لطالما كانت ضيعتي ميس الجبل بمثابة حلم بعيد المنال، فأنا مواليد 1983 وانتظرت لغاية العام 2000 لأتعرّف عليها للمرة الأولى في يوم التحرير، عندما رفرفت كل الأعلام وانتصرنا للأرض وساكنيها.
ميس الجبل موضوع أول مقالة لي منشورة في جريدة المدرسة، فقد تغيبت يومها عنها لأرافق والدي وشقيقي في زيارة إلى الجنوب المحرّر، إلى ميس الجبل. أذكر أنني وجدت البركة الكبيرة، التي لطالما حدّثني والدي عنها، جافة، ولكن التينة كانت بانتظارنا، وكذلك حفاوة أهل الضيعة، فأنا ابنة أبو خليل وحفيدة أبو إبراهيم وأم إبراهيم، وجدي كان معروفاً عنه الكرم وجدتي الصلابة وروح النكتة، وهي التي أنجبت وربّت 15 ولداً.
لكن بقيت ميس الجبل صعبة المنال، وحلم بعيد. زيارات متقطّعة سمحت لي ببناء علاقة تعمّقت تدريجياً لتتشكل من ذكريات والدي ووالديه ما قبل التحرير، وذكرياتي المنتقاة بعناية في فترة ما بعد التحرير. فميس حاضرة في كثير من اهتماماتي، fخاصة افتتاني بقطع الأنتيكا، ذلك أن أبناء بلدتي اشتهروا بتجارة السجاد والمفروشات، وبخاصة “العِتَق”.
رغم أنني من مواليد بيروت وسكانها، إلا أنني كنت دائماً ما أعرّف عن نفسي بأنني ابنة ميس الجبل، بخاصة عندما أُتّهم بالعناد. ميْس الجبل تعفيني من التبرير وحتى الاعتذار، فأنا ابنة ميس، والمثل يقول “من وين هالتيس، يا من حولا يا من ميس”. وعنادي لا قدرة لي على مقاومته، جيني وجذري، وكذلك تقاسيم وجهي القاسية. “نحن ولاد ميس هيك”، نشتهر بملامح وجوهنا القاسية.
ما قبل التحرير، كانت ميس الجبل وجهة للأموات، مدفنهم. علاقتنا بها اقتصرت على ذكريات الأجداد ومراسم الموت، ولكنها أصبحت في فترة ما بعد “المقاومة والتحرير” وجهة للتجذّر، تجتمع فيها العائلات ويعود إليها أبناء الأعمام لبناء بيوتهم من أموال جمعوها في بلاد الاغتراب، وهي مكان لتجذّر المقيمين أيضاً، فالملك الوحيد الذي يقتنيه والدي موقعه ميس، ولا أعتقد أنها مصادفة، وقد يبدو ما أقوله تقليدياً. ولكن الانتماء إلى الضيعة يعطي طمأنينة غريبة وأماناً من الصعب تحديد مصدره. أعتقد أنها فكرة الانتماء البدائي إلى الأرض، تقاسمها والثقة بعطائها. أن نأكل من أرضنا، وأن نعرّف أنفسنا من خلال أرضنا، وألا نجهد حتى لتعريف أنفسنا.
أعطت حرب تموز/ يوليو 2006 ميس الجبل المزيد من الهيبة والهالة، فقد سطع نجمها في نشرات الأخبار وتحدّث الإعلام عن الملاحم والمعارك الشرسة التي خاضها المقاومون لصد العدو، ونجحوا، وأصبح لميس نصيب أكبر من الشهداء، واقتصر وقتها التدمير على بيوت معدودة ومشاهد ليست غريبة عن أشكال الدمار الذي نألفه، والعودة إلى ميس في 2006 كان إعلاناً أننا حافظنا على الأرض، وأننا لن نعود إلى المسمى “الشريط الحدودي”.
أما في هذه الحرب، التي أطلقوا عليها اسم “حرب الإسناد”، فالأمور تختلف ويصعب وصفها.
لطالما كانت ضيعتي ميس الجبل بمثابة حلم بعيد المنال، فأنا مواليد 1983 وانتظرت لغاية العام 2000 لأتعرّف عليها للمرة الأولى في يوم التحرير، عندما رفرفت كل الأعلام وانتصرنا للأرض وساكنيها.
عادت ميس لتصبح ضمن ما يسمى بـ”قرى الشريط الحدودي”، وفي أيلول/ سبتمبر 2024 كان الحديث عن معارك برية ومواجهات بين “حزب الله” والجيش الإسرائيلي في ميس الجبل، وكأننا أمام سردية جديدة من الملاحم، والمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي دانيال هاغاري كانت له فقرة خاصة عن معارك ميس الجبل في فيديو نشره على حساب الجيش يوم ١ تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.
بدأ مسار الحرب يأخذ اتجاهاً مختلفاً، اتجاه رفضنا تصديقه رغم كل الإنذارات والمشاهد التحضيرية، كمشهد قوافل الشاحنات مع بدء أصحاب المحال التجارية الإخلاء يوم 29 آب/ أغسطس الماضي.
في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي بدأت الأمور تتسارع، وتداولت وسائل التواصل الاجتماعي صورة رفع العلم الإسرائيلي في ميس الجبل، وأصبحنا على موعد قريب مع مشاهد التفخيخ مع تفجير قرية محيبيب في منتصف الشهر، وهي التي تبعد أقل من ثلاثة كيلومترات عن ميس الجبل.
هكذا انتقلت ميس الجبل إلى مرحلة التفخيخ فالتفجير، أحياء بكاملها، قُضمت أجزاء من البلدة، 28 منزلاً بكبسة واحدة منذ أيام. ومنذ ثلاثة أيام لفت رئيس بلدية ميس الجبل عبد المنعم شقير في تصريح لـ”فرانس برس”، إلى أن مقطع الفيديو المتداول يُظهر “تفجيرات في محيط المستشفى الحكومي الواقع على أطراف البلدة، وذكر تعرض “70 في المئة من بلدة ميس الجبل للتدمير”، أي ما يعادل أكثر من ألفي منزل.
والبارحة ناشد المجتمع الدولي والمعنيين حماية مستشفى ميس الجبل الحكومي بعدما فخّخه العدو، وقد تداولت حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي مراجعات عن المستشفى كتبها عناصر الجيش الإسرائيلي عبر تطبيق غوغل للخرائط، سخروا فيها من المستشفى “مغلق ولا يعمل وخدمته سيئة”.
نعم حدث ما حدث، ولسنا في وارد توقّع الساعات المقبلة فما بالكم بالأيام؟! فما حدث ويحدث لميس الجبل أكبر من أن يستوعبه العقل وأقسى من أن يتحمّله القلب، وأبعد من ثنائية الهزيمة والانتصار التي نغرق فيها أحياناً. ففي حالة ميس الجبل، يخجل الانتصار من أن يعلن نفسه منتصراً على الأرض، فنحن تعوّدنا أن ننتصر للأرض ولساكنيها. وأيضاً ما حدث لا يشبه الهزيمة في شيء، فالهزيمة تراها وتتفاعل معها، تحدّد نطاقها وأثرها وربما تتبادل وجهات النظر حول حجمها.
لكن في حالة ميس، هناك وجهة نظر واحدة. ما حدث ليس انتصاراً ولا يجرؤ أحد على وصفه بذلك ولكنه أيضاً ليس هزيمة. هو عملية تبخر لكل شيء، لما ينبض وما لا ينبض، للأحياء والأموات، للمنازل والمدافن، للزرع والحجر. هو انسحاب كامل للحياة وما نعرفه عنها عبر عمليات تفخيخ وتفجير وتبخّر، ثم احتفاء من جيش العدو. أن ترى فيديوهات عناصر الجيش الإسرائيلي محتفين باختفاء أجزاء كبيرة من ميس الجبل. أجزاء تحولت إلى غيم وانضمت إلى قافلة السماء إلى غير عودة.
أحياناً لا أفهم عناوين المقالات الإخبارية، “بثوانٍ معدودة… الجيش الإسرائيلي يفجر حياً كاملا”. أين الثواني؟ تأخذهم أقل من ثانية، فالفيديو المنشور شاهد على ذلك. هي عملية تبخّر بأقل من ثوانٍ. أن تتحول بلدة بكاملها إلى دخان؛ بلدتي. عملية لا تحوّل البلدة إلى دمار بل إلى ثقبٍ في الخريطة وفي القلب أيضاً.
إقرأوا أيضاً:









