لا يمكن فهم المشهد الجيوسياسي الراهن للشرق الأوسط من خلال الأطر المثالية للصراع الثقافي أو الديني، التي تهيمن على الروايات الإعلامية، فالعدوان المُتصاعد لإسرائيل منذ تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023، لا يمثّل مجرّد حملة أيديولوجية دينية، حتى لو تكرّر استخدام مصطلح “إسرائيل الكبرى” بشكل يومي، بل هو مظهر من مظاهر بدايات استعمارية جديدة في المنطقة، لا تلعب فيها إسرائيل دور الأداة المنفّذة فحسب، بل هي رأس الحربة والمستفيد الرئيسي وصاحبة القرار. إلا أن هذه العدوانية الإسرائيلية المتصاعدة، تضغط في اتّجاه إعادة تشكيل هياكل وبنى التحالفات والعلاقات في جميع أنحاء الشرق الأوسط بشكل جذري، ممّا يخلق تناقضات جديدة ويكثّف التناقضات القائمة. أما التحالفات المتغيّرة بين القوى الإقليمية، فهي تعكس مصالح مادّية مباشرة أكثر من كونها مجرّد تقارب أيديولوجي، أو تلاق إسلامي أو حتى إنساني حول قضيّة الشعب الفلسطيني الذي يُذبح أمام أعين الجميع.
لقد شارفت الدبلوماسية الأميركية على السقوط، لكنّ المفارقة أن سقوطها هذه المرّة سيكون على يد إسرائيل. الهجوم الإسرائيلي على مقرّ حركة “حماس” في العاصمة القطرية الدوحة في محاولة لاستهداف مفاوضي الحركة، لم يكن ضربة للمساعي الدبلوماسية مع “حماس” وحدها، بل للدبلوماسية الأميركية أيضاً. بلغ التفاخر الإسرائيلي حدّ الجنون، إلى درجة أن رئيس الكنيست الإسرائيلي أمير أوهانا نشر تغريدة على موقع “إكس” قال فيها: “هذه رسالة إلى كلّ الشرق الأوسط”، مرفقاً بها فيديو قصف الطائرات الإسرائيلية مقرّ حركة “حماس” في الدوحة.
يحمل هذا الاعتداء الإسرائيلي على دولة قطر رسائل متعدّدة: الرسالة الأولى موجّهة إلى المساعي الدبلوماسية، بما فيها عمليّة السلام، مفادها أنها وصلت إلى طريق مسدود، ولم يعد هناك خطّ رجعة؛ خاصّة وأن قطر، رغم صغر حجمها، تمتلك مكانة دبلوماسية رفيعة، وتلعب أدواراً محورية في حلّ النزاعات الدولية الشائكة. أما الرسالة الثانية فهي للولايات المتّحدة، ومفادها أن إسرائيل تفعل ما تريد، ولم تعد تستجدي الحصول على الضوء الأخضر من واشنطن. والرسالة الثالثة للمجتمع الدولي برمّته، حيث أثبتت إسرائيل أنها لا تقيم وزناً للقوانين والمؤسّسات الدولية. والرسالة الرابعة، وهي الأخطر، فهي موجّهة إلى التكتّلين الإقليميين اللذين لا يزالان قيد التشكّل، واللذين إذا استمرّا في التطوّر بشكل متصاعد، فمن المحتمل أن يتحوّلا إلى جبهة إقليمية عابرة للأيديولوجيات، وهذان التكتّلان هما: تحالف شرق البحر المتوسط بين مصر وتركيا، وتحالف الخليج العربي- الفارسي بين إيران والسعودية وقطر ضمناً.
تغيّرات تلوح في الأفق على وقع التصعيد الإسرائيلي
الاتّجاه العامّ الذي تدفع التطوّرات الأخيرة نحوه، هو إعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي بأكمله. فالتحالفات الاقتصادية بين دول مجلس التعاون الخليجي تتّجه للتحوّل إلى تحالفات دفاعية. والاتّفاقيات الموقعة مع إسرائيل، سواء اتّفاقيات السلام، أو الاتّفاقيات الإبراهيمية، ستتحوّل إلى مادّة للتجاذب السياسي الداخلي. واستمرار إسرائيل بتوسيع نطاق اعتداءاتها خارج حدود فلسطين التاريخية، من المحتمل أن يتطوّر نحو مواجهة إقليمية شاملة، ذات جبهات متعدّدة، لكلّ منها ديناميكياتها الخاصّة. في حين أن استمرار تعطّل الممرّات الاقتصادية الرئيسية بسبب الحرب القائمة، ولا سيّما في البحر الأحمر، ممّا يؤثر بشكل مباشر على سلاسل التوريد وأسعار الطاقة عالمياً، من شأنه أن يكثّف من ردود الفعل الدولية وتدخّلات القوى الكبرى على المستويات العسكرية والأمنية في منطقة الشرق الأوسط، خاصّة إذا امتدّ التعطيل إلى مضيق هرمز وبتوافق إيراني- سعودي في مرحلة متقدّمة.
لقد أجبر التصعيد الإسرائيلي دول الإقليم على إجراء إعادة تقييم شاملة، بحيث إن التحالفات التي كانت تُنسَج، وكانت لا تزال في مرحلة النماء الجنيني، بدأت تنمو نموّاً أخطبوطياً على مستوى المنطقة بأكملها تحت ضغط هذا التصعيد. هذه التحالفات جاءت كردّ فعل مباشر، وليس كموقف منطلق من تصوّرات أيديولوجية، أو اعتبارات دينية وقومية، أو كسلوك يتوافق مع قيم أخلاقية ومبادئ إنسانية رافضة للإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزّة.
بناءً على ما سبق، فإن السمة الأساسية التي تميّز هذه التحالفات قيد التكوين عن التحالفات التاريخية السابقة في المنطقة، هي أنها ستكون عابرة للأيديولوجيات، لا ترتكز على أي من الأيديولوجيات القومية العربية أو الإسلامية، حتى لو استخدمت بعض أطرافها الخطاب الأيديولوجي كسلاح شعبوي لاستثارة مشاعر الجماهير وكسب تأييدها. هناك في الأفق ما يتجاوز تاريخ ما يسمّى بالصراع العربي- الإسرائيلي، وأحلام “الوحدة العربية”، أو التعبئة الشعبوية الدينية للمسلمين من أجل “استعادة المسجد الأقصى”. هذه المحاور التقليدية عفا عليها الزمن منذ عقود، وتعرّضت آخر معاقلها للتفتيت بعد سقوط النسخة الميليشياوية الطائفية للمحور الإيراني.
ما يجمع أطراف هذه التحالفات قيد التشكّل بشكل أساسي، ليس علاقاتها الدبلوماسية المباشرة ومصالحها الاقتصادية المتداخلة عضوياً، بل تلاقيها الاستراتيجي لإيقاف إسرائيل عن توسيع سيطرتها في المنطقة، حفاظاً على ما نسجته من علاقات دبلوماسية ومصالح اقتصادية، ومنعاً لإسرائيل من إلحاق الأضرار العميقة بالتشكيلات الجيوسياسية التي نشأت على مدى عقود من الزمن. بالتالي، فإن هذه التحالفات، سواء كانت جزئية أو متكاملة، دفاعية واستراتيجية أو مؤقتة أو محدودة الطابع، لن يكون على قائمة أهدافها “تحرير فلسطين”، أو إعادة إحياء القضيّة الفلسطينية، أو إنقاذ أهالي غزّة من الإبادة الجماعية، أو عرقلة احتلال الضفّة الغربية، بل سيكون هدفها الرئيسي إيقاف التوسّع الإسرائيلي خارج حدود فلسطين التاريخية، خاصّة في جنوب سوريا، وإيقاف مخطّط تهجير سكّان غزّة والضفّة الغربية إلى سيناء والأردن، وصولاً إلى إيقاف مسار تفكّك الدول الوطنية المتلازم مع مسار فرض مشاريع التقسيم الجديدة، عبر إعادة تشكيل النسيج المجتمعي في المنطقة، خاصّة بعد أحداث السويداء الأخيرة.
عوامل إضافية تدفع نحو إنشاء التحالفات الإقليمية الجديدة
غالباً ما يتمّ تجاهل التناقضات الداخلية في المجتمعات في سياق أي دراسة أو تحليل جيوسياسي. تلك التناقضات، التي تنطوي على تضارب المصالح الطبقية، وتصاعد التوتّرات الاجتماعية، وتكثيف الحراكات السياسية المعارِضة، خصوصاً في بلدان مثل إيران وتركيا ومصر، تضغط على أنظمة هذه البلدان التي تخشى عودة الاحتجاجات الشعبية الكبيرة في هذه الفترة الزمنية الحرجة. هذا العامل الداخلي أساسي في دفع تلك الأنظمة نحو تكوين تحالفات إقليمية، في مسعى لمنع حالة السخط الشعبي من التحوّل إلى حراكات سياسية جماهيرية. فجميع تلك البلدان تعاني من ارتفاعات كبيرة في معدّلات التضخّم وتآكل القدرة الشرائية، وانخفاض كبير في قيمة العملات المحلّية (الجنيه المصري والليرة التركية والريال الإيراني) أمام الدولار الأميركي، وارتفاع معدّلات البطالة، فيما تتعرّض اقتصاداتها لضغوطات خارجية بعضها يصل إلى درجة تهديد الأمن الغذائي.
بالإضافة إلى ذلك، تلعب التهديدات الإسرائيلية المباشرة وغير المباشرة للأمن القومي في كلّ من إيران ومصر بالدرجة الأولى، وفي تركيا بالدرجة الثانية، ومؤخّراً في دول الخليج العربي، خاصّة بعد استهداف مقرّ حركة “حماس” في الدوحة، دوراً كبيراً في توطيد هذه التحالفات. ففي مصر، تسعى إسرائيل منذ سنوات، بمشاركة مؤسّسات التمويل الدولية، إلى تقويض الأمن الغذائي والمائي والاقتصادي المصري من خلال دعم بناء سدّ النهضة الإثيوبي، الذي سيؤدّي إلى تقليل حصّة مصر من مياه نهر النيل بشكل كبير، وسيكون له آثار سلبية مباشرة على الزراعة وتوليد الكهرباء من السدّ العالي، إضافة إلى تفاقم التدهور البيئي وانتشار التصحّر بشكل حتمي.
هذا الدور الإسرائيلي الذي يصب في مصلحة إثيوبيا على حساب مصر (والسودان طبعاً) لا يحرّكه بالضرورة الخوف من النظام المصري الحاكم بقيادة عبد الفتّاح السيسي، بل هو سلوك استباقي يهدف إلى إلغاء المخاطر أو احتوائها في حال حدوث تحوّلات استراتيجية كبرى، تتضمّن وصول قوى معادية لإسرائيل إلى الحكم. إلا أن هذا السلوك بحدّ ذاته يدفع نحو تسريع تلك التحوّلات، ونحو تزايد النقمة المصرية تجاه إسرائيل، حتى من قِبل نظام السيسي نفسه. أما في إيران، فلم تتردّد إسرائيل في حزيران/ يونيو الماضي في قصف العديد من المنشآت النووية والعسكرية ومصانع الصواريخ الإيرانية، واغتيال علماء نوويين إيرانيين، وإحداث خراب كبير، في خطوة كان يمكن أن تورّط دول الإقليم كلّه في حرب واسعة النطاق، فيما لا تزال إسرائيل تهدّد، عبر تصريحات مسؤوليها العسكريين والسياسيين، بإطلاق هجوم جديد ضدّ إيران في أيّ لحظة.
الدور المركزي لدول الخليج العربي وإيران
هناك تمايز بين السياسات الخارجية لدول الخليج العربي، رغم سعيها لتحقيق التكامل الاقتصادي تحت مظلّة دول مجلس التعاون الخليجي. فعلى سبيل المثال، ترفض السعودية تطبيع العلاقات مع إسرائيل دون اعتماد حلّ الدولتين في فلسطين، بينما اتّجهت الإمارات العربية المتّحدة والبحرين نحو تطبيع العلاقات بشكل كامل، من دون الأخذ بالاعتبار حساسية المسألة الفلسطينية. لكن رغم سلوك الإمارات مسلك التطبيع الكلّي للعلاقات والتحالف مع إسرائيل، معتبرة بذلك أنها توفّر الحماية الكاملة لاقتصادها من الحروب والمخاطر الجيوسياسية، وهو ما تُوِّج بتوقيع اتّفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة التي دخلت حيّز التنفيذ في عام 2023، بالإضافة إلى مشاركتها في الاتّفاقيات الإبراهيمية (2020 و2021) وضع القصف الإسرائيلي للعاصمة القطرية دول مجلس التعاون أمام امتحان حقيقي، الأمر الذي دفع بالإمارات إلى اتّخاذ موقف سلبي لأوّل مرّة منذ زمن طويل، حيث قرّرت منع الصناعات العسكرية الإسرائيلية من المشاركة في معرض الأسلحة الذي تستضيفه دبي في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، في إشارة إلى أن العدوانية الإسرائيلية قد بدأت بتهديد المصالح المباشرة للدول الخليجية.
كما أن التضارب بين المصلحتين الإسرائيلية والأميركية يتزايد، رغم العلاقة التاريخية شبه التكاملية التي تجمعهما، كلما تجاوزت إسرائيل حدودها في دول الخليج العربي. قطر هي الحليف الرئيسي للولايات المتّحدة من خارج حلف الناتو، وتستضيف نحو 11 ألف عسكري أميركي وأكبر قاعدة جوّية أميركية في الشرق الأوسط. تأكيد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو أن الهجوم في الدوحة كان عمليّة “مستقلّة تماماً وتتحمّل إسرائيل مسؤوليّتها الكاملة”، وأن الولايات المتّحدة لم تُبلّغ مسبقاً، يؤكّد استمرار إسرائيل في إلحاق الأضرار بعلاقات الولايات المتّحدة وأهداف سياستها الخارجية، لا سيّما الاقتصادية منها، وأن إسرائيل لا تمثّل مجرّد امتداد ميكانيكي للمصالح الأميركية، بل إنها تكتب تاريخاً خاصّاً بها، وتجرّ الولايات المتّحدة وراءها، وربما ستجرّ العالم كلّه نحو صدامات غير متوقّعة.
لقد عزّزت السعودية علاقاتها مع أقطاب جيوسياسية متنامية، خصوصاً ضمن مجموعة “بريكس”، وربما سوف تحسم موقفها من الانضمام إلى المجموعة بعد فشل الولايات المتّحدة من احتواء التصعيد الإسرائيلي، الذي طال إحدى دول مجلس التعاون. إذ كان وليّ عهد السعودية ورئيس مجلس وزرائها محمّد بن سلمان يُرجئ قرار الانضمام إلى مجموعة “بريكس” تجنّباً لإثارة استياء الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خاصّة وأن اتّفاقيات الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية (2025) التي أبرمها ترامب مع السعودية وقطر والإمارات العربية المتّحدة بلغت قيمتها 3.2 تريليون دولار. اللافت أن هذه الاتّفاقية تضمّنت شراء السعودية أسلحة دفاعية وهجومية نوعية وبعيدة المدى، من ضمنها أسلحة متطوّرة عالية الدقّة، وهو ما رفض ترامب تقديمه للسعودية خلال فترة ولايته الرئاسية الأولى.
هذه الأسلحة وافقت الولايات المتّحدة على بيعها للسعودية على أساس أن الأخيرة تشكّل الخطّ الدفاعي الأوّل في المنطقة بمواجهة النفوذ الإيراني، بينما في الواقع، تشهد العلاقات السعودية- الإيرانية تطوّراً غير مسبوق، يشمل التقارب على المستوى العسكري، بعد عقود من الصراع بالوكالة بينهما عبر الميليشيات الطائفية المتشدّدة، وخاصة بعد تكثيف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي زياراته دول الخليج العربي، وبالتحديد السعودية حيث التقى بن سلمان أكثر من مرّة خلال أقلّ من سنة.
كان أهمّ تلك اللقاءات في 8 تمّوز/ يوليو الماضي، أي بعد أيّام من انتهاء الحرب الإسرائيلية- الإيرانية، التي تعرّضت فيها معظم المنشآت النووية الإيرانية للتدمير، كما اجتمع عراقجي مع وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان، وإذا كان ذلك يدلّ على شيء، فهو يدلّ على أن العلاقات بين البلدين تتّجه بثبات نحو إقامة تحالف استراتيجي، حتى لو كان موقف السعودية المعلن يدعو إلى وقف الحرب وعودة الاستقرار إلى المنطقة، وهو الأمر الذي يثير قلق إسرائيل، وربما سيدفعها إلى توجيه تهديدات مباشرة للسعودية في المستقبل القريب. بالإضافة إلى أن تزايد النفوذ السعودي في سوريا، وتطوّر العلاقات السعودية- التركية من البوابة السورية أيضاً، سوف يجعل من السعودية هدفاً مستقبلياً لإسرائيل.
ناقوس الخطر الأول لم يُقرَع من قطر بل من إيران
لم تبدأ التحرّكات الدبلوماسية بعد قصف إسرائيل للدوحة. كلّ من السعودية وتركيا ومصر رأى في قصف إسرائيل للمنشآت النووية الإيرانية خطراً استراتيجياً على أمنها القومي، خاصّة وأن إسرائيل تجاوزت الخطّ الأحمر الأكثر خطورة، رغم التردّد الأميركي. فالخطّ الأحمر المتمثّل بالاعتداء على إحدى دول الخليج العربي، ليس أكثر خطورة من ذاك المتمثّل بقصف المنشآت النووية الإيرانية. قوى الرباعي الإقليمي، السعودية وإيران وتركيا ومصر، المتنافسة بطبيعة الحال، لم تسعَ يوماً إلى تدمير بعضها بعضاً بقدر ما اقتصر تنافسها على تقسيم وإعادة تقسيم نفوذها الجيوسياسي في المنطقة، تارةً من خلال الحروب بالوكالة، وتارةً أخرى عبر تكوين تحالفات وتكتّلات مع قوى دولية متعارضة. في المقابل، تتجرّأ إسرائيل على توسيع نطاق تعدّياتها، لدرجة أنها تهدّد بإشعال حرب إقليمية.
هذا التقارب بين تلك القوى من المرجّح أن ينتج عنه تراجع كبير لدعم الميليشيات الطائفية وتمويلها، فالمرحلة التي تحاول إسرائيل أن تفتتحها بالحديد والنار، هي مرحلة صراع الأقطاب الإقليمية، وإسرائيل تراهن على تغذية التوجّهات التقسيمية التي يحفّزها بشكل أساسي وجود الميليشيات الطائفية والإثنية. المرحلة المقبلة ستكون مرحلة صراع الدول الكبرى، لا الميليشيات التي تعتاش على صناعة المخدّرات وتصديرها، وقنوات التهريب، والجريمة المنظّمة، واستخدام النفوذ السياسي لتحقيق مكاسب فئوية على حساب المجتمعات ومواردها العامّة. وبالطبع، لا يمكن استثناء العراق من هذه المعادلة، إلا أن إشكالية ميليشيات “الحشد الشعبي” تظلّ عائقاً يجب تجاوزه حتى يتسنّى للعراق أن يستنهض قواه الذاتية ويعيد ترميم جيشه بشكل حقيقي.
يتّجه الشرق الأوسط نحو تعدّدية قطبية جديدة هدفها الأساسي إيقاف إسرائيل، أو حتى عزلها دبلوماسياً واقتصادياً في حال تصاعد عدوانها المتفلّت من كلّ الضوابط، بما فيها الضوابط الأميركية. وهذه التحالفات تتشكّل أيضاً رغماً عن الإرادة الأميركية. الأمر المثير للغرابة هو أن المجتمع الدولي لم يبدأ بعد بالتعامل مع إسرائيل كدولة مارقة، رغم أنها أصبحت تهدّد السيادة الوطنية لعدد من الدول والمجتمعات في وقت واحد (إيران، اليمن، لبنان، سوريا، قطر، تونس) وتهدّد دولاً ومجتمعات أخرى بخرق سيادتها (تركيا، مصر، الجزائر) إلى جانب استمرارها بارتكاب الإبادة الجماعية في قطاع غزّة، وتهديدها باحتلال الضفّة الغربية، وهو أمر لم يشهده العالم منذ صعود النازية في النصف الأول من القرن الماضي.










