ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

نجا أبي … بعد أن طلبوا منه “العواء”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

على رغم الخوف والكوابيس، وعدم قدرتي على انتزاع فكرة أن أبي كاد أن يُقتل في صبيحة عيد ميلادي الثلاثين، إلا أنني في هذه الليلة سأنام شاهدًا على بطولة أمي وأبي، صمودًا وتضحية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

استيقظتُ صباح يوم الأحد 14 تموز/ يوليو 2025 كأي شاب أمضى سنواته الأخيرة في المنفى، بعيداً عن عائلته ووطنه. لم أمضِ الليلة السابقة وحيداً، بل أمضيتها أتجاذب أطراف الحديث بلغةٍ ليست لغتي، لكنني أكثرت فيها الحديث عن ثقافتي وبلدي وما كان يحدث في مدينتي، السويداء.

حين وصلت الساعة إلى منتصف الليل، حصلتُ على هديةٍ وبعض القُبلات، انتهت بنشوةٍ حصدتُ بها موسماً زهيداً من العاطفة، محاولاً إشباع ذلك الشعور المتراكم بالوحدة. أطفأتُ التلفاز، أوقفت الأخبار، وضعت أغنية “بعيد عنك” لأم كلثوم، واستغرقتُ في نومٍ عميق.

في صباح اليوم التالي، بدأت روتيني المعتاد خلال العطل. حضّرت كأساً من المتة، سخّنتُ الماء، فتحتُ حاسوبي المحمول وأشعلتُ التلفاز على الأخبار، لأجد أن الاشتباكات في السويداء قد تفاقمت بشكلٍ متسارع جداً.

حاولتُ التواصل مع عائلتي، لكن خذلتني شبكات الهواتف التي قُطعت منذ الليلة السابقة. توجهت إلى منصات التواصل الاجتماعي علّي أجد أي معلومة أروي بها ظمأ خوفي. فهذا هو أكبر مخاوف كل المهاجرين وحاملي صفة اللجوء في المنفى: ماذا لو أصيب أحد أفراد عائلتي بمكروه؟

فاضت وسائل التواصل الاجتماعي عليّ بالفيديوهات والأخبار المليئة بالانتهاكات والتطرّف: شيوخ يُهانون، شبّان يُقتلون، جنود وجهاديون يتوعّدون بذبح الدروز، محلات تُنهب، وآلاف العائلات تنزح. عدتُ مسرعاً لإعادة محاولة التواصل مع عائلتي على مجموعة العائلة عبر الواتسآب، ولكن لا جواب.

قررتُ الاتصال فوراً بأمي، ففتحتُ محادثتنا لأجدها قد كتبت لي عند الساعة السابعة صباحاً: “كل عام وأنت بألف خير يا عمري”.
فسألت نفسي السؤال الذي لطالما هربتُ منه: أيُعقل أن تكون هذه آخر رسالة بيني وبين أمي؟

في المنفى، يعيش المهاجر في قلقٍ دائم ممزوج بشعورٍ من الذنب تجاه عائلته، لكن في ظروف كهذه، تتوّج تلك المشاعر بالشعور الأصعب: العجز.
فيصبح المرء منا مُكبّل اليدين، أسير الشاشات، ثقيل الروح، ووحيداً.

كثرت الرسائل من الأصدقاء الداعمين والمتعاطفين. الكل يسأل عن الأوضاع في مدينتي، وإذا ما كان الأهل بخير. ولكني لا أملك إجابة، والرسائل التي أرسلتها الى غروب العائلة لم تأتني بأي رد.

عدتُ إلى وسائل التواصل الاجتماعي لأجد سيلًا من الرسائل، قُسّمت إلى قسمين:
إحداها باللغة الفرنسية تتمنى لي عيد ميلاد سعيداً، والثانية بالعربية تتمنى لأهلي السلامة. ولا أزال لا أملك إجابة لأيٍ منهما.

تصاعد الأدرينالين، وتزايدت ضربات قلبي حين وصلتني رسالة صوتية من أمي. لم أتردد لحظة في سماعها، لكنني لم أخف من رسالة في حياتي كما خفت من تلك الرسالة.
يا ترى، أي أخبار ستزفّها لنا أمي؟

فتحتُ الرسالة، وإذا بصوتها هادئ، متوازن، فيه من الصلابة ما أعاد الدم إلى عروقي، فقالت: “ما تخافوا، نحن مناح، كل العائلة نزحوا لعنا لأنو أخذوا كل القرى اللي حولنا، ما ضل غيرنا. ما تخافوا، نحن مناح، بس ما في شبكة، فما بعرف إمتى بتروح. انتبهوا ع حالكم، وبيك بسلم عليكن”. وعادت الرسائل لتصل بخط واحد. وعدتُ أنا الى قلقي وغربتي.

مضت بضع ساعات حتى حصلتُ أنا وأمي على فرصة اتصال جديدة، لكن هذه المرة كان الترف سيد الموقف، إذ تمكّنا من الحديث بالصوت والصورة (فيديو).
وجدتُ أنا وأخي المقيم في بيروت أنفسنا أمام أمي، تجالس أخواتها على شرفة المنزل، يشربن المتة ويتبادلن أطراف الحديث بثقة، فكل من بقي داخل المنزل “مكتئبين”، على حد تعبير أمي.

طمأنتنا عن الأوضاع، ورفعت معنوياتنا بدُعاباتها. ثم تحدثنا إلى أبي، وانتهى الاتصال سريعاً حفاظاً على بطارية الهاتف في ظل انقطاع الكهرباء.
قال لنا بكلماته: “الحمد لله إنكن مش هون. كل عام وانتو بخير يا هدو”.

وأجهشتُ بالبكاء. كيف لا، وأنا في سن الثلاثين، في بلاد المنفى، بعيداً عن كل العنف والقصف والإرهاب، ولا تزال أمي، من وسط دوامة العنف، هي من يطمئنني ويزيل قلقي وخوفي؟
كيف لي أن أنهار وهم صامدون؟ كيف لي أن أفقد الأمل وهم يعيشون عليه؟

مرت الساعات ببطء، وحل الظلام في سوريا، وأصبح الموت أقرب. لم يغمض لي جفن.
راودتني كل السيناريوهات والكوابيس. وما إن بزغ الفجر، حتى سارعتُ بالاتصال بأمي، فردّت بصوت لا يُخفي توترها، وقالت:
“لا تخاف، كل شي بخير، بس ما عاد تبعتوا شي على موبايل بيك، أخذتوا الهيئة. بحكيك بعدين”. وانقطع الاتصال.

لم يبقَ في عروقي دم، ولا في صدري أنفاس.
هل أخذوا أبي؟ أم هاتفه المحمول؟ وهنا، قد لا يصبّ الاتصال مجددًا في مصلحة عائلتي.
ماذا لو كانوا محاصَرين؟ ماذا لو جاؤوا على حين غرة فخبّأت أمي الهاتف المحمول فوراً؟
هل أتصل؟ هل أنتظر؟ هل أوقظ أخي وأخبره أم أترقّب قليلاً علّها تتصل مرة أخرى؟
كثير من الأسئلة، وقليل من الخيارات.

انتظرتُ قليلاً، فوصلتني رسالة منها تقول: “راح النت”.
ارتحت، أيقظتُ أخي وشرحتُ له ما حصل، واتصلنا جماعةً بهم.
ردّت أمي وقالت إنهم أوقفوا أبي وجارنا، اللذين خرجا في جولة استطلاعية في الصباح لمعرفة من المسيطر بعد الاشتباكات العنيفة التي دارت ليلًا، علّهم يجدون طريقًا آمناً للنزوح.
فأوقفتهم مجموعة من “الهيئة” المتمركزة في أحد البيوت، وانتزعت هواتفهم، ثم أطلقت سراحهم.

لم تُقنع الرواية أخي، فعاد للاتصال وأصرّ على الحديث مع أبي وحده، وعلى سماع الحقيقة.
فما كان من أبي إلا أن شاركه حِمْله الثقيل.

لم يطلقوا سراحهم، بل أمروا جارنا بالرحيل وأبقوا على أبي. عددهم قليل، ولا يريدون شهودًا.
ما إن اختفى جارنا عن الأنظار، حتى سألهم عن هويتهم، فأجابوا: “هيئة”.
ثم بدأت الإهانات تُوجَّه إلى أبي، وتصاعدت وتيرتها حتى وصلت إلى طلبهم منه “العواء”.

في موقف كهذا، ليس مهمًا إن تم الاعتداء عليه بالضرب أو لا.
فهم اعتدوا. ولا فرق في الإهانة إن نفّذ الأوامر أم لا، هو أُهين.

استغلّ أبي قلّة عددهم ولحظة انشغالهم، فقفز من خلف سيارتهم إلى أحد البيوت المجاورة.
أطلقوا النار عشوائيًا، لكنه نجا، بفضل معرفته الجيدة بالمكان وسرعة اختبائه وهروبه.

عاد أبي ليجد كل من في المنزل بانتظاره:
“هل وجدت طريقاً؟” سألوه.
روى ما حدث، وأجاب: “لا طريق اليوم”.

خلال الاتصال السابق، أشارت أمي إلى عزمها على اتخاذ إجراءات احترازية في حال هاجموا المنزل.
جمعت ممتلكات من نزحوا إليهم ودفنتها في أماكن متفرقة في الحديقة الخلفية، بالإضافة إلى عدد من الهواتف والأموال مع ملاحظات بأسماء أصحابها.

أتمّت المهمة، وأرسلت رسالة صوتية إلى مجموعة العائلة تصف فيها مواقع هذه “الأمانات”، وأنهت حديثها بجملة:
“إذا صار علينا شي، بترجعوا لكل حدا أمانته”.

أخبرتني أمي أن وتيرة القصف انخفضت، وتباعدت أصوات الرصاص، وبدأت قوات ما يُسمى بـ”الجيش العربي السوري” بالانسحاب.
لكن الليل اقترب. ويا له من شعور!
أهلي في “المعركة”، وأنا في المنفى.

وعلى رغم الخوف والكوابيس، وعدم قدرتي على انتزاع فكرة أن أبي كاد أن يُقتل في صبيحة عيد ميلادي الثلاثين، إلا أنني في هذه الليلة سأنام شاهدًا على بطولة أمي وأبي، صمودًا وتضحية.

في الخامسة صباحاً وثلاث وعشرين دقيقة من اليوم التالي، وصلتني رسالة من أمي قالت فيها:
“صباح الخير يا ماما. يا حبوباتي، نحن طلع علينا الضوء وصِرنا بخير وبأمان. الحمدلله، قطعنا ونجّينا من الموت يا ماما. الحمدلله يا أمي”.

21.07.2025
زمن القراءة: 5 minutes

على رغم الخوف والكوابيس، وعدم قدرتي على انتزاع فكرة أن أبي كاد أن يُقتل في صبيحة عيد ميلادي الثلاثين، إلا أنني في هذه الليلة سأنام شاهدًا على بطولة أمي وأبي، صمودًا وتضحية.

استيقظتُ صباح يوم الأحد 14 تموز/ يوليو 2025 كأي شاب أمضى سنواته الأخيرة في المنفى، بعيداً عن عائلته ووطنه. لم أمضِ الليلة السابقة وحيداً، بل أمضيتها أتجاذب أطراف الحديث بلغةٍ ليست لغتي، لكنني أكثرت فيها الحديث عن ثقافتي وبلدي وما كان يحدث في مدينتي، السويداء.

حين وصلت الساعة إلى منتصف الليل، حصلتُ على هديةٍ وبعض القُبلات، انتهت بنشوةٍ حصدتُ بها موسماً زهيداً من العاطفة، محاولاً إشباع ذلك الشعور المتراكم بالوحدة. أطفأتُ التلفاز، أوقفت الأخبار، وضعت أغنية “بعيد عنك” لأم كلثوم، واستغرقتُ في نومٍ عميق.

في صباح اليوم التالي، بدأت روتيني المعتاد خلال العطل. حضّرت كأساً من المتة، سخّنتُ الماء، فتحتُ حاسوبي المحمول وأشعلتُ التلفاز على الأخبار، لأجد أن الاشتباكات في السويداء قد تفاقمت بشكلٍ متسارع جداً.

حاولتُ التواصل مع عائلتي، لكن خذلتني شبكات الهواتف التي قُطعت منذ الليلة السابقة. توجهت إلى منصات التواصل الاجتماعي علّي أجد أي معلومة أروي بها ظمأ خوفي. فهذا هو أكبر مخاوف كل المهاجرين وحاملي صفة اللجوء في المنفى: ماذا لو أصيب أحد أفراد عائلتي بمكروه؟

فاضت وسائل التواصل الاجتماعي عليّ بالفيديوهات والأخبار المليئة بالانتهاكات والتطرّف: شيوخ يُهانون، شبّان يُقتلون، جنود وجهاديون يتوعّدون بذبح الدروز، محلات تُنهب، وآلاف العائلات تنزح. عدتُ مسرعاً لإعادة محاولة التواصل مع عائلتي على مجموعة العائلة عبر الواتسآب، ولكن لا جواب.

قررتُ الاتصال فوراً بأمي، ففتحتُ محادثتنا لأجدها قد كتبت لي عند الساعة السابعة صباحاً: “كل عام وأنت بألف خير يا عمري”.
فسألت نفسي السؤال الذي لطالما هربتُ منه: أيُعقل أن تكون هذه آخر رسالة بيني وبين أمي؟

في المنفى، يعيش المهاجر في قلقٍ دائم ممزوج بشعورٍ من الذنب تجاه عائلته، لكن في ظروف كهذه، تتوّج تلك المشاعر بالشعور الأصعب: العجز.
فيصبح المرء منا مُكبّل اليدين، أسير الشاشات، ثقيل الروح، ووحيداً.

كثرت الرسائل من الأصدقاء الداعمين والمتعاطفين. الكل يسأل عن الأوضاع في مدينتي، وإذا ما كان الأهل بخير. ولكني لا أملك إجابة، والرسائل التي أرسلتها الى غروب العائلة لم تأتني بأي رد.

عدتُ إلى وسائل التواصل الاجتماعي لأجد سيلًا من الرسائل، قُسّمت إلى قسمين:
إحداها باللغة الفرنسية تتمنى لي عيد ميلاد سعيداً، والثانية بالعربية تتمنى لأهلي السلامة. ولا أزال لا أملك إجابة لأيٍ منهما.

تصاعد الأدرينالين، وتزايدت ضربات قلبي حين وصلتني رسالة صوتية من أمي. لم أتردد لحظة في سماعها، لكنني لم أخف من رسالة في حياتي كما خفت من تلك الرسالة.
يا ترى، أي أخبار ستزفّها لنا أمي؟

فتحتُ الرسالة، وإذا بصوتها هادئ، متوازن، فيه من الصلابة ما أعاد الدم إلى عروقي، فقالت: “ما تخافوا، نحن مناح، كل العائلة نزحوا لعنا لأنو أخذوا كل القرى اللي حولنا، ما ضل غيرنا. ما تخافوا، نحن مناح، بس ما في شبكة، فما بعرف إمتى بتروح. انتبهوا ع حالكم، وبيك بسلم عليكن”. وعادت الرسائل لتصل بخط واحد. وعدتُ أنا الى قلقي وغربتي.

مضت بضع ساعات حتى حصلتُ أنا وأمي على فرصة اتصال جديدة، لكن هذه المرة كان الترف سيد الموقف، إذ تمكّنا من الحديث بالصوت والصورة (فيديو).
وجدتُ أنا وأخي المقيم في بيروت أنفسنا أمام أمي، تجالس أخواتها على شرفة المنزل، يشربن المتة ويتبادلن أطراف الحديث بثقة، فكل من بقي داخل المنزل “مكتئبين”، على حد تعبير أمي.

طمأنتنا عن الأوضاع، ورفعت معنوياتنا بدُعاباتها. ثم تحدثنا إلى أبي، وانتهى الاتصال سريعاً حفاظاً على بطارية الهاتف في ظل انقطاع الكهرباء.
قال لنا بكلماته: “الحمد لله إنكن مش هون. كل عام وانتو بخير يا هدو”.

وأجهشتُ بالبكاء. كيف لا، وأنا في سن الثلاثين، في بلاد المنفى، بعيداً عن كل العنف والقصف والإرهاب، ولا تزال أمي، من وسط دوامة العنف، هي من يطمئنني ويزيل قلقي وخوفي؟
كيف لي أن أنهار وهم صامدون؟ كيف لي أن أفقد الأمل وهم يعيشون عليه؟

مرت الساعات ببطء، وحل الظلام في سوريا، وأصبح الموت أقرب. لم يغمض لي جفن.
راودتني كل السيناريوهات والكوابيس. وما إن بزغ الفجر، حتى سارعتُ بالاتصال بأمي، فردّت بصوت لا يُخفي توترها، وقالت:
“لا تخاف، كل شي بخير، بس ما عاد تبعتوا شي على موبايل بيك، أخذتوا الهيئة. بحكيك بعدين”. وانقطع الاتصال.

لم يبقَ في عروقي دم، ولا في صدري أنفاس.
هل أخذوا أبي؟ أم هاتفه المحمول؟ وهنا، قد لا يصبّ الاتصال مجددًا في مصلحة عائلتي.
ماذا لو كانوا محاصَرين؟ ماذا لو جاؤوا على حين غرة فخبّأت أمي الهاتف المحمول فوراً؟
هل أتصل؟ هل أنتظر؟ هل أوقظ أخي وأخبره أم أترقّب قليلاً علّها تتصل مرة أخرى؟
كثير من الأسئلة، وقليل من الخيارات.

انتظرتُ قليلاً، فوصلتني رسالة منها تقول: “راح النت”.
ارتحت، أيقظتُ أخي وشرحتُ له ما حصل، واتصلنا جماعةً بهم.
ردّت أمي وقالت إنهم أوقفوا أبي وجارنا، اللذين خرجا في جولة استطلاعية في الصباح لمعرفة من المسيطر بعد الاشتباكات العنيفة التي دارت ليلًا، علّهم يجدون طريقًا آمناً للنزوح.
فأوقفتهم مجموعة من “الهيئة” المتمركزة في أحد البيوت، وانتزعت هواتفهم، ثم أطلقت سراحهم.

لم تُقنع الرواية أخي، فعاد للاتصال وأصرّ على الحديث مع أبي وحده، وعلى سماع الحقيقة.
فما كان من أبي إلا أن شاركه حِمْله الثقيل.

لم يطلقوا سراحهم، بل أمروا جارنا بالرحيل وأبقوا على أبي. عددهم قليل، ولا يريدون شهودًا.
ما إن اختفى جارنا عن الأنظار، حتى سألهم عن هويتهم، فأجابوا: “هيئة”.
ثم بدأت الإهانات تُوجَّه إلى أبي، وتصاعدت وتيرتها حتى وصلت إلى طلبهم منه “العواء”.

في موقف كهذا، ليس مهمًا إن تم الاعتداء عليه بالضرب أو لا.
فهم اعتدوا. ولا فرق في الإهانة إن نفّذ الأوامر أم لا، هو أُهين.

استغلّ أبي قلّة عددهم ولحظة انشغالهم، فقفز من خلف سيارتهم إلى أحد البيوت المجاورة.
أطلقوا النار عشوائيًا، لكنه نجا، بفضل معرفته الجيدة بالمكان وسرعة اختبائه وهروبه.

عاد أبي ليجد كل من في المنزل بانتظاره:
“هل وجدت طريقاً؟” سألوه.
روى ما حدث، وأجاب: “لا طريق اليوم”.

خلال الاتصال السابق، أشارت أمي إلى عزمها على اتخاذ إجراءات احترازية في حال هاجموا المنزل.
جمعت ممتلكات من نزحوا إليهم ودفنتها في أماكن متفرقة في الحديقة الخلفية، بالإضافة إلى عدد من الهواتف والأموال مع ملاحظات بأسماء أصحابها.

أتمّت المهمة، وأرسلت رسالة صوتية إلى مجموعة العائلة تصف فيها مواقع هذه “الأمانات”، وأنهت حديثها بجملة:
“إذا صار علينا شي، بترجعوا لكل حدا أمانته”.

أخبرتني أمي أن وتيرة القصف انخفضت، وتباعدت أصوات الرصاص، وبدأت قوات ما يُسمى بـ”الجيش العربي السوري” بالانسحاب.
لكن الليل اقترب. ويا له من شعور!
أهلي في “المعركة”، وأنا في المنفى.

وعلى رغم الخوف والكوابيس، وعدم قدرتي على انتزاع فكرة أن أبي كاد أن يُقتل في صبيحة عيد ميلادي الثلاثين، إلا أنني في هذه الليلة سأنام شاهدًا على بطولة أمي وأبي، صمودًا وتضحية.

في الخامسة صباحاً وثلاث وعشرين دقيقة من اليوم التالي، وصلتني رسالة من أمي قالت فيها:
“صباح الخير يا ماما. يا حبوباتي، نحن طلع علينا الضوء وصِرنا بخير وبأمان. الحمدلله، قطعنا ونجّينا من الموت يا ماما. الحمدلله يا أمي”.