ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

مونديال 2026… هيمنة أوروبا الخفيّة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

هل كيليان مبابي الكاميروني الأب والجزائري الأم أفريقي أم فرنسي؟ وهل لامين يامال الذي تنحدر والدته من غينيا الاستوائية ووالده من المغرب أفريقي أيضاً أم إسباني كاتالوني حيث نشأ؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تسعة منتخبات أفريقية من أصل عشرة تبلغ الدور الثاني من كأس العالم لكرة القدم 2026. خسارتان متتاليتان للمنتخب الألماني أمام منتخبين لاتينين هما الإكوادور والباراغواي. بطلة أوروبا إسبانيا تفشل بالفوز على كاب فيردي التي تشارك للمرة الأولى في كأس العالم. إطاحة المغرب هولندا خارج المونديال بعد مباراة بأفضلية واضحة لأسود الأطلس.

على الرغم من أن الأخبار المذكورة أعلاه قد تدفع، للوهلة الأولى، الى الاعتقاد أن نهضة كروية بدأت تتضح معالمها هنا وهناك بعيداً عن أوروبا، أو أن تراجعاً ما يصيب كرة القدم الأوروبية، أو حتى أن مزيجاً من هذا وذاك هو ما نراه اليوم في المشهد الكروي العالمي، إلا أن نظرة أعمق تتجاوز هذه النتائج المباشرة قد تدفع باتجاه مغاير تماماً، وهو أن القارة العجوز تتسيد عالم كرة القدم اليوم، وأن التحسن المضطرد في أداء بعض الدول غير الأوروبية ونتائجها ما هو إلا ثمرة إضافية للتطور الهائل الذي شهدته اللعبة في أوروبا بالذات على أكثر من صعيد.

أفارقة أوروبا أم أوربيو أفريقيا؟

يذهب رأي شائع إلى حد ما للسخرية من بعض المنتخبات الأوروبية لوفرة ما تضمه صفوف هذه الأخيرة من لاعبين سمر البشرة أو من أصول أجنبية عموماً، وينسب بعض أصحاب هذا الرأي الإنجازات التي تحققها هذه المنتخبات إلى تلك الدول الأجنبية التي ينحدر آباء  بعض اللاعبين الأوروبيين أو أجدادهم منها. 

بيد أن هذا الرأي لا يطرح على نفسه، على الأرجح، الأسئلة الآتية: ألم يولد أو ينشأ هؤلاء اللاعبون في البلدان التي باتوا يمثلونها اليوم؟ أليسوا نتاج مدارسها وأكاديمياتها الكروية ومؤسسات رعاية المواهب فيها وأنديتها وبطولاتها ودورياتها؟ وأبعد من هذا: ألا يُعتبر هؤلاء اللاعبون من عوائد المجتمعات التعددية التي أصبحتها بعض الدول الغربية، وانعكاساً من انعكاسات المنظومة السياسية والقانونية والثقافية والاقتصادية التي تحتضن هؤلاء اللاعبين ومجتمعاتهم في مهجرها؟ هل كيليان مبابي الكاميروني الأب والجزائري الأم أفريقي أم فرنسي؟ وهل لامين يامال الذي تنحدر والدته من غينيا الاستوائية ووالده من المغرب أفريقي أيضاً أم إسباني كاتالوني حيث نشأ؟ وقس على ذلك من أمثلة. وهنا لا أقصد الهوية التي من البديهي أن تكون مركبة وتحتوي على كل هذه العناصر، بل أقصد المنظومة المؤسسية والمواطنية التي قادت إلى بزوغ نجميهما ونجم كثر آخرين على شاكلتهما.

وممّا قد لا يكون رأياً شائعاً أو محبّذاً، مع أن صاحب هذه السطور يميل إليه، هو العكس: أن التحسن الكبير في نتائج المنتخبات الأفريقية مثلاً ما هو إلا نتيجة مباشرة وغير مباشرة لاستفادة كرة القدم في القارة السمراء من مسألتين: الأولى هي العدد الكبير من اللاعبين المهاجرين المولودين في أوروبا أو الذين ترعرعوا فيها وفضّلوا، لسبب أو لآخر، تمثيل منتخبات الآباء والأجداد، والثانية هي تزايد أعداد اللاعبين الأفارقة الذين أصبحوا يجدون موطئ قدم لهم في الدوريات الأوروبية بانضباطها واحترافيتها وتطورها المستمر والمضطرد. والأمر هنا لا يقتصر على الدوريات الخمسة الكبرى: الإنكليزي والإسباني والإيطالي والألماني والفرنسي، بل كذلك على دوريات الدرجات الأدنى كدوري الدرجة الأولى الإنكليزي أو الدرجة الثانية الفرنسي، عدا عن بطولات دول أخرى كبلجيكا والبرتغال وسويسرا وهولندا واليونان وتركيا والنمسا والدول الإسكندنافية وحتى منافسات دول شرق القارة (وبعيداً عن أفريقيا، لا يمكن التفكير بوصول كوراساو مثلاً إلى المونديال من دون الأخذ بالاعتبار الدور الكبير لمجتمع مهاجري هذا البلد الصغير في هولندا والعدد الكبير من لاعبيه هناك).

أوروبا بلا منافس!

في مقابل هذا الحضور الطاغي لمنافسات كرة القدم الأوروبية وبطولات الدوري فيها، لا بد من الإشارة إلى الهبوط المتتابع في العقدين الأخيرين للمسابقات المحلية في دول أميركا الجنوبية، القارة الوحيدة التي تنافس أوروبا على زعامة كرة القدم العالمية والأشهر في صناعة أساطير اللعبة. فأندية الأرجنتين والبرازيل الكبرى، كبوكا جونيورز وبالميراس وأندبيندينتي وسانتوس وبوتافوغو وفلومينيزي وريفربليت ما عادت الأندية التي كانتها القرن الفائت، إذ تمكن المقارنة بين وزن هذه الأندية اليوم (ومعها الأندية الأورغوايانية والتشيلية الأساسية) ونتائجها المتواضعة في النسخ الأخيرة من كأس العالم للأندية مع وزنها وحضورها ونتائجها في كأس الإنتركونتيننتال، التي اعتاد أن ينظمها الاتحاد الأوروبي واتحاد أميركا الجنوبية بين 1960 لغاية 2004، وتجمع الفائز بلقب دوري أبطال أوروبا مع نظيره الحائز كأس ليبرتادوريس. 

هذا بالإضافة طبعاً الى انضواء نسبة كبرى من لاعبي المنتخبات اللاتينية في البطولات الأوروبية، من أفضل لاعب في العالم الأرجنتيني ليونيل ميسي إلى بعض مدافعي الإكوادور وباراغواي غير المشهورين على نطاق واسع. 

وما يزيد من أهمية المسابقات الأوروبية المحلية ومنظوماتها وأنديتها، فشل مشاريع متعددة حول العالم في التحول إلى أقطاب كروية تنافس القطب الأوروبي وتضاهيه، هذا على الرغم من القوة الاقتصادية للدول التي احتضنت هذه المشاريع. فعلى مدى العقود الثلاثة أو الأربعة الأخيرة، لم تنجح الولايات المتحدة (ومعها كندا) مثلاً في تحويل دوري كرة القدم الرئيسي Major League Soccer إلى أي شيء يضاهي الدوريات الأوروبية الكبرى أو ربما غير الكبرى، ولم تستقطب الأندية الأميركية من النجوم الكبار سوى من كان على وشك إنهاء مسيرته كلاعب وبات على مشارف الاعتزال كالإنكليزيين ديفيد بيكهام وواين روني والسويدي زلاتان إبراهيموفيتش والأورغواياني لويس سواريز وميسي وآخرين.

إن كان منتخب الولايات المتحدة، على الأقل، عرف تطوراً مشهوداً في العقدين الأخيرين، فإن نظيره السعودي شهد تذبذباً في مستواه على الرغم من محاولة تحويل الدوري المحلي إلى إحدى البطولات التي تستقطب بعض أهم لاعبي العالم في السنوات الأخيرة، ولا يبدو مع ذلك أن التجربة السعودية قابلة للتطور إلى قوة مركزية لأسباب عدة، منها حداثة التجربة وتقلباتها المستمرة واقتصارها على استقطاب اللاعبين بعد بروزهم أوروبياً، لا صناعتهم، وافتقادها كذلك التكامل مع دول جوارها كقطر والإمارات أو على المستوى القاري عموماً.

وفي أقصى شرق القارة الآسيوية، فشلت المحاولات هناك، وتحديداً في اليابان والصين، في تحويل البطولات المحلية إلى ماكينات صناعة نجوم أو إلى منافسات معولمة تستقطب اهتماماً جماهيرياً يتجاوز حدودها. وفيما عرفت كرة القدم اليابانية نهضة لافتة، تحولت التجربة الصينية إلى فشل ذريع، بل إن منتخبها الوطني بات من منتخبات الصف الثاني أو الثالث بالقارة بعد فترة فرض نفسه فيها كأحد العشرة  الكبار آسيوياً.

ويجوز التفكير في أن أحد الأسباب التي تجعل منتخبات أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية وإيران تظهر واثقة من نفسها في المنافسات المونديالية في مقابل الحضور المهزوز لمنتخبات آسيا العربية كالسعودية والعراق وقطر، يتمثل تحديداً في خوض عدد أكبر من لاعبي المنتخبات الأولى تجارب الاحتراف في الدوريات الأوروبية، هذا على الرغم من أنه ليس نادراً أن تخسر اليابان أو أستراليا أمام منتخب عربي آسيوي مثلاً في كأس أمم آسيا أو التصفيات الآسيوية المؤهلة للمونديال.

أخيراً، قد يكون الدليل الأوضح على الثقل البنيوي الأوروبي الحالي في كرة القدم العالمية صعود قوتين كرويتين في العقود الثلاثة الأخيرة: فرنسا التي نالت لقبي كأس العالم 1998 و2018 فيما هي مرشحة بقوة لنيل لقب النسخة الحالية، وإسبانيا التي تشارك جارتها الشمالية هذا الترشيح بينما هي انضمت في نسخة 2010 الى القائمة المحدودة للدول الحائزة على الكأس.

وإلى جانب هذا الدليل البيّن، يمكن تقديم أمثلة أخرى من قبيل وصول كرواتيا الى نهائي كأس العالم 2018 ونصف نهائي 2022، واستعانة البرازيل، البلد الأكثر نيلاً للقب، بمدرب أوروبي هو الإيطالي كارلو أنشيلوتي، أملاً بإحراز بطولة غابت عن خزائنها منذ نحو ربع قرن.

ومع ذلك، لا بد أن نبقي في الأذهان أن التطور الياباني بدأ من مشروع محلي يعود إلى الثمانينات، وأن النجاح المغربي مثلاً في بلوغ الدور نصف النهائي من كأس العالم 2022، وإن كان استفاد بقوة من اللاعبين المغاربة المولودين على الجانب الآخر من المتوسط، فإنه استفاد كذلك من التطور الإداري للجامعة المغربية لكرة القدم ومن الاستقرار الفني وأكاديمية محمد السادس بضواحي العاصمة الرباط، وكلها عوامل تكاملت مع العامل الأوروبي لتحقيق هذه النجاحات.

02.07.2026
زمن القراءة: 6 minutes

هل كيليان مبابي الكاميروني الأب والجزائري الأم أفريقي أم فرنسي؟ وهل لامين يامال الذي تنحدر والدته من غينيا الاستوائية ووالده من المغرب أفريقي أيضاً أم إسباني كاتالوني حيث نشأ؟

تسعة منتخبات أفريقية من أصل عشرة تبلغ الدور الثاني من كأس العالم لكرة القدم 2026. خسارتان متتاليتان للمنتخب الألماني أمام منتخبين لاتينين هما الإكوادور والباراغواي. بطلة أوروبا إسبانيا تفشل بالفوز على كاب فيردي التي تشارك للمرة الأولى في كأس العالم. إطاحة المغرب هولندا خارج المونديال بعد مباراة بأفضلية واضحة لأسود الأطلس.

على الرغم من أن الأخبار المذكورة أعلاه قد تدفع، للوهلة الأولى، الى الاعتقاد أن نهضة كروية بدأت تتضح معالمها هنا وهناك بعيداً عن أوروبا، أو أن تراجعاً ما يصيب كرة القدم الأوروبية، أو حتى أن مزيجاً من هذا وذاك هو ما نراه اليوم في المشهد الكروي العالمي، إلا أن نظرة أعمق تتجاوز هذه النتائج المباشرة قد تدفع باتجاه مغاير تماماً، وهو أن القارة العجوز تتسيد عالم كرة القدم اليوم، وأن التحسن المضطرد في أداء بعض الدول غير الأوروبية ونتائجها ما هو إلا ثمرة إضافية للتطور الهائل الذي شهدته اللعبة في أوروبا بالذات على أكثر من صعيد.

أفارقة أوروبا أم أوربيو أفريقيا؟

يذهب رأي شائع إلى حد ما للسخرية من بعض المنتخبات الأوروبية لوفرة ما تضمه صفوف هذه الأخيرة من لاعبين سمر البشرة أو من أصول أجنبية عموماً، وينسب بعض أصحاب هذا الرأي الإنجازات التي تحققها هذه المنتخبات إلى تلك الدول الأجنبية التي ينحدر آباء  بعض اللاعبين الأوروبيين أو أجدادهم منها. 

بيد أن هذا الرأي لا يطرح على نفسه، على الأرجح، الأسئلة الآتية: ألم يولد أو ينشأ هؤلاء اللاعبون في البلدان التي باتوا يمثلونها اليوم؟ أليسوا نتاج مدارسها وأكاديمياتها الكروية ومؤسسات رعاية المواهب فيها وأنديتها وبطولاتها ودورياتها؟ وأبعد من هذا: ألا يُعتبر هؤلاء اللاعبون من عوائد المجتمعات التعددية التي أصبحتها بعض الدول الغربية، وانعكاساً من انعكاسات المنظومة السياسية والقانونية والثقافية والاقتصادية التي تحتضن هؤلاء اللاعبين ومجتمعاتهم في مهجرها؟ هل كيليان مبابي الكاميروني الأب والجزائري الأم أفريقي أم فرنسي؟ وهل لامين يامال الذي تنحدر والدته من غينيا الاستوائية ووالده من المغرب أفريقي أيضاً أم إسباني كاتالوني حيث نشأ؟ وقس على ذلك من أمثلة. وهنا لا أقصد الهوية التي من البديهي أن تكون مركبة وتحتوي على كل هذه العناصر، بل أقصد المنظومة المؤسسية والمواطنية التي قادت إلى بزوغ نجميهما ونجم كثر آخرين على شاكلتهما.

وممّا قد لا يكون رأياً شائعاً أو محبّذاً، مع أن صاحب هذه السطور يميل إليه، هو العكس: أن التحسن الكبير في نتائج المنتخبات الأفريقية مثلاً ما هو إلا نتيجة مباشرة وغير مباشرة لاستفادة كرة القدم في القارة السمراء من مسألتين: الأولى هي العدد الكبير من اللاعبين المهاجرين المولودين في أوروبا أو الذين ترعرعوا فيها وفضّلوا، لسبب أو لآخر، تمثيل منتخبات الآباء والأجداد، والثانية هي تزايد أعداد اللاعبين الأفارقة الذين أصبحوا يجدون موطئ قدم لهم في الدوريات الأوروبية بانضباطها واحترافيتها وتطورها المستمر والمضطرد. والأمر هنا لا يقتصر على الدوريات الخمسة الكبرى: الإنكليزي والإسباني والإيطالي والألماني والفرنسي، بل كذلك على دوريات الدرجات الأدنى كدوري الدرجة الأولى الإنكليزي أو الدرجة الثانية الفرنسي، عدا عن بطولات دول أخرى كبلجيكا والبرتغال وسويسرا وهولندا واليونان وتركيا والنمسا والدول الإسكندنافية وحتى منافسات دول شرق القارة (وبعيداً عن أفريقيا، لا يمكن التفكير بوصول كوراساو مثلاً إلى المونديال من دون الأخذ بالاعتبار الدور الكبير لمجتمع مهاجري هذا البلد الصغير في هولندا والعدد الكبير من لاعبيه هناك).

أوروبا بلا منافس!

في مقابل هذا الحضور الطاغي لمنافسات كرة القدم الأوروبية وبطولات الدوري فيها، لا بد من الإشارة إلى الهبوط المتتابع في العقدين الأخيرين للمسابقات المحلية في دول أميركا الجنوبية، القارة الوحيدة التي تنافس أوروبا على زعامة كرة القدم العالمية والأشهر في صناعة أساطير اللعبة. فأندية الأرجنتين والبرازيل الكبرى، كبوكا جونيورز وبالميراس وأندبيندينتي وسانتوس وبوتافوغو وفلومينيزي وريفربليت ما عادت الأندية التي كانتها القرن الفائت، إذ تمكن المقارنة بين وزن هذه الأندية اليوم (ومعها الأندية الأورغوايانية والتشيلية الأساسية) ونتائجها المتواضعة في النسخ الأخيرة من كأس العالم للأندية مع وزنها وحضورها ونتائجها في كأس الإنتركونتيننتال، التي اعتاد أن ينظمها الاتحاد الأوروبي واتحاد أميركا الجنوبية بين 1960 لغاية 2004، وتجمع الفائز بلقب دوري أبطال أوروبا مع نظيره الحائز كأس ليبرتادوريس. 

هذا بالإضافة طبعاً الى انضواء نسبة كبرى من لاعبي المنتخبات اللاتينية في البطولات الأوروبية، من أفضل لاعب في العالم الأرجنتيني ليونيل ميسي إلى بعض مدافعي الإكوادور وباراغواي غير المشهورين على نطاق واسع. 

وما يزيد من أهمية المسابقات الأوروبية المحلية ومنظوماتها وأنديتها، فشل مشاريع متعددة حول العالم في التحول إلى أقطاب كروية تنافس القطب الأوروبي وتضاهيه، هذا على الرغم من القوة الاقتصادية للدول التي احتضنت هذه المشاريع. فعلى مدى العقود الثلاثة أو الأربعة الأخيرة، لم تنجح الولايات المتحدة (ومعها كندا) مثلاً في تحويل دوري كرة القدم الرئيسي Major League Soccer إلى أي شيء يضاهي الدوريات الأوروبية الكبرى أو ربما غير الكبرى، ولم تستقطب الأندية الأميركية من النجوم الكبار سوى من كان على وشك إنهاء مسيرته كلاعب وبات على مشارف الاعتزال كالإنكليزيين ديفيد بيكهام وواين روني والسويدي زلاتان إبراهيموفيتش والأورغواياني لويس سواريز وميسي وآخرين.

إن كان منتخب الولايات المتحدة، على الأقل، عرف تطوراً مشهوداً في العقدين الأخيرين، فإن نظيره السعودي شهد تذبذباً في مستواه على الرغم من محاولة تحويل الدوري المحلي إلى إحدى البطولات التي تستقطب بعض أهم لاعبي العالم في السنوات الأخيرة، ولا يبدو مع ذلك أن التجربة السعودية قابلة للتطور إلى قوة مركزية لأسباب عدة، منها حداثة التجربة وتقلباتها المستمرة واقتصارها على استقطاب اللاعبين بعد بروزهم أوروبياً، لا صناعتهم، وافتقادها كذلك التكامل مع دول جوارها كقطر والإمارات أو على المستوى القاري عموماً.

وفي أقصى شرق القارة الآسيوية، فشلت المحاولات هناك، وتحديداً في اليابان والصين، في تحويل البطولات المحلية إلى ماكينات صناعة نجوم أو إلى منافسات معولمة تستقطب اهتماماً جماهيرياً يتجاوز حدودها. وفيما عرفت كرة القدم اليابانية نهضة لافتة، تحولت التجربة الصينية إلى فشل ذريع، بل إن منتخبها الوطني بات من منتخبات الصف الثاني أو الثالث بالقارة بعد فترة فرض نفسه فيها كأحد العشرة  الكبار آسيوياً.

ويجوز التفكير في أن أحد الأسباب التي تجعل منتخبات أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية وإيران تظهر واثقة من نفسها في المنافسات المونديالية في مقابل الحضور المهزوز لمنتخبات آسيا العربية كالسعودية والعراق وقطر، يتمثل تحديداً في خوض عدد أكبر من لاعبي المنتخبات الأولى تجارب الاحتراف في الدوريات الأوروبية، هذا على الرغم من أنه ليس نادراً أن تخسر اليابان أو أستراليا أمام منتخب عربي آسيوي مثلاً في كأس أمم آسيا أو التصفيات الآسيوية المؤهلة للمونديال.

أخيراً، قد يكون الدليل الأوضح على الثقل البنيوي الأوروبي الحالي في كرة القدم العالمية صعود قوتين كرويتين في العقود الثلاثة الأخيرة: فرنسا التي نالت لقبي كأس العالم 1998 و2018 فيما هي مرشحة بقوة لنيل لقب النسخة الحالية، وإسبانيا التي تشارك جارتها الشمالية هذا الترشيح بينما هي انضمت في نسخة 2010 الى القائمة المحدودة للدول الحائزة على الكأس.

وإلى جانب هذا الدليل البيّن، يمكن تقديم أمثلة أخرى من قبيل وصول كرواتيا الى نهائي كأس العالم 2018 ونصف نهائي 2022، واستعانة البرازيل، البلد الأكثر نيلاً للقب، بمدرب أوروبي هو الإيطالي كارلو أنشيلوتي، أملاً بإحراز بطولة غابت عن خزائنها منذ نحو ربع قرن.

ومع ذلك، لا بد أن نبقي في الأذهان أن التطور الياباني بدأ من مشروع محلي يعود إلى الثمانينات، وأن النجاح المغربي مثلاً في بلوغ الدور نصف النهائي من كأس العالم 2022، وإن كان استفاد بقوة من اللاعبين المغاربة المولودين على الجانب الآخر من المتوسط، فإنه استفاد كذلك من التطور الإداري للجامعة المغربية لكرة القدم ومن الاستقرار الفني وأكاديمية محمد السادس بضواحي العاصمة الرباط، وكلها عوامل تكاملت مع العامل الأوروبي لتحقيق هذه النجاحات.