قبيل بدء سريان وقف إطلاق النار بين إسرائيل و”حزب الله” ليل الخميس الجمعة، نفّذ الجيش الإسرائيلي، كما كان متوقعاً تماماً، مجموعة من الغارات في مناطق مختلفة، منها ما استهدف مدينة صور.
الخبر لم ينتشر كثيراً في زحمة الأمل بوقف إطلاق النار ربما، ومع جنون إطلاق الرصاص والقذائف في سماء الضاحية وبيروت، في “فرح” متوحّش بوقف إطلاق نار، ما كنّا بحاجة إليه، لولا المبادرة إلى الصواريخ الستّة الغبيّة.
وصلني صباح الجمعة خبر فقدان الدكتورة مهى أبو خليل.
للمرّة الأولى منذ زمن طويل، ألم بعيد عن أيّ أمل اعتصر قلبي للحظة، تراوحت التوقّعات بين أن تكون أُسعفت إلى مستشفى ما، أو الأسوأ، أن تكون تحت الأنقاض، أنقاض ما رفضت امرأة حرّة أن تغادره، ليس، لمن يعرفها، تهوراً، بل موقف أصيل وصادق… تأكّد صباح السبت العثور على جثمانها لتُعلن “شهيدة”.
تعرّفت إلى الدكتورة مهى في جامعة القديس يوسف اليسوعية، حيث كنّا زملاء مقاعد الدراسة على الرغم من العقود الثلاثة أو الأربعة التي تفرّقنا في العمر، سيّدة لبنانية مسلمة شيعية، تعمل في مؤسّسات الإمام الصدر، تأتي من مدينة صور مرّات عدة أسبوعياً رفقة بعض زميلاتها، للالتحاق بمحاضرات الماستر في العلاقات المسيحية -الإسلامية. لباس بسيط أنيق على الدوام، معطف وحجاب، وجه صبوح مبتسم وهادئ، وعيون لامعة وذكاء وحكمة يكادان لا يخفيان روحاً مرحة، لكنّ الأهمّ، متمرّدة وحرّة على رغم أيّ صورة نمطية تخالف ذلك.
بوصلتها كانت واضحة، قد أختلف معها في بعض الآراء السياسية هنا أو هناك، ربما في مقاربة “الصراع العربي- الإسرائيلي”، أدواته تحديداً، ولكنّني لا يمكن أن أنسى وقوفها الحازم بجانبي حينها، سنة 2018، في نقاشات محتدمة، شديدة الحدّة أحياناً مع بروفسور أو طالب بشأن نظام الأسد، لتقول مرّة: “مهما يكن موقفنا من أمور كثيرة، لا يمكن الدفاع عن نظام بشّار أو والده”.

بعد تردّد ما، تجرّأت مرّة وأريتها صورة لها بالأبيض والأسود في اليونان، سنة 1970، عقب مشاركتها مع “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”، في خطف طائرة! الخطف الذي كان وقتها شائعاً بشكل ما في سبيل الضغط وتحقيق مطالب الكفاح الفلسطيني، وكأنّها كانت صورة لشابّة أخرى، لا تشبه من كانت عليه وقتها زميلة لي في الجامعة. لم تغضب حين رأت الصورة، لمعت عيناها لوهلة، ولاحت بوادر ابتسامة على شفتيها، لكنّها قالت بوضوح إن ذلك الزمان قد مضى.
إقرأوا أيضاً:
كان مثيراً لاهتمامي حينها فهم التحوّل من مناضلة شديدة الجرأة والشجاعة؛ أمر يقارب الجنون أن تخطف طائرة بلباس عصري “متحرّر”، من اليسار، إلى مناضلة عنيدة وثابتة أيضاً، بلباس متديّن محافظ، ليس بأيّ حال قريب إلى ذاك اليسار، وأدركت بعد بعض البحث أن هذا التحوّل لم يكن غريباً على المجتمعات الشيعية اللبنانية، بخاصّة في الجنوب، وإن شكّلت زميلتي اللطيفة مثالاً قد يكون الأقوى عليه.

شخصياً، لا أميل، من موقف التفكّر لا الحُكم، إلى كلَي المقاربتين، كل في سياقها وزمنها، للنضال، ولكن هناك ما أحترمه في تجربة “الجبهة الشعبية” التي قدّمت مثالاً هو برأيي أفضل من غيره للكفاح الفلسطيني، من دون الابتعاد عن ارتكاب خطايا جسيمة، وأيضاً ما أحترمه بعمق في مؤسّسات الإمام الصدر، بعيداً بعض الشيء، بالنسبة إلي، عن كامل حالة الإمام الصدر ذاته، وطبعاً عن حركة “أمل” بصيغة ما بعد الصدر التي نكاد جميعاً نعرف أين أصبحت، هو احترام لعمل مؤسّسات الإمام الصدر بسبب دور سيّدات كزميلتي مهى وكثيرات من رفيقاتها، والصدق في التوجّه نحو الآخر بانفتاح حقيقي مبنيّ على أسس إيمانية يخلصن لها، مترافقاً مع سلوك هادئ وحضاري ورزين.
طلبت منها بعد سنوات أن تكون ضيفة فيديو أُنتجه في إطار عملي للحديث عن الالتزام الديني، وأنه لا يعني أن أكون منغلقاً تجاه الآخر، بناء على التفسيرات الإيجابية للنصوص الدينية. لم تخيّب أملي في الموافقة، وبالتأكيد في مضمون ما قالته في ذلك الفيديو القصير، ما كانت تؤمن به وتعيشه ببساطة: “الوقوف مع المظلوم والدفاع عن الحقّ هو جزء أساسي من الالتزام الديني”.
بالنسبة إلي، شكّلت مهى مثالاً عن المؤمن الذي لا يجعل منه إيمانه متعصباً منغلقاً كارهاً للآخر، ونموذجاً للمؤمن بقضيّة على نحو أختلف معه، ولكن من دون أن يفرّقنا هذا الاختلاف. نطمئنّ إلى القيم التي يؤمن بها كل منّا من دون أن نتفّق بالضرورة على المقاربات والأدوات، وبهذا المعنى، أظنّ أن قيم زميلتي في “كفاح” “الجبهة الشعبية” لم تختلف عن قيمها في مؤسّسات الإمام الصدر، وإن كان مفهوماً أن كثيرين منّا يرون في إضفاء بُعد ديني و/أو طائفي على قضيّة إنسانية وطنية محقّة كقضيّة فلسطين وجنوب لبنان، مقتلاً لها، فإن من المفهوم بالمقابل أن ما يحصل بنا وبالإنسان من حولنا، قد يصعب على كثيرين احتماله من دون اللجوء إلى هذا الإيمان الماورائي الذي يعدنا بعدل ما، إن لم يكن على هذه الأرض، ففي “السماء”.
زميلتي شهيدة، التعبير “شهيد” لا يعني لي عادة. فعبارتا ضحيّة أو شهيد سيّان عندي، لكن إن كنت أرغب في استعمال هذا التعبير مرفقاً باسم أحدهم، فهو يليق بزميلتي مهى، الشهيدة، الشاهدة على القيم ذاتها سواء في يسار “الجبهة الشعبية” حيث صورة تجمعها بجورج حبش وعلى الجدار صورة لينين، أو ملتزمة بحجابها في مؤسّسات الإمام الصدر إلى جوار صورة الإمام موسى الصدر.
حُسن الذكر لها والعار لقاتليها. زميلتي التي أدّعي أنها كانت على الدوام في داخلها، محقّة وحرّة ومتمرّدة، مهما اختلف الطريق أو الزيّ أو الإيمان.
إقرأوا أيضاً:














