ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

نتالي وفرح ونور وغيرهن… من يحمي أطفال سوريا وطفلاتها؟ 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

قُطع الطريق العامّ القديم الواصل بين جبلة وبانياس، الطريق الذي تسلكه حافلات نقل الركّاب نحو قرى الريف، وقام بذلك شبّان ورجال من قرية الحويز احتجاجاً على اختفاء طفلة. حضرت قوّات الأمن إلى المكان باستنفار واضح، فيما انتشر الخبر سريعاً: طفلة في الثامنة من عمرها اختفت من منزلها في وضح النهار. تعدّدت الاتّهامات في تلك الساعات، قبل أن تعود الطفلة إلى أهلها.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في 3 آب/ أغسطس 2026، اختفت الطفلة نتالي محمّد الدخيل، البالغة من العمر ثماني سنوات، من منزلها في قرية الحويز بريف جبلة. وبعد نحو خمس ساعات، أُعيدت إلى أهلها، وظهرت في مقطع مصوّر تستقبلها والدتها، مرتدية ثياباً رثّة، فيما بدت على وجهها علامات التعب والخوف.

تعدّدت الاتّهامات، وفق روايات من أهل الطفلة وأشخاص من المنطقة، نحو مجموعة من رعاة الأغنام، على خلفية خلاف قديم مع أسرة نتالي. وبحسب هذه الروايات، كان الرعاة ينصبون خيامهم في أرض ملاصقة لأرض الأسرة، ويتركون مواشيهم ترعى في أرض عائلة الدخيل، ما أدّى في وقت سابق إلى خلاف تدخّلت قوّات الأمن لحلّه ومنع تكراره.

كما تداولت صفحات على فيسبوك وأشخاص من المنطقة رواية تربط الخلاف برغبة هؤلاء الرعاة في الحصول على أرض الأسرة، من دون أن نتمكّن من التحقّق من طبيعة هذه الرغبة، أو ممّا إذا كانت هناك محاولة لشرائها أو للاستيلاء عليها، كما لم نتمكّن من التحقّق من وجود صلة مباشرة بين الخلاف واختفاء نتالي.

وتأتي الحادثة في منطقة شهدت خلال السنوات الماضية توتّرات ذات أبعاد طائفية، ما جعل واقعة أمنية كهذه قابلة لأن تُقرأ سريعاً من خلال الانتماءات والهويّات. ومع قطع الطريق وتجمهر الأهالي وحضور القوّات الأمنية، ثم انتشار الاتّهامات والروايات المتناقضة على مواقع التواصل الاجتماعي، اتّسعت دائرة التوتّر، وأصبح اختفاء نتالي قابلاً لأن يتحوّل إلى شرارة في بيئة مشحونة أصلاً.

وهنا تكمن خطورة التعامل مع الحادثة من خلال هويّة الأطراف أو الانتماءات قبل معرفة ما حدث فعلاً؛ فكل رواية غير مؤكّدة يمكن أن تتحوّل إلى وقود في صراع أكبر من القضيّة نفسها. ونتالي؛ في النهاية، ليست طرفاً في أي من هذه الصراعات، ولا ينبغي أن تتحوّل قصّتها إلى وقود لها.

وسط كل هذه الروايات، هناك حقيقة واحدة لا خلاف عليها: طفلة في الثامنة من عمرها اختُطفت من منزلها لساعات، ثم عادت إلى أهلها منهكة وخائفة، وقالت في مقطع مصوّر إنها تعرّضت للضرب وإن ثلاثة أشخاص أخذوها في سيّارة. تحرّكت القوّات الأمنية بسرعة، وانتشر خبر عن إلقاء القبض على ثلاثة أشخاص، من دون أن تؤكّده وزارة الداخلية حتى الآن. أما هويّة الخاطفين ودوافعهم، وما حدث لنتالي خلال الساعات التي غابت فيها، فتبقى تفاصيل يفترض أن تخرج للعلن عبر جهة رسمية.

نتالي ضحيّة السرديات

الحادثة التي تحوّلت إلى مادّة لسجال كبير؛ صفحات اتّهمت “الفلول”، وأخرى وجّهت المسؤولية إلى السلطة، وثالثة حمّلت أهالي المنطقة مسؤولية ما حدث، فيما شكّكت صفحات أخرى أصلاً في رواية اختفاء الطفلة. هكذا أصبحت نتالي، من دون أن تعرف شيئاً عن كل هذه الاصطفافات، جزءاً من معركة روايات يحاول كل طرف من خلالها إثبات روايته في مواجهة الآخر.

 ليس الخلاف السياسي بين السوريين هو المشكلة، ولا يفترض أن يكون انتقاد السلطة أو مساءلتها موضع اعتراض. المشكلة تبدأ عندما يصبح ألم طفلة دليلاً سياسياً قبل أن يصبح قضيّة تستحقّ الحقيقة والعدالة. ما تحتاجه نتالي أن نعرف ماذا حدث لها، وأن يُحاسب من تثبت التحقيقات مسؤوليته، وقبل ذلك أن تحصل على حقّها في الحماية والخصوصية.

في اليوم نفسه، ظهرت نتالي بعد عودتها في عدّة مقاطع مصوّرة، لكنّ الأكثر إثارة للقلق كان ظهورها في أحدها وهي تجلس في حضن والدتها، فيما توجّه لها امرأة سيلاً من الأسئلة عمّا جرى خلال ساعات اختفائها. قد يبدو الأمر محاولة لمعرفة الحقيقة، لكنّه يثير سؤالاً أبسط: هل يحقّ لأي شخص أن يستجوب طفلة في الثامنة من عمرها أمام الكاميرا، بعد وقت قصير من عودتها من تجربة لا نعرف حتى الآن تفاصيلها، وأمام جموع من المتابعين يترقّبون كل كلمة قد تقولها؟

المشكلة لا تتوقّف عند انتهاك خصوصية طفلة خرجت للتوّ من تجربة مخيفة، ولكن بالطريقة التي أصبح فيها الترند غاية بحدّ ذاته؛ كلمة من طفلة خائفة يمكن أن تتحوّل خلال دقائق إلى مادّة للانتشار، أو إلى ورقة تستخدم في معركة ضد جهة سياسية أو أمنية. وبين البحث عن المشاهدات والبحث عن إدانة طرف ما، تضيع الطفلة نفسها، وتتحوّل شهادتها إلى أداة في معركة أكبر منها.

فالطفلة تحتاج إلى مساحة آمنة تحميها، وأشخاص مؤهّلين للاستماع إليها ومعرفة ما تعرّضت له، وتحقيق يستطيع الوصول إلى الحقيقة. حماية نتالي لا تعني فقط إعادتها إلى أهلها؛ تعني أيضاً حماية كرامتها وخصوصيتها.

في المقابل، شكّكت بعض الصفحات في الواقعة، ووصف بعضها الروايات بأنها مبالغ فيها، قبل عودة الطفلة، ثم عادت الصفحات نفسها بعد عودتها لتطالب الناس بشكر الأجهزة الأمنية. 

و تظهر مشكلة أخرى: فالاعتراف باستجابة أمنية سريعة لا يحتاج إلى إنكار الواقعة قبلها، كما أن معارضة السلطة أو مساءلتها لا تحتاج إلى تحويل معاناة طفلة إلى مادّة اتّهام سياسي. والحقيقة لا تحتاج إلى أن تنتصر لها جهة سياسية كي تصبح حقيقة.

كما أن الإشارة إلى سرعة استجابة الأجهزة الأمنية لا يعني منحها شيكاً على بياض، وانتقادها لا يعني تجاهل ما قامت به في هذه الحادثة. فمسؤولية السلطة لا تبدأ عند لحظة الاختفاء ولا تنتهي عند إعادة الطفل إلى أهله؛ ماهو مطلوب وجود  مؤسّسات قادرة على ردع الجريمة قدر الإمكان، وفرض سلطة القانون، وحماية الأطفال قبل أن يصبحوا ضحايا.

من يحمي طفلات سوريا

لم تكن نتالي الحالة الوحيدة خلال الأسابيع الأخيرة، في 16 تمّوز/ يوليو، اختفت الطفلة فرح عمّار الحمود، البالغة من العمر عامين ونصف العام، في بلدة غباغب بريف درعا. شارك الأهالي والجهات المختصّة في عمليّات بحث واسعة، قبل أن يُعثر عليها بعد أيّام مقتولة داخل مستودع للتبن. وأعلن رئيس قسم الطبابة الشرعية في درعا أن سبب الوفاة هو كتم النفس، فيما بقيت ملابسات الجريمة قيد التحقيق.

وبعد أيّام قليلة، اختفت الطفلة نور مهنّد الدوس، البالغة من العمر 12 عاماً، من بلدة نمر في ريف درعا الشمالي، قبل العثور على جثمانها مدفوناً في منطقة زراعية في محيط البلدة. وأعلنت قيادة الأمن الداخلي توقيف المشتبه به الرئيسي وإحالته إلى الجهات القضائية لاستكمال التحقيق. وتداولت منصّات التواصل الاجتماعي أن المشتبه بهم ينتمون إلى عائلة الطفلة.

لكل حادثة ظروفها وملابساتها المختلفة، وبعض تفاصيلها لا تزال قيد التحقيق. وليس المقصود جمع هذه القصص في سياق واحد للقول إنها متشابهة، بل لطرح سؤال واحد: كيف نحمي طفلاً عندما لا يكون الخطر مجهولاً أو بعيداً، بل يأتي من الدائرة الأقرب إليه؟

في خضم هذه الحالات، يبرز سؤال أكبر من هويّة الجاني: من يحمي الأطفال السوريين؟ فحماية الطفل لا تبدأ لحظة اختفائه، ولا تنتهي لحظة عودته إلى منزله.

نتالي، البالغة من العمر ثماني سنوات، خرجت من المدرسة بسبب سوء الظروف المادّية وتساعد أهلها في العمل في الأرض. ولا يمكن القول إن خروجها من المدرسة كان له علاقة مباشرة بما حدث لها، لكن قصّتها تفتح سؤالاً آخر: ماذا يعني أن يكون طفل في الثامنة خارج المدرسة أصلاً؟

فالمدرسة ليست مكاناً للتعليم فقط؛ إنها إحدى دوائر الحماية المحيطة بالطفل. فيها يُلاحظ غيابه، ويتعامل مع بالغين خارج أسرته، ويمكن أن تظهر فيها مؤشّرات العنف أو الإهمال أو الاستغلال. وعندما يخرج الطفل منها بسبب الفقر أو ظروف أسرته، لا يفقد فرصة التعليم فقط، بل يفقد جزءاً من شبكة الحماية المحيطة به.

وهذا لا يعني أن الفقر يؤدّي إلى الجريمة، أو أن العمل في الأرض كان سبباً لما حدث لنتالي. لكنّه يذكّر بأن حماية الأطفال تبدأ من الظروف التي يعيشون فيها قبل وقوع الجريمة. فالتسرّب من التعليم، والعمل المبكر، وضعف الوصول إلى الخدمات، وغياب الجهات المتخصّصة القادرة على التدخل، كلها عوامل تجعل شبكة الحماية حول الطفل أضعف.

تصبح المسألة أكثر تعقيداً عندما لا يكون الخطر بعيداً عن الطفل. في قضيّة نور مهنّد الدوس في درعا، أشارت وسائل إعلام إلى توقيف عمّ الطفلة للاشتباه بارتكاب الجريمة، إلى جانب توقيف والدها وعمّها الآخر بتهمة التستّر عليها. وإذا ثبتت هذه الوقائع أمام القضاء، فإن دائرة الخطر في هذه الحالة لم تكن في الشارع أو في جهة مجهولة، بل داخل الدائرة العائلية الأقرب إلى الطفل.

فماذا يفعل الطفل عندما يفقد الأمان داخل المكان الذي يفترض أن يكون ملاذه الآمن؟ الأسرة هي خطّ الحماية الأوّل، لكن ماذا يحدث عندما تعجز عن أداء هذا الدور، أو عندما يتحوّل أحد أفرادها نفسه إلى مصدر للخطر؟

هنا تصبح الحاجة إلى جهات متخصّصة ومستقلّة لحماية الطفل أكثر إلحاحاً. جهة يستطيع الطفل أو من حوله اللجوء إليها عندما يكون الخطر داخل الأسرة نفسها، وتملك القدرة على التدخّل والإحالة والمتابعة، من دون أن يكون الطفل مضطرّاً إلى الاعتماد حصراً على الدائرة التي قد يكون الخطر موجوداً داخلها أصلاً.

ويبقى الاختبار الحقيقي في ما سيأتي بعد عودة نتالي. فالقبض على مشتبه بهم، إن تأكّد، ليس نهاية القضيّة، كما أن توقيف أي شخص لا يعني إدانته. المطلوب تحقيق واضح يحدّد ما حدث خلال الساعات التي اختفت فيها الطفلة، ويكشف المسؤولين عنه، ثم محاسبتهم أمام القضاء، بعيداً عن ضغط الشارع أو الحسابات السياسية والطائفية.

لكن مسؤولية الدولة لا تتوقّف عند سرعة الاستجابة عندما تقع الجريمة. إحدى وظائف الدولة الأساسية هي فرض القانون على الجميع، واحتكار العنف، بحيث لا يصبح امتلاك السلاح أو القدرة على استخدامه مصدراً لقوّة مستقلّة عن القانون. وفي سوريا اليوم، ما تزال الدولة تواجه هذا التحدّي وهو مرتبط مباشرة بقدرة المواطنين، والأطفال خصوصاً، على الشعور بالأمان.

نجاح الأجهزة الأمنية في إعادة نتالي خلال ساعات أمر إيجابي، لكنّ المسؤولية الأوسع للدولة تبدأ من بناء قدرة مؤسّساتية تجعل حماية الطفل حقّاً لا يتوقّف على حجم الضجّة، أو قدرة أهله على قطع طريق، أو اهتمام وسائل التواصل الاجتماعي بقضيّته.

ليس مطلوباً من السوريين أن يتّفقوا على السياسة كي يتّفقوا على أن طفلة لا ينبغي أن تختفي من منزلها، وليس مطلوباً أن تكون الضحيّة من منطقتنا أو طائفتنا كي تستحقّ العدالة.

السؤال الذي تتركه قصّة نتالي ليس فقط: من خطفها؟ بل أيضاً: من يحمي الأطفال عندما يفشل محيطهم في حمايتهم؟ ومن يحميهم من الجريمة، ومن الفقر، ومن العنف داخل الأسرة، ومن أن تتحوّل مأساتهم إلى مادّة للصراع؟

05.08.2026
زمن القراءة: 7 minutes

قُطع الطريق العامّ القديم الواصل بين جبلة وبانياس، الطريق الذي تسلكه حافلات نقل الركّاب نحو قرى الريف، وقام بذلك شبّان ورجال من قرية الحويز احتجاجاً على اختفاء طفلة. حضرت قوّات الأمن إلى المكان باستنفار واضح، فيما انتشر الخبر سريعاً: طفلة في الثامنة من عمرها اختفت من منزلها في وضح النهار. تعدّدت الاتّهامات في تلك الساعات، قبل أن تعود الطفلة إلى أهلها.

في 3 آب/ أغسطس 2026، اختفت الطفلة نتالي محمّد الدخيل، البالغة من العمر ثماني سنوات، من منزلها في قرية الحويز بريف جبلة. وبعد نحو خمس ساعات، أُعيدت إلى أهلها، وظهرت في مقطع مصوّر تستقبلها والدتها، مرتدية ثياباً رثّة، فيما بدت على وجهها علامات التعب والخوف.

تعدّدت الاتّهامات، وفق روايات من أهل الطفلة وأشخاص من المنطقة، نحو مجموعة من رعاة الأغنام، على خلفية خلاف قديم مع أسرة نتالي. وبحسب هذه الروايات، كان الرعاة ينصبون خيامهم في أرض ملاصقة لأرض الأسرة، ويتركون مواشيهم ترعى في أرض عائلة الدخيل، ما أدّى في وقت سابق إلى خلاف تدخّلت قوّات الأمن لحلّه ومنع تكراره.

كما تداولت صفحات على فيسبوك وأشخاص من المنطقة رواية تربط الخلاف برغبة هؤلاء الرعاة في الحصول على أرض الأسرة، من دون أن نتمكّن من التحقّق من طبيعة هذه الرغبة، أو ممّا إذا كانت هناك محاولة لشرائها أو للاستيلاء عليها، كما لم نتمكّن من التحقّق من وجود صلة مباشرة بين الخلاف واختفاء نتالي.

وتأتي الحادثة في منطقة شهدت خلال السنوات الماضية توتّرات ذات أبعاد طائفية، ما جعل واقعة أمنية كهذه قابلة لأن تُقرأ سريعاً من خلال الانتماءات والهويّات. ومع قطع الطريق وتجمهر الأهالي وحضور القوّات الأمنية، ثم انتشار الاتّهامات والروايات المتناقضة على مواقع التواصل الاجتماعي، اتّسعت دائرة التوتّر، وأصبح اختفاء نتالي قابلاً لأن يتحوّل إلى شرارة في بيئة مشحونة أصلاً.

وهنا تكمن خطورة التعامل مع الحادثة من خلال هويّة الأطراف أو الانتماءات قبل معرفة ما حدث فعلاً؛ فكل رواية غير مؤكّدة يمكن أن تتحوّل إلى وقود في صراع أكبر من القضيّة نفسها. ونتالي؛ في النهاية، ليست طرفاً في أي من هذه الصراعات، ولا ينبغي أن تتحوّل قصّتها إلى وقود لها.

وسط كل هذه الروايات، هناك حقيقة واحدة لا خلاف عليها: طفلة في الثامنة من عمرها اختُطفت من منزلها لساعات، ثم عادت إلى أهلها منهكة وخائفة، وقالت في مقطع مصوّر إنها تعرّضت للضرب وإن ثلاثة أشخاص أخذوها في سيّارة. تحرّكت القوّات الأمنية بسرعة، وانتشر خبر عن إلقاء القبض على ثلاثة أشخاص، من دون أن تؤكّده وزارة الداخلية حتى الآن. أما هويّة الخاطفين ودوافعهم، وما حدث لنتالي خلال الساعات التي غابت فيها، فتبقى تفاصيل يفترض أن تخرج للعلن عبر جهة رسمية.

نتالي ضحيّة السرديات

الحادثة التي تحوّلت إلى مادّة لسجال كبير؛ صفحات اتّهمت “الفلول”، وأخرى وجّهت المسؤولية إلى السلطة، وثالثة حمّلت أهالي المنطقة مسؤولية ما حدث، فيما شكّكت صفحات أخرى أصلاً في رواية اختفاء الطفلة. هكذا أصبحت نتالي، من دون أن تعرف شيئاً عن كل هذه الاصطفافات، جزءاً من معركة روايات يحاول كل طرف من خلالها إثبات روايته في مواجهة الآخر.

 ليس الخلاف السياسي بين السوريين هو المشكلة، ولا يفترض أن يكون انتقاد السلطة أو مساءلتها موضع اعتراض. المشكلة تبدأ عندما يصبح ألم طفلة دليلاً سياسياً قبل أن يصبح قضيّة تستحقّ الحقيقة والعدالة. ما تحتاجه نتالي أن نعرف ماذا حدث لها، وأن يُحاسب من تثبت التحقيقات مسؤوليته، وقبل ذلك أن تحصل على حقّها في الحماية والخصوصية.

في اليوم نفسه، ظهرت نتالي بعد عودتها في عدّة مقاطع مصوّرة، لكنّ الأكثر إثارة للقلق كان ظهورها في أحدها وهي تجلس في حضن والدتها، فيما توجّه لها امرأة سيلاً من الأسئلة عمّا جرى خلال ساعات اختفائها. قد يبدو الأمر محاولة لمعرفة الحقيقة، لكنّه يثير سؤالاً أبسط: هل يحقّ لأي شخص أن يستجوب طفلة في الثامنة من عمرها أمام الكاميرا، بعد وقت قصير من عودتها من تجربة لا نعرف حتى الآن تفاصيلها، وأمام جموع من المتابعين يترقّبون كل كلمة قد تقولها؟

المشكلة لا تتوقّف عند انتهاك خصوصية طفلة خرجت للتوّ من تجربة مخيفة، ولكن بالطريقة التي أصبح فيها الترند غاية بحدّ ذاته؛ كلمة من طفلة خائفة يمكن أن تتحوّل خلال دقائق إلى مادّة للانتشار، أو إلى ورقة تستخدم في معركة ضد جهة سياسية أو أمنية. وبين البحث عن المشاهدات والبحث عن إدانة طرف ما، تضيع الطفلة نفسها، وتتحوّل شهادتها إلى أداة في معركة أكبر منها.

فالطفلة تحتاج إلى مساحة آمنة تحميها، وأشخاص مؤهّلين للاستماع إليها ومعرفة ما تعرّضت له، وتحقيق يستطيع الوصول إلى الحقيقة. حماية نتالي لا تعني فقط إعادتها إلى أهلها؛ تعني أيضاً حماية كرامتها وخصوصيتها.

في المقابل، شكّكت بعض الصفحات في الواقعة، ووصف بعضها الروايات بأنها مبالغ فيها، قبل عودة الطفلة، ثم عادت الصفحات نفسها بعد عودتها لتطالب الناس بشكر الأجهزة الأمنية. 

و تظهر مشكلة أخرى: فالاعتراف باستجابة أمنية سريعة لا يحتاج إلى إنكار الواقعة قبلها، كما أن معارضة السلطة أو مساءلتها لا تحتاج إلى تحويل معاناة طفلة إلى مادّة اتّهام سياسي. والحقيقة لا تحتاج إلى أن تنتصر لها جهة سياسية كي تصبح حقيقة.

كما أن الإشارة إلى سرعة استجابة الأجهزة الأمنية لا يعني منحها شيكاً على بياض، وانتقادها لا يعني تجاهل ما قامت به في هذه الحادثة. فمسؤولية السلطة لا تبدأ عند لحظة الاختفاء ولا تنتهي عند إعادة الطفل إلى أهله؛ ماهو مطلوب وجود  مؤسّسات قادرة على ردع الجريمة قدر الإمكان، وفرض سلطة القانون، وحماية الأطفال قبل أن يصبحوا ضحايا.

من يحمي طفلات سوريا

لم تكن نتالي الحالة الوحيدة خلال الأسابيع الأخيرة، في 16 تمّوز/ يوليو، اختفت الطفلة فرح عمّار الحمود، البالغة من العمر عامين ونصف العام، في بلدة غباغب بريف درعا. شارك الأهالي والجهات المختصّة في عمليّات بحث واسعة، قبل أن يُعثر عليها بعد أيّام مقتولة داخل مستودع للتبن. وأعلن رئيس قسم الطبابة الشرعية في درعا أن سبب الوفاة هو كتم النفس، فيما بقيت ملابسات الجريمة قيد التحقيق.

وبعد أيّام قليلة، اختفت الطفلة نور مهنّد الدوس، البالغة من العمر 12 عاماً، من بلدة نمر في ريف درعا الشمالي، قبل العثور على جثمانها مدفوناً في منطقة زراعية في محيط البلدة. وأعلنت قيادة الأمن الداخلي توقيف المشتبه به الرئيسي وإحالته إلى الجهات القضائية لاستكمال التحقيق. وتداولت منصّات التواصل الاجتماعي أن المشتبه بهم ينتمون إلى عائلة الطفلة.

لكل حادثة ظروفها وملابساتها المختلفة، وبعض تفاصيلها لا تزال قيد التحقيق. وليس المقصود جمع هذه القصص في سياق واحد للقول إنها متشابهة، بل لطرح سؤال واحد: كيف نحمي طفلاً عندما لا يكون الخطر مجهولاً أو بعيداً، بل يأتي من الدائرة الأقرب إليه؟

في خضم هذه الحالات، يبرز سؤال أكبر من هويّة الجاني: من يحمي الأطفال السوريين؟ فحماية الطفل لا تبدأ لحظة اختفائه، ولا تنتهي لحظة عودته إلى منزله.

نتالي، البالغة من العمر ثماني سنوات، خرجت من المدرسة بسبب سوء الظروف المادّية وتساعد أهلها في العمل في الأرض. ولا يمكن القول إن خروجها من المدرسة كان له علاقة مباشرة بما حدث لها، لكن قصّتها تفتح سؤالاً آخر: ماذا يعني أن يكون طفل في الثامنة خارج المدرسة أصلاً؟

فالمدرسة ليست مكاناً للتعليم فقط؛ إنها إحدى دوائر الحماية المحيطة بالطفل. فيها يُلاحظ غيابه، ويتعامل مع بالغين خارج أسرته، ويمكن أن تظهر فيها مؤشّرات العنف أو الإهمال أو الاستغلال. وعندما يخرج الطفل منها بسبب الفقر أو ظروف أسرته، لا يفقد فرصة التعليم فقط، بل يفقد جزءاً من شبكة الحماية المحيطة به.

وهذا لا يعني أن الفقر يؤدّي إلى الجريمة، أو أن العمل في الأرض كان سبباً لما حدث لنتالي. لكنّه يذكّر بأن حماية الأطفال تبدأ من الظروف التي يعيشون فيها قبل وقوع الجريمة. فالتسرّب من التعليم، والعمل المبكر، وضعف الوصول إلى الخدمات، وغياب الجهات المتخصّصة القادرة على التدخل، كلها عوامل تجعل شبكة الحماية حول الطفل أضعف.

تصبح المسألة أكثر تعقيداً عندما لا يكون الخطر بعيداً عن الطفل. في قضيّة نور مهنّد الدوس في درعا، أشارت وسائل إعلام إلى توقيف عمّ الطفلة للاشتباه بارتكاب الجريمة، إلى جانب توقيف والدها وعمّها الآخر بتهمة التستّر عليها. وإذا ثبتت هذه الوقائع أمام القضاء، فإن دائرة الخطر في هذه الحالة لم تكن في الشارع أو في جهة مجهولة، بل داخل الدائرة العائلية الأقرب إلى الطفل.

فماذا يفعل الطفل عندما يفقد الأمان داخل المكان الذي يفترض أن يكون ملاذه الآمن؟ الأسرة هي خطّ الحماية الأوّل، لكن ماذا يحدث عندما تعجز عن أداء هذا الدور، أو عندما يتحوّل أحد أفرادها نفسه إلى مصدر للخطر؟

هنا تصبح الحاجة إلى جهات متخصّصة ومستقلّة لحماية الطفل أكثر إلحاحاً. جهة يستطيع الطفل أو من حوله اللجوء إليها عندما يكون الخطر داخل الأسرة نفسها، وتملك القدرة على التدخّل والإحالة والمتابعة، من دون أن يكون الطفل مضطرّاً إلى الاعتماد حصراً على الدائرة التي قد يكون الخطر موجوداً داخلها أصلاً.

ويبقى الاختبار الحقيقي في ما سيأتي بعد عودة نتالي. فالقبض على مشتبه بهم، إن تأكّد، ليس نهاية القضيّة، كما أن توقيف أي شخص لا يعني إدانته. المطلوب تحقيق واضح يحدّد ما حدث خلال الساعات التي اختفت فيها الطفلة، ويكشف المسؤولين عنه، ثم محاسبتهم أمام القضاء، بعيداً عن ضغط الشارع أو الحسابات السياسية والطائفية.

لكن مسؤولية الدولة لا تتوقّف عند سرعة الاستجابة عندما تقع الجريمة. إحدى وظائف الدولة الأساسية هي فرض القانون على الجميع، واحتكار العنف، بحيث لا يصبح امتلاك السلاح أو القدرة على استخدامه مصدراً لقوّة مستقلّة عن القانون. وفي سوريا اليوم، ما تزال الدولة تواجه هذا التحدّي وهو مرتبط مباشرة بقدرة المواطنين، والأطفال خصوصاً، على الشعور بالأمان.

نجاح الأجهزة الأمنية في إعادة نتالي خلال ساعات أمر إيجابي، لكنّ المسؤولية الأوسع للدولة تبدأ من بناء قدرة مؤسّساتية تجعل حماية الطفل حقّاً لا يتوقّف على حجم الضجّة، أو قدرة أهله على قطع طريق، أو اهتمام وسائل التواصل الاجتماعي بقضيّته.

ليس مطلوباً من السوريين أن يتّفقوا على السياسة كي يتّفقوا على أن طفلة لا ينبغي أن تختفي من منزلها، وليس مطلوباً أن تكون الضحيّة من منطقتنا أو طائفتنا كي تستحقّ العدالة.

السؤال الذي تتركه قصّة نتالي ليس فقط: من خطفها؟ بل أيضاً: من يحمي الأطفال عندما يفشل محيطهم في حمايتهم؟ ومن يحميهم من الجريمة، ومن الفقر، ومن العنف داخل الأسرة، ومن أن تتحوّل مأساتهم إلى مادّة للصراع؟