ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“نجونا بنصف عائلة”: أم فداء شهدت إعدام زوجها وابنها في مجازر السويداء

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

دخل فداء ساحة المستشفى، حيث كانت الجثامين تُجمع هناك بعد سحبها من الشوارع والمنازل والقرى، يكمل فداء: “اضطررت للبحث بشكل شخصي عن جثامين أبي وأخي وعمّي بين 53 جثّة، قلّبتها كل واحدة على حدة، أحدّق في ملامحها المنتفخة، وقد رأيت أثناء البحث جثامين لشيوخ، ولنساء تظهر عليهن علامات تنكيل جسدي، وأطفالاً مقطوعي الرأس”.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

فرضت أرتال الأمن العامّ بعدما اقتحمت قرية جرين في ريف السويداء الغربي يوم 13 تمّوز/ يوليو 2025، خروجاً قسرياً لعائلة أم فداء، برفقة زوجها خالد أبو حسون (57 عاماً) وابنيها فداء وإيهاب أبو حسون (25 عاماً)، بما عليهم من ملابس فقط، تاركين خلفهم منزلهم وأرزاقهم، هرباً من القذائف التي لاحقتهم حتى مدينة السويداء.

في البداية، بقي الرجال في القرية لحين اشتدّ الهجوم، ممّا اضطرّهم للتراجع نحو مركز المدينة، وأُجبرت العائلة على اللجوء إلى منزل قريبهم في دوّار الثعلة، هناك جلست أم فداء مع نساء وأطفال من أقاربها بانتظار خبر عن الرجال، الذين لم يُعرف مصيرهم بعدما انقطعت شبكات الاتّصال والإنترنت عن كامل المحافظة، بالتوازي مع بدء عمليّات القتل الطائفية التي قامت بها قوّات تابعة لوزارتي الدفاع والداخلية إلى جانب مقاتلين من العشائر. 

الاختباء من الموت في غرفة

أربعة أيّام من الحصار داخل غرفة مع ماء وطعام شحيح، عاشت فيها أم فداء صراعاً بين أخبار القتل التي تتكشّف للعلن، وقسوة النزوح التي أجبرتها على تدبّر العيش بما توفّر. 

تقول أم فداء: “لم نكن قادرين على استيعاب ما يجري، عندما وصل الهجوم إلى المدينة، بدأت أصوات الرصاص والصراخ تقترب، حتى وصلوا إلى دوّار الثعلة، رأينا سيّارات الأمن العامّ بجانبها مقاتلون من العشائر يكبرون يصيحون: “جيناكم بالذبح يا كفّار”.

تكمل: “الصعوبة البالغة كانت بالسيطرة على هلع الأطفال وخوفهم، خشية صدور أيّ ضجّة تلفت انتباههم، في تلك الأثناء كان زوجي وابني إيهاب قد عادا من الخارج، قبل أن يراهما العناصر ويقتادونهما إلى جهة مجهولة”. 

تصف أم فداء تلك اللحظات بالموت البطيء، لا اتّصالات ولا أنباء عن زوجها وأولادها، وكانت المخاوف تزداد كلما سمعوا صوت رصاص قريب، أو علموا بمقتل أحد من أهالي الحيّ.

جثث محروقة ورصاصة مؤجّلة

في تلك الأثناء، كان ولدها الأكبر فداء تائهاً في شوارع المدينة سعياً للوصول إلى عائلته، قبل أن يقع في قبضة مجموعة من المسلّحين، يسرد فداء لـ”درج” تفاصيل احتجازه: “أوقفتني مجموعة مسلّحة واقتادتني إلى منطقة الكراج بالقرب من الشرطة العسكرية، هناك وجدت جثامين تحترق بالنار، وجثّة لشيخ طاعن في السنّ ممدّدة بجانبها”.

بعد تحقّق المسلّحين من عدم حيازته السلاح، سألوه عن هويّته الدينية، يكمل: “بعد أن عرفوا أنني درزي، وجّهوا لي تهمة القتال في مناطق جرمانا ضدّ من وصفوهم (الأخوة الثوّار)، وادّعوا وجود فيديوهات تثبت ذلك كنوع من الضغط، فقلت إذا كان لديكم دليل فأنا راضي بحكمكم”.

أُسر فداء قرابة الخمس ساعات، واجه خلالها توبيخاً طائفياً وتهديداً مستمرّاً بالقتل، يستذكر محاولته لتهدئة الموقف: “قلت لهم إننا جميعاً سوريون، فجاء الردّ بالرفض، وتهم بالعمالة والخروج عن الإسلام، وأن هذه البلاد لهم وليست لنا”. 

يصف فداء تلك اللحظات المرعبة بعدما وصل المسؤول عن المجموعة، وكانوا يلقّبونه الشيخ: “أخذ الشيخ جوّالي المغلق محاولاً تفتيشه، ثم أرغمني على الركوع بين الجثث المحترقة، مصوّباً مسدس (8 ونص) نحو رأسي قائلاً: تشاهد على روحك…”.
وبعد نطقها استسلاماً، دار حوار بينهم قرّروا بموجبه “تأجيل تصفيتي وتسليمي للأمن العامّ”.

تكشف هذه الشهادة أنه منذ بداية الهجوم، لم تدخل قوّات الأمن العامّ التابعة لوزارة الدفاع وحدها كما روّج إعلام السلطة، فالفصائل الجهادية كانت ملازمة لهم بتنسيق مع الأجهزة الأمنية التي انضوت تحت اسم وزارة الدفاع. 

وعن لحظة خلاصه، يضيف فداء: “استطاع أحد عناصرهم مساعدتي، وعرّف لي عن نفسه بأنه مقاتل علوي، انشقّ سابقاً عن النظام في إدلب وانضمّ إلى صفوفهم، وطلب مني الرحيل قبل وصول الأمن العامّ لأنهم سيقتلونني”.

في تلك الأثناء، استهدفت ضربة جوّية إسرائيلية تجمّعات لهم، أدّت إلى تراجع واضح في صفوفهم، إضافة إلى توقّف تمدّدهم داخل المدينة بجهود القوى المحلّية. 

أن تعرف ضحاياك من ثيابهم!

اتّجه فداء بعدها نحو دوار الثعلة بحثاً عن منزل ذويه، وسط الدمار الكبير، يصف المشهد بقوله: “كنت أركض بين الجثث محاولاً الاستدلال على مكان أهلي”.

على بعد أمتار من الدوّار نفسه، تحديداً في منطقة المظلّة، استوقف نظره ثلاثة جثامين تغطّي وجوههم شراشف بيضاء وضعها أهالي الحيّ، يستحضر فداء تلك الحادثة قائلاً: “لفت انتباهي بنطال أحد الجثامين الذي يشبه بنطال أخي إيهاب، هرعت نحوهم ورفعت الأغطية، ووجدت وجه أبي وأخي وعمّي…
ركعت بينهم، وصرت أصرخ عليهم لينهضوا، كانت أجسادهم متضرّرة بشدّة نتيجة إطلاق رصاص كثيف”.

“أن ترغب في قتل أحدهم يعني أن ترميه برصاصة حتى يموت، لكن أن تفرغ مخازن كاملة في جسده يعني أنك قاتل وحاقد منذ البداية”، هكذا يصف فداء موقفه ممّا رآه.

وتشير تقديراته إلى أنهم أعدموا في حدود الثالثة أو الرابعة فجراً من يوم 17 تمّوز/ يوليو 2025 قبل انسحابهم بقليل، استناداً إلى الدماء التي لم تكن قد جفّت بعد.

وبمساعدة من أهالي الحيّ، نُقلت الجثامين الثلاثة إلى سيّارة متّجهة نحو المستشفى الوطني في السويداء، بعدما كَتب أسماءهم عليها وأوصى بهم أحد الحاضرين، ريثما يعثر على والدته ويطمئنّ عليها. 

سار فداء في الحارات كالتائه، يصرخ بأعلى صوته: “يا أم فداء… يا أم فداء”، إلى أن أخبر أحد الجيران والدته بأن هناك من ينادي باسمها في الخارج. 

تكمل أم فداء قصّتها من هذه اللحظة: “هرعت نحو الشارع، وجدت ابني فداء، سألته: وين بيك وخيك؟
فأجابني بحسرة: سعرنا بسعر الناس يا أمّي… أدركت حينها أنهما قُتلا”.

“بحثت عن أهلي بين الجثث!”

نقل فداء والدته ومن معها من نساء وأطفال إلى مكان أكثر أماناً، واتّجه نحو المستشفى الوطني تزامناً مع بدء موجة هجوم ثانية من قِبل العشائر.

دخل فداء ساحة المستشفى، حيث كانت الجثامين تُجمع هناك بعد سحبها من الشوارع والمنازل والقرى، يكمل فداء: “اضطررت للبحث بشكل شخصي عن جثامين أبي وأخي وعمّي بين 53 جثّة، قلّبتها كل واحدة على حدة، أحدّق في ملامحها المنتفخة، وقد رأيت أثناء البحث جثامين لشيوخ، ولنساء تظهر عليهن علامات تنكيل جسدي، وأطفالاً مقطوعي الرأس”.

وبعد تفتيش مطوّل استطاع فداء العثور على جثث ذويه.

في التوقيت نفسه، قضى ابن خال فداء مع اثنين من أقربائه على طريق المحوري في المدينة أثناء الهجوم، وقد دُفنوا في مقبرة الرحى الجماعية، وفقاً لمعلوماتهم. 

الدفن تحت الرصاص

أمام أزمة الوقود وانقطاع الاتّصالات وحركة النزوح الواسعة وامتلاء المقابر، غدت عمليّة إيجاد مقبرة أمراً صعباً، لم يقبل فداء ترك جثث ذويه في العراء، ورفض مقترح دفنهم بجوار أحد الطرق مؤقّتاً لحين هدوء الأوضاع كما فعل بعض العائلات، وقرّر المخاطرة والذهاب نحو مقبرة خاصّة في قرية مصاد بعد الحصول موافقة من مختار المنطقة، رغم المخاطر الأمنية على الطريق.

استطاع تدبير سيّارة، وسلك الطريق نحو مصاد في العتمة، خلال الدفن، تعرّضوا لإطلاق نار من قِبل تجمّعات للبدو قريبة من المنطقة، وتمّت عمليّة الدفن في تمام الساعة العاشرة والنصف ليلاً في اليوم نفسه، بتاريخ 17 تمّوز/ يوليو 2025.

مقايضة الدم 

نجت أم فداء، كحال كثير من أمّهات السويداء بنصف عائلة، بينما فقدت أُخريات عائلاتهن بالكامل، كل ما بقي لها شهادتا وفاة ابنها وزوجها الموثّقتان من مستشفى السويداء الوطني، كشاهد على اليوم الذي غيّر حياتهم إلى الأبد. 

واجهت العائلة بالمقابل، شروط الدوائر الرسمية لتسيير معاملة راتب الوالد، حيث يُطلب تعديل سبب الوفاة ليصبح “وفاة طبيعية” بدلاً من “طلق ناري”، في مساومة تفرضها حكومة دمشق لإنكار الجريمة مقابل الحصول على مستحقّات الراتب التقاعدي.

تمسح أم فداء دموعها التي تقطع حديثها كلما استذكرت تفاصيل تلك الأيّام، وتختم غصّتها بالقول: “الضنا غالي… عشنا أيام صعبة كثير، لكن كرامة دمهم فوق كل شي”. 

15.07.2026
زمن القراءة: 5 minutes

دخل فداء ساحة المستشفى، حيث كانت الجثامين تُجمع هناك بعد سحبها من الشوارع والمنازل والقرى، يكمل فداء: “اضطررت للبحث بشكل شخصي عن جثامين أبي وأخي وعمّي بين 53 جثّة، قلّبتها كل واحدة على حدة، أحدّق في ملامحها المنتفخة، وقد رأيت أثناء البحث جثامين لشيوخ، ولنساء تظهر عليهن علامات تنكيل جسدي، وأطفالاً مقطوعي الرأس”.

فرضت أرتال الأمن العامّ بعدما اقتحمت قرية جرين في ريف السويداء الغربي يوم 13 تمّوز/ يوليو 2025، خروجاً قسرياً لعائلة أم فداء، برفقة زوجها خالد أبو حسون (57 عاماً) وابنيها فداء وإيهاب أبو حسون (25 عاماً)، بما عليهم من ملابس فقط، تاركين خلفهم منزلهم وأرزاقهم، هرباً من القذائف التي لاحقتهم حتى مدينة السويداء.

في البداية، بقي الرجال في القرية لحين اشتدّ الهجوم، ممّا اضطرّهم للتراجع نحو مركز المدينة، وأُجبرت العائلة على اللجوء إلى منزل قريبهم في دوّار الثعلة، هناك جلست أم فداء مع نساء وأطفال من أقاربها بانتظار خبر عن الرجال، الذين لم يُعرف مصيرهم بعدما انقطعت شبكات الاتّصال والإنترنت عن كامل المحافظة، بالتوازي مع بدء عمليّات القتل الطائفية التي قامت بها قوّات تابعة لوزارتي الدفاع والداخلية إلى جانب مقاتلين من العشائر. 

الاختباء من الموت في غرفة

أربعة أيّام من الحصار داخل غرفة مع ماء وطعام شحيح، عاشت فيها أم فداء صراعاً بين أخبار القتل التي تتكشّف للعلن، وقسوة النزوح التي أجبرتها على تدبّر العيش بما توفّر. 

تقول أم فداء: “لم نكن قادرين على استيعاب ما يجري، عندما وصل الهجوم إلى المدينة، بدأت أصوات الرصاص والصراخ تقترب، حتى وصلوا إلى دوّار الثعلة، رأينا سيّارات الأمن العامّ بجانبها مقاتلون من العشائر يكبرون يصيحون: “جيناكم بالذبح يا كفّار”.

تكمل: “الصعوبة البالغة كانت بالسيطرة على هلع الأطفال وخوفهم، خشية صدور أيّ ضجّة تلفت انتباههم، في تلك الأثناء كان زوجي وابني إيهاب قد عادا من الخارج، قبل أن يراهما العناصر ويقتادونهما إلى جهة مجهولة”. 

تصف أم فداء تلك اللحظات بالموت البطيء، لا اتّصالات ولا أنباء عن زوجها وأولادها، وكانت المخاوف تزداد كلما سمعوا صوت رصاص قريب، أو علموا بمقتل أحد من أهالي الحيّ.

جثث محروقة ورصاصة مؤجّلة

في تلك الأثناء، كان ولدها الأكبر فداء تائهاً في شوارع المدينة سعياً للوصول إلى عائلته، قبل أن يقع في قبضة مجموعة من المسلّحين، يسرد فداء لـ”درج” تفاصيل احتجازه: “أوقفتني مجموعة مسلّحة واقتادتني إلى منطقة الكراج بالقرب من الشرطة العسكرية، هناك وجدت جثامين تحترق بالنار، وجثّة لشيخ طاعن في السنّ ممدّدة بجانبها”.

بعد تحقّق المسلّحين من عدم حيازته السلاح، سألوه عن هويّته الدينية، يكمل: “بعد أن عرفوا أنني درزي، وجّهوا لي تهمة القتال في مناطق جرمانا ضدّ من وصفوهم (الأخوة الثوّار)، وادّعوا وجود فيديوهات تثبت ذلك كنوع من الضغط، فقلت إذا كان لديكم دليل فأنا راضي بحكمكم”.

أُسر فداء قرابة الخمس ساعات، واجه خلالها توبيخاً طائفياً وتهديداً مستمرّاً بالقتل، يستذكر محاولته لتهدئة الموقف: “قلت لهم إننا جميعاً سوريون، فجاء الردّ بالرفض، وتهم بالعمالة والخروج عن الإسلام، وأن هذه البلاد لهم وليست لنا”. 

يصف فداء تلك اللحظات المرعبة بعدما وصل المسؤول عن المجموعة، وكانوا يلقّبونه الشيخ: “أخذ الشيخ جوّالي المغلق محاولاً تفتيشه، ثم أرغمني على الركوع بين الجثث المحترقة، مصوّباً مسدس (8 ونص) نحو رأسي قائلاً: تشاهد على روحك…”.
وبعد نطقها استسلاماً، دار حوار بينهم قرّروا بموجبه “تأجيل تصفيتي وتسليمي للأمن العامّ”.

تكشف هذه الشهادة أنه منذ بداية الهجوم، لم تدخل قوّات الأمن العامّ التابعة لوزارة الدفاع وحدها كما روّج إعلام السلطة، فالفصائل الجهادية كانت ملازمة لهم بتنسيق مع الأجهزة الأمنية التي انضوت تحت اسم وزارة الدفاع. 

وعن لحظة خلاصه، يضيف فداء: “استطاع أحد عناصرهم مساعدتي، وعرّف لي عن نفسه بأنه مقاتل علوي، انشقّ سابقاً عن النظام في إدلب وانضمّ إلى صفوفهم، وطلب مني الرحيل قبل وصول الأمن العامّ لأنهم سيقتلونني”.

في تلك الأثناء، استهدفت ضربة جوّية إسرائيلية تجمّعات لهم، أدّت إلى تراجع واضح في صفوفهم، إضافة إلى توقّف تمدّدهم داخل المدينة بجهود القوى المحلّية. 

أن تعرف ضحاياك من ثيابهم!

اتّجه فداء بعدها نحو دوار الثعلة بحثاً عن منزل ذويه، وسط الدمار الكبير، يصف المشهد بقوله: “كنت أركض بين الجثث محاولاً الاستدلال على مكان أهلي”.

على بعد أمتار من الدوّار نفسه، تحديداً في منطقة المظلّة، استوقف نظره ثلاثة جثامين تغطّي وجوههم شراشف بيضاء وضعها أهالي الحيّ، يستحضر فداء تلك الحادثة قائلاً: “لفت انتباهي بنطال أحد الجثامين الذي يشبه بنطال أخي إيهاب، هرعت نحوهم ورفعت الأغطية، ووجدت وجه أبي وأخي وعمّي…
ركعت بينهم، وصرت أصرخ عليهم لينهضوا، كانت أجسادهم متضرّرة بشدّة نتيجة إطلاق رصاص كثيف”.

“أن ترغب في قتل أحدهم يعني أن ترميه برصاصة حتى يموت، لكن أن تفرغ مخازن كاملة في جسده يعني أنك قاتل وحاقد منذ البداية”، هكذا يصف فداء موقفه ممّا رآه.

وتشير تقديراته إلى أنهم أعدموا في حدود الثالثة أو الرابعة فجراً من يوم 17 تمّوز/ يوليو 2025 قبل انسحابهم بقليل، استناداً إلى الدماء التي لم تكن قد جفّت بعد.

وبمساعدة من أهالي الحيّ، نُقلت الجثامين الثلاثة إلى سيّارة متّجهة نحو المستشفى الوطني في السويداء، بعدما كَتب أسماءهم عليها وأوصى بهم أحد الحاضرين، ريثما يعثر على والدته ويطمئنّ عليها. 

سار فداء في الحارات كالتائه، يصرخ بأعلى صوته: “يا أم فداء… يا أم فداء”، إلى أن أخبر أحد الجيران والدته بأن هناك من ينادي باسمها في الخارج. 

تكمل أم فداء قصّتها من هذه اللحظة: “هرعت نحو الشارع، وجدت ابني فداء، سألته: وين بيك وخيك؟
فأجابني بحسرة: سعرنا بسعر الناس يا أمّي… أدركت حينها أنهما قُتلا”.

“بحثت عن أهلي بين الجثث!”

نقل فداء والدته ومن معها من نساء وأطفال إلى مكان أكثر أماناً، واتّجه نحو المستشفى الوطني تزامناً مع بدء موجة هجوم ثانية من قِبل العشائر.

دخل فداء ساحة المستشفى، حيث كانت الجثامين تُجمع هناك بعد سحبها من الشوارع والمنازل والقرى، يكمل فداء: “اضطررت للبحث بشكل شخصي عن جثامين أبي وأخي وعمّي بين 53 جثّة، قلّبتها كل واحدة على حدة، أحدّق في ملامحها المنتفخة، وقد رأيت أثناء البحث جثامين لشيوخ، ولنساء تظهر عليهن علامات تنكيل جسدي، وأطفالاً مقطوعي الرأس”.

وبعد تفتيش مطوّل استطاع فداء العثور على جثث ذويه.

في التوقيت نفسه، قضى ابن خال فداء مع اثنين من أقربائه على طريق المحوري في المدينة أثناء الهجوم، وقد دُفنوا في مقبرة الرحى الجماعية، وفقاً لمعلوماتهم. 

الدفن تحت الرصاص

أمام أزمة الوقود وانقطاع الاتّصالات وحركة النزوح الواسعة وامتلاء المقابر، غدت عمليّة إيجاد مقبرة أمراً صعباً، لم يقبل فداء ترك جثث ذويه في العراء، ورفض مقترح دفنهم بجوار أحد الطرق مؤقّتاً لحين هدوء الأوضاع كما فعل بعض العائلات، وقرّر المخاطرة والذهاب نحو مقبرة خاصّة في قرية مصاد بعد الحصول موافقة من مختار المنطقة، رغم المخاطر الأمنية على الطريق.

استطاع تدبير سيّارة، وسلك الطريق نحو مصاد في العتمة، خلال الدفن، تعرّضوا لإطلاق نار من قِبل تجمّعات للبدو قريبة من المنطقة، وتمّت عمليّة الدفن في تمام الساعة العاشرة والنصف ليلاً في اليوم نفسه، بتاريخ 17 تمّوز/ يوليو 2025.

مقايضة الدم 

نجت أم فداء، كحال كثير من أمّهات السويداء بنصف عائلة، بينما فقدت أُخريات عائلاتهن بالكامل، كل ما بقي لها شهادتا وفاة ابنها وزوجها الموثّقتان من مستشفى السويداء الوطني، كشاهد على اليوم الذي غيّر حياتهم إلى الأبد. 

واجهت العائلة بالمقابل، شروط الدوائر الرسمية لتسيير معاملة راتب الوالد، حيث يُطلب تعديل سبب الوفاة ليصبح “وفاة طبيعية” بدلاً من “طلق ناري”، في مساومة تفرضها حكومة دمشق لإنكار الجريمة مقابل الحصول على مستحقّات الراتب التقاعدي.

تمسح أم فداء دموعها التي تقطع حديثها كلما استذكرت تفاصيل تلك الأيّام، وتختم غصّتها بالقول: “الضنا غالي… عشنا أيام صعبة كثير، لكن كرامة دمهم فوق كل شي”. 

15.07.2026
زمن القراءة: 5 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية