بالأمس أبلغنا بنيامين نتانياهو على نحو واضح وصريح ولا يقبل اللبس، أن “منطقة عازلة” ستفصل بين لبنان وإسرائيل! ما هي هذه المنطقة؟ وما هو عمقها؟ وعلى أيّ مسافة ستمتدّ؟
مثلما كنّا نعرف هذه الحقيقة، وكان المواطنون الحدوديون يعيشونها، نعرف أيضاً طبيعة المنطقة العازلة ومساحتها وامتداداتها. أشحنا بوجوهنا عن الخطوات العملية التي باشرها جيش الاحتلال هناك، وها نحن نشيح بأسماعنا عمّا قاله نتانياهو بوضوح وشفافية!
أكثر من عشرين قرية وبلدة لبنانية ستكون تحت احتلال كلّي أو جزئي، وأكثر من 50 ألف لبناني لن يتمكّنوا من العودة إلى منازلهم التي جرى جرف ما تبقّى منها. فالمنطقة العازلة في عُرف اليمين الإسرائيلي ليست منطقة محتلّة من قِبل الجيش، إنما منطقة غير مأهولة، لا بل منطقة غير صالحة للعيش. لا بنية عمرانية فيها ولا زراعة ولا طرق.
لبنان يمارس نوعاً من النكران حيال هذا المشهد الواضح، وهو نكران تكثّفه محاولة “حزب الله” تفادي سؤال الهزيمة. فإسرائيل هذه، تخبّئ خطّة المنطقة العازلة منذ قيام الدولة فيها. في حينها قال أستاذ نتانياهو، زئيف جابوتنسكي، أن “لا حدود يجب أن تفصلنا عن جيراننا العرب، بل جدران عازلة”.
وصل تلميذ جابوتنسكي إلى السلطة في إسرائيل، وها هو “حزب الله” يقدّم لنتانياهو فرصة تحقيق حلم أستاذه، عبر “الإسناد الأوّل” لمغامرة يحيى السنوار، وربما يُلحِق الحزب إسناده الأوّل بـ”إسناد ثانٍ” إذا ما اقتضت حاجة طهران إليه.
“المنطقة العازلة” لم تعد شعاراً سياسياً متداولاً، هي الآن واقع معاش. هي المشهد الذي علينا أن نختبره في السنوات وربما العقود المقبلة. هل جرت مكاشفة الضحايا بهذه الحقيقة؟ هل جرى التفكير بمستقبلهم وبأنماط عيشهم ومناطق انتشارهم؟ أم أننا نفضّل دفن رؤوسنا في الرمال إلى حين التوقيع على اتّفاق يكرّس هذا الواقع؟
إقرأوا أيضاً:
الحقيقة مؤلمة وكارثية، إلا أن تأجيل التعامل معها سيضاعف الكابوس. الاحتلال لن ينتهي حتى لو وقّعنا اتّفاق هدنة، أو حتى اتّفاق سلام. أما المتوقّع حين تحلّ ساعة الحقيقة، فهو أن ننقسم بين دعاة خيار “المقاومة” الذي سبق أن اختُبر وجرّ علينا كوارثه، ناهيك بكوارث إلحاقنا بولاية الفقيه، وبين دعاة الالتحاق بـ”السلام الإبراهيمي” الذي لن يعيد الناس إلى قراهم، وسيستعيض عن الأرض بخرافة “المنطقة الاقتصادية” غير الواقعية.
أكثر من خمسين ألف لبناني جرى تخديرهم بوعود “التحرير” من قِبل “حزب الله”، وبوعود “التفاوض” من قِبل السلطة اللبنانية. معظمهم الآن يُقيم في القرى المجاورة لقراهم، يزورون ما تبقّى من قراهم وحقولهم بعد أن يحصلوا على إذن من الاحتلال عبر “اليونيفيل”، ثم يعودون خائبين. لا مشروع سياسي يخاطبهم، باستثناء انتظار وعود “التحرير”، سواء بالسلاح (حزب الله) أو بنزع السلاح (الحكومة).
يحتاج هذا الانسداد إلى ثقافة غير سائدة تُعيد الاعتبار لمعادلة الاعتراف بالهزيمة، من دون السقوط في فخّ الارتهان. أن نحصي خسائرنا وأن نتعامل معها، وأن نحاسب “حزب الله”، لكن ليس لمصلحة الخيار الإبراهيمي.
هذا الانتظار المأساوي الذي يمارسه مواطنون في منازلهم الموقّتة، يتوقّع نتانياهو أن يتحوّل تدريجاً إلى تسليم بالأمر الواقع، لكنّه، إذا ما كنّا معنيين به بشكل مباشر، أقرب إلى احتضار جماعي. عائلات تُعاين قراها وأرزاقها من دون أن تتمكّن من قطع المسافة القصيرة التي تفصلها عنها.
الأكثر مأساوية في الحقيقة التي نطق بها نتانياهو بالأمس، هو أن أكثر من خمسين ألف لبناني لم يجدوا من يصارحهم، ومن يبحث معهم عمّا ستكون عليه حياتهم في السنوات والعقود المقبلة. هم اليوم معلّقون بين دولتهم التي لا حول لها ولا لسان ولا عقل، وبين حزب أعلن أنه أعاد “ترميم قدراته”، غير آبه بما حلّ وسيحلّ بهم من كوارث.
أمّا الاستعصاء الأكبر فهو أنهم في جوار دولة، لا رغبة لأحد في ردعها عمّا تقترفه من ارتكابات.
إقرأوا أيضاً:














