ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

نحن النازحين …لا أجر لنا في خساراتنا

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!
زينب شور

أدرك ضمناً أنني بصوتي وغضبي وقهري لا يمكنني أن أغيّر ما اعتاد عليه أهل هذه البيئة لوقت طويل مضى، لكنّ هذه الحرب فاقت مثيلاتها إجراماً، وجعلت التغيير شيئاً محتملاً، ووجدت أن كثيرين منهم يعترضون سرّاً ويكتمون قهرهم في صدورهم، لكن أيّة قيمة لصوت حقّ مكتوم؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

 في حين تتفاقم أوضاع النازحين من مناطق الجنوب والبقاع اللبناني سوءاً، بعدما ناهزت مدّة النزوح الثلاث سنوات، ومع تأرجح وعود العودة في ظل وقف لإطلاق النار غير واضح النتائج، تنشط في المقابل حملات إعلامية ولقاءات مباشرة تُقيمها مؤسّسات حزبية ومنظّمات من المجتمع المدني وشخصيّات عامّة، تعتمد خطاباً ممنهجاً يهدف إلى التخفيف من أزمة النزوح أو تلطيفها. 

خطاب أقلّ ما يمكن أن يقال عنه إنه اهتمام وحرص في ظاهره وتسويف مقصود في باطنه، يسعى الى جعل النازحين يقبلون خساراتهم باعتبارها جانبية أو الرضى بها كقدر مكتوب. وفي بعض الأحيان، يلتفّ هذا الخطاب على أصوات النازحين قبل أن يخرج إلى العلن، فيمنعهم من أي محاولة للتعبير عن أوجاعهم ومعاناتهم الكارثية، وكأنه لا حاجة لهم الى أيّ حلّ يخفّف من قلقهم، أو يفتح عليهم باباً من أبواب الرحمة.

يتجاهل هذا الخطاب عمداً أن لبيوتنا التي دُمّرت وجُرّفت حقّاً علينا برفع الصوت لوقف الحرب، وأننا عمّرناها نفَساً نفَساً حتى غدت رئات أعمارنا، أليست البيوت التي تربّينا فيها هي أهلنا؟ والتي أنجبنا فيها هي أولادنا؟

في أحد اللقاءات بداية الحرب، اعترض نازح كان يعمل في القطاع الصحّي في البلدات الحدودية، على ما يُقدَّم من وجبات “لا تصلح للكلاب”، فوعده القيّمون بوجبة ساخنة، وانتهى الاعتراض عند هذا الحدّ! أي عند الحدّ الذي يبتلع فيه النازح صوته وخساراته، ويأسه من العودة إلى أرضه التي باتت “جغرافيا” لا تقدّم ولا تؤخّر في الحسابات الاستراتيجية والسياسية، ويرضى بأن يُستهان بمشاعره مقابل كرتونة إعاشة، تحت سقف الصمود والانتصار الموعود. 

في اللقاء إيّاه، لم يرتفع سوى صوتين معترضين، واعتراضهما وإن كان متماسكاً وواثقاً، إلا أنه يختزن تنهّدات حزن وخوف من مصادرة حقّ التعبير وحرّيته وقلق من منطق التخوين والتهديد، فليس مستغرباً في ما يعرف بـ “البيئة الحاضنة” التي لم تحضنّا يوماً، مصادرة أصواتنا؛ نحن المعترضين على هذا الخراب، وردّها إلى صدورنا، ليتفاقم حزننا جرّاء كلّ قمع يتعرّض له الواحد منّا، على الرغم من أن حزننا، في المقابل، يتعاظم على شهداء هذه البيئة وقتلاها الذين في معظمهم من طلّابنا ومعارفنا وأقاربنا… 

في المقابل، تعلو أصوات كثيرة تختلف عن صوت صاحب “الوجبة البائتة”، تقول: “بيتنا فداء لـ…”،  و”سنبقى صامدين”، و”أولادنا اختاروا الطريق… فهنيئاً لهم وأجرهم عند الله”، وتبدو أكثر أدلجة وتسييساً واستعراضاً، وفي غالب الأحيان هي صدى لهمروجة القوّة التي يردّدها “خطباء النزوح”، والتي لا تفيد إلا في تغذية نزعة المكابرة في أرواح النازحين المكسورة وخساراتهم وبيوتهم المدمّرة والمهجورة التي باتت بعلم الله والعدوّ، وبدل أن يصارح هؤلاء الخطباء النازحين بما خلّفته الحرب من خسارات مجّانية بألأرواح والأرزاق، يُسقطون على رؤوسهم غيبيات تجعلهم مسرورين بالهزيمة منتصرين بالخراب.

كنت أدرك ضمناً أنني بصوتي وغضبي وقهري لا يمكنني أن أغيّر ما اعتاد عليه أهل هذه البيئة لوقت طويل مضى، لكنّ هذه الحرب فاقت مثيلاتها إجراماً، وجعلت التغيير شيئاً محتملاً، ووجدت أن كثيرين منهم يعترضون سرّاً ويكتمون قهرهم في صدورهم، لكن أيّة قيمة لصوت حقّ مكتوم؟ وهل ينسحب على هذه الفئة منهم توصيف مكتومي الصوت؟ أتكون هذه الحال متأتّية من انكسارهم الإنساني والمادّي، الذي سقط عليهم متزامناً مع تعبئة سياسية دينية أخرجتهم من دائرة المواطنة في الدولة، إلى المحسوبيات الحزبية والطائفية؟ وأخذتهم في طريق لا رجعة فيه؟

إنه واقع مظلم لا تبدّده إلا العودة إلى ذواتنا، وإلى تعلّقنا بأمكنة عيشنا وبيوتنا وبتفاصيل أحببناها، وما تركناه خلفنا لنسلَم بأجسادنا، وأن نفكّر بالعودة كدافع يجعلنا نرفع عن أرواحنا المتعبة المكابرات الفارغة كأنها أصيلة فينا، وهي ليست كذلك. أعرف ذلك من معايشتي الحياتية الفاعلة لهم، وأعرف أن تحت جلودهم، جلودنا، الكثير من غبار حجارة سيّجنا منها بيوتنا وحدائقنا، ومسحنا على وجوهنا من تراب أرضنا، فزرعنا في جوفها أشجاراً ووروداً لنكبر معاً في أمان الله .

 نحن النازحين، سواء القلّة المعترضة منّا أو الغالبية الصامتة، إذا بقينا نكتم غضبنا فلا أجر لنا في سكوتنا، وأكاد أجزم أيضاً أن الله لا يقبل ذلّنا وخنوعنا، فهو العليّ الذي دعا الى علوّ النفس وترفّعها عن الإهانة، وأوصى بأن  نحفظ أجسادنا وأرواحنا من التهلكة المجّانية، وألا نهدر كراماتنا في خيم على الطرقات، وألّا نقدّم بيوتنا فداء لأحد، وألّا نقايض أرضنا من أجل التسويات ومعادلات القوّة، وأسأل: لِمَ لا ترتفع أصواتنا؟ ماذ ننتظر؟ 

 في ظلّ حرب لم تنتهِ بعد، وعلى رغم اتّفاق لم ندرِ بعد إن كان يشملنا أو لا يشملنا، أتوجّس من أن يصبح نزوحنا تهجيراً من دون عودة، فلم يعِدْنا أحد أو جهة، لا حزب ولا دولة بتوقيت العودة، بل تركونا في طريق المجهول، في طريق التضليل المقصود منه وغير المقصود.

ومع ذلك، كلي أمل بأن تصبح القلّة منّا كثرة، وأن ترتفع أصواتنا من دون خوف أو قلق، وحينها فقط سنرتقي بذواتنا نحو المواطنة الحقّة، مواطنة مفقودة حتى داخل الدولة نفسها، هي التي نأت بنفسها منذ عقود عن الجنوب وأهله، ما أسّسس لاستفراد جهات معروفة بالسيطرة علينا، جهات لا تعترف بالدولة، لكنّها ترمي عليها مسؤولية اجتراح الحلول ومساعدة النازحين وإيقاف الحرب وإعادة الإعمار! 

ذلك هو واجبها إذا تطهّرت من الذين ساهموا في إفراغها من وظيفتها ومعناها، وحينها فقط تبني لنا وطناً لا استثمار خارجي فيه.

دورنا نحكي

شركة المهندس العراقية
هالة الطائي | 15.07.2026

شركة «المهندس»: “بيزنس” الحشد الشعبي فوق رقابة الدولة!

بحسب تقارير صحافية، تعتمد شركة "المهندس العامّة" على شبكة من الشركات كواجهة لتجنّب العقوبات، إذ تدخل هذه الكيانات بديلة عنها في التعاقدات الرسمية ومن أبرز هذه الشركات: «بلدنا للاستثمارات الزراعية»، ويُعتقد أن دورها يتمثّل في غسل أموال المشاريع الزراعية، و«التكامل الهندسي الدولي»، التي تُحال إليها عقود الكهرباء والطاقة، و«نور الجنوب للمقاولات» و«الرافد العربي للتوريد العامّ»،…
زينب شور
لبنان
19.06.2026
زمن القراءة: 4 minutes

أدرك ضمناً أنني بصوتي وغضبي وقهري لا يمكنني أن أغيّر ما اعتاد عليه أهل هذه البيئة لوقت طويل مضى، لكنّ هذه الحرب فاقت مثيلاتها إجراماً، وجعلت التغيير شيئاً محتملاً، ووجدت أن كثيرين منهم يعترضون سرّاً ويكتمون قهرهم في صدورهم، لكن أيّة قيمة لصوت حقّ مكتوم؟

 في حين تتفاقم أوضاع النازحين من مناطق الجنوب والبقاع اللبناني سوءاً، بعدما ناهزت مدّة النزوح الثلاث سنوات، ومع تأرجح وعود العودة في ظل وقف لإطلاق النار غير واضح النتائج، تنشط في المقابل حملات إعلامية ولقاءات مباشرة تُقيمها مؤسّسات حزبية ومنظّمات من المجتمع المدني وشخصيّات عامّة، تعتمد خطاباً ممنهجاً يهدف إلى التخفيف من أزمة النزوح أو تلطيفها. 

خطاب أقلّ ما يمكن أن يقال عنه إنه اهتمام وحرص في ظاهره وتسويف مقصود في باطنه، يسعى الى جعل النازحين يقبلون خساراتهم باعتبارها جانبية أو الرضى بها كقدر مكتوب. وفي بعض الأحيان، يلتفّ هذا الخطاب على أصوات النازحين قبل أن يخرج إلى العلن، فيمنعهم من أي محاولة للتعبير عن أوجاعهم ومعاناتهم الكارثية، وكأنه لا حاجة لهم الى أيّ حلّ يخفّف من قلقهم، أو يفتح عليهم باباً من أبواب الرحمة.

يتجاهل هذا الخطاب عمداً أن لبيوتنا التي دُمّرت وجُرّفت حقّاً علينا برفع الصوت لوقف الحرب، وأننا عمّرناها نفَساً نفَساً حتى غدت رئات أعمارنا، أليست البيوت التي تربّينا فيها هي أهلنا؟ والتي أنجبنا فيها هي أولادنا؟

في أحد اللقاءات بداية الحرب، اعترض نازح كان يعمل في القطاع الصحّي في البلدات الحدودية، على ما يُقدَّم من وجبات “لا تصلح للكلاب”، فوعده القيّمون بوجبة ساخنة، وانتهى الاعتراض عند هذا الحدّ! أي عند الحدّ الذي يبتلع فيه النازح صوته وخساراته، ويأسه من العودة إلى أرضه التي باتت “جغرافيا” لا تقدّم ولا تؤخّر في الحسابات الاستراتيجية والسياسية، ويرضى بأن يُستهان بمشاعره مقابل كرتونة إعاشة، تحت سقف الصمود والانتصار الموعود. 

في اللقاء إيّاه، لم يرتفع سوى صوتين معترضين، واعتراضهما وإن كان متماسكاً وواثقاً، إلا أنه يختزن تنهّدات حزن وخوف من مصادرة حقّ التعبير وحرّيته وقلق من منطق التخوين والتهديد، فليس مستغرباً في ما يعرف بـ “البيئة الحاضنة” التي لم تحضنّا يوماً، مصادرة أصواتنا؛ نحن المعترضين على هذا الخراب، وردّها إلى صدورنا، ليتفاقم حزننا جرّاء كلّ قمع يتعرّض له الواحد منّا، على الرغم من أن حزننا، في المقابل، يتعاظم على شهداء هذه البيئة وقتلاها الذين في معظمهم من طلّابنا ومعارفنا وأقاربنا… 

في المقابل، تعلو أصوات كثيرة تختلف عن صوت صاحب “الوجبة البائتة”، تقول: “بيتنا فداء لـ…”،  و”سنبقى صامدين”، و”أولادنا اختاروا الطريق… فهنيئاً لهم وأجرهم عند الله”، وتبدو أكثر أدلجة وتسييساً واستعراضاً، وفي غالب الأحيان هي صدى لهمروجة القوّة التي يردّدها “خطباء النزوح”، والتي لا تفيد إلا في تغذية نزعة المكابرة في أرواح النازحين المكسورة وخساراتهم وبيوتهم المدمّرة والمهجورة التي باتت بعلم الله والعدوّ، وبدل أن يصارح هؤلاء الخطباء النازحين بما خلّفته الحرب من خسارات مجّانية بألأرواح والأرزاق، يُسقطون على رؤوسهم غيبيات تجعلهم مسرورين بالهزيمة منتصرين بالخراب.

كنت أدرك ضمناً أنني بصوتي وغضبي وقهري لا يمكنني أن أغيّر ما اعتاد عليه أهل هذه البيئة لوقت طويل مضى، لكنّ هذه الحرب فاقت مثيلاتها إجراماً، وجعلت التغيير شيئاً محتملاً، ووجدت أن كثيرين منهم يعترضون سرّاً ويكتمون قهرهم في صدورهم، لكن أيّة قيمة لصوت حقّ مكتوم؟ وهل ينسحب على هذه الفئة منهم توصيف مكتومي الصوت؟ أتكون هذه الحال متأتّية من انكسارهم الإنساني والمادّي، الذي سقط عليهم متزامناً مع تعبئة سياسية دينية أخرجتهم من دائرة المواطنة في الدولة، إلى المحسوبيات الحزبية والطائفية؟ وأخذتهم في طريق لا رجعة فيه؟

إنه واقع مظلم لا تبدّده إلا العودة إلى ذواتنا، وإلى تعلّقنا بأمكنة عيشنا وبيوتنا وبتفاصيل أحببناها، وما تركناه خلفنا لنسلَم بأجسادنا، وأن نفكّر بالعودة كدافع يجعلنا نرفع عن أرواحنا المتعبة المكابرات الفارغة كأنها أصيلة فينا، وهي ليست كذلك. أعرف ذلك من معايشتي الحياتية الفاعلة لهم، وأعرف أن تحت جلودهم، جلودنا، الكثير من غبار حجارة سيّجنا منها بيوتنا وحدائقنا، ومسحنا على وجوهنا من تراب أرضنا، فزرعنا في جوفها أشجاراً ووروداً لنكبر معاً في أمان الله .

 نحن النازحين، سواء القلّة المعترضة منّا أو الغالبية الصامتة، إذا بقينا نكتم غضبنا فلا أجر لنا في سكوتنا، وأكاد أجزم أيضاً أن الله لا يقبل ذلّنا وخنوعنا، فهو العليّ الذي دعا الى علوّ النفس وترفّعها عن الإهانة، وأوصى بأن  نحفظ أجسادنا وأرواحنا من التهلكة المجّانية، وألا نهدر كراماتنا في خيم على الطرقات، وألّا نقدّم بيوتنا فداء لأحد، وألّا نقايض أرضنا من أجل التسويات ومعادلات القوّة، وأسأل: لِمَ لا ترتفع أصواتنا؟ ماذ ننتظر؟ 

 في ظلّ حرب لم تنتهِ بعد، وعلى رغم اتّفاق لم ندرِ بعد إن كان يشملنا أو لا يشملنا، أتوجّس من أن يصبح نزوحنا تهجيراً من دون عودة، فلم يعِدْنا أحد أو جهة، لا حزب ولا دولة بتوقيت العودة، بل تركونا في طريق المجهول، في طريق التضليل المقصود منه وغير المقصود.

ومع ذلك، كلي أمل بأن تصبح القلّة منّا كثرة، وأن ترتفع أصواتنا من دون خوف أو قلق، وحينها فقط سنرتقي بذواتنا نحو المواطنة الحقّة، مواطنة مفقودة حتى داخل الدولة نفسها، هي التي نأت بنفسها منذ عقود عن الجنوب وأهله، ما أسّسس لاستفراد جهات معروفة بالسيطرة علينا، جهات لا تعترف بالدولة، لكنّها ترمي عليها مسؤولية اجتراح الحلول ومساعدة النازحين وإيقاف الحرب وإعادة الإعمار! 

ذلك هو واجبها إذا تطهّرت من الذين ساهموا في إفراغها من وظيفتها ومعناها، وحينها فقط تبني لنا وطناً لا استثمار خارجي فيه.

دورنا نحكي