يفتح في علامة تبويب جديدة
ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

من يملك الغضب الأميركي؟ (2/4): كيف صنعت اللامساواة وأزمة السكن والديون جيلاً لا يثق بالوعد الأميركي

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

هذا المقال هو الجزء الثاني من سلسلة تبحث في التحولات الأميركية، من دونالد ترامب إلى زهران ممداني وعبدول السيّد: كيف يعاد رسم الحزب الديمقراطي والسياسة الأميركية من القاعدة؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

من ريغان إلى ترامب: أربعون عاماً من كسر العقد الاجتماعيّ.

في عام 1981، كان الحدّ الأعلى لضريبة الدخل في الولايات المتّحدة 70 في المئة. في عام 1989، صار 28.

هذه الجملة تختصر أربعين عاماً. وكلّ ما جاء بعدها، من صعود دونالد ترامب إلى فوز زهران ممداني، هو تفصيل فيها.

أوّلاً، ما الذي فُكّك

لم تكن الضريبة وحدها. كانت رزمة.

النقابات. في عام 1983، كان 20.1 في المئة من العمّال الأميركيّين أعضاءً في نقابات. في عام 2025، صارت النسبة 10 في المئة بالتمام. أمّا في القطاع الخاصّ تحديداً، حيث تُحسم الأجور فعليّاً، فتراجعت من 16.5 في المئة إلى 5.9. هذا ليس تحوّلاً طبيعيّاً في سوق العمل. إنه نتيجة سياسات: كسر إضراب مراقبي الحركة الجويّة عام 1981 وطرد أكثر من أحد عشر ألف موظّف، وتعيينات في مجلس علاقات العمل الوطنيّ غيّرت تفسير القانون، وتساهل مع شركات جعلت من إفشال التنظيم النقابيّ صناعة قائمة بذاتها.

الرقابة على الاحتكار. تغيّر المعيار القضائيّ نفسه. لم يعد السؤال هل يتركّز السوق في يد قلّة، بل هل ترتفع الأسعار على المستهلك. وهذا التبديل في السؤال سمح بأربعة عقود من عمليّات الدمج.

التقديمات الاجتماعيّة. تقليص متواصل، تُوّج في التسعينات بإصلاح نظام الرعاية على يد رئيس ديمقراطيّ لا جمهوريّ. وهذه نقطة يجب ألّا تُغفل: العقد الاجتماعيّ لم يُكسر من جهة واحدة.

ثانياً، ما الذي أنتجه هذا التفكيك

الأرقام لا تحتاج إلى تعليق:

الفجوة بين الإنتاجيّة والأجر: العامل الأميركيّ بدوام كامل عند الأجر الوسيط تقاضى نحو 53,400 دولار في السنة عام 2025. لو أن أجره واكب نموّ الإنتاجيّة منذ السبعينات، لكان تقاضى نحو 76,400 دولار. الفارق ثلاثة وعشرون ألف دولار سنويّاً. هذا المبلغ لم يختفِ، بل انتقل إلى مكان آخر.

إلى أين انتقل؟ حصّة الواحد في المئة الأعلى من صافي الثروة الأميركيّة ارتفعت من 22.8 في المئة عام 1989 إلى 30.8 في المئة عام 2024.

من دفع الثمن؟ تراجع حجم الطبقة الوسطى من 61 في المئة من المجتمع الأميركيّ عام 1971 إلى 50 في المئة عام 2021.

ما دور النقابات في ذلك تحديداً؟ بحسب معهد السياسة الاقتصاديّة، فإن تراجع التنظيم النقابيّ مسؤول عن 37 في المئة من اتّساع الفجوة في الأجور بين الشريحتين التسعين والخمسين بين الرجال العاملين، بين 1979 و2017. أي أن أكثر من ثلث اللامساواة بين العمّال الرجال أنفسهم سببه كسر التنظيم النقابي، لا التكنولوجيا ولا العولمة ولا الهجرة.

ثالثاً، 2008: اللحظة التي فقد فيها النظام شرعيّته

أربعون عاماً من التآكل البطيء لا تُنتج انفجاراً. تحتاج إلى حادثة. في خريف 2008، أقرّ الكونغرس برنامجاً لشراء الأصول المتعثّرة بسقف 700 مليار دولار. في نصّه الأصليّ، كان يفترض بوزارة الخزانة أن تشتري الرهون المتعثّرة من المصارف، ثم تعدّل شروطها لمساعدة أصحاب المنازل.

هذا ليس ما حدث! خُصّص مبلغ 46 مليار دولار لتفادي حبس الرهن، عبر برنامج سُمّي “تعديل الرهن الميسّر”. وهو يُعتبر على نطاق واسع الجزء الأقلّ نجاحاً في البرنامج كلّه. المصارف انتقت المتقدّمين، ورفضت النظر في ملفّات أصحاب الحصص المنخفضة، وتعاملت مع البرنامج بحذر أفرغه من مضمونه. أمّا المصارف نفسها فنجت. وفي المحصّلة النهائيّة، استعادت الخزانة أموالها كاملة وزيادة نحو ثلاثة مليارات دولار.

الرقم الأخير هو المشكلة، لا الحلّ. أُنقذت المؤسّسات، ولم يُنقَذ من فقد منزله. الدولة أثبتت أنها قادرة على التحرّك بسرعة هائلة وبمبالغ خياليّة حين تريد. وأثبتت في اللحظة نفسها أنها لا تريد ذلك للجميع. هذا هو تعريف فقدان الشرعيّة: ليس أن الدولة عاجزة، بل أنها قادرة وتختار.

رابعاً، توأمان من الحطام

خرج من انهيار 2008 تيّاران متعاديان.

حركة “حزب الشاي” (The Tea Party movement) انطلقت مطلع 2009، أي بعد أشهر من الإنقاذ. غاضبة، شعبويّة، معادية للمؤسّسة الحزبيّة قبل أن تكون معادية للديمقراطيّين.

“احتلّوا وول ستريت” انطلقت في أيلول/ سبتمبر 2011، من الحديقة نفسها التي تطلّ على البورصة. غاضبة، شعبويّة، ورافعة الشعار الأدقّ في وصف اللحظة كلّها: نحن الـ99 في المئة.

بعد سنة واحدة من انطلاقها، انتزعت حركة “حزب الشاي” 63 مقعداً في مجلس النوّاب، في أكبر تحوّل انتخابيّ منذ 1938. وبعد سنة واحدة من انطلاقها، كانت “احتلّوا وول ستريت” قد أُخليت من الحديقة وانتهت.

التشخيص كان متشابهاً إلى حدّ بعيد. النتيجة كانت متعاكسة تماماً. والسبب بسيط إلى درجة محرجة: الأولى ترشّحت، والثانية اعتصمت. حركة “حزب الشاي” مُوّلت من فوق، من شبكة الأخوين كوك ومنظّمات مثل “أميركيّون من أجل الازدهار”، التي وفّرت لها بنية تنظيميّة وقوائم ناخبين ومرشّحين. وحوّلت الغضب إلى استمارات ترشّح في انتخابات تمهيديّة. أمّا “احتلّوا وول ستريت” فرفضت مبدئيّاً فكرة القيادة والمطالب المحدّدة والانخراط الحزبيّ، فبقي غضبها بلا عنوان انتخابيّ.

هذا الدرس تحديداً هو ما تعلّمه اليسار الأميركيّ لاحقاً، وهو موضوع الجزء الثالث من هذه السلسلة.

خامساً، الفاتورة وصلت جيلاً بعينه

أربعون عاماً من كسر العقد الاجتماعيّ لا تُدفع دفعة واحدة، تُدفع على أقساط، ويسدّدها من يدخل السوق أخيراً.

السكن: شكّل المشترون للمرّة الأولى 21 في المئة فقط من إجمالي مشتري المنازل عام 2025. هذه أدنى نسبة تسجّلها الرابطة الوطنيّة للوسطاء العقاريّين منذ بدأت القياس عام 1981. وارتفع العمر الوسيط للمشتري للمرّة الأولى إلى أربعين عاماً بحسب الرابطة، فيما تعطي مؤسّسات أخرى رقماً أدنى تبعاً لمنهجيّة القياس. جيل كامل لم يعد يشتري بيته في الثلاثين، بل في الأربعين، أو لا يشتريه.

الدَّين التعليميّ: يتجاوز إجماليّ القروض الطلّابيّة في الولايات المتّحدة الـ1.6 تريليون دولار. جيل الألفيّة وحده يضمّ 14 مليون مقترض بإجماليّ 476 مليار دولار، أي نحو 34 ألف دولار للفرد. يقول 43 في المئة من أبناء هذا الجيل إن هذا الدَّين أخّر شراءهم منزلاً. والنتيجة، أن معدّل تملّك المنازل عند جيل زد بلغ 27.1 في المئة، وعند جيل الألفيّة 55.4 في المئة.

هذه ليست أرقام رفاهيّة. إنها أرقام تأجيل: تأجيل السكن، تأجيل الزواج، تأجيل الإنجاب، تأجيل الاستقلال عن الأهل. أربعون عاماً من السياسات تتحوّل، في التجربة اليوميّة لشابّ في السابعة والعشرين، إلى شعور واحد: “اللعبة انتهت قبل أن أدخلها”.

سادساً: من غادر ومتى؟

ذهب هذا كلّه إلى دونالد ترامب. وقد قيل في مقدّمة هذه السلسلة إن الوعد الليبراليّ لم يُكسر على الجميع بالطريقة نفسها، وإن الفجوة بين الشابّ والشابّة صارت أوسع انقسام سياسيّ في البلاد. ما يعنينا هنا سؤال آخر، أضيق وأدقّ: من غادر بالضبط، ومتى؟ لأن الإجابة تشرح ما الذي يمكن استعادته، وما الذي لا يمكن.

وقد سجّل صندوق الانتخابات ذلك بوضوح عام 2024. صوّتت الشابّات لكامالا هاريس بفارق 18 نقطة، وصوّت الشبّان لترامب بفارق 14. اثنتان وثلاثون نقطة تفصل بين شابّ وشابّة في العمر نفسه والمدينة نفسها، وغالباً في البيت نفسه. وهي أوسع فجوة جندريّة بين كلّ الفئات العمريّة، وأوسع ما سُجّل في هذه الفئة منذ بدأ قياسه. وحتى الحضور إلى الصندوق انقسم على الأساس نفسه: صوّتت نصف الشابّات تقريباً، مقابل أربعة من كلّ عشرة شبّان. الفارق يبدأ قبل مضمون التصويت، عند قرار المشاركة أصلاً.

الكسر داخل الجيل نفسه. هنا الاكتشاف الذي يمرّ عادةً من دون انتباه. “الشباب” ليسوا كتلة. الفئة انقسمت على نفسها بحدّة: من هم بين 18 و24 عاماً صوّتوا لهاريس بفارق عشر نقاط. من هم بين 25 و29 عاماً صوّتوا لترامب بفارق نقطتين. خمس سنوات تفصل بين المجموعتين. وبينهما اثنتا عشرة نقطة.

ما الذي يحدث في هذه السنوات الخمس؟ التخرّج، أوّل وظيفة، أوّل عقد إيجار باسم صاحبه، أوّل قسط من القرض الجامعيّ يُستحقّ دفعه. أي أن من غادر ليس الأصغر سنّاً، ولا الأكثر تسييساً، ولا الأكثر تعرّضاً لخطاب اليمين على المنصّات. غادر من اختبر الوعد. من بقي في الجامعة بقي في المكان الذي وُعد فيه. ومن خرج منها إلى السوق، خرج من الوعد أيضاً. هذه ليست خسارة أيديولوجيّة. إنها خسارة تجريبيّة. وهذا يجعلها أسهل في الاستعادة نظريّاً، وأصعب بكثير عمليّاً: لأن استعادتها تتطلّب تغيير الواقع لا تغيير الخطاب.

ما حصل للشبّان حصل بصورة موازية للناخبين اللاتينيّين، وهي المجموعة الثانية التي غادرت. نال ترامب 48 في المئة من أصواتهم عام 2024، بعدما كان جو بايدن قد فاز بهم بفارق يقارب الثلاث وثلاثين نقطة عام 2020. والانهيار هنا أيضاً كان ذكوريّاً في معظمه: فاز بايدن بالرجال اللاتينيّين بفارق 23 نقطة، ثمّ فاز ترامب بهم بفارق 12. أي تحوّل يقارب خمساً وثلاثين نقطة في أربع سنوات، في المجموعة نفسها. وفي ميشيغان تحديداً، الولاية التي بدأنا منها هذه السلسلة، تراجع دعم اللاتينيّين للديمقراطيّين ثماني عشرة نقطة عن 2020. المجموعتان مختلفتان في كلّ شيء تقريباً، إلّا في موقعهما من العقد الاجتماعيّ: كلتاهما وُعدت بالدخول، وكلتاهما وجدت الباب أضيق ممّا قيل لها.

الحزب الديمقراطيّ لم يخسر جدالًا عام 2024. خسر شهادة. خسر أصوات من قاسوا الوعد بتجربتهم الشخصيّة، فوجدوه كاذبًا: الشابّ الذي تخرّج ولم يستطع استئجار شقّة، والعامل اللاتينيّ الذي عمل ولم يرتفع دخله، والشابّة التي بقيت معه في التصويت، لكنّها لم تعد تصدّق وعوده أكثر منه. ولهذا تحديدًا، لا يُستعاد هؤلاء بحملة إعلانيّة أفضل، ولا بمرشّح أصغر سنًّا، ولا بخطاب أكثر حدّة ضدّ ترامب. يُستعادون بإيجار أرخص. وهذا ما يفسّر لماذا فاز ممداني ببرنامج من ثلاث نقاط لا يشبه أيّ برنامج ديمقراطيّ منذ أربعين عامًا. 

سابعاً، ثم لم يفِ

هنا تنقلب الحكاية. وعد ترامب بخفض الأسعار. فرضت إدارته رسوماً جمركيّة رفعتها. تأييد أدائه الاقتصاديّ هبط من نحو 40 في المئة في مطلع ولايته الثانية إلى 32 في المئة في آب/ أغسطس 2026. سبعة من كلّ عشرة أميركيّين يصفون اقتصاد بلادهم بالسيّئ أو السيّئ جدّاً. وتأييده العامّ عند 38 في المئة.

وحين لم يستطع الوفاء بالوعد الاقتصاديّ، انصرف إلى ما يجيده: سياسات الهويّة. وهذه هي المفارقة المركزيّة في هذه الرئاسة. الرجل بنى صعوده على اتّهام الديمقراطيّين بأنهم انشغلوا بالهويّة عن الاقتصاد، ثم فعل الشيء نفسه بالضبط، بالاتّجاه المعاكس. أكثر من ثمانين أمراً تنفيذيّاً في الأشهر الأولى، بينها خمسة عشر تمسّ قضايا اجتماعيّة مباشرة.

وبالتوازي، بدأ يُعاد تصميم النظام الانتخابيّ نفسه. أُعيد رسم الدوائر الانتخابية في تكساس في منتصف العقد لا في نهايته، فانتقلت خمسة مقاعد من الديمقراطيّين إلى الجمهوريّين. وردّت كاليفورنيا بالأسلوب نفسه، فأقرّت في 4 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، بنسبة 64.4 في المئة، إعادة رسم دوائرها لصالح الديمقراطيّين حتى 2030.

وأخيراً

الخلاصة قاسية وبسيطة، ويجب أن تُقال بلا تجميل: الغضب الاقتصاديّ لا يملك عنواناً سياسيّاً ثابتاً. ذهب إلى حركة “حزب الشاي” عام 2010، وإلى بيرني ساندرز عام 2016، وإلى ترامب في العام نفسه، وعاد إلى ترامب عام 2024، ثم ذهب إلى ممداني عام 2025، وإلى عبدول السيّد عام 2026. هو لا يبحث عن أيديولوجيا. يبحث عمن يعترف بأن اللعبة مغشوشة، ويقدّم إجابة واضحة. يأخذه من يقدّم الإجابة الأوضح، لا من يقدّم الإجابة الأصحّ. وهذا ما يجعل اللحظة الحاليّة مفتوحة على احتمالين متعاكسين تماماً، لا على احتمال واحد.

08.09.2026
زمن القراءة: 8 minutes

هذا المقال هو الجزء الثاني من سلسلة تبحث في التحولات الأميركية، من دونالد ترامب إلى زهران ممداني وعبدول السيّد: كيف يعاد رسم الحزب الديمقراطي والسياسة الأميركية من القاعدة؟

من ريغان إلى ترامب: أربعون عاماً من كسر العقد الاجتماعيّ.

في عام 1981، كان الحدّ الأعلى لضريبة الدخل في الولايات المتّحدة 70 في المئة. في عام 1989، صار 28.

هذه الجملة تختصر أربعين عاماً. وكلّ ما جاء بعدها، من صعود دونالد ترامب إلى فوز زهران ممداني، هو تفصيل فيها.

أوّلاً، ما الذي فُكّك

لم تكن الضريبة وحدها. كانت رزمة.

النقابات. في عام 1983، كان 20.1 في المئة من العمّال الأميركيّين أعضاءً في نقابات. في عام 2025، صارت النسبة 10 في المئة بالتمام. أمّا في القطاع الخاصّ تحديداً، حيث تُحسم الأجور فعليّاً، فتراجعت من 16.5 في المئة إلى 5.9. هذا ليس تحوّلاً طبيعيّاً في سوق العمل. إنه نتيجة سياسات: كسر إضراب مراقبي الحركة الجويّة عام 1981 وطرد أكثر من أحد عشر ألف موظّف، وتعيينات في مجلس علاقات العمل الوطنيّ غيّرت تفسير القانون، وتساهل مع شركات جعلت من إفشال التنظيم النقابيّ صناعة قائمة بذاتها.

الرقابة على الاحتكار. تغيّر المعيار القضائيّ نفسه. لم يعد السؤال هل يتركّز السوق في يد قلّة، بل هل ترتفع الأسعار على المستهلك. وهذا التبديل في السؤال سمح بأربعة عقود من عمليّات الدمج.

التقديمات الاجتماعيّة. تقليص متواصل، تُوّج في التسعينات بإصلاح نظام الرعاية على يد رئيس ديمقراطيّ لا جمهوريّ. وهذه نقطة يجب ألّا تُغفل: العقد الاجتماعيّ لم يُكسر من جهة واحدة.

ثانياً، ما الذي أنتجه هذا التفكيك

الأرقام لا تحتاج إلى تعليق:

الفجوة بين الإنتاجيّة والأجر: العامل الأميركيّ بدوام كامل عند الأجر الوسيط تقاضى نحو 53,400 دولار في السنة عام 2025. لو أن أجره واكب نموّ الإنتاجيّة منذ السبعينات، لكان تقاضى نحو 76,400 دولار. الفارق ثلاثة وعشرون ألف دولار سنويّاً. هذا المبلغ لم يختفِ، بل انتقل إلى مكان آخر.

إلى أين انتقل؟ حصّة الواحد في المئة الأعلى من صافي الثروة الأميركيّة ارتفعت من 22.8 في المئة عام 1989 إلى 30.8 في المئة عام 2024.

من دفع الثمن؟ تراجع حجم الطبقة الوسطى من 61 في المئة من المجتمع الأميركيّ عام 1971 إلى 50 في المئة عام 2021.

ما دور النقابات في ذلك تحديداً؟ بحسب معهد السياسة الاقتصاديّة، فإن تراجع التنظيم النقابيّ مسؤول عن 37 في المئة من اتّساع الفجوة في الأجور بين الشريحتين التسعين والخمسين بين الرجال العاملين، بين 1979 و2017. أي أن أكثر من ثلث اللامساواة بين العمّال الرجال أنفسهم سببه كسر التنظيم النقابي، لا التكنولوجيا ولا العولمة ولا الهجرة.

ثالثاً، 2008: اللحظة التي فقد فيها النظام شرعيّته

أربعون عاماً من التآكل البطيء لا تُنتج انفجاراً. تحتاج إلى حادثة. في خريف 2008، أقرّ الكونغرس برنامجاً لشراء الأصول المتعثّرة بسقف 700 مليار دولار. في نصّه الأصليّ، كان يفترض بوزارة الخزانة أن تشتري الرهون المتعثّرة من المصارف، ثم تعدّل شروطها لمساعدة أصحاب المنازل.

هذا ليس ما حدث! خُصّص مبلغ 46 مليار دولار لتفادي حبس الرهن، عبر برنامج سُمّي “تعديل الرهن الميسّر”. وهو يُعتبر على نطاق واسع الجزء الأقلّ نجاحاً في البرنامج كلّه. المصارف انتقت المتقدّمين، ورفضت النظر في ملفّات أصحاب الحصص المنخفضة، وتعاملت مع البرنامج بحذر أفرغه من مضمونه. أمّا المصارف نفسها فنجت. وفي المحصّلة النهائيّة، استعادت الخزانة أموالها كاملة وزيادة نحو ثلاثة مليارات دولار.

الرقم الأخير هو المشكلة، لا الحلّ. أُنقذت المؤسّسات، ولم يُنقَذ من فقد منزله. الدولة أثبتت أنها قادرة على التحرّك بسرعة هائلة وبمبالغ خياليّة حين تريد. وأثبتت في اللحظة نفسها أنها لا تريد ذلك للجميع. هذا هو تعريف فقدان الشرعيّة: ليس أن الدولة عاجزة، بل أنها قادرة وتختار.

رابعاً، توأمان من الحطام

خرج من انهيار 2008 تيّاران متعاديان.

حركة “حزب الشاي” (The Tea Party movement) انطلقت مطلع 2009، أي بعد أشهر من الإنقاذ. غاضبة، شعبويّة، معادية للمؤسّسة الحزبيّة قبل أن تكون معادية للديمقراطيّين.

“احتلّوا وول ستريت” انطلقت في أيلول/ سبتمبر 2011، من الحديقة نفسها التي تطلّ على البورصة. غاضبة، شعبويّة، ورافعة الشعار الأدقّ في وصف اللحظة كلّها: نحن الـ99 في المئة.

بعد سنة واحدة من انطلاقها، انتزعت حركة “حزب الشاي” 63 مقعداً في مجلس النوّاب، في أكبر تحوّل انتخابيّ منذ 1938. وبعد سنة واحدة من انطلاقها، كانت “احتلّوا وول ستريت” قد أُخليت من الحديقة وانتهت.

التشخيص كان متشابهاً إلى حدّ بعيد. النتيجة كانت متعاكسة تماماً. والسبب بسيط إلى درجة محرجة: الأولى ترشّحت، والثانية اعتصمت. حركة “حزب الشاي” مُوّلت من فوق، من شبكة الأخوين كوك ومنظّمات مثل “أميركيّون من أجل الازدهار”، التي وفّرت لها بنية تنظيميّة وقوائم ناخبين ومرشّحين. وحوّلت الغضب إلى استمارات ترشّح في انتخابات تمهيديّة. أمّا “احتلّوا وول ستريت” فرفضت مبدئيّاً فكرة القيادة والمطالب المحدّدة والانخراط الحزبيّ، فبقي غضبها بلا عنوان انتخابيّ.

هذا الدرس تحديداً هو ما تعلّمه اليسار الأميركيّ لاحقاً، وهو موضوع الجزء الثالث من هذه السلسلة.

خامساً، الفاتورة وصلت جيلاً بعينه

أربعون عاماً من كسر العقد الاجتماعيّ لا تُدفع دفعة واحدة، تُدفع على أقساط، ويسدّدها من يدخل السوق أخيراً.

السكن: شكّل المشترون للمرّة الأولى 21 في المئة فقط من إجمالي مشتري المنازل عام 2025. هذه أدنى نسبة تسجّلها الرابطة الوطنيّة للوسطاء العقاريّين منذ بدأت القياس عام 1981. وارتفع العمر الوسيط للمشتري للمرّة الأولى إلى أربعين عاماً بحسب الرابطة، فيما تعطي مؤسّسات أخرى رقماً أدنى تبعاً لمنهجيّة القياس. جيل كامل لم يعد يشتري بيته في الثلاثين، بل في الأربعين، أو لا يشتريه.

الدَّين التعليميّ: يتجاوز إجماليّ القروض الطلّابيّة في الولايات المتّحدة الـ1.6 تريليون دولار. جيل الألفيّة وحده يضمّ 14 مليون مقترض بإجماليّ 476 مليار دولار، أي نحو 34 ألف دولار للفرد. يقول 43 في المئة من أبناء هذا الجيل إن هذا الدَّين أخّر شراءهم منزلاً. والنتيجة، أن معدّل تملّك المنازل عند جيل زد بلغ 27.1 في المئة، وعند جيل الألفيّة 55.4 في المئة.

هذه ليست أرقام رفاهيّة. إنها أرقام تأجيل: تأجيل السكن، تأجيل الزواج، تأجيل الإنجاب، تأجيل الاستقلال عن الأهل. أربعون عاماً من السياسات تتحوّل، في التجربة اليوميّة لشابّ في السابعة والعشرين، إلى شعور واحد: “اللعبة انتهت قبل أن أدخلها”.

سادساً: من غادر ومتى؟

ذهب هذا كلّه إلى دونالد ترامب. وقد قيل في مقدّمة هذه السلسلة إن الوعد الليبراليّ لم يُكسر على الجميع بالطريقة نفسها، وإن الفجوة بين الشابّ والشابّة صارت أوسع انقسام سياسيّ في البلاد. ما يعنينا هنا سؤال آخر، أضيق وأدقّ: من غادر بالضبط، ومتى؟ لأن الإجابة تشرح ما الذي يمكن استعادته، وما الذي لا يمكن.

وقد سجّل صندوق الانتخابات ذلك بوضوح عام 2024. صوّتت الشابّات لكامالا هاريس بفارق 18 نقطة، وصوّت الشبّان لترامب بفارق 14. اثنتان وثلاثون نقطة تفصل بين شابّ وشابّة في العمر نفسه والمدينة نفسها، وغالباً في البيت نفسه. وهي أوسع فجوة جندريّة بين كلّ الفئات العمريّة، وأوسع ما سُجّل في هذه الفئة منذ بدأ قياسه. وحتى الحضور إلى الصندوق انقسم على الأساس نفسه: صوّتت نصف الشابّات تقريباً، مقابل أربعة من كلّ عشرة شبّان. الفارق يبدأ قبل مضمون التصويت، عند قرار المشاركة أصلاً.

الكسر داخل الجيل نفسه. هنا الاكتشاف الذي يمرّ عادةً من دون انتباه. “الشباب” ليسوا كتلة. الفئة انقسمت على نفسها بحدّة: من هم بين 18 و24 عاماً صوّتوا لهاريس بفارق عشر نقاط. من هم بين 25 و29 عاماً صوّتوا لترامب بفارق نقطتين. خمس سنوات تفصل بين المجموعتين. وبينهما اثنتا عشرة نقطة.

ما الذي يحدث في هذه السنوات الخمس؟ التخرّج، أوّل وظيفة، أوّل عقد إيجار باسم صاحبه، أوّل قسط من القرض الجامعيّ يُستحقّ دفعه. أي أن من غادر ليس الأصغر سنّاً، ولا الأكثر تسييساً، ولا الأكثر تعرّضاً لخطاب اليمين على المنصّات. غادر من اختبر الوعد. من بقي في الجامعة بقي في المكان الذي وُعد فيه. ومن خرج منها إلى السوق، خرج من الوعد أيضاً. هذه ليست خسارة أيديولوجيّة. إنها خسارة تجريبيّة. وهذا يجعلها أسهل في الاستعادة نظريّاً، وأصعب بكثير عمليّاً: لأن استعادتها تتطلّب تغيير الواقع لا تغيير الخطاب.

ما حصل للشبّان حصل بصورة موازية للناخبين اللاتينيّين، وهي المجموعة الثانية التي غادرت. نال ترامب 48 في المئة من أصواتهم عام 2024، بعدما كان جو بايدن قد فاز بهم بفارق يقارب الثلاث وثلاثين نقطة عام 2020. والانهيار هنا أيضاً كان ذكوريّاً في معظمه: فاز بايدن بالرجال اللاتينيّين بفارق 23 نقطة، ثمّ فاز ترامب بهم بفارق 12. أي تحوّل يقارب خمساً وثلاثين نقطة في أربع سنوات، في المجموعة نفسها. وفي ميشيغان تحديداً، الولاية التي بدأنا منها هذه السلسلة، تراجع دعم اللاتينيّين للديمقراطيّين ثماني عشرة نقطة عن 2020. المجموعتان مختلفتان في كلّ شيء تقريباً، إلّا في موقعهما من العقد الاجتماعيّ: كلتاهما وُعدت بالدخول، وكلتاهما وجدت الباب أضيق ممّا قيل لها.

الحزب الديمقراطيّ لم يخسر جدالًا عام 2024. خسر شهادة. خسر أصوات من قاسوا الوعد بتجربتهم الشخصيّة، فوجدوه كاذبًا: الشابّ الذي تخرّج ولم يستطع استئجار شقّة، والعامل اللاتينيّ الذي عمل ولم يرتفع دخله، والشابّة التي بقيت معه في التصويت، لكنّها لم تعد تصدّق وعوده أكثر منه. ولهذا تحديدًا، لا يُستعاد هؤلاء بحملة إعلانيّة أفضل، ولا بمرشّح أصغر سنًّا، ولا بخطاب أكثر حدّة ضدّ ترامب. يُستعادون بإيجار أرخص. وهذا ما يفسّر لماذا فاز ممداني ببرنامج من ثلاث نقاط لا يشبه أيّ برنامج ديمقراطيّ منذ أربعين عامًا. 

سابعاً، ثم لم يفِ

هنا تنقلب الحكاية. وعد ترامب بخفض الأسعار. فرضت إدارته رسوماً جمركيّة رفعتها. تأييد أدائه الاقتصاديّ هبط من نحو 40 في المئة في مطلع ولايته الثانية إلى 32 في المئة في آب/ أغسطس 2026. سبعة من كلّ عشرة أميركيّين يصفون اقتصاد بلادهم بالسيّئ أو السيّئ جدّاً. وتأييده العامّ عند 38 في المئة.

وحين لم يستطع الوفاء بالوعد الاقتصاديّ، انصرف إلى ما يجيده: سياسات الهويّة. وهذه هي المفارقة المركزيّة في هذه الرئاسة. الرجل بنى صعوده على اتّهام الديمقراطيّين بأنهم انشغلوا بالهويّة عن الاقتصاد، ثم فعل الشيء نفسه بالضبط، بالاتّجاه المعاكس. أكثر من ثمانين أمراً تنفيذيّاً في الأشهر الأولى، بينها خمسة عشر تمسّ قضايا اجتماعيّة مباشرة.

وبالتوازي، بدأ يُعاد تصميم النظام الانتخابيّ نفسه. أُعيد رسم الدوائر الانتخابية في تكساس في منتصف العقد لا في نهايته، فانتقلت خمسة مقاعد من الديمقراطيّين إلى الجمهوريّين. وردّت كاليفورنيا بالأسلوب نفسه، فأقرّت في 4 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، بنسبة 64.4 في المئة، إعادة رسم دوائرها لصالح الديمقراطيّين حتى 2030.

وأخيراً

الخلاصة قاسية وبسيطة، ويجب أن تُقال بلا تجميل: الغضب الاقتصاديّ لا يملك عنواناً سياسيّاً ثابتاً. ذهب إلى حركة “حزب الشاي” عام 2010، وإلى بيرني ساندرز عام 2016، وإلى ترامب في العام نفسه، وعاد إلى ترامب عام 2024، ثم ذهب إلى ممداني عام 2025، وإلى عبدول السيّد عام 2026. هو لا يبحث عن أيديولوجيا. يبحث عمن يعترف بأن اللعبة مغشوشة، ويقدّم إجابة واضحة. يأخذه من يقدّم الإجابة الأوضح، لا من يقدّم الإجابة الأصحّ. وهذا ما يجعل اللحظة الحاليّة مفتوحة على احتمالين متعاكسين تماماً، لا على احتمال واحد.

08.09.2026
زمن القراءة: 8 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية