ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“نؤلمهم ويؤلموننا”: حزب الله حوّل الجنوب إلى ميزان ألم غير متكافئ

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

“نؤلمهم ويؤلموننا” عبارة لا تستقيم، واستخدامها كمعادلة قوة هو استخدام مخادع. نعم، الإسرائيليون يتألمون. هناك شمال إسرائيلي متضرر ومهجّر، وهناك خوف وخسائر، لكن لبنان لا يتألم فقط، بل يُسحق. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في مقابلة مع قناة “الجزيرة”، يقول القيادي في حزب الله محمود قماطي، رداً على سؤال حول مسؤولية الحزب عن فتح الحرب والإصرار عليها: “الإسرائيلي لا يحتاج إلى ذريعة، الإسرائيلي هذا مشروعه ونحن مستمرون في المقاومة حتى لو دمّر، حتى لو فجّر، حتى لو قتل، وحتى لو فعل ما فعل… إنهم يألمون كما تألمون… اليوم نحن نؤلمهم ويؤلموننا، ولكننا نرجو من الله ما لا يرجون، ونرجو النصر، ولن نتراجع ولن نتوقف ولن نستسلم…”.

يحاول قماطي وحزبه تقديم هذا الكلام كإعلان شجاعة سياسية وثبات في مواجهة إسرائيل، لكنه، في جوهره، إعلان مخيف عن الاستعداد لاستخدام الجنوب وأهله كوقود مفتوح لحرب طاحنة لم يُستشاروا فيها. الأخطر في العبارة ليس فقط قرار الاستمرار في القتال، بل طريقة الكلام عن الدمار والقتل كأنهما تفصيلان عابران في طريق “النصر”، لا حياة ناس وبيوت وقرى وذكريات وأطفال ومسنّين.

“نؤلمهم ويؤلموننا” عبارة لا تستقيم، واستخدامها كمعادلة قوة هو استخدام مخادع. نعم، الإسرائيليون يتألمون. هناك شمال إسرائيلي متضرر ومهجّر، وهناك خوف وخسائر، لكن لبنان لا يتألم فقط، بل يُسحق. 

 بلد صغير تُمحى قراه، يُقتل أهله، وينزح أكثر من مليون من سكانه. حين يحوّل حزب الله هذه الفجوة الهائلة في الكلفة إلى عبارة “بطولية”، فهذا تزوير للواقع.

لا، ليس الألم متبادلاً بالحجم نفسه، والخراب ليس موزعاً بالتساوي. هذه حرب يديرها حزب يقول إنه يؤلم إسرائيل، لكن الفاتورة الكبرى تُدفع من أرض الجنوب وبيوته ومستقبل أهله وذاكرتهم التي يمعن الإسرائيلي في سحقها وتجريفها.

المشكلة ليست في توصيف إسرائيل كقوة عدوانية، هذا واقع يعرفه اللبنانيون، وخصوصاً الجنوبيين، أكثر من أي أحد. إسرائيل لا تحتاج إلى ذرائع، ولديها تاريخ طويل من الاجتياحات والاحتلال والقصف والتدمير. لكن الاعتراف بعدوانيتها وخطرها لا يلغي السؤال اللبناني الداخلي: من أعطى حزب الله حق تقرير الحرب؟ ومن أعطاه حق تحويل قرى الجنوب إلى خط نار دائم؟ ومن فوّضه بأن يقول للناس: سنقاتل “حتى لو دمّر، حتى لو فجّر، حتى لو قتل”؟

هنا تصبح العبارة أخطر من موقف سياسي. إنها تلخيص لعقيدة كاملة تُفرض قسراً، وهي ألا كلفة توقف الحرب، لا دمار يفرض المراجعة، لا نزوح يهزّ المعادلة، ولا موت يكفي كي يُطرح السؤال. كأن أهل الجنوب وقّعوا للحزب تفويضاً مفتوحاً بأجسادهم وبيوتهم وذاكرتهم وأرزاقهم…

في مواقف متكررة، يصرّ حزب الله على أن سلاحه خارج النقاش، وأن أي دعوة إلى حصره بيد الدولة هي خدمة لإسرائيل. قماطي نفسه وصف الدعوات لنزع السلاح بأنها “طعنة” في ظهر المقاومة، ورفض التفاوض المباشر مع إسرائيل، معتبراً أن المقاومة هي التي تحمي البلاد. وذهب نعيم قاسم أبعد حين لوّح بـ”معركة كربلائية” إذا طُرح سلاح الحزب على طاولة الدولة، ومن يعترض أو يسأل عن الكلفة، أو يقول إن الجنوب لا يستطيع أن يبقى وقوداً لحروب الآخرين، يُدفع فوراً إلى خانة الخيانة أو السذاجة أو خدمة المشروع الإسرائيلي.

لكن الخطاب لا يكتمل بالتهديد السياسي وحده، بل يحتاج أيضاً إلى لغة وجدانية ودينية تُسكّن الألم ولو بالوهم، وتعيد تفسير الكارثة بوصفها امتحاناً، والنزوح بوصفه مقاماً أخلاقياً، والصبر بوصفه “وظيفة”. هنا يدخل خطاب رجال الدين والمؤثرين المحيطين ببيئة الحزب، ومنهم الشيخ قاسم الجرمقي، الذي يتميز بحضور جذاب وتأثير على السوشيال ميديا من خلال فيديوهات تقارب السياسة والمجتمع من باب الدين. وحديثاً، يكثر الشيخ الجرمقي من زيارة مراكز النازحين ومخاطبتهم بلغة تجمع بين الوعظ، والتحفيز، والتعبئة.

يقول الشيخ الجرمقي أمام نازحين، إن النصر “نازل نازل” وهذا النصر “لا ينزل على الناس اللي بعاد عن الله أو الملحد أو اللي عايش حياته بالطول والعرض، بل ينزل على علي وحسين وفاطمة وزهراء”. ثم يشرح أن حركة النصر تُقرأ بتأدية الواجب، ويصل إلى العبارة الأكثر دلالة: “نحنا هلأ وظيفتنا إنو نصبر، هيدي وظيفة”.

هذه ليست موعظة بريئة عن التماسك في لحظة قاسية. إنها، في سياقها السياسي، جزء من ماكينة تحويل الألم إلى تكليف شرعي. النازح أُخرج من واقعه كشخص فقد بيته وأمنه وحقه في الحياة الطبيعية ليصبح موظفاً في مشروع أكبر منه، ووظيفته أن يصبر، أن يجلس في مدرسة أو خيمة أو مركز إيواء، وأن يقبل بأن يتحول النزوح إلى واجب. وإذا أدى “وظيفته” جيداً، فإن “صاحب العالم والكون”، كما يقول الجرمقي، سيقدّره.

هنا تتضح خطورة اللغة. قماطي يقول للناس “سنستمر حتى لو دمّرنا الإسرائيلي وقتلنا”، والجرمقي يقول لهم “وظيفتكم أن تصبروا”. الأول يعلن قرار الحرب والثاني يجمّل كلفتها.

في مقطع آخر، يستحضر الجرمقي هجرة النبي محمد من مكة إلى المدينة، ليقول إن “النزوح ليس قلة قيمة ولا قلة مستوى، بل كرامة إذا كان مقدمة لانتصار”. ثم يضيف: “نحنا نزحنا لننتصر… نزحنا حتى نرجّع معادلات… نزحنا حتى نرجع أقوياء أشداء وأولي بأس شديد”.

هذا التشبيه ليس بلا دلالة، فهجرة النبي كانت حدثاً تأسيسياً في سياق ديني وتاريخي محدد، لا يمكن استخدامه بهذه الخفة لتجميل نزوح مئات آلاف الناس من بيوتهم… تحويل النزوح القسري إلى “كرامة” لا يلغي أنه اقتلاع، وتشبيه النازحين بالنبي لا يجيب عن السؤال السياسي حول من تسبّب بالنزوح؟ من قرر الحرب؟ من يملك حق الاستمرار بها؟ ومن يضمن ألا تتكرر المأساة بعد كل وعد جديد بالنصر؟

الحرب الإسرائيلية قتلت في لبنان أكثر من 2700 شخص منذ 2 آذار/ مارس، وسببت نزوح أكثر من مليون شخص، فيما تقول إسرائيل إن 17 من جنودها قُتلوا في جنوب لبنان إضافة إلى مدنيين اثنين بهجمات حزب الله. إسرائيل احتلت نحو ستين قرية وجرفت ورمّدت قرى الحافة، بحيث محت أثر آلاف الجنوبيين وذاكرتهم.  هذه ليست كلفة متبادلة بالحجم نفسه، هذا ليس “ألماً مقابل ألم”. هذا بلد صغير يُسحق، وقرى تُمحى، وأهل يُهجّرون، مقابل أذى إسرائيلي موجود لكنه لا يوازي حجم الخسارة اللبنانية. خسارات الحرب ليست هامشاً في خطاب “الصمود”، هي جوهر المسألة، وحين يصبح النزوح الجماعي مجرد تفصيل في معركة مفتوحة، نكون أمام مصادرة كاملة لمعنى الحماية.

لذلك، ليست المشكلة فقط في أن حزب الله يخوض حرباً. المشكلة أنه يخوضها فيما يمنع المجتمع من مساءلته. يريد من الجنوبي أن يموت بصمت، وأن يفقد بيته من دون جلبة، وأن يدفن أحباءه بغبطة، وأن ينتظر وعداً غامضاً بالجنة وبإعادة الإعمار، لكن من قال إن البيت يُعاد كما كان؟ من يعيد الذاكرة؟ من يعيد الطمأنينة؟ من يعيد العمر الذي أمضاه الناس؟ ومن يضمن ألا يُبنى البيت مرة أخرى فقط كي يُهدم في الجولة التالية؟

“نؤلمهم ويؤلموننا” ليست معادلة، إنها تخدير الفاجعة. و”وظيفتنا أن نصبر” ليست عزاءً بريئاً، إنها طريقة أخرى لنقل العبء من صاحب القرار إلى الضحية. 

الحقيقة الأبسط والأقسى هي أن لبنان يُستنزف، والجنوب يُسحق، وشيعة الجنوب لم يُستشاروا في الحرب التي يدفعون ثمنها باسم الصمود، ثم يُطلب منهم أن يجدوا في هذا الثمن معنى دينياً يخفف عن الحزب مسؤولية قراره.

أيوب سعد - صحافي عراقي | 05.06.2026

عن النازع والمنزوع… فصائل تتّجه الى فكّ ارتباطها بالحشد الشعبي!

أعلنت حركة عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، عبر بيانين منفصلين، الشروع بإجراءات فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي وحصر السلاح بيد الدولة، خطوة أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمنية، ليس فقط بسبب حجم الفصيلين وتأثيرهما، بل لأنها جاءت ضمن سياق أوسع يتحدث عن إعادة رسم خارطة القوة المسلّحة في العراق.

“نؤلمهم ويؤلموننا” عبارة لا تستقيم، واستخدامها كمعادلة قوة هو استخدام مخادع. نعم، الإسرائيليون يتألمون. هناك شمال إسرائيلي متضرر ومهجّر، وهناك خوف وخسائر، لكن لبنان لا يتألم فقط، بل يُسحق. 

في مقابلة مع قناة “الجزيرة”، يقول القيادي في حزب الله محمود قماطي، رداً على سؤال حول مسؤولية الحزب عن فتح الحرب والإصرار عليها: “الإسرائيلي لا يحتاج إلى ذريعة، الإسرائيلي هذا مشروعه ونحن مستمرون في المقاومة حتى لو دمّر، حتى لو فجّر، حتى لو قتل، وحتى لو فعل ما فعل… إنهم يألمون كما تألمون… اليوم نحن نؤلمهم ويؤلموننا، ولكننا نرجو من الله ما لا يرجون، ونرجو النصر، ولن نتراجع ولن نتوقف ولن نستسلم…”.

يحاول قماطي وحزبه تقديم هذا الكلام كإعلان شجاعة سياسية وثبات في مواجهة إسرائيل، لكنه، في جوهره، إعلان مخيف عن الاستعداد لاستخدام الجنوب وأهله كوقود مفتوح لحرب طاحنة لم يُستشاروا فيها. الأخطر في العبارة ليس فقط قرار الاستمرار في القتال، بل طريقة الكلام عن الدمار والقتل كأنهما تفصيلان عابران في طريق “النصر”، لا حياة ناس وبيوت وقرى وذكريات وأطفال ومسنّين.

“نؤلمهم ويؤلموننا” عبارة لا تستقيم، واستخدامها كمعادلة قوة هو استخدام مخادع. نعم، الإسرائيليون يتألمون. هناك شمال إسرائيلي متضرر ومهجّر، وهناك خوف وخسائر، لكن لبنان لا يتألم فقط، بل يُسحق. 

 بلد صغير تُمحى قراه، يُقتل أهله، وينزح أكثر من مليون من سكانه. حين يحوّل حزب الله هذه الفجوة الهائلة في الكلفة إلى عبارة “بطولية”، فهذا تزوير للواقع.

لا، ليس الألم متبادلاً بالحجم نفسه، والخراب ليس موزعاً بالتساوي. هذه حرب يديرها حزب يقول إنه يؤلم إسرائيل، لكن الفاتورة الكبرى تُدفع من أرض الجنوب وبيوته ومستقبل أهله وذاكرتهم التي يمعن الإسرائيلي في سحقها وتجريفها.

المشكلة ليست في توصيف إسرائيل كقوة عدوانية، هذا واقع يعرفه اللبنانيون، وخصوصاً الجنوبيين، أكثر من أي أحد. إسرائيل لا تحتاج إلى ذرائع، ولديها تاريخ طويل من الاجتياحات والاحتلال والقصف والتدمير. لكن الاعتراف بعدوانيتها وخطرها لا يلغي السؤال اللبناني الداخلي: من أعطى حزب الله حق تقرير الحرب؟ ومن أعطاه حق تحويل قرى الجنوب إلى خط نار دائم؟ ومن فوّضه بأن يقول للناس: سنقاتل “حتى لو دمّر، حتى لو فجّر، حتى لو قتل”؟

هنا تصبح العبارة أخطر من موقف سياسي. إنها تلخيص لعقيدة كاملة تُفرض قسراً، وهي ألا كلفة توقف الحرب، لا دمار يفرض المراجعة، لا نزوح يهزّ المعادلة، ولا موت يكفي كي يُطرح السؤال. كأن أهل الجنوب وقّعوا للحزب تفويضاً مفتوحاً بأجسادهم وبيوتهم وذاكرتهم وأرزاقهم…

في مواقف متكررة، يصرّ حزب الله على أن سلاحه خارج النقاش، وأن أي دعوة إلى حصره بيد الدولة هي خدمة لإسرائيل. قماطي نفسه وصف الدعوات لنزع السلاح بأنها “طعنة” في ظهر المقاومة، ورفض التفاوض المباشر مع إسرائيل، معتبراً أن المقاومة هي التي تحمي البلاد. وذهب نعيم قاسم أبعد حين لوّح بـ”معركة كربلائية” إذا طُرح سلاح الحزب على طاولة الدولة، ومن يعترض أو يسأل عن الكلفة، أو يقول إن الجنوب لا يستطيع أن يبقى وقوداً لحروب الآخرين، يُدفع فوراً إلى خانة الخيانة أو السذاجة أو خدمة المشروع الإسرائيلي.

لكن الخطاب لا يكتمل بالتهديد السياسي وحده، بل يحتاج أيضاً إلى لغة وجدانية ودينية تُسكّن الألم ولو بالوهم، وتعيد تفسير الكارثة بوصفها امتحاناً، والنزوح بوصفه مقاماً أخلاقياً، والصبر بوصفه “وظيفة”. هنا يدخل خطاب رجال الدين والمؤثرين المحيطين ببيئة الحزب، ومنهم الشيخ قاسم الجرمقي، الذي يتميز بحضور جذاب وتأثير على السوشيال ميديا من خلال فيديوهات تقارب السياسة والمجتمع من باب الدين. وحديثاً، يكثر الشيخ الجرمقي من زيارة مراكز النازحين ومخاطبتهم بلغة تجمع بين الوعظ، والتحفيز، والتعبئة.

يقول الشيخ الجرمقي أمام نازحين، إن النصر “نازل نازل” وهذا النصر “لا ينزل على الناس اللي بعاد عن الله أو الملحد أو اللي عايش حياته بالطول والعرض، بل ينزل على علي وحسين وفاطمة وزهراء”. ثم يشرح أن حركة النصر تُقرأ بتأدية الواجب، ويصل إلى العبارة الأكثر دلالة: “نحنا هلأ وظيفتنا إنو نصبر، هيدي وظيفة”.

هذه ليست موعظة بريئة عن التماسك في لحظة قاسية. إنها، في سياقها السياسي، جزء من ماكينة تحويل الألم إلى تكليف شرعي. النازح أُخرج من واقعه كشخص فقد بيته وأمنه وحقه في الحياة الطبيعية ليصبح موظفاً في مشروع أكبر منه، ووظيفته أن يصبر، أن يجلس في مدرسة أو خيمة أو مركز إيواء، وأن يقبل بأن يتحول النزوح إلى واجب. وإذا أدى “وظيفته” جيداً، فإن “صاحب العالم والكون”، كما يقول الجرمقي، سيقدّره.

هنا تتضح خطورة اللغة. قماطي يقول للناس “سنستمر حتى لو دمّرنا الإسرائيلي وقتلنا”، والجرمقي يقول لهم “وظيفتكم أن تصبروا”. الأول يعلن قرار الحرب والثاني يجمّل كلفتها.

في مقطع آخر، يستحضر الجرمقي هجرة النبي محمد من مكة إلى المدينة، ليقول إن “النزوح ليس قلة قيمة ولا قلة مستوى، بل كرامة إذا كان مقدمة لانتصار”. ثم يضيف: “نحنا نزحنا لننتصر… نزحنا حتى نرجّع معادلات… نزحنا حتى نرجع أقوياء أشداء وأولي بأس شديد”.

هذا التشبيه ليس بلا دلالة، فهجرة النبي كانت حدثاً تأسيسياً في سياق ديني وتاريخي محدد، لا يمكن استخدامه بهذه الخفة لتجميل نزوح مئات آلاف الناس من بيوتهم… تحويل النزوح القسري إلى “كرامة” لا يلغي أنه اقتلاع، وتشبيه النازحين بالنبي لا يجيب عن السؤال السياسي حول من تسبّب بالنزوح؟ من قرر الحرب؟ من يملك حق الاستمرار بها؟ ومن يضمن ألا تتكرر المأساة بعد كل وعد جديد بالنصر؟

الحرب الإسرائيلية قتلت في لبنان أكثر من 2700 شخص منذ 2 آذار/ مارس، وسببت نزوح أكثر من مليون شخص، فيما تقول إسرائيل إن 17 من جنودها قُتلوا في جنوب لبنان إضافة إلى مدنيين اثنين بهجمات حزب الله. إسرائيل احتلت نحو ستين قرية وجرفت ورمّدت قرى الحافة، بحيث محت أثر آلاف الجنوبيين وذاكرتهم.  هذه ليست كلفة متبادلة بالحجم نفسه، هذا ليس “ألماً مقابل ألم”. هذا بلد صغير يُسحق، وقرى تُمحى، وأهل يُهجّرون، مقابل أذى إسرائيلي موجود لكنه لا يوازي حجم الخسارة اللبنانية. خسارات الحرب ليست هامشاً في خطاب “الصمود”، هي جوهر المسألة، وحين يصبح النزوح الجماعي مجرد تفصيل في معركة مفتوحة، نكون أمام مصادرة كاملة لمعنى الحماية.

لذلك، ليست المشكلة فقط في أن حزب الله يخوض حرباً. المشكلة أنه يخوضها فيما يمنع المجتمع من مساءلته. يريد من الجنوبي أن يموت بصمت، وأن يفقد بيته من دون جلبة، وأن يدفن أحباءه بغبطة، وأن ينتظر وعداً غامضاً بالجنة وبإعادة الإعمار، لكن من قال إن البيت يُعاد كما كان؟ من يعيد الذاكرة؟ من يعيد الطمأنينة؟ من يعيد العمر الذي أمضاه الناس؟ ومن يضمن ألا يُبنى البيت مرة أخرى فقط كي يُهدم في الجولة التالية؟

“نؤلمهم ويؤلموننا” ليست معادلة، إنها تخدير الفاجعة. و”وظيفتنا أن نصبر” ليست عزاءً بريئاً، إنها طريقة أخرى لنقل العبء من صاحب القرار إلى الضحية. 

الحقيقة الأبسط والأقسى هي أن لبنان يُستنزف، والجنوب يُسحق، وشيعة الجنوب لم يُستشاروا في الحرب التي يدفعون ثمنها باسم الصمود، ثم يُطلب منهم أن يجدوا في هذا الثمن معنى دينياً يخفف عن الحزب مسؤولية قراره.