مع انطلاقة مباريات كأس العالم 2026، صادفت على تطبيق فيسبوك عدّة منشورات لأصدقاء يطلبون روابط البثّ لكي يتمكّنوا من مشاهدة المباريات عبر الإنترنت.
روابط البثّ هي عبارة عن صفحات ومنصّات إلكترونية، يعمد القائمون عليها إلى قرصنة المباريات وإعادة نشرها متأخّرة لبضع دقائق، ويلجأ الكثير من اللبنانيين إلى هذا الحلّ البديل رغم كل مشاكله التقنية، نتيجة عدم تمكّنهم من مشاهدة المباراة عبر التلفاز بسبب ارتفاع أسعار الاشتراكات.
فاطمة تبحث عن المونديال خارج شاشة التلفزيون
في حديث مع موقع “درج”، تقول فاطمة التي تقطن في محيط العاصمة بيروت، إنها تواصلت مع موزّع الستلايت الذي يزوّدهم بقنوات تلفزيونية مقابل 25 دولاراً شهرياً، للاستفسار عن رسم الاشتراك الخاصّ بالقنوات التي تبثّ مباريات كأس العالم، لأن ابنها يريد أن يتابعها وبالأخصّ منتخب فرنسا الذي يضمّ لاعبه المفضل كيليان مبابي، بالإضافة إلى رغبتها الشخصية بمتابعة المونديال، المناسبة الكروية الوحيدة التي تشدّ انتباهها.
تفاجأت فاطمة بالمبلغ الذي طلبه الموزّع، وهو 50 دولاراً أميركياً تُضاف إلى الاشتراك الشهري الأساسي، وبالتالي فهي مضطرّة لدفع مئة دولار لأن المباريات ستمتدّ شهري حزيران وتمّوز، وهو مبلغ يفوق قدرتها المادية، ما جعلها تبحث عن حلول بديلة، فاهتدت أخيراً إلى حلّ الروابط المجّانية.
صحيح أنه حلّ مجّاني، تتابع فاطمة، لكنّه سيّئ وبطيء وبجودة منخفضة، وفي أيّ لحظة يتوقّف الرابط عن العمل فيتوجّب عليها البحث عن روابط أخرى “المشاهدة عبارة عن تقطيش بتقطيش”، على حدّ قولها.
من البثّ المجّاني إلى الاشتراكات المتعدّدة
عُرفت كرة القدم على الدوام بأنها لعبة الفقراء، يمكن للجميع الاستمتاع بممارستها أو مشاهدتها، لعبة تلغي الفوارق بين الجميع، وهي أكثر من أيّ رياضة أخرى، تتيح لطفل بسيط يعيش قرب مستنقع في أفقر بقاع العالم أن يحصل على فرصة، إذا كان يحظى بالموهبة والرغبة اللازمتين.
مشاهدة مباريات كرة القدم وبالأخصّ خلال كأس العالم، كانت على الدوام متنفّساً للبنانيين، فالجميع تقريباً، حتى أولئك الذين يسخرون من كرة القدم عادةً، تجدهم يصابون بلوثتها إبّان كأس العالم، وهم اعتادوا أن تكون المشاهدة مجّانية.
على سبيل المثال، بُثّ مونديال 1998 الذي استضافته فرنسا على تلفزيون لبنان، الذي يمكن مشاهدته في أي منطقة في لبنان دون رسوم. استمتع اللبنانيون يومها بالعرس الكروي، خاصّة بعد الاستعانة بخدمات المعلّق الرياضي المصري الشهير مدحت شلبي للتعليق على المباريات، وتعرّف اللبنانيون إلى مصطلحات كروية مصرية جديدة بعضها طريف، وبقوا يردّدونها لفترة طويلة من بينها “يا نهار أبيض، وش رجله، حطها في الغول يا ابني…”.
مع الوقت، أخذت كرة القدم تتحوّل تدريجياً من كونها مادّة للترفيه إلى صناعة واستثمار. لم يعد هناك حديث عن مشاهدة مجّانية لكأس العالم، والأسعار كانت ترتفع مع كل نسخة، كأنك في إحدى حلقات المسلسل الأميركي “بلاك ميرور”، التي تتنبّأ بالمستقبل الأسود في مجال الاستهلاك، حيث تكون الخدمة مجّانية في البداية ثم مقابل بدل بسيط ويزيد هذا البدل مع الوقت، ثم تنقسم الخدمة نفسها إلى خدمات وباقات متعدّدة، وعليك أن تدفع ثمن كل واحدة منها على حدة، فتجد نفسك عالقاً في دوامة لا تنتهي.
95 دولاراً إضافية لمتابعة كأس العالم
تمتلك شبكة قنوات beIN Sports حقوق بثّ معظم المناسبات الرياضية الكبرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مثل كأس العالم ودوري أبطال أوروبا والدوري الإنجليزي والإسباني ودوري كرة السلّة الأميركي وبطولات التنس الكبرى.
تبلغ تكلفة الاشتراك السنوي في الشبكة نحو 200 دولار أميركي، وهو رقم كبير مقارنة بمتوسّط الأجور في لبنان، ومع ذلك فإنه غير كافٍ لتغطية كل المسابقات الرياضية، فغالباً يتمّ فتح قنوات جديدة غير مشمولة بالباقة الأساسية، فيتوجّب عليك دفع مبالغ إضافية لمشاهدة بعض البطولات مثل دوري كرة السلّة الأوروبي وغيرها.
إلا أن الطامّة الكبرى تكون في السنوات التي يصادف فيها كأس العالم، حيث يتوجّب على المشتركين دفع مبلغ 95 دولاراً لمشاهدة المسابقة، بالإضافة إلى الاشتراك الأساسي، مع العلم أن البطولة هذا العام تتزامن مع ظروف قاسية يعاني منها اللبنانيون، بسبب الحرب والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي فإن كثيرين قرّروا عدم تفعيل البطاقة لمتابعة البطولة الكروية الأهمّ والأجمل.
المقاهي تدفع آلاف الدولارات لعرض المباريات
أصحاب المقاهي والمطاعم بدورهم يجدون أنفسهم أمام معضلة قبيل كل بطولة كأس عالم، فهم لا يستطيعون الحصول على اشتراك عادي كما المنازل، بل هناك باقات اشتراك خاصّة بهم يتحدّد سعرها بحسب سعة المقهى وعدد الكراسي فيه، والمنطقة التي يقع فيها وموقعه في المنطقة نفسها (على الشارع العامّ أو في شارع فرعي مثلاً).
يملك عدنان مقهىً صغيراً في منطقة الجناح في بيروت، كان قد استأجره قبل سنتين، يرتاده أشخاص من الأحياء المجاورة للعب الورق والطاولة ومشاهدة مباريات كرة القدم الموسمية، وبناءً على طلب الروّاد، تواصل مع الشركة المسؤولة لكي يعرض مباريات كأس العالم في المقهى.
إقرأوا أيضاً:
بعد إعطاء المعلومات الكافية عن المقهى، من بينها الموقع وعدد الكراسي البالغ 25، أُبلغ أن المبلغ المطلوب هو 2200 دولار أميركي، ولاحقاً ولأسباب لم يفهمها تمّ رفع هذا المبلغ إلى 2600 دولار.
في المنطقة نفسها، يقول صاحب أحد المقاهي الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، إن مندوبي الشركة الناقلة طلبوا منه مبلغ عشرة آلاف دولار أميركي، باعتبار أن المقهى الذي يديره يتّسع لمئة كرسي، وهو يقع في منطقة حيوية بحسب ما قالوا له.
يشير صاحب المقهى في حديثه لموقع “درج”، إلى أن المبلغ ارتفع إلى ضعف ما كان عليه في مونديال 2022، وهم أبلغوه أن عدد المباريات ازداد هذه المرّة، ما يبرّر ارتفاع الاشتراك، لكنّه يؤكّد في حديثه لموقع “درج” أن معظم المباريات مواعيدها بعد منتصف الليل، ولن يكون هناك عدد كافٍ من المشاهدين لمتابعتها.
المباريات الليلية ترفع الكلفة أكثر
كما أن مباريات ساعات الفجر الأولى، تستدعي تشغيل المولّد ما يرفع من التكاليف، وإبقاء الموظّفين لدوام إضافي وتحمّل الكلفة الإضافية لذلك، وبحال قُسّم المبلغ المطلوب على المباريات الـ104، فهذا يعني أن كل مباراة ستكلّفه مئة دولار، فيما لن يكون لديه القدرة على رفع الأسعار أو فرض بدل مشاهدة على الزبائن في ظلّ الأزمة المعيشية التي تضرب الجميع أصلاً.
مشكلة المباريات المتأخّرة يعاني منها أيضاً المشتركون في المنازل. في حديث لموقع “درج” يقول طوني إنه دفع تسعين دولاراً إضافية لمشاهدة كأس العالم، لكنّه لم يشاهد حتى الآن سوى نصف المباريات، فمباريات ما بعد منتصف الليل وساعات الفجر الأولى لا يمكنه مشاهدتها لأن أصحاب المولّدات يطفئونها في هذا الوقت.
اضطرّ جورج عندما لعب منتخبه المفضّل البرازيل ضدّ هايتي، للذهاب إلى المقهى لمشاهدة المباريات المتأخّرة، ما رتّب عليه مصاريف إضافية، إذ إن المقهى بات يطلب من الروّاد حدّاً أدنى هو عشرة دولارات أميركية، وبالتالي، ومع تزامن معظم المباريات في أوقات متأخّرة، يرجّح أن تتخطّى الفاتورة التي سيتكبّدها حاجز الـ300 دولار.
من مونديال المتاريس إلى مونديال الاشتراكات
بين المشجّع الذي يلجأ إلى الروابط المجّانية مع كل شوائبها، وصاحب المقهى الذي يعجز عن دفع آلاف الدولارات للحصول على حقّ عرض المباريات، وإن فعل فعليه تحميل الروّاد أكلافاً تفوق قدراتهم، تبدو مشاهدة كرة القدم في لبنان وكأنها تفقد تدريجياً ميزتها الأساسية: اللعبة الأكثر التصاقاً بالناس والمتعة المجّانية التي تساوي في ما بينهم.
ويبدو أن المشكلة لن تتوقّف عند مونديال 2026، إذ تتّجه صناعة البثّ الرياضي عالمياً نحو المزيد من الاشتراكات المتخصّصة والمنصّات المنفصلة، ما يعني أن المشجّع سيكون مطالباً مستقبلاً بدفع مبالغ أكبر لمتابعة عدد أقلّ من البطولات.
وبالتالي فإن المونديال المحفور في ذاكرة اللبنانيين كمتنفّس لهم وهروب من الواقع، لن يعود في المستقبل كذلك، وسيبقى ذوو الدخل المحدود رهائن لسرعة الإنترنت وجودة الروابط التي تتعرّض للمحاربة بدورها من السلطات المسؤولة عن مكافحة القرصنة.
يقول أحد الأصدقاء: “شاهد جدّي مونديال 1982 عبر تلفاز صغير وبثّ مباشر في ظلّ الحرب والمتاريس وأصوات القذائف، استعاضوا عن الكهرباء المقطوعة يومها ببطاريات السيارات لتشغيل التلفاز، أما اليوم، وفي زمن ثورة الاتّصالات وعالم الـ Full HD، فإن مشاهدة مونديال 2026 هي ترف لا يحصل عليه الجميع”.
إقرأوا أيضاً:












