ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

 مواطنون خارج التغطية… الحرب كعادة!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

بكيت على كل حجر سقط في قريتي، بكيت على كل لحظة رعب عاشها الذين أحبّهم وعلى الطرقات وذكرياتي، لكنني في لحظة ما اعتدتُ وطبّعت مع ميزان الرعب!

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“ليل عنيف عاشته الضاحية الجنوبية لبيروت”، كل يوم أستيقظ لأبدأ يومي بتلك الجملة، لتنهال بعدها التفاصيل، التي لشدة التكرار أصبحت واحدة، الليلكي، حارة حريك، الشياح… ما الفرق؟ إنه القصف!

غارات كثيفة على قرى بقاعية وتحذيرات جديدة من أفيخاي أدرعي، لقد أصبح أفيخاي فقرة يومية غير مستحبّة في حياتنا، يحذّرنا ثم يقصفنا، ثم يخبرنا بأنه قصفنا. أما القرى البقاعية حيث أهلي وناسي وذكرياتي، فتنزف بصمت، قلّة هي الكاميرات التي تصل إلى هناك، ولا يُفهم الكثير عمّا يحدث، وهو ثمن تدفعه الأطراف طوال الوقت، حتى حين تكون هي الحدث. 

لقد بكيت على كل حجر سقط في قريتي، بكيت على كل لحظة رعب عاشها الذين أحبّهم وعلى الطرقات وذكرياتي، لكنني في لحظة ما اعتدتُ وطبّعت مع ميزان الرعب!

ربما أسوأ ما في الحرب أنها تتحوّل إلى عادة، وتصبح مجرد تكرار واجترار، وتصبح المأساة مألوفة حد التلاشي، ومشاهد الحزن والدم لكثافتها تستحيل طقوساً لا دهشة فيها ولا غضب، ولا بأس، لا بأس إنها الـMK، لا بأس إنه القصف، قد نموت في أي لحظة، لا بأس!

مع الوقت، الدماء تفقد قدراتها على هزّنا، والأشلاء الكثيرة تصبح في المنتصف جثّة واحدة، سبق أن بكينا عليها وانتهينا.

في أحد مراكز الإيواء حيث كنتُ ألتقط القصص الصحافية، كانت سيّدة تدعونا طوال الوقت لشرب “النيسكافيه”، وتشدد على الدعوة كما لو كنّا في بيتها… تسألني إن كانت تبدو جميلة أمام الكاميرا، وترجوني ألا أظهر جسمها سميناً، وتضحك كما لو أنها ستعلن عن حفلة عيد ميلادها أمام العدسة. لكنني فهمتها، فحين بدأ الجدّ، تبادلنا نظرة التعب ذاتها، هي بكت أمام الكاميرا وأنا بكيت في قلبي… الحرب عادة كاذبة!

مر أكثر من عام على 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، عام من القتال، بلى! وإن كانت حدّته تتباين بحسب المتغيرات السياسية والمشاورات الداخلية في غزة وفي لبنان.

لكن ما شعرناه يوم قتل صالح العاروري (2 كانون الثاني/ يناير 2024)، وهو قيادي في حركة “حماس”، في قلب الضاحية الجنوبية لبيروت، ليس كما ينتابنا حالياً مع كل ليلة قصف جديدة. أتذكر أنني في يوم العاروري اتصلت بكل أصدقائي تقريباً، وصوتي يكاد يسقط مني… لكنني لم أعد أفعل ذلك الآن، وهو أمر مؤلم ويوشي بأن “التروما” انتقلت إلى مرحلة أخرى، قد تكون أكثر خطورة.

لقد اعتدنا القصف! هل يتخيّل العالم معنى أن يعتاد المرء القصف؟ هل يعرف السيد آموس هوكشتين ماذا يعني أن نفقد إحساسنا حتى بالخوف؟ هل تتضمّن المفاوضات مثلاً بنداً حول “تروما” الشعوب التي تتعرّض لهذا الجنون كلّه، إسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى؟ هل يلحظ المتفاوضون الخوف ومعنى تلاشيه في منتصف ليالي الرعب الطويلة؟

لقد عشت منذ 23 أيلول/ سبتمبر 2024 حالة نفسية لم أعش مثلها في حياتي، قلت للمقرّبين بأنني أعاني من كل أعراض الاكتئاب وحذّرتهم من أنني قد أسقط في أي لحظة وقد أفقد قدرتي على التماسك. لكنني ذات يوم توقّفت نهائياً عن البكاء، فقدت الغضب، أصبحت مجرّد صحافية تقارب الأخبار والقصص بحيادٍ كثير التطرّف، أتلقّى القصف وحكاياته من دون أن تثير فيّ أي رد فعل، وكأنني خارج الخبر وخارج الحرب… وأيضاً خارج التغطية.

إنها مجرّد حرب، لا بأس!

ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية | 17.01.2026

لماذا تربكني الراحة؟

أفكر أحياناً أن جيلاً كاملاً من أبناء هذه البلاد يواجه اليوم المعضلة نفسها، جيل كبير بعدد أفراده وصغير بعدد لحظاته الآمنة، جيل محترف في الاستعداد، سيّئ في الاسترخاء، جيل تعلّم أن يدير الأزمات لكنّه لم يتعلّم كيف يعيش بين أزمة وأخرى.
09.11.2024
زمن القراءة: 3 minutes

بكيت على كل حجر سقط في قريتي، بكيت على كل لحظة رعب عاشها الذين أحبّهم وعلى الطرقات وذكرياتي، لكنني في لحظة ما اعتدتُ وطبّعت مع ميزان الرعب!

“ليل عنيف عاشته الضاحية الجنوبية لبيروت”، كل يوم أستيقظ لأبدأ يومي بتلك الجملة، لتنهال بعدها التفاصيل، التي لشدة التكرار أصبحت واحدة، الليلكي، حارة حريك، الشياح… ما الفرق؟ إنه القصف!

غارات كثيفة على قرى بقاعية وتحذيرات جديدة من أفيخاي أدرعي، لقد أصبح أفيخاي فقرة يومية غير مستحبّة في حياتنا، يحذّرنا ثم يقصفنا، ثم يخبرنا بأنه قصفنا. أما القرى البقاعية حيث أهلي وناسي وذكرياتي، فتنزف بصمت، قلّة هي الكاميرات التي تصل إلى هناك، ولا يُفهم الكثير عمّا يحدث، وهو ثمن تدفعه الأطراف طوال الوقت، حتى حين تكون هي الحدث. 

لقد بكيت على كل حجر سقط في قريتي، بكيت على كل لحظة رعب عاشها الذين أحبّهم وعلى الطرقات وذكرياتي، لكنني في لحظة ما اعتدتُ وطبّعت مع ميزان الرعب!

ربما أسوأ ما في الحرب أنها تتحوّل إلى عادة، وتصبح مجرد تكرار واجترار، وتصبح المأساة مألوفة حد التلاشي، ومشاهد الحزن والدم لكثافتها تستحيل طقوساً لا دهشة فيها ولا غضب، ولا بأس، لا بأس إنها الـMK، لا بأس إنه القصف، قد نموت في أي لحظة، لا بأس!

مع الوقت، الدماء تفقد قدراتها على هزّنا، والأشلاء الكثيرة تصبح في المنتصف جثّة واحدة، سبق أن بكينا عليها وانتهينا.

في أحد مراكز الإيواء حيث كنتُ ألتقط القصص الصحافية، كانت سيّدة تدعونا طوال الوقت لشرب “النيسكافيه”، وتشدد على الدعوة كما لو كنّا في بيتها… تسألني إن كانت تبدو جميلة أمام الكاميرا، وترجوني ألا أظهر جسمها سميناً، وتضحك كما لو أنها ستعلن عن حفلة عيد ميلادها أمام العدسة. لكنني فهمتها، فحين بدأ الجدّ، تبادلنا نظرة التعب ذاتها، هي بكت أمام الكاميرا وأنا بكيت في قلبي… الحرب عادة كاذبة!

مر أكثر من عام على 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، عام من القتال، بلى! وإن كانت حدّته تتباين بحسب المتغيرات السياسية والمشاورات الداخلية في غزة وفي لبنان.

لكن ما شعرناه يوم قتل صالح العاروري (2 كانون الثاني/ يناير 2024)، وهو قيادي في حركة “حماس”، في قلب الضاحية الجنوبية لبيروت، ليس كما ينتابنا حالياً مع كل ليلة قصف جديدة. أتذكر أنني في يوم العاروري اتصلت بكل أصدقائي تقريباً، وصوتي يكاد يسقط مني… لكنني لم أعد أفعل ذلك الآن، وهو أمر مؤلم ويوشي بأن “التروما” انتقلت إلى مرحلة أخرى، قد تكون أكثر خطورة.

لقد اعتدنا القصف! هل يتخيّل العالم معنى أن يعتاد المرء القصف؟ هل يعرف السيد آموس هوكشتين ماذا يعني أن نفقد إحساسنا حتى بالخوف؟ هل تتضمّن المفاوضات مثلاً بنداً حول “تروما” الشعوب التي تتعرّض لهذا الجنون كلّه، إسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى؟ هل يلحظ المتفاوضون الخوف ومعنى تلاشيه في منتصف ليالي الرعب الطويلة؟

لقد عشت منذ 23 أيلول/ سبتمبر 2024 حالة نفسية لم أعش مثلها في حياتي، قلت للمقرّبين بأنني أعاني من كل أعراض الاكتئاب وحذّرتهم من أنني قد أسقط في أي لحظة وقد أفقد قدرتي على التماسك. لكنني ذات يوم توقّفت نهائياً عن البكاء، فقدت الغضب، أصبحت مجرّد صحافية تقارب الأخبار والقصص بحيادٍ كثير التطرّف، أتلقّى القصف وحكاياته من دون أن تثير فيّ أي رد فعل، وكأنني خارج الخبر وخارج الحرب… وأيضاً خارج التغطية.

إنها مجرّد حرب، لا بأس!