ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

مواجهات فجر الأحد: ماذا عن أهل الجنوب؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يبدو أن الطرف الوحيد الذي لم يكن على اطلاع مسبق بمواجهات فجر الأحد بين “حزب الله” وإسرائيل، هو سكان الجنوب فقط، على رغم أنهم معنيون بها أكثر من أي طرف آخر، إذ تبين بعد ساعتين مستعارتين من الجحيم، أن عنصر المفاجأة؛ وهو الشرط الأساسي لأية مواجهة عسكرية، لم يكن إلا من نصيبهم.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

عند الساعة الرابعة وأربعين دقيقة من فجر الأحد، استفاق سكان الجنوب على هدير مخيف يملأ السماء، ليعرفوا لاحقاً أن سرباً من 100 مقاتلة حربية إسرائيلية ينفّذ غارات جوية بلغت أربعين غارة على الأقل، مدعومة بقصف مدفعي عنيف، ثم انطلقت بعدها بدقائق قليلة من الجهة اللبنانية دفعات من صواريخ “كاتيوشا” وصل عددها إلى 340 صاروخاً باتجاه مناطق الجليل والجولان، متبوعة بعدد كبير من المسيرات.

كانت أصوات الانفجارات مرعبة إلى درجة أن الناس ظنوا أنه “وقعت الواقعة”، وأن الحرب الشاملة أو الموسعة التي ظلوا يستبعدونها طيلة الأشهر الماضية، صارت حقيقة، وأن الحزب فتح أنفاقه وعبر مقاتلوه المستعمرات الشمالية باتجاه القدس، وأن الغارات الجوية التي تشنّها المقاتلات الإسرائيلية تمهّد لعملية اجتياح بري. 

لكن سرعان ما تبين أن الوضع الأمني الذي تأزّم فجأة ومن دون سابق إنذار، كان تحت السيطرة منذ البداية، أو حتى قبل أن يبدأ، وأنه رُسم بعناية واتُّفق على خطواته بكثير من التفاهم والتنسيق وبكامل الحذر والمراعاة، بحيث انتهت العملية ضمن الحدود التي لم  تلحق الأذى بأي من الطرفين، والتي لا تستدعي بالتالي حرباً شاملة أو ردوداً أوسع، ولا تغيّر خارطة المواجهات ولا التفاهمات.

على أرض الواقع، كان الطرفان المتصارعان يؤديان فصلاً جديداً من مسرحية الردود الروتينية التي يقدمانها منذ أشهر، واستعرضا خلاله مهاراتهما في التمثيل، مع الحرص ألا يتفوّق أحدهما على الآخر.

كان المخرج الأميركي قد ضبط الأداء وحسم النتيجة قبل أن يبدأ العرض، فشاهدنا في وقت واحد أداءين احترافيين لكل من اللاعبين. فمن جهة الحزب كان الرد مقيداً، خرج قليلاً عن قواعد الاشتباك، وربما لم يخرج، لكن المهم أنه لم يُحدث أذى حقيقياً، ومن جهة إسرائيل فقد شنت هجوماً استباقياً كثيفاً، لكنه لم يطل هدفاً استراتيجياً.

بعد انتهاء العملية، أصدر “حزب الله” بياناً أعلن فيه أن “المقاومة الإسلامية” انتقمت لمقتل قائدها الجهادي فؤاد شكر، بشن هجوم استراتيجي طاول العمق الإسرائيلي إضافة إلى استهداف 11 موقعاً ضمن قواعد الاشتباك، في حين أعلنت إسرائيل أنها نفذت ضربة استباقية على أهداف لـ”حزب الله” في الجنوب والبقاع، دمرت خلالها الآلاف من منصات الصواريخ المجهزة للإطلاق باتجاه إسرائيل. 

بالتوازي مع حركة البيانات، تناقل رواد التواصل الاجتماعي صوراً لمزارع دجاج في الجليل الأعلى أصابتها صواريخ “حزب الله” إصابات مباشرة، ونشر آخرون مقاطع فيديو لمقاتلات حربية إسرائيلية تشعل الوديان والفلوات والجبال على ضفتي نهر الليطاني، من دون أن يسفر ذلك عن إصابة مقاتل واحد، ولا حتى تدمير حائط على جنب طريق، بغض النظر عن المهلّلين من الطرفين.

مساء، ذهبت التصريحات الرسمية لكلَي الطرفين باتجاه الثرثرة وتسجيل النقاط والمبالغة بما حققه كل منهما، فأطل الأمين العام للحزب ليؤكد أن المقاومة نجحت في تكريس معادلة تل أبيب مقابل الضاحية، فاستهدفت موقعين استراتيجيين قرب تل أبيب، أحدهما مركز  للموساد والآخر قاعدة جوية، وهما بحسب قوله الجهتان المسؤولتان عن اغتيال شكر. وتفاخر بالانتصار الذي حققته “المقاومة” وباختراقاتها الأمنية الدقيقة، معترفاً بأن العدو شنّ هذا الكم من الغارات بعدما استشعر حركة المقاتلين، قبل ربع ساعة من موعد العملية، وهذا ما أكدته تل أبيب أيضاً، وزعمت أن الأهداف التي دمرها سلاح الجو الإسرائيلي كانت عبارة عن سلسلة من التهديدات الخطيرة “وقمنا بإزالتها عبر ضربات استباقية”.

كما قال نصرالله إن الرد على اغتيال شكر تم وأُنجر، لكن الحساب لم يُغلق، وما شهدناه هو رد أولي بانتظار جلاء غبار المعركة، وما إذا كانت النتيجة مرضية وإلا فسيكون هناك رد آخر. في حين قال الناطق العسكري الإسرائيلي إن الجيش يعد خططاً هجومية على جبهة الشمال وهي بانتظار القرار السياسي.

في لغة أهل الجنوب، لا يعني هذا سوى أن جنوبهم سيظل مسرحاً مفتوحاً لحرب طويلة الأمد، وأن سكان مناطق جنوب النهر سيظلون نازحين مشردين إلى أجل غير معروف، بينما سيكمل سكان مناطق شمال النهر حياتهم ومعاشهم في الوقت المستقطع بين رد ورد مضاد، ويعني أن حرب الإسناد مستمرة على رغم أنها أثبتت عدم جدواها، وأنها عملياً لم تعد مرتبطة بحرب الإبادة في غزة، بل بالمفاوض الإيراني الذي يبحث عن انتصار في المحادثات التي تُجرى في العواصم العربية حول غزة من جهة، ومن جهة أخرى بتطبيق القرار 1701، الذي تضعه إسرائيل كشرط أولي لإنهاء الحرب في المحادثات ذاتها، وفي الرسائل التي يحملها المبعوثون الدوليون إلى لبنان. 

ملاحظة: هناك جهة أخرى تفاجأت بمواجهات فجر الأحد مثل سكان الجنوب، وكانت آخر من يعلم، هي الدولة اللبنانية، فماذا كانت ردة فعلها؟ بعد انتشار الخبر ونجاح عنصر المفاجأة في لعب لعبته، دعا رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الوزراء إلى اجتماع في منزله، لتقييم الوضع والتقاط الصور التذكارية، وانتهى الاجتماع بإعلان الحداد على الرئيس الراحل سليم الحص.

إقرأوا أيضاً:

27.08.2024
زمن القراءة: 4 minutes

يبدو أن الطرف الوحيد الذي لم يكن على اطلاع مسبق بمواجهات فجر الأحد بين “حزب الله” وإسرائيل، هو سكان الجنوب فقط، على رغم أنهم معنيون بها أكثر من أي طرف آخر، إذ تبين بعد ساعتين مستعارتين من الجحيم، أن عنصر المفاجأة؛ وهو الشرط الأساسي لأية مواجهة عسكرية، لم يكن إلا من نصيبهم.

عند الساعة الرابعة وأربعين دقيقة من فجر الأحد، استفاق سكان الجنوب على هدير مخيف يملأ السماء، ليعرفوا لاحقاً أن سرباً من 100 مقاتلة حربية إسرائيلية ينفّذ غارات جوية بلغت أربعين غارة على الأقل، مدعومة بقصف مدفعي عنيف، ثم انطلقت بعدها بدقائق قليلة من الجهة اللبنانية دفعات من صواريخ “كاتيوشا” وصل عددها إلى 340 صاروخاً باتجاه مناطق الجليل والجولان، متبوعة بعدد كبير من المسيرات.

كانت أصوات الانفجارات مرعبة إلى درجة أن الناس ظنوا أنه “وقعت الواقعة”، وأن الحرب الشاملة أو الموسعة التي ظلوا يستبعدونها طيلة الأشهر الماضية، صارت حقيقة، وأن الحزب فتح أنفاقه وعبر مقاتلوه المستعمرات الشمالية باتجاه القدس، وأن الغارات الجوية التي تشنّها المقاتلات الإسرائيلية تمهّد لعملية اجتياح بري. 

لكن سرعان ما تبين أن الوضع الأمني الذي تأزّم فجأة ومن دون سابق إنذار، كان تحت السيطرة منذ البداية، أو حتى قبل أن يبدأ، وأنه رُسم بعناية واتُّفق على خطواته بكثير من التفاهم والتنسيق وبكامل الحذر والمراعاة، بحيث انتهت العملية ضمن الحدود التي لم  تلحق الأذى بأي من الطرفين، والتي لا تستدعي بالتالي حرباً شاملة أو ردوداً أوسع، ولا تغيّر خارطة المواجهات ولا التفاهمات.

على أرض الواقع، كان الطرفان المتصارعان يؤديان فصلاً جديداً من مسرحية الردود الروتينية التي يقدمانها منذ أشهر، واستعرضا خلاله مهاراتهما في التمثيل، مع الحرص ألا يتفوّق أحدهما على الآخر.

كان المخرج الأميركي قد ضبط الأداء وحسم النتيجة قبل أن يبدأ العرض، فشاهدنا في وقت واحد أداءين احترافيين لكل من اللاعبين. فمن جهة الحزب كان الرد مقيداً، خرج قليلاً عن قواعد الاشتباك، وربما لم يخرج، لكن المهم أنه لم يُحدث أذى حقيقياً، ومن جهة إسرائيل فقد شنت هجوماً استباقياً كثيفاً، لكنه لم يطل هدفاً استراتيجياً.

بعد انتهاء العملية، أصدر “حزب الله” بياناً أعلن فيه أن “المقاومة الإسلامية” انتقمت لمقتل قائدها الجهادي فؤاد شكر، بشن هجوم استراتيجي طاول العمق الإسرائيلي إضافة إلى استهداف 11 موقعاً ضمن قواعد الاشتباك، في حين أعلنت إسرائيل أنها نفذت ضربة استباقية على أهداف لـ”حزب الله” في الجنوب والبقاع، دمرت خلالها الآلاف من منصات الصواريخ المجهزة للإطلاق باتجاه إسرائيل. 

بالتوازي مع حركة البيانات، تناقل رواد التواصل الاجتماعي صوراً لمزارع دجاج في الجليل الأعلى أصابتها صواريخ “حزب الله” إصابات مباشرة، ونشر آخرون مقاطع فيديو لمقاتلات حربية إسرائيلية تشعل الوديان والفلوات والجبال على ضفتي نهر الليطاني، من دون أن يسفر ذلك عن إصابة مقاتل واحد، ولا حتى تدمير حائط على جنب طريق، بغض النظر عن المهلّلين من الطرفين.

مساء، ذهبت التصريحات الرسمية لكلَي الطرفين باتجاه الثرثرة وتسجيل النقاط والمبالغة بما حققه كل منهما، فأطل الأمين العام للحزب ليؤكد أن المقاومة نجحت في تكريس معادلة تل أبيب مقابل الضاحية، فاستهدفت موقعين استراتيجيين قرب تل أبيب، أحدهما مركز  للموساد والآخر قاعدة جوية، وهما بحسب قوله الجهتان المسؤولتان عن اغتيال شكر. وتفاخر بالانتصار الذي حققته “المقاومة” وباختراقاتها الأمنية الدقيقة، معترفاً بأن العدو شنّ هذا الكم من الغارات بعدما استشعر حركة المقاتلين، قبل ربع ساعة من موعد العملية، وهذا ما أكدته تل أبيب أيضاً، وزعمت أن الأهداف التي دمرها سلاح الجو الإسرائيلي كانت عبارة عن سلسلة من التهديدات الخطيرة “وقمنا بإزالتها عبر ضربات استباقية”.

كما قال نصرالله إن الرد على اغتيال شكر تم وأُنجر، لكن الحساب لم يُغلق، وما شهدناه هو رد أولي بانتظار جلاء غبار المعركة، وما إذا كانت النتيجة مرضية وإلا فسيكون هناك رد آخر. في حين قال الناطق العسكري الإسرائيلي إن الجيش يعد خططاً هجومية على جبهة الشمال وهي بانتظار القرار السياسي.

في لغة أهل الجنوب، لا يعني هذا سوى أن جنوبهم سيظل مسرحاً مفتوحاً لحرب طويلة الأمد، وأن سكان مناطق جنوب النهر سيظلون نازحين مشردين إلى أجل غير معروف، بينما سيكمل سكان مناطق شمال النهر حياتهم ومعاشهم في الوقت المستقطع بين رد ورد مضاد، ويعني أن حرب الإسناد مستمرة على رغم أنها أثبتت عدم جدواها، وأنها عملياً لم تعد مرتبطة بحرب الإبادة في غزة، بل بالمفاوض الإيراني الذي يبحث عن انتصار في المحادثات التي تُجرى في العواصم العربية حول غزة من جهة، ومن جهة أخرى بتطبيق القرار 1701، الذي تضعه إسرائيل كشرط أولي لإنهاء الحرب في المحادثات ذاتها، وفي الرسائل التي يحملها المبعوثون الدوليون إلى لبنان. 

ملاحظة: هناك جهة أخرى تفاجأت بمواجهات فجر الأحد مثل سكان الجنوب، وكانت آخر من يعلم، هي الدولة اللبنانية، فماذا كانت ردة فعلها؟ بعد انتشار الخبر ونجاح عنصر المفاجأة في لعب لعبته، دعا رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الوزراء إلى اجتماع في منزله، لتقييم الوضع والتقاط الصور التذكارية، وانتهى الاجتماع بإعلان الحداد على الرئيس الراحل سليم الحص.

إقرأوا أيضاً:

27.08.2024
زمن القراءة: 4 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية