الحال.

المشكلة ليست في إدارة الملفات وحدها، بل في صورة الإنسان السوري التي تقف خلفها. قد يكون الإصلاح الاقتصادي منطقياً على الورق، وقد يحاكي تجارب عالمية، وقد تكون إعادة بناء المؤسسات ضرورة، والاستثمار حاجة لا خلاف عليها. لكن الدولة تتدخل في مجتمع خرج من حرب أهلية طويلة استخدم فيها نظام الأسد أعتى الأسلحة ضد مناطق كثيرة ودمر بنيتها التحتية، وفي بلد انهارت فيه الدخول والمدخرات والخدمات وشبكات الأمان، وتحول فيه تدبير الكهرباء والدواء والسكن والعمل إلى جهد يومي مرهق. ويُطلب من هذا المجتمع أن يدفع كلفة إعادة بناء الدولة قبل أن تستعيد الدولة قدرتها على حمايته، فيتحمل الناس مرة أخرى نتائج خراب لم يصنعوه.

جزء من تشكل السلطة الجديدة يحصل عبر الصورة: السيارة الجديدة، المواكب، المكاتب الفخمة، المظهر الرسمي، والانتقال السريع من هيئة الفصيل إلى هيئة الدولة. والمسألة ليست أن المسؤول يجب أن يكون فقيراً، بل في معنى الإصلاح الذي تقدمه سلطة تطلب من مجتمع فقير إعادة ترتيب حياته بسبب محدودية الموارد، فيما لا تجعل الاقتصاد في نفقاتها جزءاً واضحاً من عملية إعادة البناء نفسها.

وصلت المسألة إلى حدّ أن أحمد الشرع، بحسب رويترز، وبّخ في آب/ أغسطس 2025 مسؤولين وموالين وصل كثير منهم إلى اجتماع في إدلب بسيارات كاديلاك إسكاليد ورينج روفر وشيفروليه تاهو، وطلب، وفق مصادر الوكالة، من موظفين حكوميين يمتلكون سيارات فارهة تسليم مفاتيحها أو مواجهة التحقيق في مصادر أموالهم. وبعد أشهر تسربت وثائق صادرة عن وزارة الأوقاف تتضمن طلباً لشراء 44 سيارة حديثة بكلفة تقارب الـ1.85 مليون دولار، بينها تاهو للوزير، قبل أن تقول الوزارة إن الطلب لم يُعتمد ولم تُشترَ السيارات.

ثم صدر في نيسان/ أبريل 2026 قرار عام ينظم السيارات الحكومية ويخصص للوزير ثلاث سيارات ولنائبه سيارتين، إضافة إلى الوقود والصيانة والتأمين على نفقة الجهات العامة. أهمية هذه التفاصيل ليست في أنها تثبت وحدها فساداً أو تبذيراً، بل في ما تكشفه عن خيال الدولة وهي تعيد بناء نفسها. لماذا تبدو السيارة الحديثة جزءاً طبيعياً من إعادة تأهيل المنصب، بينما لا يظهر بالوضوح نفسه برنامج لتقليل استهلاك السيارات الحكومية والمحروقات أو تحويل الأساطيل تدريجياً إلى وسائل أقل كلفة؟ في التجربة اليونانية مع التقشف، مُنع شراء سيارات للمؤسسات الحكومية يتجاوز سعرها العشرين ألف يورو، مع مراقبة الإنفاق على المحروقات. في سوريا، في المقابل، تزداد بهرجة الدولة ومفاخرها.

ولماذا لا تصبح إعادة استخدام الموجود وإصلاحه وتدوير الموارد فضيلة حكومية معلنة في بلد يحتاج إلى كل دولار؟ الدولة تحتاج إلى شكل وصورة وهيبة، لكن الظهور شيء والمشاهدة شيء آخر. بإمكان السلطة أن تكون شديدة الحضور في الموكب والمكتب والسيارة، من دون أن ترى جيداً الحياة التي تحصل أمامها. وحين تنشغل الدولة بكيف تبدو، قد تصبح صورتها أوضح لديها من المجتمع الذي يفترض أن تنظر إليه. هناك صناعة لدولة تستعرض ولا تُشاهد.

يمكن الاقتراب من هذا العطب من خلال فكرة إعادة الإنتاج الاجتماعي. المجتمع لا يستمر بالمصانع والأسواق والاستثمارات وحدها، بل يحتاج إلى حياة يومية تجعل العمل والإنتاج ممكنين أصلاً: دخل يسمح للناس بالعيش، وبيت يمكن تدفئته وإنارته، ونقل وتعليم وصحة ورعاية. لكن الدولة تتصرف كأن هذه القدرة موجودة سلفاً ويمكن الضغط عليها كلما احتاج الإصلاح إلى كلفة جديدة.

بإمكان الدولة أن ترفع تعرفة خدمة لأن القطاع يحتاج إلى تمويل، وتقلص وظائف لأن الإدارة تحتاج إلى تخفيف كتلتها، وتحرر قطاعات لأن الاستثمار يحتاج إلى بيئة أكثر مرونة. ويمكن الدفاع عن كل قرار منفرداً، لكن الناس لا يعيشون هذه القرارات منفردة. كلها تلتقي في البيت نفسه وفي الراتب نفسه. وما يبدو إصلاحاً موزعاً بين الوزارات قد يتحول، حين تجتمع آثاره، إلى استنزاف لقدرة الأسرة على إعادة إنتاج حياتها.

التجربة السورية تضيف إلى ذلك أن الأسرة عوضت النقص بعمالة الأطفال وشروط العمل المذلة، والمغترب عوض انهيار دخل العائلة، والمولد الخاص عوض كهرباء الدولة، والعمل الثاني عوض الوظيفة غير الكافية، والاستدانة عوضت غياب الحماية الاجتماعية. السوري لم يكن يتكيف مع أزمة مؤقتة، بل كان يبني حول غياب الدولة شبكة تسمح له بالبقاء. وما يظهر في حسابات الدولة بوصفه تخفيضاً للنفقات قد يعني أن النفقة انتقلت من الموازنة العامة إلى موازنة البيوت السورية المتهالكة.

الأساس الذي لا أساس له

تبني الدولة موازنتها ومؤسساتها وسياساتها فوق قدرة اجتماعية تسبقها ولا تصنعها هي بالكامل، قدرة الناس على العمل وإعالة بعضهم والاقتراض وتأجيل حاجاتهم وتعويض غياب الخدمات من مواردهم الخاصة. هذه القدرة لا تظهر كثيراً في يوميات الدولة الجديدة ولا في حساباتها، مع أن جزءاً كبيراً مما تفعله يفترض وجودها سلفاً.

قبل فاتورة الكهرباء هناك دخل يحتاج إليه إنسان له فرصة وعمل ومعنى، وقبل الحديث عن إعادة الإعمار هناك قيمة للعمل اليومي نفسه، وإمكانية لأن يشعر السوري بأن تعبه يدخل في بناء شيء مشترك. أما حين تتحول إعادة البناء إلى سلسلة تكاليف تقع عليه، تصبح قدرته السابقة على الاحتمال حجة لتحميله المزيد. لقد عاش سنوات طويلة تحت دولة انسحبت من كثير من وظائفها، واستطاع أن يجد الكهرباء والماء والدواء والعمل بطريقته، ولذلك يمكن، كما يبدو، أن يفعل الشيء نفسه مرة أخرى.

لكن هذه قراءة شديدة السوء لما فعله السوري طوال الحرب. النجاة ليست دليلاً على شرط حياة مقبول، ولا على أن الإنسان يستطيع تحمّل أعبائها بلا نهاية. كانت استجابة اضطرارية لخراب ودمار ونظام إبادة. وحين تدخل هذه القدرة في حساب السياسة العامة، يصبح خراب البيوت وقهر الناس أحد موارد الدولة الجديدة.

تتحول عبارة “السوري بيدبر حاله” إلى تصور سياسي عن المواطن. قدرة الناس على الاحتمال ليست مورداً طبيعياً، ولها تاريخ وحدود. البشر يستطيعون التعاون وتحمّل الخسارة، لكنهم لا يفعلون ذلك بالسلوك ذاته في كل الظروف. هناك فارق بين كلفة يشعر الإنسان أنه يتعرض لها هو وغيره، وكلفة يرى أنها مطلوبة منه كي يحتفظ غيره بامتيازاته الاقتصادية والأخلاقية. لذلك لا تتعلق المسألة بمقدار ما يستطيع السوري تحمّله فقط، بل بما يفهمه من التضحية التي يُطلب منه تقديمها.

بإمكان مجتمع فقير أن يقبل سياسة شديدة القسوة إذا رأى أن القسوة عامة، وأن من يتحدث عن محدودية القدرة والمال يتصرف على أساس أن المال محدود فعلاً. أما أن يُطلب من المواطن تخفيف استهلاكه وتحمّل ارتفاع الفاتورة وفقدان العمل وتراجع الخدمات، ثم يرى في الجهة المقابلة سيارة المسؤول وموكبه ومخصصاته، فالمسألة تتغير. السؤال يصبح: لماذا الندرة والاحتمال واجبان على المجتمع، ولا يظهران بالوضوح نفسه في حياة شخصيات السلطة وأقاربها؟

لا يتفاعل الناس مع الحسابات الرقمية المجردة، بل مع علاقات يستطيعون فهمها. ويعطون السلطة مكانة وامتيازاً لأنهم يفترضون أن وراء هذه المكانة وظيفة عامة. الوزير لا يحصل على السيارة والمكتب والحماية لأن شخصه أثمن من الآخرين، بل لأن هناك وظيفة يفترض أنه يؤديها لهم. وحين يكون المواطن مطالباً بأن “يدبر حاله”، فيما تتولى الدولة سريعاً تدبير هيبتها ومظاهر رجالها، تظهر مفارقة يصعب إخفاؤها: قدرة الدولة على تحسين شروط ظهورها أسرع من قدرتها على تحسين شروط حياة من تحكمهم.

السياسة تبدأ من سؤال القدرة على الاحتمال، ومن شروط الاجتماع التي تجعل الناس يقبلون أن يدفعوا معاً ثمن الانتقال. لكن السوريين محرومون إلى حد بعيد من المشاركة في صياغة أي سؤال، في ظل عقد سياسي واجتماعي ضعيف وقيادة اقتصادية قليلة الخبرة تظهر حولها منذ البداية إشارات مقلقة.

هذه الأسئلة جزء من الاقتصاد نفسه، لأن أي قرار اقتصادي هو في النهاية قرار بشأن من سيتحمل الخسارة، ومن يستطيع التكيف معها، وما حدود مشاركته فيها. والخطر أن تترك الدولة هذه الأسئلة للسوق والموازنة والاستثمار والأسعار العالمية، وكأنها إجابات قائمة بذاتها.

النظام السابق علّم السوري طويلاً أن الدولة تستطيع أن تعطيه القليل وتطالبه بالطاعة، وأن تعاقبه حتى الإبادة إذا خرج عن هذه العلاقة. أما النظام الحالي فيقدم الاحتمال بلغة مختلفة: هذه ضريبة دولة نبنيها. وفي الوقت نفسه يمكن أن ينقلب خراب الماضي نفسه إلى حجة على الناس، تحملتم الأسد، ويمكنكم أن تتحملوا اليوم أيضاً. وهنا تصبح المسألة أخطر، لأن ما عاشه السوري بوصفه قهراً في ظل النظام السابق يُستعمل كدليل على قدرته على دفع كلفة الدولة الجديدة وإن كان فسادها وبهرجتها داخل السياق.