عادت العلاقات الفرنسية – الجزائرية لتشهد انتكاسة جديدة، لعلّها الأسوأ في تاريخ البلدين، بعد الانفراجة التي حدثت مؤخّراً، عقب أزمة حادّة دامت لعدّة أشهر بينهما. فبعد الاتّصال الهاتفي المطوّل الذي جرى بين الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون مطلع نيسان/ أبريل الماضي، وزيارة وزير الخارجية الفرنسية جان نويل بارو الجزائر التي تلته مباشرة، وما رافقها من توقّعات بشأن بدء مرحلة جديدة بين البلدين، ألقت السلطات الفرنسية القبض على موظّف قنصلي جزائري في الثامن من الشهر نفسه، لتفجّر أزمة دبلوماسية كبيرة بين باريس والجزائر، أعادت التوتّرات إلى مربّعها الأول.
ومن غير المتوقّع أن تنتهي هذه الأزمة سريعاً، في ظلّ صعود اليمين بشقّيه التقليدي والمتطرّف، والمعروف بعدائه المعلن للجزائر ومهاجريها في فرنسا.
في 15 نيسان/ أبريل الماضي قامت الجزائر بطرد 12 موظّفاً من العاملين في السفارة الفرنسية وممثليّاتها القنصليّة في الجزائر، وأرفقت قرارها ببيان صدر عن وزارة الخارجية قالت فيه “إن الجزائر قرّرت بصفة سيادية اعتبار 12 موظفاً يعملون في السفارة الفرنسية وممثليّاتها القنصليّة في الجزائر، والمنتمين إلى أسلاك تحت وصاية وزارة الداخلية الفرنسية، أشخاصاً غير مرغوب فيهم”، وطالبتهم بمغادرة البلاد خلال 48 ساعة.
وأوضحت أن “القرار جاء إثر الاعتقال الاستعراضي والتشهيري في الطريق العامّ، الذي قامت به المصالح التابعة لوزارة الداخلية الفرنسية، يوم 8 نيسان/ أبريل الجاري، بحقّ موظّف قنصلي لدولة ذات سيادة معتمد في فرنسا”.
أثار القرار الجزائري حفيظة باريس التي ردّت بإجراء مماثل، حيث أعلن قصر الإليزيه، يوم 16 من الشهر نفسه، أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قرّر طرد 12 موظفاً من العاملين في البعثة القنصليّة والدبلوماسية الجزائرية في فرنسا، واستدعى السفير الفرنسي لدى الجزائر ستيفان روماتيه للتشاور.
وقالت الرئاسة الفرنسية في بيان رسمي إن “السلطات الجزائرية تتحمّل مسؤولية التدهور الكبير، الذي طرأ على العلاقات الثنائية بين البلدين”، داعية الجزائر إلى “التحلّي بروح المسؤولية” بهدف “استئناف الحوار”.
سابقة تاريخيّة
وشكّل هذا الطرد المتبادل للدبلوماسيين، سابقة هي الأولى من نوعها منذ استقلال الجزائر عن فرنسا في عام 1962، كما أنها المرّة الأولى في تاريخ العلاقات بين البلدين يحدث مثل هذا الفراغ الدبلوماسي، ويغيب سفيرا البلدين عن العاصمتين باريس والجزائر، علماً أن السفير الجزائري في باريس، لم يعد إلى السفارة منذ استدعائه في تمّوز/ يوليو الماضي.
وانطلقت هذه الأزمة الدبلوماسية بين البلدين إثر توقيف الشرطة الفرنسية موظّفاً من البعثة الدبلوماسية الجزائرية، في مدينة كريتاي الفرنسية، وإيداعه السجن المؤقت ومتابعته قضائياً، في إطار تحقيق قضائي فُتح بشأن مزاعم اختطاف الناشط الجزائري المعارض أمير بوخرص في عام 2024، الذي ادّعى أنه احتُجز وخُدّر على يد رجال انتحلوا صفة ضبّاط شرطة، واحتُجز لمدّة 27 ساعة. وقد أعطى القضاء الفرنسي للقضية بعداً إرهابياً، علماً أن بوخرص قد مُنح اللجوء في فرنسا في عام 2023، وهو مطلوب للعدالة في بلاده وصادر بحقّه تسع مذكّرات توقيف.
ورأت الجزائر في هذا الإجراء استعراضاً عدائياً، يهدف أساساً إلى تقويض مسار التقارب الذي بدأ على إثر المكالمة بين الرئيسين في نهاية آذار/ مارس الماضي، لا سيّما وأن فرنسا لم تُطلع الجزائر مسبقاً عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية بما يجري، ولهذا اعتبرته السلطات الجزائرية سابقة خطيرة، محمّلة وزير الداخلية الفرنسي المسؤولية عن التصعيد الحاصل.
ورغم أن الحكومة الفرنسية تشدّد على أن توقيف الموظّف القنصلي أُثير قضائياً من دون أي تدخّل من السلطة التنفيذية، فإن الجزائر تؤكّد أن الحدث ليس معزولاً عن السياق السياسي. ووصفته بأنه عبارة عن استهداف سياسي مغلّف بالقانون، تقوده بعض الأجنحة داخل الحكومة الفرنسية، لا سيّما اليمين الذي يمثّله بشكل واضح وزير الداخلية، من أجل تقويض الانفراجة الأخيرة التي عرفتها العلاقات الفرنسية الجزائرية بعد شهور من التوتّر، والدفع من أجل إعادتها مجدداً نحو مربّع التوتّر.
هل يتحمل وزير الداخلية الفرنسي اللوم ؟
هناك عدّة عوامل تجعل الجزائر تذهب إلى تحميل وزير الداخلية الفرنسي المسؤولية عمّا يجري، وترفض الرواية الرسمية الفرنسية التي تدّعي أن القضيّة مجرّد قرار قضائي مستقلّ. أولاّ، توقيت إثارة القضيّة الذي يأتي بعد مرور سنة على حادثة اختطاف بوخرص، وبعد أيّام قليلة من بداية كسر فترة التوتّر الكبير بين الجزائر وفرنسا، وبدء مرحلة جديدة عُلّقت عليها آمال كبيرة من الجانبين. إذ لا يمكن أن يكون هذا التزامن بين الحدثين اعتباطياً، ويطرح الكثير من الأسئلة حول المغزى من إثارة السلطات القضائية الفرنسية لهذه الحادثة، بعد مرور نحو سنة، وفي وقت لم تسترجع فيه العلاقات بين البلدين أنفاسها بعد. ورغم وعي الجانب الفرنسي أن هذه القضيّة ستخلق أزمة جديدة مع الجزائر، خاصّة وأنها قد أُثيرت من دون أن يتمّ إعلامها عبر القنوات الدبلوماسية.
ثانيا، اتّهام الجزائر وزير الداخلية الفرنسي برونو ريتايو مباشرة، بالضلوع في هذه القضيّة بهدف إعادة العلاقات الثنائية إلى مربّع التوتّر، له ما يبرره. فالأخير لوّح في 16 آذار/ مارس بالاستقالة من منصب وزير الداخلية، إذا قامت باريس بتليين موقفها من قضيّة إعادة المهاجرين الجزائريين. وقد ورد موقفه هذا رداً على محاولات ماكرون ووزير الخارجية الفرنسي، إبداء سياسة أقلّ حدّة مع الجزائر، وسعيهما إلى إنهاء الخلافات معها.
وريتايو هو أحد أبرز الشخصيّات داخل اليمين الفرنسي، وهو يقود حملة انتخابية لتولّي قيادة حزب “الجمهوريين”، وقد أبدى في الأشهر الأخيرة نهجاً متشدّداً حيال الجزائر، لا سيّما في ما يتعلّق بملفّ بالهجرة، محاولاً بذلك استدراج الأصوات المناوئة للهجرة في فرنسا. ونهجه هذا ليس جديداً، ففي أيّار/ من سنة 2023 طالب خلال مقابلة نُشرت في صحيفة “جورنال دو ديمانش” الفرنسية، بقانون أكثر صرامة للهجرة، وإلغاء الاتفاقية الفرنسية الجزائرية بشأن الهجرة للعام 1968؛ وكرّر ذلك في كانون الثاني/ يناير الماضي. وبعدها مباشرة في أيار/ مايّو 2023 قدّم، مقترحاً داخل مجلس الشيوخ، يدعو إلى إدانة الاتفاقيات الفرنسية الجزائرية. كما طالب في وقت سابق بإلغاء اتّفاق العام 2007، بشأن إعفاء حاملي الجوازات الدبلوماسية الجزائرية من التأشيرة، وإغلاق القنصليّات الجزائرية في فرنسا، واستهداف ممتلكات النخبة الجزائرية، والتقليص الحادّ في منح التأشيرات للجزائريين.
من جهة أخرى، ذكر الممثّل الخاصّ لوزير الداخلية في قضايا الهجرة باتريك ستيفاني، في مقابلة مع مجلة “باريس ماتش” أن “الحكومة الفرنسية تدرس إمكانية تسوية أوضاع العمّال غير النظاميين، من خلال قائمة المهن التي تُعاني من نقص العمالة، وأن وزيري الداخلية والعمل يعتزمان إدخال تحديث على لائحة المهن، على ألا يستفيد منها المواطنون الجزائريون”.
هذا العداء المعلن الذي يُبديه وزير الداخلية الفرنسي للجزائر، يرجّح فرضية تدخّله فعلاً لإثارة هذه القضيّة الآن، لا سيّما وأن النهج الذي يعتمده ماكرون ووزير الخارجية الفرنسي في التعاطي مع الأزمة السياسية مع الجزائر، لا يُرضي ريتايو الذي يستعدّ لانتخابات حزبه التي ستجرى خلال الأسبوعين المقبلين، ويحتاج إلى أن تبقى الأزمة قائمة حتى يتسنّى له مواصله طرح نهجه المتشدّد حيال الجزائر، ومواقفه من ملفّ الهجرة عموماً، خاصّة وأنه قد اكتسب شعبية واسعة داخل اليمين من وراء هذه المواقف، ويتوقّع أن تقوده للفوز برئاسة الحزب. ولعلّ هذا ما يجعل الجزائر لا تهاجم في بياناتها وتصريحاتها الدولة الفرنسية بل تخصّه بالهجوم، في محاولة منها لجعل الخلاف لا ينزلق إلى أزمة مع فرنسا، بل مع وزير داخليتها حصراً، بل ترى أن هناك حرباً بين ماكرون وريتايو حول الجزائر.
“إعادة الصوت إلى الفرنسيين” ؟
يُذكر أن فرنسا والجزائر كانتا قد وقّعتا في 27 كانون الأول/ ديسمبر 1968، اتّفاقية ثنائية تمنح المواطنين الجزائريين امتيازات غير متاحة لرعايا دول أخرى، على غرار تسهيلات لدخول فرنسا من دون الحاجة إلى تأشيرة إقامة طويلة، وحرّية الإقامة للعمل في مجالات تجارية أو مهنية مستقلّة، وأولوية في الحصول على تصريح إقامة لمدّة 10 سنوات. ولأنها اتّفاقية دولية، فإن الجزائريين مستثنون آلياً من بعض موجبات القانون الفرنسي العامّ المتعلّقة بالهجرة.
ومواقف ريتايو المتشدّدة لم تتوقّف عند الجزائر، إذ دعا في عدّة مناسبات إلى “إعادة الصوت إلى الفرنسيين”، أي منع المجنّسين حديثاً من ذوي الأصول العربية والإسلامية والإفريقية من التصويت، مع احتفاظهم بباقي حقوق المواطنة. مقترحاً أن يتمّ ذلك عبر استفتاء شعبي، لاستعادة روح الجمهورية الفرنسية الحديثة، التي أرسى قواعدها الجنرال شارل ديغول.
وفي خضمّ هذه الأزمة المتصاعدة تبدو القطيعة هي السيناريو الأقرب إلى الواقع، لا سيّما في ظلّ صعود اليمين المتطرّف، الذي ما زال ينظر إلى الجزائر كمجرّد مستعمرة سابقة وحديقة خلفية لفرنسا، إلى الحكم. وحتى وإن كان ماكرون ووزير الخارجية ورئيس الحكومة الفرنسيين، يعتمدون نهجاً قائماً على الحوار واليد الممدودة في التعامل مع التوتّرات الطارئة مع الجزائر، فإن وجود وزير الداخلية اليميني برونو ريتايو في الواجهة، سيقوّض أي جهود في اتّجاه التهدئة، تماماً كما حدث مؤخّراً.
وتجدر الإشارة إلى أن العلاقات الجزائرية الفرنسية، قد تدهورت بشكل كبير منذ تمّوز / يوليو الماضي، بعد إعلان باريس دعمها خطّة الحكم الذاتي المغربية للصحراء الغربية، وتفاقم الوضع مع توقيف الكاتب بوعلام صنصال، وتعمّقت الأزمة أكثر مع ملفّ إعادة الجزائريين الذين صدرت بحقّهم قرارات إبعاد عن الأراضي الفرنسية، وبلغت الأزمة ذروتها بعد الهجوم الذي وقع في مدينة ميلوز شرق فرنسا، وأسفر عن مقتل شخص في 22 شباط/ فبراير الماضي، والذي ارتكبه جزائري رفضت الجزائر إعادته بعد صدور قرار إبعاد بحقّه، ولكن في أواخر آذار/ مارس وبعد اتّصال هاتفي مطوّل بين رئيسي البلدين، حدثت انفراجة، تمّ إخمادها بعد أقلّ من أسبوع.












