من السهل اختصار ما يحدث في أميركا اليوم بمواجهة بين دونالد ترامب والحزب الديمقراطي. لكن تحت هذه المواجهة تحصل معركة أخرى، أبطأ وأعمق وهي معركة على من يملك الغضب الأميركي، ومن ينجح في تحويله إلى قوة سياسية.
منذ عقود يتآكل الوعد الذي قامت عليه الطبقة الوسطى الأميركية أو “الحلم الأميركي” القائم على وعد بأن من يدرس ويعمل سيعيش أفضل. أتت أزمة عام 2008 لتكسر هذا الوعد، إذ جاءت كلفة السكن والديون الجامعية وتراجع الأجور والنقابات لتدفع جيلاً كاملاً إلى الشك في النظام نفسه.
هذا الغضب لم يذهب في اتجاه واحد. حمل “حزب الشاي” إلى قلب الحزب الجمهوري، وساعد في صعود دونالد ترامب، وظهر على اليسار مع بيرني ساندرز، ثم زهران ممداني، واليوم مع جيل جديد من المرشحين الديمقراطيين.
لكن الجديد ليس الغضب وحده. الجديد أن جزءاً من اليسار الأميركي أمضى نحو عشر سنوات يبني تنظيماً ومرشحين وشبكات متطوعين من المجالس المحلية صعوداً، وبدأ اليوم يتحدى المؤسسة الديمقراطية داخل صناديق حزبها نفسه.
في هذه السلسلة من أربعة أجزاء، نحاول فهم هذه اللحظة: من أين جاءت، كيف تحولت إلى قوة انتخابية، ما البنية التي تقف خلفها، والأهم: هل تستطيع هذه الموجة أن تتجاوز الفوز في الانتخابات التمهيدية إلى الفوز بأميركا والحكم فيها؟
لحظة الـ”تي بارتي” الديمقراطية
في 10 حزيران/ يونيو 2014، خسر إريك كانتور انتخاباته التمهيديّة في ڤرجينيا. كان زعيم الغالبيّة الجمهوريّة في مجلس النوّاب، أي الرجل الثاني في الحزب داخل الكونغرس. جمعت حملته 5,447,290 دولاراً وأنفقت منها 5,026,626 دولاراً حتى 21 أيّار/ مايو. أمّا خصمه، أستاذ اقتصاد مغمور اسمه دايڤيد برات، فجمع 206,663 دولاراً وأنفق حتى ذلك التاريخ 122 ألفاً فقط.
الأرقام أوضح من أي تعليق: كانتور أنفق على مطاعم اللحوم 168,637 دولاراً، أي أكثر ممّا أنفقه خصمه على حملته كلّها. تفوّق عليه في الإنفاق بأربعين إلى واحد. وخسر بعشر نقاط مئويّة. لم يخسر أمام ديمقراطيّ. خسر أمام قاعدة حزبه.
هذه هي اللحظة التي يعيشها الحزب الديمقراطيّ اليوم. وهي لحظة يجب تعريفها بدقّة قبل استخدامها، لأن التسمية تُستخدم شتيمة و/أو مديحاً، وكلاهما يُفسد التحليل.
ما هي لحظة الـ”تي بارتي/ حفلة الشاي”؟
ليست موجة يمينيّة ولا موجة يساريّة. إنها حالة يفقد فيها جهاز الحزب قدرته على تحديد من يمثّله. تنشأ حين تقتنع القاعدة أن قيادتها ليست عاجزة فحسب، بل متواطئة. وتتحقّق حين تصير الخسارة أمام الخصم أهون على الناخب من الاستمرار مع من يمثّله إسمياً.
انطلقت حركة “حزب الشاي” (The Tea Party movement) مطلع 2009، بعد أشهر من الإنقاذ الماليّ للمصارف. ضربت أولاً في الانتخابات النصفيّة عام 2010، حين انتزع الجمهوريّون 63 مقعداً في مجلس النوّاب، وهو أكبر تحوّل منذ 1938. ثم بدأت بأكل حزبها: بوب بينيت في يوتا، ريتشارد لوغار في إنديانا، إريك كانتور في ڤرجينيا. وانتهت باستقالة رئيس مجلس النوّاب جون بينر عام 2015، ثم بترشيح دونالد ترامب عام 2016.
خمس سنوات من التمرّد التمهيديّ. هذا هو المقياس الزمنيّ الذي يجب أن نقيس عليه.
لماذا نقول إن اللحظة حلّت الآن
في 4 آب/ أغسطس 2026، فاز عبدالرحمن السيّد (عبدول) بالترشيح الديمقراطيّ لمجلس الشيوخ عن ميشيغان. تقدّم على عضوة مجلس النواب هايلي ستيڤنز بنقطة مئويّة واحدة. الحزب كان خلف ستيڤنز ولجنة الحملات الانتخابيّة أيضاً. وأُنفق ضدّ السيّد أكثر من ستّين مليون دولار، معظمها من مجموعات مؤيّدة لإسرائيل، منها نحو ثلاثين مليوناً من “إيباك” وحدها. كانت أغلى انتخابات تمهيديّة لمجلس الشيوخ في التاريخ الأميركيّ، خسر المال، وربح ابن المهاجر المصري.
قبل ذلك بثمانية أشهر، أدّى بيرني ساندرز اليمين الدستوريّة لزهران ممداني عمدةً لنيويورك. صوّت 2,218,647 ناخباً في تلك الانتخابات، بارتفاع 84 في المئة عن 2021. المدينة لم تشهد مليوني ناخب منذ 1969. وفي دورة 2026 حتى الآن، خسر سبعة نوّاب حاليّين انتخاباتهم التمهيديّة. وتشاك شومر، زعيم الديمقراطيّين في مجلس الشيوخ، أجّل جولته الترويجيّة لكتابه تحت وطأة الاحتجاجات. وتواجه قيادة الحزب تحديات متزايدة مع جمهورها الذي نجح في استبدال مسؤولين تقليديين كثر على مختلف المستويات.
هذه ليست انتصارات متفرّقة، إنها نمط.
البنية التي جعلته ممكناً
الفارق بين تمرّد ينجح وتمرّد ينطفئ هو البنية، لا الغضب. الغضب كان موجوداً عام 2011 أيضاً. “احتلّوا وول ستريت” ملأت الساحات وانصرفت، والـ”تي بارتي” ملأت الاستمارات وترشّحت. هذا كلّ الفرق.
منذ 2017، شغّل التقدّميّون آلة ترشيح محليّة تعمل تحت الرادار. منظّمة “رن فور سمثينغ” (Run for Something) وحدها أوصلت أكثر من 1,600 مرشّح إلى مناصب محليّة وولاياتية، وتملك اليوم قاعدة بيانات فيها ربع مليون شخص أبدوا استعداداً للترشّح، وانتُخب خمسة من خرّيجيها إلى الكونغرس.
في الوقت نفسه، تضاعفت عضويّة “الاشتراكيّين الديمقراطيّين في أميركا” من 50,713 عضواً في تشرين الأول/ أكتوبر 2024 إلى أكثر من 120 ألفاً في تموز/ يوليو 2026. أكبر تنظيم اشتراكيّ في تاريخ الولايات المتّحدة، متجاوزاً الحزب الاشتراكيّ في ذروته عام 1912. وبحسب استطلاع للرأي أجرته سي إن إن، يعتبر 34 في المئة من الديمقراطيين أنفسهم اشتراكيّين ديمقراطيّين.
أين ينكسر القياس
هنا يتوقّف التشابه، ويبدأ ما هو أهمّ منه. الـ”تي بارتي” مُوّلت من فوق، إذ ضخّت شبكة الأخوين كوك، ومنظّمات مثل “أميركيّون من أجل الازدهار”، مالاً وبنية تنظيميّة في حركة بدت عفويّة. التمرّد الديمقراطيّ اليوم مموَّل من تبرّعات صغيرة، ويواجه كبار المتمولين بدل أن يستند إليهم. هذا يجعله أبطأ، لكن أصعب على الشراء.
نزلت الـ”تي بارتي” من الكونغرس. بدأت من واشنطن واتّجهت إلى الولايات. هذا التمرّد صعد من مجالس المدن والولايات. عشر سنوات من العمل البلديّ الممل قبل أن يظهر في العناوين.
نادت الـ”تي بارتي” بالنفي لتصغير الحكومة. أوقفوا الإنفاق، أوقفوا الرعاية الصحيّة، أوقفوا الضرائب. مطلب سلبيّ، وتحقيقه لا يحتاج إلا إلى التعطيل. أمّا هذا التمرّد فمطلبه إيجابيّ: جمّدوا الإيجارات، شغّلوا الباصات مجّاناً، وفّروا رعاية للأطفال، ارفعوا الضرائب على الأغنياء والشركات الكبرى. وهذا يحتاج إلى إدارة، لا إلى تعطيل.
الفارق الأخير هو الأخطر. نجحت الـ”تي بارتي” في شلّ الحكم، ولم تُختبر يوماً في إدارته. أمّا اليسار الأميركيّ فيَعِد بأداء حكوميّ ملموس، وسيُحاسَب عليه خلال أشهر. العين على ممداني وقدرته على تنفيذ وعوده في أكبر مدينة أميركيّة. حتى الآن، بعد مئة يوم يملك ممداني سجلاً إيجابياً (هذا موقع يتابع وعود ممداني وتطبيقها).
الجذر المشترك
التمرّدان صادران عن الجرح نفسه، في 1981، كان الحدّ الأعلى لضريبة الدخل الأميركيّة 70 في المئة. في 1989 صار 28. رافقت ذلك سياسات أضعفت النقابات، وفكّكت الرقابة على الاحتكار، وقلّصت التقديمات الاجتماعيّة. النتيجة التراكميّة: تراجع حجم الطبقة الوسطى من 61 في المئة من المجتمع الأميركيّ عام 1971 إلى 50 في المئة عام 2021، وارتفاع الفوارق الطبقية. هذا ما أنتجته سياسات الرئيس رونالد ريغان الاقتصادية، والتي لا تزال أميركا تعيش تداعياتها.
ثمّ جاء انهيار 2008، فذهب الإنقاذ إلى المصارف لا إلى من فقدوا منازلهم. من هذه اللحظة تحديداً خرج تيّاران متعاديان: الـ”تي بارتي” من اليمين، و”احتلّوا وول ستريت” من اليسار. الأوّل استولى على حزبه، والثاني تبخّر. أو على الأقل هذا ما ظهر.
وحين صوّت الأميركيّون لدونالد ترامب عام 2016 ومجدداً في عام 2024، صوّتوا لأسباب كثيرة، بينها اليمين المسيحيّ العنصريّ ورافضو العلوم والنازيّون الجدد. لكن أحد أهمّ أسبابه كان شعور جيل كامل بأنه خسر فرصته الاقتصاديّة وصار على الهامش. جيل شعر بأن الليبرالية الغربية نكثت بوعدها له.
وعدت الليبرالية الناس بأن العمل والدراسة ينتجان ارتقاءً اجتماعياً واقتصادياً. وعدت الأهل بأن أولادهم سيعيشون حياةً أفضل. وإذ، وُجد خريجو الدراسات العليا في الجامعات الأميركية غير قادرين على شراء استديو أو منزل بغرفة نوم واحدة، فيما اشترى أهلهم الذين عملوا في المصانع منزلاً من غرف نومٍ عدة قبل أن يبلغوا الثلاثين.
لكنّ الوعد لم يُكسر على الجميع بالطريقة نفسها.
الطريق الذي أوصل الأب إلى منزله، أي المصنع، أُقفل أمام ابنه. والطريق البديل، أي الجامعة، سلكته ابنته أكثر منه بكثير. في عام 1995، كان احتمال حصول الشابّ والشابّة على شهادة جامعيّة أوّليّة متساوياً تقريباً. اليوم تتقدّم النساء على الرجال بعشر نقاط مئويّة في الفئة العمريّة نفسها.
هكذا صار الأخ والأخت، في البيت نفسه ومن الطبقة نفسها، يعيشان الأزمة ذاتها من موقعين مختلفين. هي تصعد ببطء في مسار فُتح لها حديثاً، وهو يقف أمام مسار أُقفل، ولم يُفتح له بديل. الأزمة واحدة لكن التجربة ليست واحدة، ومن تجربتين مختلفتين خرج جوابان سياسيّان متعاكسان.
سجّل صندوق الانتخابات ذلك بوضوح عام 2024. صوّتت الشابّات لكامالا هاريس بفارق 18 نقطة، وصوّت الشبّان لترامب بفارق 14. اثنتان وثلاثون نقطة تفصل بين شابّ وشابّة في العمر نفسه والمدينة نفسها، وغالباً في البيت نفسه. وهي أوسع فجوة جندريّة بين كلّ الفئات العمريّة، وأوسع ما سُجّل في هذه الفئة منذ بدأ قياسه.
وحتى الحضور إلى الصندوق انقسم على الأساس نفسه: صوّتت نصف الشابّات تقريباً، مقابل أربعة من كلّ عشرة شبّان. الفارق يبدأ قبل مضمون التصويت، عند قرار المشاركة أصلاً.
الأزمة الاقتصاديّة لم تعد تُنتج إجابة سياسيّة واحدة. صارت تُنتج جوابين متعاكسين، يتحدّدان بالجنس بمقدار ما يتحدّدان بالدخل أو التعليم أو المدينة. وهذا أخطر ما في المشهد الأميركيّ اليوم، ولا يملك أيّ من الحزبين إجابة عنه.
ترامب لم يفِ بوعوده الاقتصاديّة. الرسوم الجمركيّة رفعت الأسعار، وتأييد أدائه الاقتصاديّ هبط إلى 32 في المئة، وسبعة من كلّ عشرة أميركيّين يصفون اقتصاد بلادهم بالسيّئ. فانصرف إلى سياسات هويّاتيّة كان قد اتّهم الديمقراطيّين بممارستها، وبدأ يؤسّس لنظام انتخابيّ غير ليبراليّ.
الخلاصة قاسية وبسيطة: الغضب الاقتصاديّ لا يملك عنواناً سياسيّاً ثابتاً. ذهب إلى ترامب عام 2016، وعاد إليه عام 2024، وذهب إلى ممداني عام 2025. يأخذه من يقدّم له الإجابة الأوضح، لا من يقدّم له الإجابة الأصحّ.
الأطروحة
الحزب الديمقراطيّ يعيش تمرّداً قاعديّاً على قيادته، شبيهاً في آليّته بما فعلته “حفلة الشاي” بالحزب الجمهوريّ، ومختلفاً عنه في مصدر تمويله واتّجاه صعوده وطبيعة مطالبه.
لكنّ هذا التمرّد لا يعني أن التقدّميين سيسيطرون على الحزب، ولا أنهم سيحكمون الولايات المتّحدة. إنه يعني أن نافذة فُتحت للمرّة الأولى منذ ريغان، وأن قواعد اللعبة صارت قابلة للتغيير. الفارق بين فتح النافذة والعبور منها هو موضوع هذه السلسلة.
وثلاثة اختبارات ستحسم أيّهما يقع، ولا يُحسم أيّ منها في مقال:
الأوّل، تشرين الثاني/ نوفمبر 2026. الديمقراطيّون متقدّمون بين ستّ وإحدى عشرة نقطة في التصويت العامّ، وتأييد ترامب عند 38 في المئة. الأرجح أنهم سيربحون. والأرجح أيضاً أن هذا الربح تحديداً هو ما سيؤجّل حساب الحزب مع نفسه.
الثاني، عبد السيّد أمام مايك روجرز. الفوز بتمهيديّات ولاية متأرجحة نصف الاختبار. وإذا خسر في الانتخابات العامّة، ستصير خسارته حجّة المؤسّسة الحزبيّة لعشر سنوات مقبلة.
الثالث، سنة ممداني الأولى في نيويورك. وهو أصعبها. وعوده تحتاج الى موافقة أولباني قبل موافقة ناخبيه. الفشل هناك يُطفئ الموجة كلّها، مهما ربح آخرون في أمكنة أخرى.
الجزء الأوّل — اللحظة
“خسر ديترويت وربح ميشيغان”
أو “ستّون مليوناً لم تكفِ”
مساء الرابع من آب/ أغسطس 2026، في ميشيغان، تقدّم عبد السيّد على هايلي ستيڤنز بنقطة مئويّة واحدة، 49 في المئة مقابل 47.
كان الحزب كلّه خلف ستيڤنز، وأيضاً لجنة الحملات الانتخابيّة لمجلس الشيوخ، والمال كذلك. أُنفق ضدّ خصمها أكثر من ستّين مليون دولار، معظمها من مجموعات مؤيّدة لإسرائيل، منها نحو ثلاثين مليوناً من “أيباك” وحدها. كانت أغلى انتخابات تمهيديّة لمجلس الشيوخ في التاريخ الأميركيّ. السيد اعتمد على رفع نسب المشاركة، وهو تكتيك يستخدمه التقدميون. وخسرت.
أوّلاً، المفارقة
عبدالرحمن السيّد (عبدول) ابن ديترويت. طبيب صحّة عامّة، شغل منصب مدير دائرة الصحّة في المدينة، وهو من أصل مصريّ، ومسلم، ويمثّل الوجه الأبرز للجالية العربيّة والمسلمة في ولاية تضمّ واحدة من أكبر تجمّعاتها في البلاد. وقد خسر ديترويت. نالت ستيڤنز أكثر من 60 في المئة من أصوات المدينة. هذه ليست تفصيلاً هامشيّاً، بل مفتاح قراءة النتيجة كلّها. لو كان فوزه فوزاً هويّاتيّاً، لبدأ من هناك. لكنّه بدأ من مكان آخر تماماً.
تقدّم في مقاطعة واشتناو، حيث آن أربر والجامعة. وفي مقاطعة كِنت، أي غراند رابيدز، وهي منطقة كانت جمهوريّة تقليديّاً. وفي مقاطعة ماكومب، معقل “الديمقراطيّين الريغنيّين” الذي يُستشهد به منذ الثمانينات كلّما أُريد شرح انصراف العمّال البيض عن الحزب. وتقدّم بفارق ضئيل في ميشيغن الريفيّة. وخسر أوكلاند ووِين وساغينو وجينيسي. الخريطة إذاً ليست خريطة هويّة. إنها خريطة كلفة معيشة.
ثانياً، من صوّت ومتى؟
أكثر من مليونين ونصف المليون ناخب شاركوا في تمهيديّات ميشيغان، صوّت نحو نصفهم في سباق مجلس الشيوخ. الرقم تجاوز بسهولة المليون ومئتي ألف الذين شاركوا في التمهيديّات الرئاسيّة الديمقراطيّة عام 2016.
الأهمّ من العدد هو توقيته. في مقاطعات ديترويت الثلاث الكبرى، ذهب 59 في المئة ممّن صوّتوا يوم الاقتراع نفسه إلى عبد السيّد، مقابل 37.9 في المئة لستيڤنز. فارق يقارب الـ56 ألف صوت. أمّا الاقتراع المبكر والبريديّ، حيث تعمل ماكينات الحزب التقليديّة منذ أسابيع، فذهب إلى ستيڤنز. بعبارة أخرى: الجهاز الحزبيّ ربح من ينظّمهم مسبقاً، وخصمه ربح من قرّروا الذهاب. هذا الفارق بين التصويت المنظَّم والتصويت المندفع هو تعريف موجة، لا تعريف حملة. هذا لا ينتقص من تنظيم حملة السيد، لكنه يُشير إلى مدى الانزعاج الشعبي من تدخّل أيباك في الانتخابات، إذ تحول الموقف المعادي لها من جهة والخطاب المعادي للمسلمين من جهة أخرى عنوان الأيام الأخيرة التي سبقت يوم الانتخاب.
ثالثاً، لم تكن ميشيغان استثناء
حتى الثامن من آب/ أغسطس، خسر عشر نوّاب حاليّين في مجلس النوّاب انتخاباتهم التمهيديّة: سبعة ديمقراطيّين وثلاثة جمهوريّين. هذه أعلى نسبة سقوط للنافذين خارج سنوات إعادة رسم الدوائر منذ 1970. أربعة من السبعة الديمقراطيّين سقطوا أمام متحدّين من يسارهم:
شري ثانيدار في ميشيغان، أمام النائب في مجلس الولاية دوناڤان مكيني، وهو أوّل من تبنّته “جاستس ديموكراتس” في هذه الدورة. أدريانو إسبايات في نيويورك. دان غولدمان في نيويورك، أمام براد لاندر، المراقب الماليّ السابق للمدينة. ديانا ديغيت في كولورادو، بعد ثلاثين عاماً في الكونغرس.
يجب قول ما لا يُقال عادةً في هذه السياقات: ليست كلّ الخسائر أيديولوجيّة. الخريطة الانتخابيّة تغيّرت في تكساس، والنائبان آل غرين وجولي جونسون سقطا في ظروف مختلفة. والعمر عامل، والتمويل من الشركات عامل، والولاء الحزبيّ عامل. لكنّ أربع خسائر متتالية أمام متحدّين من اليسار، في أربع ولايات مختلفة، تسمح لنا بالقول إن ما يحدث هو أقرب الى النمط منه الى المصادفة.
وفي ولاية فلوريدا، حيث يسيطر الجمهوريون على منصب الحاكم وعضوي مجلس الشيوخ منذ العام 1998، فازت عضو مجلس نواب الولاية، التقدمية أنجي نيكسون في انتخابات الحزب الديمقراطي التمهيدية، أمام كولونيل متقاعد ومسؤول أمن قومي سابق أليكس ڤيدمان، إذ حصلت على 56 في المئة من الأصوات. ڤيدمان جمع ما يزيد عن 16 مليون دولار فيما جمعت نيكسون نحو مليون دولار فقط ولم تشترِ أي دعاية تلفزيونية، وركّزت على العمل الميداني والسوشيال ميديا. أمام نيكسون طريق طويل لتخوض معركة متقاربة، ولو فازت، فإنها ستكون قد حققت المستحيل سياسياً.
رابعاً، ماين: حين ينهار مرشّح الحزب قبل أن تبدأ المعركة
في آب/ أغسطس 2025، أعلن غراهام بلاتنر ترشّحه لمجلس الشيوخ عن ولاية ماين. رجل في الحادية والأربعين، مزارع محار في بلدة سوليڤان، وجنديّ سابق في مشاة البحريّة والحرس الوطنيّ، خدم أربع جولات قتاليّة في العراق وأفغانستان، وخرج منها معارضاً للحرب.
إقرأوا أيضاً:
في الجهة المقابلة كانت جانيت ميلز، حاكمة الولاية، وأبرز من جنّده تشاك شومر لهذه الدورة. شكّلت حملتها لجنة جمع تبرّعات مشتركة مع لجنة الحملات الانتخابيّة الديمقراطيّة لمجلس الشيوخ. أي أن الحزب لم يدعمها فحسب، بل موّلها من صندوقه. يقول بلاتنر إن مسؤولين في الحزب ضغطوا عليه كي لا يترشّح، وأبلغوه أن المرشّحة اختيرت سلفاً. ما جرى بعد ذلك يستحقّ التسجيل بالتفصيل، لأنه يختصر الأطروحة كلّها:
تبنّاه بيرني ساندرز وروبن غاييغو. وتفوّق على ميلز في جمع التبرّعات بنحو مليونَي دولار. وفي شباط/ فبراير 2026، أظهر استطلاع لجامعة نيوهامبشير أنه يتقدّم عليها في التمهيديّات، ويتقدّم على سوزان كولينز في الانتخابات العامّة. ثم انسحبت الحاكمة من السباق فعليّاً قبل موعده. وفي التاسع من حزيران/ يونيو 2026، جاءت النتيجة: 72 في المئة لبلاتنر، و19 في المئة لميلز، وثمانية لديڤيد كوستيلو. نتيجة غير اعتيادية بين حاكمة ولاية ومرشّح مغمور. هي هزيمة كبرى للقوى التي وقفت خلف الحاكمة.
ويجب أن يُضاف إليها أن الرجل خاض حملته وسط فضائح متلاحقة: وشم على صدره يشبه شعار وحدات “إس إس” النازيّة، قال إنه رسمه في رحلة سُكر إلى كرواتيا أيّام خدمته العسكريّة ولم يكن يعرف دلالته، ثم غطّاه لاحقاً برسم آخر. ومنشورات قديمة له على “ريديت” استُخرجت من الأرشيف. وقف ساندرز إلى جانبه، وبقيت الأرقام على حالها. مرشّح بهذه الملفّات يفوز بـ 72 في المئة على حاكمة ولاية مدعومة من قيادة حزبها. لا يمكن قراءة هذا بوصفه تفضيلاً لبرنامج على برنامج. إنه رفض للجهة التي رشّحت.
بعد ستّة أسابيع من فوزه، انهار بلاتنر. خرجت اتّهامات باعتداء جنسيّ نفاها، وتبعتها اتّهامات أخرى تتعلّق بسلوكه الشخصيّ. وفي الرابع والعشرين من تمّوز/ يوليو 2026، وجّه كتاباً إلى وزارة خارجيّة الولاية يعلن فيه انسحابه، ونشره على حسابه. هنا كان يُفترض أن تنتهي القصّة، وأن تعود المؤسّسة الحزبيّة إلى موقعها. لم يحدث ذلك.
اضطرّ الديمقراطيّون في ماين إلى ابتكار آليّة لم تُستخدم من قبل: اجتمع أكثر من ستّمئة مندوب من أنحاء الولاية في مدينة بانغور، لاختيار مرشّح بديل. وفي صباح الخامس والعشرين من تمّوز/ يوليو، اختاروا تروي جاكسون. وجاكسون ليس عودةً إلى الوسط. رئيس سابق لمجلس شيوخ الولاية، ونائب فيها بين 2002 و2024، وحطّاب من شمال ماين، ومن أبرز الأصوات العمّاليّة والتقدّميّة في الولاية. أي أن القاعدة، حين سقط مرشّحها، لم ترجع إلى جانيت ميلز بل اختارت تقدّميّاً آخر.
يُقال عادةً إن القاعدة ترشّح من يمثّلها ويخسر، لا من يفوز. وفي ميشيغن ثمّة ما يدعم هذا القول. في ماين، العكس تماماً. استطلاع جامعة نيوهامبشير في 21 تمّوز/ يوليو: جاكسون 49 في المئة مقابل 46 لكولينز. استطلاع “فوكس نيوز” بين 6 و10 آب/ أغسطس: جاكسون 48 مقابل 46. واستطلاع “هارت ريسيرتش”: جاكسون 49 مقابل 45.
ثلاث استطلاعات، وفارق ضمن هامش الخطأ في كلّ منها. لكنّ الاتّجاه واحد: مرشّح تقدّميّ متقدّم على سوزان كولينز، التي تشغل المقعد منذ 1997 وتُعتبر من أكثر الجمهوريّين قدرةً على النجاة في ولاية زرقاء.
الخلاصة من ماين أن التحوّل ليس مرتبطاً بشخص. بلاتنر لم يكن الظاهرة، بل عَرَضاً من أعراضها. حين سقط، لم تسقط معه. أنتجت القاعدة بديلاً من الخانة نفسها، خلال يوم واحد، عبر آليّة اخترعتها لهذا الغرض.
هذا هو الفارق بين حملة ناجحة وتحوّل بنيويّ.
خامساً، تكساس: ثمرة عشر سنوات من الزرع
الحالة الثانية هي الأهمّ، لأنها تكشف من أين يأتي هؤلاء أصلاً. في الثالث من آذار/ مارس 2026، فاز جيمس تالاريكو بالترشيح الديمقراطيّ لمجلس الشيوخ عن تكساس، بنسبة 53.1 في المئة مقابل 45.6 لجاسمين كروكيت. وسيواجه الجمهوريّ كين باكستون في تشرين الثاني/ نوفمبر.
تالاريكو في السادسة والثلاثين. مدرّس سابق في المرحلة المتوسّطة، وحفيد واعظ معمدانيّ، يحمل ماجستير دراسات لاهوتيّة من معهد أوستن اللاهوتيّ المشيخيّ، ويبني حججه التقدّميّة على نصوص إنجيليّة. بنى شهرته الوطنيّة من فيديوهات على “تيك توك” بملايين المشاهدات، ومن حلقات طويلة في بودكاستات، بينها بودكاست جو روغان.
لكنّ التفصيل الحاسم في سيرته يعود إلى ثماني سنوات خلت. ترشّح تالاريكو للمرة الأولى عام 2018، الى مقعد في برلمان ولاية تكساس، بتبنٍّ من منظّمة “رن فور سمثنغ”. هذه هي المنظّمة التي تأسّست عام 2017، غداة تنصيب ترامب الأوّل، لتقنع شبّاناً بالترشّح لمناصب محليّة لا يعرف أحد أنها موجودة. مجلس بلديّ، مجلس مدرسة، مقعد في برلمان ولاية.
بعد ثماني سنوات، صار أحد هؤلاء مرشّح الحزب الديمقراطيّ لمجلس الشيوخ عن ثاني أكبر ولاية في البلاد. ولم يكن وحده: أعلنت المنظّمة أن خمسة من خرّيجيها على الأقلّ دخلوا سباقات لمناصب أعلى خلال أسبوعين فقط. لم يهبط تالاريكو من السماء، ولا صنعته الخوارزميّة وحدها. خرج من خطّ إنتاج بُني بصبر منذ 2017، ويعمل بعيداً عن الأضواء، وهذه المرة الأولى التي تظهر فيها ثمرته على هذا المستوى.
ثمّ إن من هزمه لم يكن مرشّح المؤسّسة. كولن ألرِد، مرشّح الحزب لمجلس الشيوخ عام 2024 وخياره الطبيعيّ، كان قد انسحب في كانون الأول/ ديسمبر 2025 وعاد ليترشّح الى مقعده القديم في مجلس النوّاب. أمّا جاسمين كروكيت فنائبة تقدّميّة بارزة، وابنة الإعلام الجديد ومقاطعه الرائجة مثله. أي أن السباق دار بين جناحين من الجيل الجديد نفسه، لا بين جيل جديد ومؤسّسة. المؤسّسة كانت قد غادرت الميدان قبل أن يبدأ. وترشّح تالاريكو على شعار واحد صريح: التغيير الجيليّ.
وهذا ما يجب أن يُقال بوضوح لمن يقرأ اللحظة الأميركيّة من الخارج. الصراع ليس بين يسار ووسط بالمعنى الأيديولوجيّ المألوف. إنه بين جيل بنى لنفسه قنوات صعود خارج الحزب طوال عشر سنوات، وجيل يملك الحزب ولم ينتبه. عبد السيّد وبلاتنر وتالاريكو وممداني لا يتّفقون على برنامج واحد. تالاريكو أقلّ راديكاليّة من ممداني في الاقتصاد، ويستخدم لغة دينيّة لا يستخدمها أيّ منهم. يجمعهم أمران: إنهم جميعاً تحت الخمسين، وإن أحداً منهم لم يختره الحزب.
سادساً، الغضب لا يستهدف ترامب فقط
هنا جوهر اللحظة، وهو ما تفوّته غالبية التغطية العربيّة.
تشاك شومر، زعيم الديمقراطيّين في مجلس الشيوخ، أجّل جولته الترويجيّة لكتابه تحت وطأة الاحتجاجات. مجموعات ليبراليّة تطالبه بالتنحّي. وثمّة حديث علنيّ عن تحدّيه في انتخابات تمهيديّة.
والشكوى الأساسيّة ليست فقط أيديولوجيّة. إنها إجرائيّة: تدخّل لجنة الحملات الانتخابيّة الديمقراطيّة لمجلس الشيوخ في اختيار المرشّحين، وتفضيلها مرشّحي المؤسّسة على من تختارهم القواعد المحليّة. الاعتراض ليس على ما يقوله شومر، بل على ما يفعله بالحزب من فوق.
هذه هي نقطة التماس نفسها التي أشعلت حركة “حزب الشاي” (The Tea Party movement) في الحزب الجمهوريّ. لم تبدأ تلك الحركة بمعركة ضدّ باراك أوباما، بل بمعركة ضدّ قيادة حزبها. وكان أوّل من سقط من الجمهوريّين.
القاعدة الديمقراطيّة اليوم لا تعتبر قيادتها عاجزة فحسب بل متواطئة. وحين تصل قاعدة إلى هذا التقدير، تصير الخسارة أمام الخصم أهون عليها من الاستمرار مع من يمثّلها اسميّاً.
سابعاً، المفارقة الأكبر
يعيش الحزب الديمقراطيّ هذه القطيعة مع قاعدته في اللحظة التي يعيش فيها أفضل موقع انتخابيّ له منذ 2018.
تأييد دونالد ترامب عند 34 في المئة. تأييد أدائه الاقتصاديّ عند 32 في المئة. سبعة من كلّ عشرة أميركيّين يصفون اقتصاد بلادهم بالسيّئ أو السيّئ جدّاً. والديمقراطيّون متقدّمون في التصويت العامّ بين ستّ وإحدى عشرة نقطة. في عام 2018، بفارق مشابه، انتزع الديمقراطيّون 41 مقعداً.
المفارقة إذاً: الحزب سيربح على الأرجح في تشرين الثاني/ نوفمبر. وهذا الربح تحديداً هو ما يجعل قيادته تعتقد أنها لا تحتاج إلى تغيير شيء. القاعدة تقرأ الأمر نفسه بشكل معاكس تماماً: إذا كان الخصم بهذا الضعف، فلماذا نحتاج إلى هؤلاء؟
الفوز الكبير في انتخابات نصفيّة هو أفضل ما قد يحصل للحزب، وأسوأ ما قد يحصل لمن يريد إصلاحه.
ثامناً، ما الذي كُسر فعلاً في ميشيغان
يسهل قراءة نتيجة الرابع من آب/ أغسطس بوصفها هزيمة لـ”إيباك“. وهي كذلك جزئيّاً. لكنّ القراءة الأدقّ أقلّ إثارة وأكثر أهميّة. “إيباك” ضخّت أكثر من مئة مليون دولار في دورة 2026. لكنّها امتنعت هذه المرّة عن التبنّي العلنيّ لمرشّحيها، وانتقلت إلى الإنفاق عبر لجان دعم مؤقّتة ولجان واجهة، لأن اسمها صار عبئاً على من تدعمه. بل إن مرشّحين ديمقراطيّين باتوا يستخدمون تدخّلها ضدّهم مادّةً لجمع التبرّعات. هذا ليس انسحاباً، إنه تكيّف. ومن يعلن انتصاراً هنا يسبق الوقائع.
ما كُسر فعلاً هو الردع. لعقود، كان مجرّد التلويح بإنفاق ضخم ضدّ مرشّح كافياً لضبط سلوكه قبل أن يبدأ. في ميشيغن، أُنفقت ستّون مليوناً ولم تكفِ. الرسالة التي وصلت إلى كلّ مرشّح ديمقراطيّ في البلاد ليست أن المال انتهى، بل أن المال صار قابلاً للخسارة. وهذا وحده يغيّر حسابات مئات المرشّحين.
وأخيراً
قبل ثمانية أشهر من ليلة ميشيغان، أدّى بيرني ساندرز اليمين الدستوريّة لزهران ممداني عمدةً لنيويورك، في محطّة مترو تاريخيّة، بعد منتصف ليل رأس السنة. صوّت في تلك الانتخابات 2,218,647 ناخباً، بارتفاع 84 في المئة عن 2021. المدينة لم تشهد مليوني ناخب منذ 1969.
بين نيويورك في تشرين الثاني/ نوفمبر وميشيغان في آب/ أغسطس، ثمّة خيط واحد: في الحالتين، خسر جهاز الحزب سيطرته على تحديد من يمثّله. لكنّ الفارق بين المدينتين هو ما ستُقاس عليه السنوات المقبلة. ممداني يحكم الآن، ويُحاسَب على وعوده. أمّا عبد السيّد فأمامه اختباره الحقيقيّ في تشرين الثاني/ نوفمبر، أمام الجمهوريّ مايك روجرز، في ولاية متأرجحة.
الفوز في التمهيديّات يعني أن القاعدة استعادت حزبها. الفوز في تشرين الثاني/ نوفمبر وحده يعني أنها تستطيع أن تفعل به شيئاً. وإذا خسر عبد السيّد في الانتخابات العامّة، ستصير خسارته الحجّة التي تستخدمها المؤسّسة الحزبيّة في وجه قاعدتها للسنوات العشر المقبلة.
إقرأوا أيضاً:











