يفتح في علامة تبويب جديدة
ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

مَن سبق مَن إلى الثورة… حروب سورية صغيرة !

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ما كان في الشارع تحول إلى سؤال عند المعلقين والناشطين والإعلاميين والثوريين أنفسهم، والذين تصارعوا على الحدث: من هو ابن المكان، ومن هو ابن الثورة، ومن يملك النسب الأقرب إليها؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

بدأت القصة في جديدة عرطوز، في ريف دمشق، بمشكلة صغيرة إلى حد يصعب معه اليوم معرفة أين بدأت بالضبط. رواية تقول إن شجاراً وقع بين أطفال من أبناء البلدة وأطفال من عائلات تنحدر من دير الزور، ثم دخل “الكبار” في المشكلة. رواية أخرى تبدأ من الاعتداء على منزل تسكنه عائلة من دير الزور. ثم ظهرت قصة إصابة أحد أبناء البلدة في رأسه جراء الاعتداء عليه، وانتشرت إشاعة بأنه توفي، فتحرك أقاربه باتجاه الحارة التي يسكن فيها المعتدي. خلال ساعات توسعت المشاجرات، ظهرت العصي والأسلحة البيضاء، وسُمع إطلاق نار، وانتشرت القوى الأمنية وفُرض حظر تجوال، قبل أن تنتهي الأيام التالية بجلسة صلح جمعت أعيان جديدة عرطوز ووجهاء من أبناء دير الزور.

لم تكن تفاصيل الحادثة قد استقرت، ولم يكن واضحاً من بدأ، ولا كيف انتقل الشجار من مكان إلى آخر، لكن هوية الحادثة استقرت بسرعة أكبر من وقائعها. كانت الروايات متناقضة حول البداية والمعتدي وتسلسل ما حدث، بينما كان الحديث على السوشال ميديا واضحاً جداً في شيء آخر: أهل جديدة عرطوز وأهل دير الزور. صار للحادثة طرفان اجتماعيان قبل أن تصبح لها قصة واحدة يمكن التأكد منها. وانتقل الصراع على السوشال ميديا من بعده الطائفي إلى المناطقي.

 الحروب السورية الصغيرة ما زالت مستمرة، حروب لا نفهم تماماً كيف تبدأ، لكننا نعرف بسرعة شديدة من يجب أن يكون طرفاً فيها. حادثة غير مفهومة يتم تبسيطها، ليس عبر معرفة ما حدث، بل عبر إعطائها جماعتين. ظهرت المقاطع والصور والمنشورات والتعليقات بكثافة، وحدث انقسام أيضاً بين من يسمون أنفسهم “أولاد الثورة”. أشخاص لم يكونوا في المكان أصبحوا جزءاً من النزاع، ودخلت كلمات مثل “الغريب”، و”أهل المنطقة”، و”العشيرة”، و”الكرامة”.

 المشكلة التي ربما بدأت بين بضعة أشخاص اتسعت بسرعة، إلى درجة أن الأصل الجغرافي للأشخاص بدأ يدفن الحادثة نفسها. كأن هناك حاجة إلى سرد صراعات أكبر من الحاجة إلى معرفة ما حدث، وهذا إشكالي جداً. من أين جاء هؤلاء؟ من هم أهلهم؟ مَن خلفهم؟ من هم أصحاب المكان ومن هم الغرباء عنه والواصلون إليه؟ أسئلة من هذا النوع أخذت مكان السؤال الأبسط: ماذا حدث، ومن اعتدى على من؟

من الصراع الأهلي إلى صراع “الأنساب الثورية”

ما كان في الشارع تحول إلى سؤال عند المعلقين والناشطين والإعلاميين والثوريين أنفسهم، والذين تصارعوا على الحدث: من هو ابن المكان، ومن هو ابن الثورة، ومن يملك النسب الأقرب إليها؟ صاحب الثورة أيضاً عليه أن يملك نسباً. لا يكفي أن يكون ثائراً، عليه أن يثبت متى ثار، وأين ثار، ومن سبق من، ومن كانت مدينته أقرب إلى لحظة الولادة الأولى.

ولا يوجد تقريباً سؤال سياسي واحد يجيب عنه “ابن الثورة” المزعوم: ماذا نريد من الدولة؟ ما هي الحرية؟ كيف نحاسب المعتدين والمجرمين والطائفيين؟ ماذا نفعل بالسلاح؟ ماذا نفعل بالعدالة؟ وكيف يصبح السوري متساوياً مع السوري؟ ماذا نفعل حين تشتعل المدن بحروب صغيرة وتحرق المحلات وتكسر السيارات؟

“الثوار” يختلفون على النسب، والناشطون معهم. بدلاً من ذلك: من ثار قبل الآخر؟ أين بدأت الثورة؟ من هم أهل المكان؟ ومن هو الغريب؟ هل هذه ثورة؟ والدفاع عن الشام ضد “أهل الدير” مفارقة غريبة فعلاً. الثورة التي كان أحد وعودها إسقاط التقسيمات التي راكمها الاستبداد تعيد إنتاج المجتمع بوصفه جماعات محلية، لكل واحدة منها درجة مختلفة من الحق في المكان.

السوري هنا ليس “سورياً” بالدرجة نفسها. ابن المكان أكثر من غيره، وابن الثورة أكثر من غيره، كأن المساواة التي يفترض أن تبدأ منها السياسة تُؤجل مرة أخرى لمصلحة الأنساب. وفي هذا استمرار لشيء أسدي قديم، لكن ليس بمعنى أن كل ما يحدث اليوم هو مجرد نسخة عن النظام السابق. المسألة أصعب. النظام ترك مجتمعاً ضعيف الفاعلية السياسية، لكن انهيار النظام لا يصنع تلقائياً مجتمعاً سياسياً. سقوط جهاز الدولة شيء، وأن يولد مكانه مجال سياسي شيء آخر. يمكن إسقاط سلطة، ولا تسقط معها العلاقات والتعبيرات التي عاش الناس داخلها. ويمكن أن تتغير الوجوه، بينما تبقى الجماعات القديمة، أو تظهر جماعات جديدة، هي الأماكن التي يستطيع الفرد أن يجد فيها الحماية والاعتراف والقوة.

بحثاً عن مؤسسة صالحة 

لا مؤسسة سورية اليوم تحتوي السياسة بما يكفي. لا يوجد مكان فعلي يذهب إليه السوري بوصفه مواطناً لا بوصفه ابن منطقة أو طائفة أو عشيرة أو ثورة. البرلمان ليس مجالاً للصراع السياسي، والأحزاب غائبة، والقضاء لا يظهر بوصفه المرجع الطبيعي في لحظة النزاع، وحتى الشرطة حين تدخل لا تنهي بالضرورة الحكاية سياسياً وقانونياً. لهذا يعود الوجهاء، وتعود الجماعات، وتعود المنطقة. ليس لأن السوري يحب بالضرورة أن يكون ابن جماعة، بل لأن الجماعة في لحظات كثيرة أكثر فاعلية مما يحوزه المواطن.

ابن العشيرة لديه عشيرة، وابن المنطقة لديه أهل المنطقة، وابن الثورة لديه ماض يستطيع أن يطالب من خلاله بالشرعية. أما المواطن، ماذا لديه؟

هنا تصبح الحروب السورية الصغيرة أكثر من مجرد بقايا للنظام السوري. بعضها من بقاياه بالتأكيد، وبعضها الآخر يولد الآن، من الطريقة التي خرجنا بها من النظام ومن الطريقة التي تتشكل بها السلطة الجديدة. الفراغ السياسي لا يبقى فارغاً، تملؤه الأشياء الموجودة والقادرة على الفعل: العشيرة، والطائفة، والمنطقة، والسلاح، والذاكرة، والأسبقية في الثورة. لهذا ليس دقيقاً القول إن السوريين عادوا ببساطة إلى انتماءاتهم القديمة. بعض هذه الانتماءات لم يذهب أصلاً، وبعضها يعاد إنتاجه الآن لأن البديل السياسي غير موجود أو لا يعمل. حين لا تمنح المواطنة الفرد قدرة فعلية على الحماية والتأثير، تصبح الجماعة أكثر قدرة على منحه الاعتراف والقوة، ويبدأ الانتماء الذي كان يفترض أن يكون اجتماعياً أو محلياً بالتحول إلى أداة سياسية.

وهنا لا تعود حادثة جديدة عرطوز مهمة فقط بسبب ما حصل فيها، بل بسبب السرعة التي اكتسبت فيها الجغرافيا معنى سياسياً. فقبل أن نعرف تماماً من اعتدى على من، كان السؤال عن أهل المكان، وأهل الدير، ومن يملك الحق فيه، قد أصبح جزءاً من الحادثة نفسها.

أهلنة الحدث

يمكن تسمية ذلك أهلنة الحدث. الحادثة لا تبدأ أهلية، وليس ضرورياً أن يكون لدى الناس استعداد مسبق لصراع أهلي. يبدأ الصراع بين أفراد، ثم يُسحب من مستوى الأفراد إلى مستوى الجماعات. وهذا ما شهدته سوريا في حوادث الخطف والاغتيال والضرب والسطو: على مدار أعوام كبيرة من انفجار الثورة وفساد الدولة وسوئها، يتحول الكلام من فلان اعتدى على فلان، إلى هؤلاء اعتدوا علينا. يتغير الضمير، ومعه يتغير حجم النزاع.

طبعاً لا ينطبق ذلك على الفزعات والهجمات الطائفية على الدروز والعلويين، هؤلاء، محكومون بهويات تسبق الأسد ونظامه، الاستباحة ناشئة من “آخرية” قائمة على العداوة، يكفي أن “يستفز” درزي واحد أو علوي واحد المقدسات القديمة والجديدة، حتى يستهدف “الجميع”.

ومن السهل هنا رد أنماط الحماية والثأر والاستقواء إلى ثقافات مختلفة، لكن ذلك لا يفسر لماذا بقيت العشيرة قادرة أصلاً على أداء وظائف الحماية والوساطة وتحصيل الحق، ولا لماذا بقي مئات الشبان بلا أمكنة فعلية للعيش والتفاعل خارج الشارع وثقافة اللعب العنيف. ودير الزور نفسها لا يمكن اختصارها بالعشيرة.

 المنطقة مرت عليها طبقات متراكمة من السلطة والعنف، حافظ النظام خلالها على قوة رؤوس العشائر وتعامل معهم بوصفهم وسطاء قادرين على تمثيل جماعات كاملة، ثم جاءت الحرب ودخلت العشائر فيها من مواقع مختلفة، ومر تنظيم داعش أيضاً على المنطقة وفرض شكلاً آخر من السلطة يلغي الفرد لمصلحة الجماعة والقيادة. وبين هذا كله بقي الفقر وضعف التنمية وانكماش المؤسسات العامة جزءاً من حياة المنطقة. لذلك لا يمكن التعامل مع أنماط الاحتكام الموجودة اليوم باعتبارها مجرد ثقافة عشائرية، فهناك تاريخ كامل جعل الوصول إلى الحماية أو الحق أو حتى الاعتراض يمر كثيراً عبر وسيط أقوى من الفرد.

والمشكلة لا تتعلق بالعشيرة وحدها، بل بالطريقة التي تعاملت بها السلطة معها. من حافظ الأسد إلى اليوم بقيت العشيرة بالنسبة إلى الدولة بنية سهلة الاستعمال: لها رؤوس معروفون، ويمكن مخاطبتها والتفاوض معها وتمثيلها وتعبئتها كجماعة. بدل أن تعمل الدولة على جعل الفرد أقل حاجة إلى هذا النوع من التمثيل، حافظت عليه وأعادت استخدامه. والسلطة الجديدة لم تقطع تماماً مع هذا التقليد، وظهر ذلك بوضوح في أحداث السويداء، حين ظهر أبناء العشائر مرة أخرى ككتلة سياسية واجتماعية واحدة، ثم شُكرت العشائر جماعياً على تدخلها ومواقفها. هنا تصبح المفارقة أوضح، الدولة قد تعترض على أن تتصرف الجماعة خارجها، لكنها في الوقت نفسه تعترف بها كوحدة سياسية قابلة للاستعمال والتمثيل. آخر سلطات سوريا تعاملت مع العشيرة كبنية يمكن إدخالها بسهولة في الصراع الأهلي، لا كبنية يجب أن تصبح أقل ضرورة سياسياً. وفي الجهة الأخرى، لا تجعل المدينة ساكنها مواطناً بالضرورة، ابن المدينة يستطيع أن يكون مناطقياً ومستعداً للاستقواء بجماعته مثل ابن العشيرة. المدينة ليست قيمة أخلاقية من دون شروط كثيرة على الجميع الامتثال لها.

من هو الفرد الذي يعرف الدولة؟

المسألة في النهاية هي: هل يستطيع الفرد الحصول على حقه مستقلاً عن عدد أقاربه، ومنطقته، ومن يستطيع الوقوف خلفه؟ الدولة الحديثة لا يفترض أن تلغي روابط الناس المعتادة أو تغير أصولهم، بل أن تجعل هذه الروابط غير ضرورية للحصول على الحق. جربنا هذه الروابط كثيراً، ورأينا فعلها خلال الحرب الأهلية الطويلة. والسؤال هو متى يستطيع ابن العشيرة وابن المدينة، والقادم والمقيم، الذهاب إلى المؤسسة نفسها، وأن تكون قيمة الواحد منهم أمام القانون مستقلة عن الجماعة التي تستطيع التحرك باسمه.

سلطات سوريا المتعاقبة لم تنجح في بناء هذا النوع من العلاقة. ويظهر ذلك بصورة أكثر حدة اليوم. حتى مشهد المصالحة في جديدة عرطوز أعاد إنتاج صيغة سورية من السيئ أنها مألوفة ، بدلاً من أن تظهر المؤسسة القانونية باعتبارها صاحبة الاختصاص، ظهر الوجهاء والشخصيات العسكرية والدينية لإنجاز صلح أهلي. تغيرت الشخصيات واللغة والسلطة، لكن بقي النزاع يُعاد من الفرد إلى الجماعة، ثم تعود الدولة لتتحدث مع الجماعة كي تعيده إلى الهدوء. 

بدل لجان المصالحة والشخصيات البعثية القديمة، هناك وجوه جديدة تؤدي وظيفة قريبة، ضبط المجتمع بواسطة وسطاء قادرين على التحدث باسمه. يظهر في حادثة مثل جديدة عرطوز، مكان السؤال عن الحق، سؤال سوري قديم: “مين إلو ظهر؟”. وحين يصبح هذا السؤال مهماً، يكون الاستقواء قد بدأ يحل محل الحق. ولا تعود المشكلة فقط في من اعتدى على من، بل في المجتمع والدولة اللذين يعيدان الفرد، كلما وقع نزاع، إلى الجماعة التي تقف خلفه.

ظهور خطاب ثقافوي واسع، شارك فيه إعلاميون وناشطون، أدى إلى نسيان الحادثة نفسها تقريباً، وبدأ يتحدث عن أهل الدير وطبائعهم، أو عن أهل المنطقة وحقهم فيها، أو عن العشائر وسلوك جماعات كاملة. وهنا يتم تحويل مشكلة سياسية ومؤسساتية إلى مشكلة في ثقافة الناس وخبراتهم. فبدلاً من السؤال: لماذا ينجح خلاف فردي في استدعاء جماعة بكاملها؟ يصبح السؤال: ما الذي يجعل هذه الجماعة عنيفة أو عشائرية أو غير قابلة للاندماج؟ الخطاب الثقافوي، بهذا المعنى، لا يفسر الحادثة بقدر ما يخفي أحد أهم شروطها: ضعف المؤسسة التي يفترض أن تجعل أصول المعتدي وأقاربه ومكان ولادته تفاصيل غير ذات أهمية. 

واللافت أن السلطة نفسها لم تكسر هذ المنطق، إنها تمارس خبرتها، فهي دخلت النزاع بأدواتها الأمنية، لكنها حين وصلت إلى إنتاج الحل عادت إلى لغة الوجهاء والمصالحة والتمثيل الجماعي. وهنا تظهر خبرة حكم تشكلت قبل دمشق، علاقات هيئة تحرير الشام وجبهة النصرة، في بيئة كانت التسويات المحلية والوسطاء الدينيون والعسكريون والأهليون جزءاً أساسياً من إدارة المجتمع وتنظيم صراعاته. انتقال السلطة إلى مستوى الدولة لم يغير أي شيء.

الخطاب الثقافوي والسلطة، على رغم اختلافهما، يلتقيان في نقطة واحدة، كلاهما يتعامل مع الجماعة باعتبارها وحدة حقيقية للفعل السياسي والاجتماعي. الأول يحملها صفات جماعية ومسؤولية جماعية، والثانية تستدعي ممثليها كي تتفاوض معها وتضبطها. على أي حال سيختفي الفرد، المعتدي والضحية كلاهما مستلبان. 

مشكلتنا السورية الأعمق أن الدولة ستمنع الاشتباك والعنف بسهولة، وقد تصلح بين الأهالي، لكن بنية العنف واستعداده والبحث عن الاستقواء سيبقى، كل سوري سبحث عن ظهر، أو عن ناشط ثوري سابق إعلامي يضع ذاته أمام جماعة ويدفع اتجاهها.

04.09.2026
زمن القراءة: 8 minutes

ما كان في الشارع تحول إلى سؤال عند المعلقين والناشطين والإعلاميين والثوريين أنفسهم، والذين تصارعوا على الحدث: من هو ابن المكان، ومن هو ابن الثورة، ومن يملك النسب الأقرب إليها؟

بدأت القصة في جديدة عرطوز، في ريف دمشق، بمشكلة صغيرة إلى حد يصعب معه اليوم معرفة أين بدأت بالضبط. رواية تقول إن شجاراً وقع بين أطفال من أبناء البلدة وأطفال من عائلات تنحدر من دير الزور، ثم دخل “الكبار” في المشكلة. رواية أخرى تبدأ من الاعتداء على منزل تسكنه عائلة من دير الزور. ثم ظهرت قصة إصابة أحد أبناء البلدة في رأسه جراء الاعتداء عليه، وانتشرت إشاعة بأنه توفي، فتحرك أقاربه باتجاه الحارة التي يسكن فيها المعتدي. خلال ساعات توسعت المشاجرات، ظهرت العصي والأسلحة البيضاء، وسُمع إطلاق نار، وانتشرت القوى الأمنية وفُرض حظر تجوال، قبل أن تنتهي الأيام التالية بجلسة صلح جمعت أعيان جديدة عرطوز ووجهاء من أبناء دير الزور.

لم تكن تفاصيل الحادثة قد استقرت، ولم يكن واضحاً من بدأ، ولا كيف انتقل الشجار من مكان إلى آخر، لكن هوية الحادثة استقرت بسرعة أكبر من وقائعها. كانت الروايات متناقضة حول البداية والمعتدي وتسلسل ما حدث، بينما كان الحديث على السوشال ميديا واضحاً جداً في شيء آخر: أهل جديدة عرطوز وأهل دير الزور. صار للحادثة طرفان اجتماعيان قبل أن تصبح لها قصة واحدة يمكن التأكد منها. وانتقل الصراع على السوشال ميديا من بعده الطائفي إلى المناطقي.

 الحروب السورية الصغيرة ما زالت مستمرة، حروب لا نفهم تماماً كيف تبدأ، لكننا نعرف بسرعة شديدة من يجب أن يكون طرفاً فيها. حادثة غير مفهومة يتم تبسيطها، ليس عبر معرفة ما حدث، بل عبر إعطائها جماعتين. ظهرت المقاطع والصور والمنشورات والتعليقات بكثافة، وحدث انقسام أيضاً بين من يسمون أنفسهم “أولاد الثورة”. أشخاص لم يكونوا في المكان أصبحوا جزءاً من النزاع، ودخلت كلمات مثل “الغريب”، و”أهل المنطقة”، و”العشيرة”، و”الكرامة”.

 المشكلة التي ربما بدأت بين بضعة أشخاص اتسعت بسرعة، إلى درجة أن الأصل الجغرافي للأشخاص بدأ يدفن الحادثة نفسها. كأن هناك حاجة إلى سرد صراعات أكبر من الحاجة إلى معرفة ما حدث، وهذا إشكالي جداً. من أين جاء هؤلاء؟ من هم أهلهم؟ مَن خلفهم؟ من هم أصحاب المكان ومن هم الغرباء عنه والواصلون إليه؟ أسئلة من هذا النوع أخذت مكان السؤال الأبسط: ماذا حدث، ومن اعتدى على من؟

من الصراع الأهلي إلى صراع “الأنساب الثورية”

ما كان في الشارع تحول إلى سؤال عند المعلقين والناشطين والإعلاميين والثوريين أنفسهم، والذين تصارعوا على الحدث: من هو ابن المكان، ومن هو ابن الثورة، ومن يملك النسب الأقرب إليها؟ صاحب الثورة أيضاً عليه أن يملك نسباً. لا يكفي أن يكون ثائراً، عليه أن يثبت متى ثار، وأين ثار، ومن سبق من، ومن كانت مدينته أقرب إلى لحظة الولادة الأولى.

ولا يوجد تقريباً سؤال سياسي واحد يجيب عنه “ابن الثورة” المزعوم: ماذا نريد من الدولة؟ ما هي الحرية؟ كيف نحاسب المعتدين والمجرمين والطائفيين؟ ماذا نفعل بالسلاح؟ ماذا نفعل بالعدالة؟ وكيف يصبح السوري متساوياً مع السوري؟ ماذا نفعل حين تشتعل المدن بحروب صغيرة وتحرق المحلات وتكسر السيارات؟

“الثوار” يختلفون على النسب، والناشطون معهم. بدلاً من ذلك: من ثار قبل الآخر؟ أين بدأت الثورة؟ من هم أهل المكان؟ ومن هو الغريب؟ هل هذه ثورة؟ والدفاع عن الشام ضد “أهل الدير” مفارقة غريبة فعلاً. الثورة التي كان أحد وعودها إسقاط التقسيمات التي راكمها الاستبداد تعيد إنتاج المجتمع بوصفه جماعات محلية، لكل واحدة منها درجة مختلفة من الحق في المكان.

السوري هنا ليس “سورياً” بالدرجة نفسها. ابن المكان أكثر من غيره، وابن الثورة أكثر من غيره، كأن المساواة التي يفترض أن تبدأ منها السياسة تُؤجل مرة أخرى لمصلحة الأنساب. وفي هذا استمرار لشيء أسدي قديم، لكن ليس بمعنى أن كل ما يحدث اليوم هو مجرد نسخة عن النظام السابق. المسألة أصعب. النظام ترك مجتمعاً ضعيف الفاعلية السياسية، لكن انهيار النظام لا يصنع تلقائياً مجتمعاً سياسياً. سقوط جهاز الدولة شيء، وأن يولد مكانه مجال سياسي شيء آخر. يمكن إسقاط سلطة، ولا تسقط معها العلاقات والتعبيرات التي عاش الناس داخلها. ويمكن أن تتغير الوجوه، بينما تبقى الجماعات القديمة، أو تظهر جماعات جديدة، هي الأماكن التي يستطيع الفرد أن يجد فيها الحماية والاعتراف والقوة.

بحثاً عن مؤسسة صالحة 

لا مؤسسة سورية اليوم تحتوي السياسة بما يكفي. لا يوجد مكان فعلي يذهب إليه السوري بوصفه مواطناً لا بوصفه ابن منطقة أو طائفة أو عشيرة أو ثورة. البرلمان ليس مجالاً للصراع السياسي، والأحزاب غائبة، والقضاء لا يظهر بوصفه المرجع الطبيعي في لحظة النزاع، وحتى الشرطة حين تدخل لا تنهي بالضرورة الحكاية سياسياً وقانونياً. لهذا يعود الوجهاء، وتعود الجماعات، وتعود المنطقة. ليس لأن السوري يحب بالضرورة أن يكون ابن جماعة، بل لأن الجماعة في لحظات كثيرة أكثر فاعلية مما يحوزه المواطن.

ابن العشيرة لديه عشيرة، وابن المنطقة لديه أهل المنطقة، وابن الثورة لديه ماض يستطيع أن يطالب من خلاله بالشرعية. أما المواطن، ماذا لديه؟

هنا تصبح الحروب السورية الصغيرة أكثر من مجرد بقايا للنظام السوري. بعضها من بقاياه بالتأكيد، وبعضها الآخر يولد الآن، من الطريقة التي خرجنا بها من النظام ومن الطريقة التي تتشكل بها السلطة الجديدة. الفراغ السياسي لا يبقى فارغاً، تملؤه الأشياء الموجودة والقادرة على الفعل: العشيرة، والطائفة، والمنطقة، والسلاح، والذاكرة، والأسبقية في الثورة. لهذا ليس دقيقاً القول إن السوريين عادوا ببساطة إلى انتماءاتهم القديمة. بعض هذه الانتماءات لم يذهب أصلاً، وبعضها يعاد إنتاجه الآن لأن البديل السياسي غير موجود أو لا يعمل. حين لا تمنح المواطنة الفرد قدرة فعلية على الحماية والتأثير، تصبح الجماعة أكثر قدرة على منحه الاعتراف والقوة، ويبدأ الانتماء الذي كان يفترض أن يكون اجتماعياً أو محلياً بالتحول إلى أداة سياسية.

وهنا لا تعود حادثة جديدة عرطوز مهمة فقط بسبب ما حصل فيها، بل بسبب السرعة التي اكتسبت فيها الجغرافيا معنى سياسياً. فقبل أن نعرف تماماً من اعتدى على من، كان السؤال عن أهل المكان، وأهل الدير، ومن يملك الحق فيه، قد أصبح جزءاً من الحادثة نفسها.

أهلنة الحدث

يمكن تسمية ذلك أهلنة الحدث. الحادثة لا تبدأ أهلية، وليس ضرورياً أن يكون لدى الناس استعداد مسبق لصراع أهلي. يبدأ الصراع بين أفراد، ثم يُسحب من مستوى الأفراد إلى مستوى الجماعات. وهذا ما شهدته سوريا في حوادث الخطف والاغتيال والضرب والسطو: على مدار أعوام كبيرة من انفجار الثورة وفساد الدولة وسوئها، يتحول الكلام من فلان اعتدى على فلان، إلى هؤلاء اعتدوا علينا. يتغير الضمير، ومعه يتغير حجم النزاع.

طبعاً لا ينطبق ذلك على الفزعات والهجمات الطائفية على الدروز والعلويين، هؤلاء، محكومون بهويات تسبق الأسد ونظامه، الاستباحة ناشئة من “آخرية” قائمة على العداوة، يكفي أن “يستفز” درزي واحد أو علوي واحد المقدسات القديمة والجديدة، حتى يستهدف “الجميع”.

ومن السهل هنا رد أنماط الحماية والثأر والاستقواء إلى ثقافات مختلفة، لكن ذلك لا يفسر لماذا بقيت العشيرة قادرة أصلاً على أداء وظائف الحماية والوساطة وتحصيل الحق، ولا لماذا بقي مئات الشبان بلا أمكنة فعلية للعيش والتفاعل خارج الشارع وثقافة اللعب العنيف. ودير الزور نفسها لا يمكن اختصارها بالعشيرة.

 المنطقة مرت عليها طبقات متراكمة من السلطة والعنف، حافظ النظام خلالها على قوة رؤوس العشائر وتعامل معهم بوصفهم وسطاء قادرين على تمثيل جماعات كاملة، ثم جاءت الحرب ودخلت العشائر فيها من مواقع مختلفة، ومر تنظيم داعش أيضاً على المنطقة وفرض شكلاً آخر من السلطة يلغي الفرد لمصلحة الجماعة والقيادة. وبين هذا كله بقي الفقر وضعف التنمية وانكماش المؤسسات العامة جزءاً من حياة المنطقة. لذلك لا يمكن التعامل مع أنماط الاحتكام الموجودة اليوم باعتبارها مجرد ثقافة عشائرية، فهناك تاريخ كامل جعل الوصول إلى الحماية أو الحق أو حتى الاعتراض يمر كثيراً عبر وسيط أقوى من الفرد.

والمشكلة لا تتعلق بالعشيرة وحدها، بل بالطريقة التي تعاملت بها السلطة معها. من حافظ الأسد إلى اليوم بقيت العشيرة بالنسبة إلى الدولة بنية سهلة الاستعمال: لها رؤوس معروفون، ويمكن مخاطبتها والتفاوض معها وتمثيلها وتعبئتها كجماعة. بدل أن تعمل الدولة على جعل الفرد أقل حاجة إلى هذا النوع من التمثيل، حافظت عليه وأعادت استخدامه. والسلطة الجديدة لم تقطع تماماً مع هذا التقليد، وظهر ذلك بوضوح في أحداث السويداء، حين ظهر أبناء العشائر مرة أخرى ككتلة سياسية واجتماعية واحدة، ثم شُكرت العشائر جماعياً على تدخلها ومواقفها. هنا تصبح المفارقة أوضح، الدولة قد تعترض على أن تتصرف الجماعة خارجها، لكنها في الوقت نفسه تعترف بها كوحدة سياسية قابلة للاستعمال والتمثيل. آخر سلطات سوريا تعاملت مع العشيرة كبنية يمكن إدخالها بسهولة في الصراع الأهلي، لا كبنية يجب أن تصبح أقل ضرورة سياسياً. وفي الجهة الأخرى، لا تجعل المدينة ساكنها مواطناً بالضرورة، ابن المدينة يستطيع أن يكون مناطقياً ومستعداً للاستقواء بجماعته مثل ابن العشيرة. المدينة ليست قيمة أخلاقية من دون شروط كثيرة على الجميع الامتثال لها.

من هو الفرد الذي يعرف الدولة؟

المسألة في النهاية هي: هل يستطيع الفرد الحصول على حقه مستقلاً عن عدد أقاربه، ومنطقته، ومن يستطيع الوقوف خلفه؟ الدولة الحديثة لا يفترض أن تلغي روابط الناس المعتادة أو تغير أصولهم، بل أن تجعل هذه الروابط غير ضرورية للحصول على الحق. جربنا هذه الروابط كثيراً، ورأينا فعلها خلال الحرب الأهلية الطويلة. والسؤال هو متى يستطيع ابن العشيرة وابن المدينة، والقادم والمقيم، الذهاب إلى المؤسسة نفسها، وأن تكون قيمة الواحد منهم أمام القانون مستقلة عن الجماعة التي تستطيع التحرك باسمه.

سلطات سوريا المتعاقبة لم تنجح في بناء هذا النوع من العلاقة. ويظهر ذلك بصورة أكثر حدة اليوم. حتى مشهد المصالحة في جديدة عرطوز أعاد إنتاج صيغة سورية من السيئ أنها مألوفة ، بدلاً من أن تظهر المؤسسة القانونية باعتبارها صاحبة الاختصاص، ظهر الوجهاء والشخصيات العسكرية والدينية لإنجاز صلح أهلي. تغيرت الشخصيات واللغة والسلطة، لكن بقي النزاع يُعاد من الفرد إلى الجماعة، ثم تعود الدولة لتتحدث مع الجماعة كي تعيده إلى الهدوء. 

بدل لجان المصالحة والشخصيات البعثية القديمة، هناك وجوه جديدة تؤدي وظيفة قريبة، ضبط المجتمع بواسطة وسطاء قادرين على التحدث باسمه. يظهر في حادثة مثل جديدة عرطوز، مكان السؤال عن الحق، سؤال سوري قديم: “مين إلو ظهر؟”. وحين يصبح هذا السؤال مهماً، يكون الاستقواء قد بدأ يحل محل الحق. ولا تعود المشكلة فقط في من اعتدى على من، بل في المجتمع والدولة اللذين يعيدان الفرد، كلما وقع نزاع، إلى الجماعة التي تقف خلفه.

ظهور خطاب ثقافوي واسع، شارك فيه إعلاميون وناشطون، أدى إلى نسيان الحادثة نفسها تقريباً، وبدأ يتحدث عن أهل الدير وطبائعهم، أو عن أهل المنطقة وحقهم فيها، أو عن العشائر وسلوك جماعات كاملة. وهنا يتم تحويل مشكلة سياسية ومؤسساتية إلى مشكلة في ثقافة الناس وخبراتهم. فبدلاً من السؤال: لماذا ينجح خلاف فردي في استدعاء جماعة بكاملها؟ يصبح السؤال: ما الذي يجعل هذه الجماعة عنيفة أو عشائرية أو غير قابلة للاندماج؟ الخطاب الثقافوي، بهذا المعنى، لا يفسر الحادثة بقدر ما يخفي أحد أهم شروطها: ضعف المؤسسة التي يفترض أن تجعل أصول المعتدي وأقاربه ومكان ولادته تفاصيل غير ذات أهمية. 

واللافت أن السلطة نفسها لم تكسر هذ المنطق، إنها تمارس خبرتها، فهي دخلت النزاع بأدواتها الأمنية، لكنها حين وصلت إلى إنتاج الحل عادت إلى لغة الوجهاء والمصالحة والتمثيل الجماعي. وهنا تظهر خبرة حكم تشكلت قبل دمشق، علاقات هيئة تحرير الشام وجبهة النصرة، في بيئة كانت التسويات المحلية والوسطاء الدينيون والعسكريون والأهليون جزءاً أساسياً من إدارة المجتمع وتنظيم صراعاته. انتقال السلطة إلى مستوى الدولة لم يغير أي شيء.

الخطاب الثقافوي والسلطة، على رغم اختلافهما، يلتقيان في نقطة واحدة، كلاهما يتعامل مع الجماعة باعتبارها وحدة حقيقية للفعل السياسي والاجتماعي. الأول يحملها صفات جماعية ومسؤولية جماعية، والثانية تستدعي ممثليها كي تتفاوض معها وتضبطها. على أي حال سيختفي الفرد، المعتدي والضحية كلاهما مستلبان. 

مشكلتنا السورية الأعمق أن الدولة ستمنع الاشتباك والعنف بسهولة، وقد تصلح بين الأهالي، لكن بنية العنف واستعداده والبحث عن الاستقواء سيبقى، كل سوري سبحث عن ظهر، أو عن ناشط ثوري سابق إعلامي يضع ذاته أمام جماعة ويدفع اتجاهها.

04.09.2026
زمن القراءة: 8 minutes
|
آخر القصص
ذاكرة الأطفال المعلّقة: قراءة في فيلم Sentimental Value
زينة علوش - خبيرة دولية في الحماية من العنف ضد الأطفال | 14.10.2026
كيف يورّث أحمد العوضي الذكورية لجيل الشباب؟
إيمان عادل- صحافية مصرية | 14.10.2026

اشترك بنشرتنا البريدية