جبال ووديان وسهول، مساحات شاسعة تمتدّ على طول الحدود اللبنانية – السورية المتعرّجة والمعقّدة، والتي تبدو مراقبتها صعبة المنال، على رغم كل التجاوزات التي تشهدها منذ عشرات السنوات. إنها الحدود التي غيّرت قواعد الحرب السورية، عبر تهريب السلاح والممنوعات، والحدود التي لم تقفل معابرها غير الشرعية أبداً في وجه تهريب البشر والسلع والمحروقات، في السلم والحرب.
هذه الحدود تشهد في أجزاء منها ما يشبه “ميني” حرب بين القوات التابعة للإدارة السورية الجديدة (الجيش السوري) وعشائر ومجموعات مسلّحة قريبة من “حزب الله” في البقاع.
وفيما تسعى الإدارة السورية إلى إنهاء سطوة هؤلاء على الحدود، يسعى “أمراء” المعابر غير الشرعية إلى الحفاظ على مكانتهم وغنائم اكتسبوها على مدى سنوات من التهريب والفلتان الأمني.
بعد سقوط نظام الأسد وبحسب شهود التقينا بهم لإنجاز هذا التحقيق، لم يتوقف التهريب على رغم التضييق الذي حاولت الإدارة السورية الجديدة فرضه، لكنّ التهريب اتّخذ أشكالاً مختلفة، وهو ما أكّده لنا مهرّبون وأشخاص عاشوا تجربة العبور غير الشرعي، بعد سقوط النظام، أي في الأسابيع الأخيرة.
وادي خالد… وادي التهريب
“كم عدد المعابر غير الشرعية في وادي خالد على الحدود السورية؟”، كان هذا سؤالاً طرحناه على أحد المهربين، فضحك كثيراً قبل أن يسأل: “شو عم تعملي تقرير؟”.
حاولنا تغيير وجهة الحديث قبل أن نعود إلى السؤال ذاته، ليتبيّن أن معظم أصحاب الأراضي الحدودية في وادي خالد، شمال لبنان، هم في الواقع أصحاب معابر غير شرعية، يتقاضون أموالاً مقابل تمرير البشر والسلع والمحروقات وغير ذلك.
بعد سقوط النظام السوري عادت عمليات التهريب لتنشط، على رغم محاولات ضبطها على الجانبين السوري واللبناني. وهو ما يؤكده أبو عامر، أحد المهربين الذين التقينا بهم، إذ كرر مراراً خلال المحادثة أن كل شيء تحت السيطرة ولا مشاكل.
بطبيعة الحال، لم نخبر أبا عامر أننا نجري المحادثة في سبيل كتابة تحقيق استقصائي، وكان علينا إيهامه بأن أحد الأصدقاء من الجنسية السورية يريد الذهاب إلى بلاده لزيارة أهله، لكنه لا يملك أي وثيقة قانونية تعرّف عنه سوى إخراج قيد منتهي الصلاحية، فما كان من أبي عامر إلا أن دعانا لعدم القلق، فبحسب قوله إنه عن طريقه يستطيع أي شخص الذهاب إلى سوريا وهو مطمئن، مهما كانت ظروفه.
معظم إجابات الرجل عن الأسئلة التي طرحناها كانت “اللي بصير عليه بصير عليي”، “مع أبو عامر ما في خوف”، وكأنه متأكد من أن الرحلة لن يعترضها أي خطر أو تهديد، بخاصة أن أبا عامر يمتهن تهريب البشر والسلع منذ وقت طويل وأصبح ضليعاً في كل خفاياه.
تعود ظاهرة التهريب التي تنشط بين لبنان وسوريا إلى أكثر من خمسين سنة، وهي تمتد على طول الحدود بين البلدين والتي تتجاوز الـ330 كيلومتراً.
وتحظى بعض المناطق التي تغيب عنها سلطة الدولة، وتسيطر عليها الأحزاب السياسية مثل الهرمل وعكار، بغطاء واسع يسمح للمهربين بتهريب كل ما يريدون تهريبه من البشر والمواد الغذائية والمحروقات، وصولاً إلى المخدرات والأسلحة وغير ذلك. وبين هذه المناطق، قرى سورية يعيش فيها لبنانيون، وهي تشهد حالياً الاشتباكات العنيفة بين المجموعات المسلحة والقوات التابعة للإدارة السورية. وهؤلاء يعيشون في الجانب السوري منذ الاستقلال، وأبرز تلك القرى الحاويك والجاماش والفاضلية، والتي كانت رأس حربة في تاريخ التهريب الطويل، وتتركز فيها حالياً الاشتباكات. ووفق بعض المعلومات المتوافرة، فقد أُخليت هذه المناطق كلياً من السكان، الذين هربوا إلى مناطق مجاورة، خوفاً من التصعيد المستمر.
المعابر على طول الحدود “السائبة”
في البحث في مسألة التهريب والمعابر غير الشرعية، الذي بدأنا به قبل اندلاع الاشتباكات على الحدود في منطقة البقاع، يبدو لافتاً أن أرقاماً عدة تُرمى في وسائل الإعلام حول عدد هذه المعابر، تبيّن عدم دقتها نظراً إلى التفاوت الكبير بين مصدر وآخر.
بحسب تقرير سابق للحكومة اللبنانية، قُدِّر العدد بـ 136 معبراً، فيما تتناقل بعض وسائل الإعلام أنها نحو 16 معبراً أساسياً، لكنّ المؤكد حتى الآن، أن الحدود واسعة وغير مراقَبة بشكل فعّال، وبالتالي أي مساحة فيها يمكن أن تشكّل مَنْفذاً للعبور إلى المقلب الآخَر.
بعد سقوط النظام السوري في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، استطاع آلاف السوريين العودة إلى الديار، إماً للزيارة أو للاستقرار، بعد زوال الأخطار الأمنية التي كانت تشكلها العودة. إلا أن ما لم يكن في الحسبان هو أن عدداً كبيراً من السوريين الموجودين على الأراضي اللبنانية لا يملكون أوراقاً ثبوتية أو إقامات تسمح لهم بزيارة سوريا ثم العودة إلى لبنان. وإذ لم يكن بمقدور كثيرين العيش في الوقت الحالي في سوريا بسبب الدمار وغياب الخدمات وفرص العمل، لم يكن أمام هؤلاء سوى سلوك طريق التهريب للذهاب إلى سوريا وتفقّد الديار والعودة بعدها إلى لبنان.
ووفق مراقبتنا، فإن عمليات التهريب المستمرة لا سيما على الحدود الشمالية أي في عكار ووادي خالد بشكل أساسي، تُنفَّذ إما عبر دراجات نارية، أو مشياً على الأقدام، بخاصة أن المسافة من شمال لبنان إلى سوريا لا تتجاوز الساعتين.
إقرأوا أيضاً:
التكلفة و”البقشيش”
يعمل أبو عامر في التهريب منذ سنوات طويلة، يروي لنا بأريحية كبيرة تفاصيل عمله مغرياً إيانا بالتعامل معه ومقدّماً التسهيلات وأفضل الأسعار.
يقول: “كلفة الذهاب إلى سوريا من عكار إلى حمص تبلغ 40 دولاراً، هذا في حال كان لدى الشخص ملف “أمم” (مسجل لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين) وهوية تعرف عنه، أما في حال لم يكن الشخص يملك أياً من هاتين الوثيقتين، فترتفع التكلفة لتبلغ 70 دولاراً، وفي حال أراد الشخص أن يأخذ معه أغراضاً ومواد غذائية فطبعاً يصبح المبلغ أكبر”.
المبلغ الذي أشار إليه أبو عامر، هو تقريباً ما دفعه أحمد الذي يعيش في شمال لبنان والذي لا يملك إقامة قانونية، وحتى لا يخسر عمله ويُمنع من العودة إلى لبنان، لجأ إلى أحد المهربين ليساعده.
يقول، “طلعنا من المنية على وادي خالد، وفتنا على سوريا عن طريق معبر غير شرعي وأخذوا منا هونيك 50 دولاراً وخلونا نمرق”.
منطقة وادي خالد والتي تحظى بغطاء سياسي، في نشاطها بالتهريب، تحوي بحسب أحد سكان المنطقة، مئات المعابر غير الشرعية، لأن معظم مالكي الأراضي حوّلوا أراضيهم إلى معابر للتهريب، بمن فيهم أحد أقارب مصدرنا.
أما تكلفة العودة من سوريا، فبحسب أبي عامر تبلغ نحو 110 دولارات، وهي تتطلب المشي بعض الوقت في الجبال الوعرة، وهو ما أكده لنا معين، الذي سلك طريق التهريب قبل أسابيع، “تكلفة الذهاب والعودة إلى سوريا عبر مهرب تبلغ 150 دولاراً، وتسير الأمور وفق اتفاق مسبق بين الزبون والمهرب على موعد الرحلة وطريقة الدفع”.
ويضيف معين: “المهرب الذي ذهبت معه طلب مني مبلغاً إضافياً، لأن الطريق كانت آمنة ولم يتعرض لي أحد، وعندما رفضت إعطاءه أي مبلغ إضافي بدأ بالصراخ، فخفت ولم يكن أمامي سوى منحه ما يريد”.
التهريب عبر الدراجات الناريّة ومشياً على الأقدام
بحسب المعلومات التي استطعنا الحصول عليها، فإن رحلة الذهاب إلى سوريا عبر مهرب بشر، أو في سيارة خاصة عن طريق سلوك معبر غير شرعي، تتراوح تكلفتها ما بين 40 و70 دولاراً، وهو مبلغ مرهق للكثير من السوريين الموجودين في لبنان، لذلك يفضل كثيرون بخاصة سكان منطقة عكار القريبة من سوريا، استقلال دراجاتهم النارية عن طريق المعابر غير الشرعية، مقابل 25 دولاراً، ويُدفع المبلغ نفسه في حال قرروا العبور مشياً على الأقدام، لكن في هذه الحالة سيضطر الشخص إلى أن يسبح في النهر كي يصل إلى الجهة الأخرى، وهو ما رفضه أبو أيهم الرجل السبعيني خلال رحلته لزيارة مدينته حماة بعد سقوط النظام.
“قلتلن ما بمرق بالماي، رح إرجع فحملوني تنين ومرقوني”، ويشير أبو أيهم إلى أن هذه التكلفة قد انخفضت منذ فترة لتصبح راهناً عشرة دولارات فقط، وفق ما أخبره بعض الأصدقاء.
تهريب السلع والمحروقات عبر الشاحنات لا يتوقف
بحسب أحد سكان وادي خالد والذي يطل منزله على أحد المعابر غير الشرعية، فإن مئات الشاحنات المحمّلة بالمواد الغذائية والمحروقات تمر يومياً من هذه المعابر نحو سوريا، وتختلف التكلفة التي تدفعها الشاحنات لصاحب المعبر لكي تمر بحسب المواد المحملة، ويتراوح المبلغ بين 200 و400 دولار.
“عمليات التهريب تكون نشطة أكثر خلال النهار، ففي الليل تكثر الحوادث الأمنية وقطاع الطرق”.
وفي الأسابيع الماضية، وُثِّقت بالفعل عمليات التهريب عبر مقاطع فيديو مصورة، تُبين اصطفاف مئات الشاحنات المحملة بالإسمنت ومواد البناء، متوجهة من حاجز شدرا في وادي خالد إلى الداخل السوري.
وقد نشطت في الآونة الأخيرة عمليات تهريب المحروقات من لبنان إلى سوريا، حيث يباع الليتر في السوق السوداء بـ1.66 دولار، بينما يباع بالسعر الرسمي بـ 1.2 دولار مقارنة مع سعره في لبنان، أي نحو 0.82 دولار.
وفي هذا السياق، سألنا المهرب أبا عامر عن إمكانية اصطحاب عدد من غالونات المازوت “إلى أقاربنا في سوريا”، فقال “بالطبع بس هاي حسابها لحاله”.
للسلاح والممنوعات حصة أيضاً…
تنشط المعابر غير الشرعية في تجارة الأسلحة، وبعد سقوط النظام كانت هذه المعابر أسهل الطرق لدخول عناصر النظام مع أسلحتهم إلى لبنان، والتي بيعت بأسعار بخسة جداً تراوح ثمنها بين الـ 20 إلى 30 دولاراً كحد أقصى.
في هذا السياق، ضبطت مخابرات الجيش اللبناني آلاف قطع الأسلحة التي كانت مهربة من سوريا إلى لبنان، خلال مداهمة في منطقة جبل محسن بطرابلس، وتم توقيف عدد من الأشخاص المتورطين بتجارة الأسلحة المهربة من سوريا بعد سقوط النظام.
من جهة أخرى، كانت وزارة الداخلية السورية، أعلنت أن الإدارة العامة لأمن الحدود ضبطت شحنة من الأسلحة المتجهة إلى حزب الله عبر طرقات التهريب على الحدود.
جاء ذلك بعد أسبوع من إعلان الداخلية أيضاً، إحباط محاولة تهريب أسلحة إلى لبنان، إذ قالت يوم الجمعة (17 كانون الثاني/ يناير الماضي)، إن مديرية الأمن العام في طرطوس منعت عملية تهريب أسلحة وصواريخ كانت متوّجهة إلى لبنان.
يعني ذلك أن تهريب الأسلحة بين لبنان وسوريا ما زال مستمراً أسوة بعمليات التهريب الأخرى.
كان ذلك قبل أن تبدأ الاشتباكات في الأيام الأخيرة، علماً أن مساعي التهدئة تسير بمحاذاة استمرار التوتر، ودخول الجيش اللبناني على الخط مرسلاً تعزيزات أمنية إلى الحدود. وكان الرئيس اللبناني جوزيف عون أكد مع نظيره السوري ضرورة التنسيق وحماية المدنيين.
التهريب بين لبنان وسوريا لن يتوقف…
يؤكد رامي عبد الرحمن مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، لـ”درج” أن عمليات التهريب بقيت نشطة حتى بعد سقوط النظام، فالمهربون لا يزالون يعملون على جانبي الحدود اللبنانية – السورية، سواء لتهريب البشر، السلع، أو الممنوعات.
ويرى عبد الرحمن أن ضبط الحدود بشكل كامل هو أمر غير ممكن ومستحيل، بخاصة أن المهربين في كثير من الأحيان يتواطأون مع الأشخاص الموكلة إليهم حماية الحدود، إذ يدفعون إليهم أموالاً طائلة مقابل تغاضيهم عما يحصل. يقول: “هذه العمليات ستستمر إلى ما لا نهاية”.
ويشير عبد الرحمن الى أن تجارة السلاح بين البلدين تكون لصالح تجار السلاح، وكذلك الأمر بالنسبة الى تجارة المخدرات.
أما عن إمكانية أن تكون الإدارة الجديدة تحمي المهربين، فيقول عبد الرحمن إنه لا يستطيع تأكيد ذلك، لكن وفق ما أشار ربما هناك أفراد من الإدارة يتعاملون مع المهربين.
وفي هذا السياق كانت الإدارة الجديدة في سوريا أعلن يوم الثلاثاء 4 شباط/ فبراير أنها ستقوم بإغلاق جميع المعابر الغير شرعية مع لبنان.
في هذا السياق، تستمر الاشتباكات على الحدود بقاعاً، وقد تعرّضت بلدات في محافظة الهرمل الحدودية مع سوريا في أقصى شمال شرقي لبنان، لإطلاق نار من الجانب السوري.
عشيرة “آل جعفر” كانت أصدرت بياناً حول آخر التطورات، أكدت فيه على العلاقات الأخوية بين الشعبين اللبناني والسوري، مشددة على أنها سحبت عائلاتها من منازلها تاركين للدولة والجيش أمر معالجة الأمور. وهي خطوة لا بد من التوقف عندها، لما لآل جعفر من مكانة على خط المعابر غير الشرعية من جهة، وارتباطه بحزب الله من جهة أخرى.
إقرأوا أيضاً:














