هل يمكن أن تتحوّل الحرب إلى مرحلة تأسيس “مدن ظلّ” داخل غزّة؟ أماكن يُزعم أنها آمنة، فيها كهرباء وماء وإنترنت، حيث يجلس الناس في مقاهٍ صغيرة يشاهدون مباريات كرة القدم، بينما على بعد كيلومترات قليلة فقط يسقط ضحايا بالقصف والمجاعة؟
في الأسابيع الأخيرة، برزت ظاهرة مقلقة في القطاع: ميليشيات محلّية بدأت تجذب عائلات كاملة، وتعرض عليهم طعاماً ومأوى، وحياة تبدو طبيعية نسبياً وسط أجواء حرب الإبادة. هذه المجموعات، التي تصف نفسها بـ”القوّات الشعبية” أو البديل عن “حماس”، باتت تؤسّس مناطق نفوذ مغلقة، لكلّ منها زعيم وشبكة خدمات ووعود بحياة أكثر استقراراً.
بين رفح وخان يونس وغزّة المدينة، أخذت عشرات العائلات القرار الأصعب: ترك مخيّمات النزوح المزدحمة والنجاة من القصف العشوائي، للانتقال إلى مناطق تسيطر عليها هذه الميليشيات. هناك، يتولّى “القادة” تأمين الخيم أو المنازل، وتوفير الطعام، بل حتى وظائف برواتب مغرية. لكن في المقابل، يفرضون واقعاً جديداً، يغيّر خريطة النفوذ داخل القطاع.
انتقلت الميليشيات المسلّحة، التي انتشرت في أماكن مختلفة من قطاع غزّة، إلى التوسّع في المناطق التي تتواجد فيها من خلال استقبال عشرات العائلات، وتأمين أماكن إقامة لها، مع توفير الطعام والشراب والكهرباء والمياه.
يروّج قادة هذه الميليشيات لوجود مناطق آمنة لا تتعرّض للقصف الإسرائيلي، وتتوفّر فيها مقوّمات الحدّ الأدنى للعيش، داعين الغزّيين للجوء إليها لمواصلة حياتهم بعيداً عن حرب الإبادة الجماعية.
تتمركز هذه الميليشيات في عدّة مناطق من قطاع غزّة، أوّلها شرق رفح بقيادة ياسر أبو شباب، وأخرى في خان يونس بقيادة حسام الأسطل الذي ذاع صيته في الأيّام الأخيرة، إضافة إلى رامي حلس في حيّ الشجاعية شرق مدينة غزّة، وأشرف المنسي شمال غرب المدينة.
بدأت عائلات كاملة بالانتقال إلى هذه المناطق بالتنسيق مع قادة الميليشيات، حيث تُنقل بواسطة سيّاراتها بعد الاتّفاق على نقطة التقاء قريبة من طرق مرور شاحنات المساعدات، بعيداً عن أعين مسلحي حركة “حماس”.
العائلات التي تصل إلى مناطق نفوذ الميليشيات، يكون لها أقارب من الدرجة الأولى، يتولّون التنسيق والترتيبات، من إيجاد خيمة أو منزل للإقامة فيه، وصولاً إلى تأمين متطلّبات الحياة.
خلال الأيّام الماضية، وصلت عشرات العائلات إلى منطقة نفوذ أبو شباب شرق رفح، بعد أن وصلت مركبات دفع رباعي إلى منطقة موراج، وهي النقطة التي تصل إليها شاحنات المساعدات، حيث قامت هذه المركبات بنقلهم أمام أعين آلاف منتظري المساعدات.
أحد أفراد هذه العائلات (م. د) أكّد أنه اضطرّ للانتقال برفقة زوجته وأبنائه إلى تلك المنطقة، بسبب ضيق العيش في مناطق النزوح في المواصي غرب خان يونس، واشتداد القصف، واستمرار المجاعة، وارتفاع أسعار السلع المتوفّرة في الأسواق.
ويقول (م. د) لـ”درج” بعد محاولات إقناعه بالحديث: “ابني انضمّ إلى مجموعات أبو شباب، وهو من تواصل معي وطلب مني الانتقال للعيش في هذا المكان الجديد. وصلت إليه بعد رحلة خطيرة بسبب الخوف من انكشافنا من قِبل مسلحي حركة حماس”.
في المنطقة التي وصلت إليها هذه العائلة، وهي منطقة حدودية قريبة جدّاً من إسرائيل، وجدوا مسجداً، ونقطة طبّية، ومطبخاً كبيراً يقدّم لهم الوجبات يومياً، إضافة إلى الكهرباء والماء على مدار الساعة، وخدمة إنترنت.
بعد يومين من وصول العائلة، شاهدوا مباراة ريال مدريد وليفانتي الأخيرة، داخل مقهى صغير في المنطقة التي يسيطر عليها أبو شباب، حيث قُدِّم لهم الشاي والمشروبات الغازية المثلّجة، ومكثوا هناك حتى منتصف الليل.
مرّ على العائلة قرابة أسبوع دون أن تسمع قصفاً إسرائيلياً أو أصوات إطلاق نار، باستثناء تحليق طائرات إسرائيلية مسيّرة في السماء تراقب كلّ شيء في المنطقة التي يقطنونها.
ياسر أبو شباب، الذي يصف نفسه بقائد “القوّات الشعبية”، نشر عبر حسابه في “فيسبوك” مشاهد من الحياة اليومية للعائلات التي تعيش في مناطق نفوذه.
كما عرض صوراً للمطبخ الذي يقدّم الوجبات اليومية، والنقطة الطبّية، والمسجد الذي تُقام فيه حلقات تحفيظ القرآن، إضافة إلى نقطة أمنية ومدرسة، وأعلن عن تشكيل إدارة مدنية لحلّ الخلافات الداخلية في منطقته.
وواصل أبو شباب نشر إعلانات عبر حساباته، دعا فيها الغزّيين إلى الانضمام إليه، والتسجيل في وظائف برواتب تصل إلى 1500 دولار شهرياً، مع ضمان مستوى معيشي يعادل الأسعار السائدة قبل السابع من تشرين الأوّل/ أكتوبر.

ياسر أبو شباب
في خان يونس، أكبر مدن قطاع غزّة، ظهرت ميليشيا جديدة بزعامة حسام الأسطل، الذي أعلن عن نفسه عبر حوارات صحافية وتلفزيونية مع وسائل إعلام إسرائيلية، كما نشر مشاهد من مناطق نفوذه عبر حسابه في موقع “فيسبوك”.
بثّ الأسطل المعروف بلقب “أبو السفن”، مقطع فيديو من داخل منزل ظهرت فيه ثلّاجات تحوي كميّات من اللحوم والدواجن والمشروبات الغازية، إلى جانب أصناف أخرى من الطعام المحروم منها أهالي قطاع غزّة.
وفي مقابلة مع القناة الإسرائيلية “12”، قال الأسطل، وهو ضابط سابق في السلطة الفلسطينية: “نحن البديل بعد الحرب… أتلقّى يومياً اتّصالات من أشخاص يريدون القدوم إلينا للعيش في بيئة جديدة، حيث لا وجود لحماس، بل طعام وكهرباء وماء وأماكن مجهّزة لاستقبال العائلات”.
وأضاف الأسطل، الذي يتحدّث العبرية بطلاقة: “بدأت بأربعة أشخاص، واليوم لدي 150، وسنصل هذا الأسبوع إلى 500 شخص، وأحرص على التحقّق من هويّات القادمين لتجنّب المشاكل مع حماس، وأعمل في قرية قيزان النجار، حيث يبعد الجيش الإسرائيلي 500 متر فقط”.
وأوضح أن الأهالي يعانون من نقص الغذاء بعد عامين من الحرب، فيما تسيطر “حماس” على الموارد، قائلاً: “الناس يريدون من يوفّر لهم المأوى والراحة، ونحن نجهّز أماكن آمنة للعائلات بعيداً عن الفوضى”.
وإذ بيّن أن التواصل مع الإسرائيليين ضروري لتأمين الماء والكهرباء، مشيراً إلى تلقّيه دعماً من الولايات المتّحدة وأوروبا وبعض الدول العربية، أكّد: “لن نخاف من حماس، نحن نعمل لإيجاد أماكن آمنة تستوعب العائلات المحتاجة”.
وأردف بالقول: “أريد أن يعرف الإسرائيليون أن في غزّة من لا ينتمي إلى حماس، بل يريد العيش بسلام. أطفالنا وأطفالهم يستحقّون حياة بلا حروب متكرّرة. سنحلّ محلّ حماس ونوفّر الأمن والملاذ للعائلات”.
علم “درج” أن عائلات من خان يونس وصلت إلى منطقة نفوذ الأسطل، وسكنت داخل خيام معدّة مسبقاً، ويصلها الطعام والشراب، والكهرباء والماء، وخدمات الإنترنت.
ويتمركز الأسطل في منطقة جنوب خان يونس، في قرية قيزان النجار، كما أعلن عبر حسابه في موقع “فيسبوك”.
وصلت العائلات إلى تلك المنطقة بعد تنسيق أجراه لهم الأسطل، واستقّلوا مركبات دفع رباعي متوفّرة لديه من نقاط حدّدوها مسبقاً.

حسام الأسطل
أيضاً انتشرت صور لميليشيا بزعامة أشرف المنسي في حيّ الرضوان شمال غرب مدينة غزّة.
وأظهرت الصور التي نشرها المنسي نفسه، وجود عدد من المسلّحين داخل مدرسة تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”.
ولم يتّضح بعد ما إذا بدأ المنسي بتجميع عائلات غزّية حوله كحال أبو شباب والأسطل.


صور لميليشيا أشرف المنسي
رفض عائلي
على عكس أبو شباب والأسطل والمنسي، رفضت عائلة بكر أكبر عائلات مخيّم الشاطئ غرب مدينة غزّة، تنظيم ميليشيا جديدة تابعة للجيش الإسرائيلي بعد الطلب منها.
وأكّد مختار العائلة مروان بكر أن الجيش الإسرائيلي تواصل معه، وعرض عليه العمل في مدينة غزّة مقابل العمل معه، لكنّه رفض وقرّر النزوح من المدينة.
كذلك، كتب ابن عائلة بكر معتصم في منشور عبر حسابه في موقع “فيسبوك”: “بالأمس غادر مختار عائلتنا بعد أن كان قرّر البقاء والعائلة في بيوتهم غرب غزّة، على إثر اتّصال طلب منه البقاء مع ضمان الأمان، بشرط أن يعمل أبناء العائلة كميليشيا على غرار أبو شباب، وأن يلتزموا بسياسة الجيش، لكنّه رفض وأبلغ العائلة بضرورة الرحيل، وبالفعل غادروا وفضّلوا النوم في الطرقات وأن يفترشوا الأرض، على أن يسجّل في تاريخ هذه العائلة المناضلة أنها سارت في درب الخيانة”.
بعد منشور معتصم بساعتين، تعرّض الحيّ الذي تسكنه عائلة بكر للقصف الإسرائيلي العنيف، ما أدّى إلى مقتل 4 من أبنائها.
إقرأوا أيضاً:










