قبل عدّة سنوات، شاهدت مع صديقة فيلماً إسبانياً يحكي عن فتاة تعلّقت حياتها بشجرة كبيرة وقديمة، تُذكّرها بطفولتها وبجدّتها، تحتضن الفتاة الشجرة العملاقة وتنتحب لأنها في طريقها للقطع، تحاول إنقاذها بلا جدوى، وتجري خلف السيّارة التي تحملها.
في الحقيقة، ضحكت أنا وصديقتي على مشاكل العالم الأول، فنحن الاثنتين، فتاتان ريفيتان عشنا في ظلال الأشجار طوال حياتنا، لم نصدّق أن التروما التي تحملها الفتاة فقط بسبب شجرة. لم نكن نعرف أننا بعد سنوات سنحمل مشاعر شبيهة عندما تتناقص الأشجار حولنا شيئاً فشئاً وتُقتَلع النادرة منها، ونتمنّى الجري خلف السيّارات التي تحمل الأشجار المقطوعة، ثم تظهر صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي تنشر صوراً لهذه الأشجار كي لا ينسى المواطنون أشكالها، بعدما اختفت من حولهم.
في الأيّام الماضية، انتفض إعلاميون مصريون لم تُعرف عنهم المعارضة قبل ذلك، ضد قطع الأشجار في القاهرة، وصرخ الإعلامي عمرو أديب قائلاً: “احنا عايشين في حلة بريستو انتوا بتقطعوا الأشجار ليه؟”، وذلك بعد إزالة أشجار بشارع جامعة الدول العربية، على الرغم من أن قطع الأشجار مستمرّ في مصر منذ سنوات، وقد تسبّب في تقلّص المساحات الخضراء في مصر بشكل كبير.
جاءت هذه الانتفاضة بعد توجيه الرئيس عبد الفتّاح السيسي تعليمات بشأن “تخضير القاهرة”، ويتابع رئيس الوزراء مصطفي مدبولي هذا التكليف، كما أعلنت رئاسة الوزراء البدء بتشجير الطريق الدائري؛ ولا أحد يعلم لماذا هذا الطريق تحديداً، مع العلم أنه طريق رئيسي وغير معدّ للمشي والترجّل.
حتى لا يزول الأخضر
يأتي القرار الرئاسي بعد سنوات من ذبح ممنهج ومستمرّ للأشجار والحدائق العامّة، هذه المذابح التي ضربت بعرض الحائط حقيقة أن مصر من الدول الهشّة إزاء التغيّر المناخي، الذي أصبحنا نرى آثاره رؤية العين، ومنها الارتفاع غير المسبوق في درجات الحرارة، كما بدت آثاره واضحة على أجسادنا، بخاصّة أجساد النساء لأنهن أكثر هشاشة أمام آثار التغيّر المناخي.
جاءت إزالة الأشجار لأغراض مثل تطوير الطرق وتوسعتها، التي تعود وتزدحم مرّة أخرى بالسيّارات، وأصبح نصيب الفرد من المساحات الخضراء شحيح للغاية، وتحديداً المواطن الذي لا يسكن في المجتمعات المسوّرة أو “الكومباوندات”، وبحسب ورقة بعنوان “حتى لا يزول الأخضر” أصدرتها “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية”، للباحثين محمّد يونس وأحمد الصعيدي، فإن أولوية سياسات التطوير كانت سرعة إنجاز الأعمال الإنشائية، فتطلّب بناء جسور وتوسعة طرق حيّ مصر الجديدة قطع أشجار وإزالة نحو ٩٠ فداناً من المساحات الخضراء.
وتبعاً لهذه الورقة، فإن قطع الأشجار الناضجة هو إهدار وخسارة لمجهودات عشرات السنين من الرعاية لهذا الغطاء الأخضر الذي يمتصّ ثاني أكسيد الكربون ويوفّر ظلاً للمشاة، بشكل أكبر من الأشجار المخطّط لزراعتها من جديد، خاصّة في ظلّ الزيادات غير المسبوقة في درجات الحرارة في العقود الأخيرة، فضلاً عن أنها تمثّل حلّاً للتلوّث والضوضاء وتصدّ العواصف الترابية وتمتصّ غاز ثاني أكسيد الكربون وتخفّف من آثار التغيّر المناخي.
تبعاً لــ بحث بعنوان “قطع الأشجار لمكافحة التغيّر المناخي؟! مصر في مواجهة تناقضات سياساتها البيئية” للباحث إبراهيم عز الدين، فقدت مصر من 2001 إلى 2023، نحو 4472.6 فدان من الأشجار، أي ما يعادل انخفاضاً بنسبة 1.2٪ من مساحتها الشجرية، 95% من هذه الأشجار قُطع عن عمد وليس بشكل طبيعي، وهو ما تسبّب في انبعاث نحو 553 ألف طن من غازات الاحتباس الحراري.
ويذكر البحث أن المساحات الخضراء في مصر قد تراجعت بشكل كبير بعد “ثورة يناير”، وذلك بسبب الانفلات الأمني حينها وتفشّي ظاهرة البناء على الأراضي الزراعية. أمّا القاهرة وحدها فقد فقدت نحو 910,894 متراً مربّعاً من مساحاتها الخضراء بين العامين 2017 و2020، بما في ذلك 272,274 متراً مربّعاً في منطقة مصر الجديدة، و311,283 متراً مربّعاً في منطقة مدينة نصر. حتى أصبحت القاهرة بالفعل مثلما ذكر عمرو أديب “حلة بريستو”، خاصةً بعد تناقص الحدائق العامّة التي يتنزّه فيها المواطنون، وتحوّلها إلى مطاعم وكافيهات وأماكن استهلاكية.
لماذا تذهب الشجرة إلى المحكمة؟
طوال هذه السنوات كان المواطنون يصرخون على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب قطع عشرات الأشجار والحدائق العامّة، مثل حديقة أم كلثوم بالمنيل، وحديقة الزهرية بالزمالك، أو مذبحة الأشجار الشهيرة بمصر الجديدة وغيرها في أقاليم مصر. لكن لم يسمع صراخهم أحد، أو ينتبه له، ومع ذلك استمرّوا في رصد قطع الأشجار في أحيائهم، وقبل عامين تقدّم أعضاء في مجلس النوّاب بطلبات إحاطة للحكومة بشأن ظاهرة قطع الأشجار والحدائق، وأُقيمت دعاوى قضائية بهدف إلغاء ووقف تنفيذ القرار السلبي بامتناع رئيس الجمهورية ورئيس المجلس الوطني للتغيّرات المناخية ووزارة البيئة ورئيس جهاز شؤون البيئة، عن إصدار أيّ قرار من شأنه وقف ومنع قطع الأشجار وتقليل المساحات العامّة، إلا بعد إجراء دراسات تقييم الأثر البيئي، لكن تمّ رفض الدعوى.
“مش هنقطع شجر تاني”
حديقة الزهرية هي إحدى الحدائق التي تحتوي على أشجار معمّرة ونادرة عمرها عشرات السنوات، لكن مثل أيّ حديقة في مصر، هي معرّضة للتطوير، قبل أن يعلن مجلس الوزراء لبرنامج “الحكاية” الذي يقدّمه عمرو أديب أن حديقة الزهرية لن تُمسّ.
تقول خلود رضا، وهي فنّانة تهوى التطريز وصناعة المكرميات اعتادت الجلوس مع أصدقائها في حديقة الزهرية بالزمالك وممارسة نشاطات فنّية، لـ”درج”: “ذهبت أول مرّة إلى حديقة الزهرية في أكتوبر 2023، وكانت جنينة هادية والزرع فيها أكتر وكان بيتم الاهتمام بيها من حيث السقي والرعاية”.
بدأت رضا صناعة المكرميات والتطريز في الحديقة من نيسان/ أبريل حتى تشرين الأول/ أكتوبر 2024، عندما علمت أن الحديقة مهدّدة بالإغلاق، أصبحت ممارسة النشاط الفنّي أكثر من مجرّد هواية، بل لكي تعيش الحديقة وتُصنَع فيها ذكريات. لاحظت رضا التغيير في بدايته، زيادة أعداد الأمن وإهمال الزرع، وعندها أدركت أن الحديقة لن تعود مثل السابق مكاناً ممتلئاً بالزرع والشجر والطبيعة الغنيّة.
تتمنّى رضا أن يكون التعهّد بعدم إغلاق الحديقة حقيقياً، لأنها تخشى عليها من مصير حديقة المسلّة التي أصابها التطوير.
المهندسة ماري عطيّة تقول لـ”درج”: “إن تخضير القاهرة فكرة قابلة للتنفيذ، ولكن ليس بهذه الميزانية الضئيلة، وليس بطريقة عشوائية بالحفر في الرصيف ووضع شجر بدون شبكات ريّ، وإهماله بعد ذلك”، وتقترح فكرة بديلة هي “تشجير القاهرة”، لأن التخضير معناه زراعة أنواع مختلفة من النباتات، تحتاج ميزانية ضخمة ومياه وفيرة في ظلّ العجز المائي الموجود بالفعل، كما أنها نباتات غير معمّرة، فعمرها لا يتجاوز العام.
وتقول: “مش كل حاجة خضرا تبقى اسمها شجرة”، وتنتقد زراعة مفترشات التربة الموسمية التي تزدهر في الصيف، وتذبل في الشتاء أو العكس، بحسب نوعها، على عكس الأشجار التي تحتاج نظام ريّ بسيطاً، وتصل جذورها إلى المياه الجوفية بعد ثلات أو أربع سنوات، ولا تحتاج إلى الري بعد ذلك، وتؤكّد أن ادّعاء تدمير الشجر للبنية التحتية هو عبثي تماماً، فأشجار مثل الفيكس لا تخترق أنابيب توصيل جيدة، ولكنّ الإشكالية هي وجود أنابيب التوصيل على مستوى سطحي وزراعة الشجر بعشوائية في أيّ مكان.










